كيف انتهى الحال بالعربية في تونس إلى لغة أدب ودين

حلم بورقيبة بتعريب التعليم في تونس، لكنه سرعان ما تراجع عن حلمه لتصبح العربية لغة أدب ودين فقط.

Share
كيف انتهى الحال بالعربية في تونس إلى لغة أدب ودين
الإزدواجية اللغوية واقعٌ طبيعيٌّ | تصميم خاص بالفراتس

أمام لافتةٍ عريضةٍ كُتب عليها "معهد الصحافة وعلوم الأخبار يرحّب بالصحافيّ الأوّل والمجاهد الأكبر"، ظهر الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة نهاية سنة 1973 لإلقاء محاضراتٍ تناولت تاريخ الحركة الوطنية التونسية ونضالها ضدّ الاستعمار الفرنسي. لم تكن هذه المحاضرات إلا سرداً طريفاً كثير الارتجال آثَر به الزعيم قصّ سيرته متحدثاً عن أيام صباه وسنين عنائه وجهاده في سبيل بعث روح الأمّة التونسية وتحقيق استقلالها.

كان من جملة ما ذكره بورقيبة في هذه المحاضرات استعراض ما حفظه في صباه الشعر الجاهلي. فأخذ يتحدّث عن ولعه بالقصائد العربية والملاحم الشعبية، ومنها قصّة عنترة بن شداد متمثلاً أبياتاً من معلّقته، ومستذكراً مطالع لاميّة السموأل ومعلّقة عمرو بن كلثوم. بدا الزعيم لحظتها منتشياً بما ألقاه على سامعيه من شعرٍ، مؤكداً في نبرةٍ من الهزل أنه لم يراجع أيّاً من هذه القصائد قبل انطلاق المحاضرة، وإنما هي أبياتٌ قد قرّت في ذهنه منذ زمنٍ طويل.

جاءت المحاضرات بعد أربعة أعوامٍ من انقضاء أولى مشروعات إرساء نظامٍ تعليميٍّ تونسيٍّ بعد الاستقلال، والذي استمرّ طيلة عقدٍ من الزمن ابتغاء توحيد التعليم وإصلاحه. وقد كان من بين أهداف هذا المشروع ما أعلنه الحبيب بورقيبة في خطابٍ سنة 1959 من اعتماد سياسةٍ تقضي بتعريب شامل للمناهج التعليمية، فيما سُمّي بمخطط السنوات العشر. ولئن أفضى المخطط في النهاية إلى غير هذه النتيجة، مكرِّساً تعليماً مزدوج اللغة، ظلّ تعثّر مشروع التعريب مثارَ جدلٍ بين أطراف النخبة الحاكمة.

لم يكن الاهتمام بمسألة تعريب التعليم وليدَ دولة الاستقلال بقدر ما اتّصل بمشاريع مأسسة تعليمٍ حديثٍ بالإيالة التونسية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. جاء هذا في إطار محاولة تدارك الهوّة العلمية والعسكرية والاقتصادية بين الإيالة والقوى الغربية. استمرّ جدال التعريب واحتدّ زمن الحماية الفرنسية منذ 1881، بعدما تراجعت مكانة العربية في مناهج التعليم الجديدة، مما أفضى إلى مطالبة الحركة الوطنية بمختلف مراحلها وتنظيماتها بإعادة الاعتبار لها. وساهم هذا في ظهور تجارب تعليميةٍ حديثةٍ مهّدت الطريق إلى ما انتهى إليه التعليم التونسي زمن الاستقلال.


كان واقع التعليم في الإيالة التونسية في القرن التاسع عشر مُجزّءاً بين أشكالٍ متنوعةٍ من المؤسسات، التي عُدَّ جامع الزيتونة أبرزها وأكثرها قدماً. فقد كان أشبه بمعهدٍ للتعليم العالي يُدَرَّس فيه الفقه والعلوم الشرعية واللغة العربية. وانتشرت العديد من الكتاتيب التي عُرفت آنذاك بالمدارس الابتدائية، حيث يُعلَّم الأطفال القراءة والكتابة وحفظ القرآن ومبادئ الحساب. لم تنتشر هذه المدارس داخل الإيالة، بل تركّز جُلّها جنوب الإيالة، خاصةً في منطقة الساحل. استُحدثت في العاصمة التونسية مدارس ابتدائيةٌ أوروبيةٌ لغير المسلمين، كشأن مدرسةٍ بروتستانتيةٍ أنشأها البريطانيون سنة 1830 كي يرتادها المالطيون، أعقبتها مدارس يهوديةٌ وفرنسيةٌ وإيطالية.

في هذه الظروف، أشرف المشير أحمد باي على تأسيس أولى مؤسسات التعليم الحديث في الإيالة بإنشاء المدرسة الحربية في باردو سنة 1840. اقتصرت المؤسسة على أبناء الطبقة الحاكمة وحاشيتها بغرض تكوين ضبّاطٍ وموظفين. وعلى ذلك، فقد أرست نموذجاً يغاير سائر ما جَرَت عليه أعراف التعليم ومناهجه في تونس. هذا ما وثّقه المؤرخ والمصلح التونسي أحمد بن أبي الضياف، المتوفى سنة 1874، في كتابه "إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان". قام نظام المدرسة على "تعليم ما يلزم العسكر النظامي من العلوم، كالهندسة والمساحة والحساب وغيرها، ولتعليم اللغة الفرنساوية لأنّ أكثر كتبها مدوَّنة بهذه اللغة [. . .] بحيث يخرج التلميذ عالماً بما يلزمه ضرورةً في غير العلوم العسكرية، متضلّعاً باللغة الفرنساوية وبما يلزم العسكر من العلوم العقلية".

على خلاف جامع الزيتونة والمدارس الابتدائية، لم تقم مناهج المدرسة الحربية على أساس تعليمٍ دينيٍّ، غير أن ذلك لا يعني خُلوَّ برامجها من مقرراتٍ دينية. فقد دخلت عليها بعد عامين من تأسيسها دروسٌ في القرآن واللغة العربية. ولكن اللافت أنّ وظيفة العربية داخل هذه المؤسسة لم تقتصر على تعليم النحو والصرف. فلما زاحمتها اللغات الفرنسية والإيطالية، غدت لغةَ ترجمة المؤلفات والمراجع الدراسية الأوروبية — خاصةً الفرنسية — من مواد العلوم والتقنيات العسكرية ودروس التاريخ والجغرافيا.

جاءت هيكلة المدرسة الحربية انعكاساً لما أدركه أحمد باي من ضرورة الانفتاح على نماذج القوى الأوروبية، والأخذ بأسباب التقدّم الحضاري الذي عدّ أساسه عسكرياً. فكان مدير المدرسة مستشرقاً إيطالياً يُدعى كالي غارس، ودرّس فيها أساتذةٌ وضباطٌ أوروبيون. وكان من بينهم من اختصّ بتدريس قواعد الموسيقى العسكرية الغربية وتدوين المالوف التونسي، وهو فنٌّ موسيقيٌّ من جذورٍ أندلسيّةٍ، وفق قواعد الترقيم الموسيقي الغربي. بهذا، كرّست المدرسة الحربية في باردو أولى مظاهر ازدواجية اللغة في التعليم التونسي الحديث. وعلى كونها ساهمت في بعث حركة الترجمة والتعريب، فقد ظلّت جُلّ دروس العلوم العصرية بالفرنسية.

على ما أحدثته تجربة المدرسة الحربية، إلا أنّ حالها تدهوَر بسبب ارتفاع تكاليف سيرها، والتي شملت رواتب المدرّسين الأجانب وإنفاق أحمد باي مبالغ باهظةً لبناء جيشٍ حديث. أدّت هذه النفقات، إلى جانب نفقاتٍ أخرى — مثل الإنفاق على التَرف — إلى خلق أزمةٍ اقتصاديةٍ حادةٍ داخل الإيالة سرعان ما تفاقمت بارتفاع الديون الأجنبية، لاسيما الفرنسية. فانجرّ عن هذا تضاعف الضرائب، وثار الشعب في انتفاضاتٍ متفرّقةٍ حتى انتهى الحال إلى إعلان الإيالة إفلاسها سنة 1869، وهي السنة ذاتها التي أُغلِقَت فيها أبواب المدرسة الحربية في باردو.


لم يؤدِّ تعثّر مشروع المدرسة الحربية إلى انقضاء تجربة تحديث التعليم. بل إن أهم هذه التجارب جاءت لاحقاً بريادة أحد أبرز خرّيجي مدرسة باردو، الوزير المصلح خير الدين باشا التونسي، مؤسّس المدرسة الصادقية.

نما مشروع الصادقية في إطار اهتمام خير الدين بمسائل التقدّم والتخلّف الحضاري، إثر رحلاته إلى أوروبا بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد ضمّن خلاصة مشاهداته وتأمّلاته كتابه "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" الصادر سنة 1866. لم يقتصر خير الدين في كتابه على الإقرار بواقع التفاوت الحضاري بين الممالك الأوروبية وأمّة الإسلام، وإنما تعدّاه إلى إلقاء اللوم على علماء الإسلام لجهلهم بأمراض الأمّة، وإعراضهم عن الانفتاح على ما بلغته سائر الأمم من تقدّمٍ وازدهار. وفي قول خير الدين إشارةٌ إلى ما شابَ جامعَ الزيتونة من ركودٍ وتخلّفٍ تعليميٍّ وإداريٍّ حال دون تحديثه، لاسيما بعد تعثّر مشروع إصلاحه سنة 1862. وفي هذا يذهب المؤرخ الهولندي فان كريكن في كتابه "خير الدين والبلاد التونسية 1850-1881"، الذي ترجمه البشير بن سلامة سنة 1988، إلى أنّ تعطّل الإصلاحات في الزيتونة مردُّه إلى خوف الحكومة التونسية من إزعاج الدوائر الدينية بعد سنة 1864، خاصةً بعدما اندلعت أعنف الانتفاضات الشعبية التي عُرِفت بِاسم قائدها علي بن غذاهم الماجري.

رأى خير الدين أن الإصلاح لن يتحقق إلا "بمعرفة أحوال مَن ليس من حزبنا، لاسيما مَن حفَّ بنا وحلَّ بقربنا". وعملاً بهذا، اتجه إلى استكمال تجربة تحديث التعليم بإنشاء مدرسةٍ عصريةٍ شبيهةٍ بالمعاهد الأوروبية. فكوَّنَ لجنةً من أساتذة جامع الزيتونة ممن اقتنعوا آنذاك بوجاهة مشروعه. وبعد اجتماعاتٍ دامت ستة أشهرٍ، انتهت اللجنة إلى إعلان تأسيس مدرسةٍ ثقافيةٍ قوميّةٍ سُمّيت الصادقية، نسبةً إلى محمد الصادق باي. هذا ما توضّحه رابحة محمد عيسى، الباحثة في جامعة الموصل، في دراستها "المدرسة الصادقية في تونس"، المنشورة سنة 2022.

سَعَتْ الصادقية إلى تكوين نخبةٍ ذات ثقافةٍ علميةٍ، وإعداد موظفين للعمل في الإدارة والمهن الحرّة. ومنه نصّ قانون إنشاء المدرسة على مجانية التعليم فيها لجميع المسلمين. يقول فان كريكن إنّ الصفوف الدراسية توزعت على ثلاثة شُعب. تُدَرَّس في الشعبة الأولى القراءة والكتابة ومبادئ العربية، وحفظ أجزاء من القرآن والحديث ومتونٍ في النحو والفقه. أما الشعبة الثانية، ففيها تُدَرَّس العربية والتاريخ الإسلامي والعلوم الشرعية. وعقب هذه المرحلة، يُخَيَّر التلميذ الناجح بين الالتحاق بجامع الزيتونة إذا ما أراد استكمال دراسة العلوم الشرعية، وبين الانتقال إلى الشعبة الثالثة، أو الجمع بينهما. وفي هذه الشعبة، التي تمتدّ فيها الدراسة سبعة أعوامٍ، تُدَرَّس العلوم الحديثة والطبيعية، ومنها الرياضيات والكيمياء والفيزياء والطب وعلم الزراعة والحيوان والجغرافيا. ويشير نظام الصادقية الأساسي إلى هذه العلوم وأهمّيتها لدعم ازدهار الأمّة الإسلامية على ألا تتضمن مسائل تتعارض مع الشريعة.

اختصّت الشعبة الثالثة أيضاً بتدريس لغاتٍ أخرى غير العربية، وهي أساساً اللغات الأوروبية نفسها التي دُرِّست سابقاً في المدرسة الحربية. فباستثناء اللغة التركية التي تَعطّل تدريسها في هذه الشعبة لقلّة الأساتذة، سارت دروس الفرنسية والإيطالية في انتظام. وبعد ثلاثة أعوامٍ، غَدت اللغة الفرنسية وعلم الحساب والجغرافيا أكثر المواد إقبالاً من التلاميذ. قبالة هذا التنوع في المناهج، جمعت الصادقية في إطارها التعليمي بين مدرّسين تونسيّين جُلّهم من جامع الزيتونة، ومدرّسين أوروبيين من فرنسا وإيطاليا، كان من بينهم من سبق له التدريس في المدرسة الحربية.

لم تقتصر مظاهر تحديث التعليم في الصادقية على المناهج المدرسية، وإنما سعت إلى تجاوز الهياكل التقليدية للبنى التعليمية السائدة. فبدل أن تُلقى الدروس في حلقاتٍ يجتمع فيها الحاضرون جلوساً على الأرض، كما كان معمولاً به في الزيتونة، جُهِّزت المدرسة بقاعاتٍ فسيحةٍ للدروس ضَمَّت مناضد وكراسي للأساتذة والتلاميذ، واستُعمِلت فيها أدوات مثل السبورة وأقلام الحبر. ووُجِّهت توصياتٌ إلى المعلّمين تقضي بإتاحة حرية السؤال ومشاركة التلاميذ في سير الدروس، وفق ما ذكره الكاتب التونسي نور الدين سرّيب في مقاله "أنسينيومان، إليت إي سيستيم دو فالور [. . .]" (التعليم، النخب ونُظُم القيم: المدرسة الصادقية بتونس) المنشور سنة 2022. حَوَت المدرسة قاعاتٍ للأكل والتمريض والنوم ومكتبة ومسجداً. ووفق ما ذكره فان كريكِن في حديثه عن حال الصادقية، فإن تلاميذها من "البيّاتة"، أي ممّن يقيمون في مبيت المدرسة، محظوظون مادياً "بالنظر إلى طلبة الزيتونة الذين كانت ظروف حياتهم بالعاصمة صعبةً جداً أحياناً".

في إطار ما أرسته من نُظمٍ وآلياتٍ محدَّثة، فرضت الصادقية على تلاميذها زياً موحَّداً على شكل قُفطانٍ عربيٍّ شبيه بالعباءة، نُقِشَ في حاشيته عدد تلاميذ المدرسة، ومن حوله رُسِمت بخيط الذهب سنبلةٌ وغصنُ زيتون. وخصّت المدرسة المتفوّقين من تلاميذها بمنحةٍ لإكمال دراستهم في معهدٍ فرنسيّ. وأوفَدت حكومة الإيالة سنة 1880 أول بعثات خرّيجي الصادقية إلى فرنسا وبريطانيا، على ما كانت تمرُّ به البلاد آنذاك من ضيقٍ اقتصاديٍّ عجّلت بعهد الحماية الفرنسية على تونس سنة 1881.


اختلفت تجربة فرنسا الاستعمارية في تونس عن تلك التي سبقتها في الجزائر سنة 1830. على عكس سياسة الضم والاستيطان في الجزائر، أبقى نظام "الحماية" على سيادةٍ شكليةٍ للباي في حين تكون السيادة الخارجية عائدةً إلى الدولة الحامية. وانعكس هذا التحوّل في السياسات الاستعمارية على موقف سلطة الحماية من البنى التعليمية القائمة في البلاد. ولئن استهلّت فرنسا سيطرتها على الجزائر بتضييق الخناق على الكتاتيب، وإغلاق عديد المدارس العربية واعتبار العربية لغةً أجنبيةً، فلم تتعدَّ أولى تدخلات سلطة الحماية في تونس إنشاء المقيم العام بول كامبون إدارةً للتعليم العموميّ عُيِّن على رأسها المستشرق لويس ماشويل الذي وُلد في الجزائر سنة 1848، حيث نشأ وتعلّم العربية. 

إثر تعيينه مديراً للتعليم، أرسل ماشويل مذكرةً إلى المقيم العامّ محذّراً إياه من استنساخ السياسات التعليمية التي طُبِّقت في الجزائر، كما ينقل سريّب. وفيها يقول إنه "لا ينبغي، بدافع الجهل بأحوال المسلمين، أن ننتهي دون وعيٍ إلى إلغاء دراسة العربية إلغاءً تاماً، من غير أيّة فائدةٍ للنفوذ الفرنسي ولا لانتشار لغتنا. إن كل شيءٍ هنا يدعونا إلى عدم المساس بالبناء الجامعي الذي أقاموه بعنايةٍ كبيرةٍ، بل إلى مساعدتهم على زيادة أهمّيته وتحسين مناهجه". ومنه كانت أولى تجارب نظام الحماية في "تحسين المناهج" متصلةً بالمدرسة الصادقية.

لم تكن اللغة الفرنسية غريبةً عن مناهج الصادقية. غير أن نظام الحماية شرع، منذ نهاية سنة 1883، في إعادة تشكيل مناهج اللغة. فجعل من الفرنسية أساساً للتعليم في المدرسة، واللغة الوحيدة لتدريس العلوم من رياضيات وفيزياء وكيمياء وحتى التاريخ والجغرافيا والقانون الفرنسي والتونسي. وعليه هُمِّشت سائر اللغات الأجنبية حتى أُلغيت من المناهج، وتقلّص دور العربية في تدريس العلوم الحديثة، وقُلِّصت ساعات تدريسها.

ما أقامه نظام الحماية لم يتوقف عند ترجيح كفّة الفرنسية على سائر اللغات، وإنما تجاوزه إلى إعادة إنتاج الوظائف التعليمية للفرنسيّة والعربية على حدٍّ سواء. فلمّا كان الهدف من الصادقية تكوين أطرٍ إداريةٍ وسيطةٍ، غدا تدريس العربية مرتهناً بتعلّم ترجمة الوثائق الإدارية وشرح بعض نصوص الأدب القديم، كما بيّن سريّب. ولم يتجاوز تدريس الفرنسية ذات الإطار الإداريّ الوظيفيّ حتى هُمِّشت دروس المواد العلمية. ذلك أنّ نظام الحماية لم يُعنَ بتكوين أطباءٍ أو مهندسين بقدر حاجته إلى مترجمين وإداريين، تتوفر بهم شروط إعادة إنتاج الوضع القائم.

إضافةً إلى ما أحدثه في مناهج الصادقية، عمل نظام الحماية على إقامة تعليمٍ موازٍ في تونس. ومع تجنّب المساس بجامع الزيتونة والكتاتيب، أنشأ ماشويل عدداً من المدارس الابتدائية "العربية الفرنسية"، التي وَفّرت تعليماً مزدوج اللغة للأطفال التونسيين والأوروبيين. وأوضح نور الدين سريّب في مقاله "ليديولوجي دو ليكول آن تونيزي كولونيال [. . .]" (أيديولوجية التعليم في تونس زمن الاستعمار 1881-1945)، الصادر سنة 1993، أنّ هذه المدارس قامت في تعليمها على المناهج الفرنسية مع إتاحة دروسٍ في اللغة العربية والقرآن لتلاميذها التونسيين. أما بالنسبة للتلاميذ الأوروبيين، فقد قَدّمت لهم دروساً فيما سُمّي اللغة العربية المحكيّة، دلالةً على اللهجة التونسية، مدوَّنةً بالحروف اللاتينية. ووفقاً لشهادة محمود المسعدي، وزير التربية الأسبق، فإن مادة العربية المحكية في معهد كارنو — الذي أنشأه نظام الحماية سنة 1881 — كانت تُدرَّس مادةً اختياريةً، في حين عُدَّت العربية الفصحى لغةً أجنبية.

واجهت هذه الخطوة اعتراض كثيرٍ من المستعمرين، كان أهمّهم فيكتور دو كارنيير، ممثل التيار الاستعماري، وهو تجمّعٌ نخبويٌّ سياسيٌّ يدعم توسّع النفوذ الفرنسي وسياسات الاستيطان. يذكر سريّب في مقاله إنّ دو كارنيير عارض إنشاء المدارس العربية الفرنسية معتبراً أنّ التعليم الحديث مُفسِدٌ "للسكان الأصليين"، لأنّه يجعلهم منافسين ومساوين للفرنسيين. وأكد دو كارنيير أن التعليم اللائق بالسكان الأصليين "المفتقرين للأخلاق والتهذيب"، وجب اقتصاره على إعداد عمَّالٍ زراعيين لخدمة فرنسا ونظام الحماية. 

على ذلك ظلّت الصادقية أقدر المؤسسات التعليمية على الاستجابة لحاجات نظام الحماية للموظفين. وهي حاجاتٌ لم تتوفر في خرّيجي معهد كارنو لِما عانوه في اللغة العربية، ولم تتوفر في الزيتونيين لجهلهم بالفرنسية.

تناسبت حاجة نظام الحماية إلى الصادقية، مع تراجع ما كانت تقدّمه المدرسة من تكوينٍ علميٍّ وثقافيّ. ومنه برزت الحاجة إلى إنشاء كيانٍ تونسيٍّ يستأنف مسار تحديث التعليم وتعميمه. وهكذا جاء تأسيس الجمعية الخلدونية سنة 1896.

كانت الخلدونية، التي سُمّيت نسبةً إلى عبد الرحمن ابن خلدون، جمعيةً ذات طابعٍ تربويٍّ أقرب في هيكلها إلى مؤسسةٍ تعليميةٍ صاحبة مشروعٍ وطني. وكانت تهدف إلى بلورة تعليمٍ حديثٍ تُدرَّس فيه العلوم والرياضيات باللغة العربية، مع تعلّم اللغات الأجنبية. وكان من شأن الخلدونية، بتنصيصها على تدريس العلوم وتعريبها، أن تؤكد انتفاء التعارض بين الإسلام والعلم الحديث، كما جاء في المحاضرة الافتتاحية للشيخ والقاضي المصلح سالم بوحاجب، المتوفى سنة 1924. وتضمّنت المادة الثانية من قانونها الأساسي رداً على من قال من شيوخ الزيتونة بأن تدريس العلوم مساسٌ بالحرمات، باعتبار أنّ الأمم الأوروبية قد "ورثت العلوم عن أجدادنا"، وأنّ "إهمالنا لدراستها هو دون شكٍّ أحد الأسباب الكبرى لتخلّفنا عن قافلة الحضارة العصريّة".

قُدِّمت الدروس في الخلدونية على شكل محاضراتٍ توزّعت بين تلاميذ القسمَين الابتدائي والثانوي، وشملت مواد العلوم الصحيحة والتاريخ والجغرافيا والأدبَين العربيّ والفرنسيّ. وقد تناوب على تدريسها مصلحون تونسيّون منهم البشير صفر ومحمد الأصرم وسليم بوحاجب. ويذكر الباحث التونسي محمد المنجي الصيادي، الحاصل على الدكتوراه من جامعة باريس، في دراسته "الجمعية الخلدونية: رائدة النهضة في المغرب العربي" سنة 2005 أنّ مفكرين فرنسيّين ألقوا محاضراتٍ في الخلدونية.

لم تقتصر الخلدونية على إنتاج مناهج تعليميةٍ حديثةٍ ومُعرَّبةٍ، بل سعت كذلك إلى خلق هويّةٍ وطنيّةٍ واعيةٍ بذاتها وخصوصيتها. تجلّى ذلك في تقديمها محاضراتٍ في الأدب التونسي والعربي وفي تدريس تاريخ تونس بمختلف عصورها، وما نظمته من رحلاتٍ إلى مواقع البلاد التاريخية كمدينة دُقّة الأثرية ومتحف قرطاج، كما يذكر الصيادي. ونظّمت إدارة المدرسة منذ 1905 محاضراتٍ لمحو الأمية. وقد أثنى الرئيس الحبيب بورقيبة، في محاضراته بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار سنة 1973، على تجربة الخلدونية التي "خلقت روح الوطنية في كثيرٍ من الشباب ولاسيما شباب جامع الزيتونة المتزمّتين". وقال بورقيبة إن الزيتونيين، الذين "لم يعرفوا غير حفظ القرآن والمتون"، قد تمكنوا — بعد حضور دروس الخلدونية — من الاستماع إلى "نغمة أخرى" في ظلّ ما عاشته تونس آنذاك من "عصور ظلام وانحطاط".

أحدثت الخلدونية أثراً تجاوز مهمّة تعريب التعليم وتحديثه وتعميمه، فأسهمت في تكوّن حركةٍ وطنيّةٍ تمثّل التونسيين أمام سلطة الحماية. وفي هذا السياق، قامت "حركة الشباب التونسي" سنة 1907 متكوّنةً من خرّيجي المدرسة الصادقية ممن ترأس بعضهم الجمعية الخلدونية وألقوا فيها المحاضرات، وكان منهم البشير صفر ومحمد الأصرم وعبد الجليل الزاوش. بُنيت مطالب حركة الشباب التونسي على دعوة نظام الحماية إلى تعميم التعليم الفرنسي على جميع التونسيين، مع توسيع مناهجه بما يتيح للغة العربية بمكانةٍ أعلى من اقتصارها على تعليم القراءة والكتابة وحفظ القرآن.

لم تتصل هذه المطالب الإصلاحية بمعاداة التعليم الفرنسيّ، بقدر ما نادت بتعليمٍ مزدوج اللغة شبيهٍ بما تلقّاه أعضاء الحركة في المدرسة الصادقية. يذكر المفكر المغربي محمد عابد الجابري في كتابه "التعليم في المغرب العربي"، المنشور سنة 1989، أنّ أعضاء الحركة شجّعوا إدراج اللغة الفرنسية في الكتاتيب القرآنية. وقد عبّر علي باش حانبه، أبرز أعضاء الحركة، في سلسلة مقالاتٍ فرنسيةٍ كتبها سنة 1909 عن رفضه إقامة تعليمٍ عربيٍّ محضٍ، داعياً إلى أن يطبَّق في "المدارس الفرنسية العربية برنامج المدارس الابتدائية العلمانية الفرنسية بكامله". ذلك أنّ "دراسة اللغة العربية ضروريةٌ للتونسيّ حتى لا يفقد فرديته، ولكن التطوّر الثقافي للتونسيّين يجب، لكي يتمّ سريعاً، أن يكون بواسطة لغةٍ أوروبية".

لم تساهم مطالب حركة الشباب التونسي في إدخال إصلاحٍ حقيقيٍّ متصلٍ بمكانة اللغة العربية في برامج التعليم. وأمام تعنّت نظام الحماية، نشأت منذ سنة 1908 بمبادرةٍ من جمعية قدماء الصادقية ما سُمّي بالمدارس القرآنية الحديثة التي تبنّت مناهجَ مزدوجة اللغة تُدرَّس فيها المواد العلمية باللغة العربية. وانتشرت هذه المدارس في كبرى مدن البلاد ليقبِل عليها التلاميذ الذين تَعذَّر عليهم الالتحاق بالمدارس العربية الفرنسية.

أمّا عن إصلاحات نظام الحماية، فقد تأجّلت إلى ما تلا الحرب العالمية الثانية. وحمل لواء هذا الإصلاح كلٌّ من الحزب الحرّ الدستوري الجديد والاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1946، وكان شعاره الرئيس زيادة عدد ساعات اللغة العربية في المدارس الفرنسية والمدارس الفرنسية العربية، وجعلها لغةً أساسيةً في الصفوف التحضيرية والابتدائية في تدريس العلوم والتاريخ والجغرافيا. وفي سنة 1949، قدّمت الجمعية الوطنية للتعليم — التابعة لاتحاد الشغل — برنامجاً مطولاً لإصلاح التعليم يتضمن التعريب التدريجي مع تدريس التاريخ العربي والإسلامي وجغرافيا البلاد العربية. ومع دخول بعض هذه الإصلاحات في السنة الدراسية 1952 و1953، فإنّها لم تشمل إلا الأقسام الأولى من التعليم الابتدائي.

أثارت هذه المطالب الإصلاحية، وما آل إليه تطبيقها الجزئي، نقاشاً في طبيعة التعليم الذي ينبغي أن تُقام عليه تونس المستقلة. واتصل هذا النقاش أساساً بمسألتَي توحيد التعليم وتعريبه. نجد آثار هذا الجدل فيما طرحته مجلة الندوة التونسية سنة 1954 من استفتاءَيْن في قضيّتَي التوحيد والتعريب. فلئن لم تخلق مسألة التوحيد شرخاً في الرؤى، إلا أنّ مسألة تعريب التعليم لم تكن على هذا القدر من الوضوح. فقد عبّر الطيب المهيري، مدير الديوان السياسي في الحزب الحر الدستوري الجديد آنذاك، عن التمسّك بمبدأ التعليم باللغة العربية إلى غاية تحقق هذا "الغرض المقدّس" في ردِّه على استفتاء مجلة الندوة. لكن المهيري سرعان ما استدرك قوله، مؤكداً أنّ "الدستور حزبٌ واقعيٌّ لا ينظر إلى الأشياء إلا بمنظارٍ عمليّ. ففي تونس حالةٌ واقعةٌ لا يمكننا القضاء عليها بجرّةٍ من أقلامنا، لذلك سنتوخّى في هذا الصدد طريق التدرّج".

مع تبنّيه تعريب التعليم مشروعاً طويل المدى، لم يُغفل المهيري مركزية الازدواجيّة اللغوية في مناهج تعليم دولة الاستقلال. فأكّد على ضرورة إدراج اللغات الأجنبية عامّةً، و"اللغة الفرنسية خاصّةً لما لثقافة هذه اللغة من روابط عقليّةٍ متينةٍ تربطنا وأهلها". من جهته، أقرّ أحمد بن صالح، الذي تولى لاحقاً وزارة التربية، ألّا "حرج في بقاء اللغة الفرنسية كلغة ثانوية أساسيّة". يعكس هذا القول الملتبس تبنّي فكرة تعليمٍ مزدوجٍ لا تكون فيه الفرنسية لغةً أساساً، لكن دون أن تنحدر إلى منزلة الثانوية. أما محمد المزالي، والذي بدوره تولى وزارة التربية أكثر من مرّةٍ، فقد رأى ضرورة تعريب التعليم دون إهمال اللغات الأجنبية وخاصةً الفرنسية، على أن يقتصر تدريسها على المرحلة الثانوية مع تعريبٍ تامٍ لمناهج المرحلة الابتدائية. ولعلّ في هذا الجدل ما يبين عن أنّ مسألة لغة التعليم لم تكن محلّ إجماعٍ قبل الاستقلال، ولا وليدة قرار الرجل الواحد بعده.


إثر استقلال تونس سنة 1956 وإعلانها جمهوريةً بعدها بعام، أخذ بورقيبة على عاتقه مشروع بناء دولة الأمّة التونسية. فانتهج في سبيله سياسة توحيد المؤسسات، بإلغائه المحاكم الشرعية بغرض توحيد القضاء. ألغى بورقيبة نظام "الأحباس" (الأوقاف) الذي طالما تولى تمويل الصادقية والخلدونية وجامع الزيتونة، ممهداً بذلك إرساء تعليمٍ تونسيٍّ حديثٍ وموحَّد. تجلّت معالم هذا المشروع، الذي تُرجم إلى مخطط السنوات العشر لإصلاح التعليم ابتداءً من سنة 1959، في خطابٍ ألقاه بورقيبة سنة 1958 بالمدرسة الصادقية (حيث نشأ وتعلّم صبياً) معتبراً إياها "المكان الذي انبثقت منه النهضة التونسية".

استهلّ بورقيبة خطابه بتأكيده قيام مشروع إصلاح التعليم على غايتَين. أولاهما "تلافي الضرر والخلل اللذين كانا موجودَين في برنامج التعليم من عهد الحماية"، مُرجِعاً هذا الضرر إلى وجود نوعين من التعليم. أولهما التعليم الزيتوني، والذي — على إقرار بورقيبة له بالفضل في مقاومة الاستعمار — عدّه قاعداً عن مجاراة الزمن لما غلب عليه من طابعٍ دينيٍّ تقليديٍّ يحول دون "ملاحقة ركب الحضارة". أما النوع الثاني، فهو التعليم الفرنسي. وقد وصفه بالخطورة "لأنه يرمي إلى فرنسة العقول بإخضاع التلميذ التونسي إلى نفس البرامج والقوانين التي كان يخضع لها التلميذ الفرنسي". وعدّ بورقيبة هذا التغريب مصنع إنتاج "نفسيةٍ مريضةٍ تطعنُ في مقوّماتها الذاتية وتعتزّ بالفرنسيّين وترتمي في أحضانهم".

ولتلافي هذا الخلل، جاء قانون سنة 1958 ليقرّ توحيد التعليم. نصّ القانون على أنّ التعليم الديني، سواء كان في الكتاتيب أو المدارس المسيحية واليهودية، لا يُعفي من التعليم الابتدائي الرسمي الإجباريّ. وبمقتضى هذا، تَواصَل إغلاق المدارس القرآنية الحديثة وتراجَع دور جامع الزيتونة بإدماجه في نظام الدولة التعليمي وتحويله كليةً للشريعة ضمن جامعة تونس.

وبينما تعلّقت أولى غايات إصلاح التعليم بتوحيده، اتصلت الثانية بمشروع بعثِ الأمّة التونسية وبنائها. وهي أمّة لطالما أكّد بورقيبة على فرادتها ورسوخ شخصيتها في التاريخ منذ زمن قرطاج، على ما شابها في الأزمنة السابقة للاستقلال من انحطاطٍ وهوان. وفي سبيل بناء الأمّة، شدد بورقيبة في خطابه المذكور على أن برنامج التعليم سيكون "مطبوعاً بالطابع القومي" و"شاملاً جامعاً عاماً لكلّ التونسيين. لا طائفية فيه ولا انتساب لنزعة معيّنة [. . .] ومجهزاً بما من شأنه أن يدعم القومية التونسية المتكوّنة من الثقافة العربيّة والدين الإسلامي". ولئن هدفت المناهج القومية إلى تكوين "مواطنٍ تونسيٍّ صالح"، فإن مسألة لغة الأمّة التونسية لم تكن على هذا القدر من الوضوح.

في مادته الأولى، نصّ الدستور التونسي لسنة 1959 — وهو أول دساتير البلاد إثر الاستقلال — على كون العربية لغة الجمهورية. بدا هذا الإقرار متناغماً مع تأكيد بورقيبة في خطابه سالف الذكر أنّ "التعليم بالمدارس الثانوية سيكون متجهاً إلى التعريب واستعمال اللغة العربية حيث تكون لغة التدريس لجميع المواد". وأضاف بورقيبة في خطابه أن حضور اللغة الفرنسية لن يتعدى حدود الضرورة الراهنة، ريثما يستكمل إعداد مناهجَ مُعرَّبةٍ في جميع المواد. والجدير بالذكر أنّ الأمين الشابي، أول وزيرٍ للتربية القومية، كان قد طرح مسألة تعميم التعليم وتعريبه. وعلى ما يبدو من تناغمٍ بين مشروع الرجلين، إلا أنّ الشابي أعلن استقالته قبل شهرٍ فقط من خطاب بورقيبة. خلفه محمود المسعدي، متولياً مهام الوزارة طيلة فترة مخطط السنوات العشر، حتى غدا هذا الإصلاح يُعرف باسم "إصلاح المسعدي".

اتخذ مشروع التعريب مساراً متدرّجاً. فكانت العربية بموجبه لغة التدريس الوحيدة في السنتين الأولى والثانية من التعليم الابتدائي، على أن تدخل الفرنسية ابتداءً من السنة الثالثة، كما يذكر الكاتب الحسين بن عيسى في كتابه "البورقيبية والهوية" سنة 2015. يقول بن عيسى إنّ سنوات الدراسة في التعليم الثانوي وُزِّعت إلى ثلاث شعب. فأُنشئت شعبةٌ مُعرَّبةً تعريباً تاماً، في مقابل شعبةٍ قائمةٍ على ازدواجيةٍ لغويةٍ، في حين دُرِّست جميع المواد في الشعبة الثالثة بالفرنسية. ولم يكن الغرض من هذا التوزع إنشاء تعليمٍ متنوّعٍ، بقدر ما كان يروم التدرّج في التعريب.

لم يقترن هذا الهدف بسياسةٍ واضحةِ المعالم لتعريب المواد العلميّة ومصطلحاتها، ذلك أن التعريب لا يقتضي مجرَّد ترجمة المناهج الفرنسية إلى العربية. وأشار الجابري في كتابه إلى أنّ عملية إنشاء الشعبة المُعرَّبة قد "تمّت بصورةٍ مرتجلةٍ، إذ لم يسبقها إعداد الأساتذة والكتب والمصطلحات العلمية. فكانت تجربةً تكتنفها العشوائية، مما سهّل مهمة خصوم التعريب". وزاد من تعقيد هذه المهمة كثرة الأساتذة الفرنسيّين في التعليم الثانوي آنذاك، فكانت نسبتهم حتى 1968 ما يقارب 40 بالمئة.

ساهمت هذه الظروف في اقتناع النخبة الحاكمة بانتفاء الجدوى من سياسة التعريب الشامل. ولاح هذا التحوّل في خطابات محمود المسعدي، إذ دعا قبل الاستقلال في مقالةٍ نشرتها جريدة الزهرة إلى "تعريب التعليم حتى يعود للثقافة الإسلامية مكانها الطبيعي في بلادٍ عربيةٍ إسلامية"، على ما يذكر بن عيسى في كتابه. وأكّد المسعدي في خطابٍ سنة 1958 أنّ العربية ستغدو "أداة التثقيف الأولى"، إلا أنّ مآلات مخطط السنوات العشر أظهرت عليه نزوعاً إلى المراجعة. فصرّح سنة 1967 بأنّ الفرنسية ليست "مجرّد لغة أجنبية وجبَ تعلّمها، وإنما هي أداةٌ تمكّننا من تجاوز القرون الضائعة التي تفصلنا عن العالم المتقدّم وتساعدنا على الالتحاق بركب الحداثة". ليفضي هذا التراجع لاحقاً إلى إلغاء الشعبة المعرَّبة.

أدّى فشل مخطط السنوات العشر إلى إقالة محمود المسعدي، وإدراج الفرنسية في مناهج التعليم الابتدائي ابتداءً من السنة الأولى. وبدا بورقيبة أقلّ حماسةً لمشروع التعريب وأكثر ميلاً إلى منهج الازدواجية اللغوية الذي نشأ عليه في الصادقيّة. ولا يُعزَى هذا إلى ازدرائه العربية، كما يذهب بعض خصومه مثل الحسين بن عيسى، وإنما باعتباره إيّاها لغة شعرٍ ونثرٍ ودينٍ في المقام الأول. فيما تكون الفرنسية آلة التقدّم، لما تتيحه من الاطلاع على المصطلحات العلمية المستجدّة. واستدل بورقيبة على قوله هازلاً بغياب مقابلٍ عربيٍّ للكلمة الفرنسيّة "لافابو"، أي حوض الحمام، على ما يزعم بن عيسى. 

ولعلّ ما زاد الزعيم تحفظاً تجاه التعريب، ما شهدته الجزائر إثر استقلالها سنة 1962 من اعتماد سياسة تعريبٍ جذريةٍ استقدمت بمقتضاها أساتذةً مشرقيّين، خاصةً من مصر وسوريا والعراق. وقد أثار ذلك تخوّف بورقيبة من اقتران التعريب بتسرّب أفكار القومية العربية والإسلام السياسي، لما قد ينطوي عليه من تهديدٍ صريحٍ لمشروع بناء أمّةٍ تونسيةٍ ذات نطاقٍ قُطريّ. فطالما كانت علاقة بورقيبة متوترةً بالأنظمة القومية العربية، لمعارضته مشاريع الوحدة، ما جنى عليه هجوماً متكرراً من مصر الناصرية.

لم ينقطع مشروع التعريب بفشل مخطط السنوات العشر. لكنه تحوّل من مشروع دولة الاستقلال إلى مشروع رجلٍ واحدٍ، حمل لواءه محمد مزالي أثناء تولّيه وزارة التربية القومية على ثلاث مرّاتٍ متقاربةٍ منذ أواخر 1969 إلى مارس 1980. في سيرته الذاتية "نصيبي من الحقيقة، وزير أول في رئاسة بورقيبة يشهد"، الصادرة سنة 2007، ينتقد مزالي "عشريّة المسعدي" لما أفضت إليه تجربة إزدواجية اللغة من "ضعفٍ في التمكّن من اللغتين العربية والفرنسية، لفائدة لغةٍ خليطٍ تنال من هذه وتلك". ويرى مزالي أنّ إصلاح المسعدي لم يكن هادفاً منذ بداية تطبيقه إلى التعريب، بقدر إقراره "ثنائية لغوية غير متساوية" تكون فيها العربية لغة الأدب والدين، فيما تختصّ الفرنسية بالعلوم والتاريخ والجغرافيا. وذلك خلافاً لمشروع الأمين الشابي الذي عمل على تعريب "التعليم من السنة الأولى إلى السنة الرابعة، بما في ذلك مادّة الحساب". ويضيف مزالي أن بورقيبة كان أميَل آنذاك إلى مشروع المسعدي، ومنه وقّع تعيينه وزيراً للتربية القومية خلفاً للشابي.

انطلق مزالي في مشروعه الإصلاحيّ من اعتقاده في كون اللغة "موطن الكائن الحيّ"، وأنّ لغة أيّ شعبٍ متصلةٌ بثقافته وعاداته وبنية ضميره. ومنه رأى أنّ العربية الفصيحة هي لغة التونسيين القومية، باعتبار "هذه البلاد أمةً عربيةً إسلاميةً ذات شخصيةٍ مميزةٍ منيعةٍ أبد الدهر". كانت أولى خطوات مزالي وزيراً للتربية القومية سنة 1970 إعادة تعريب السنة الأولى الابتدائية بحذف الفرنسية منها، ما أثار غضب بورقيبة. ولم يمرّ شهران على هذا القرار، حتى تلقّى مزالي خبر إعفائه من مهامه في 12 يونيو 1970.

لم يتسنَّ لمحمد مزالي المضيَّ في تطبيق إصلاحه التعليمي، إلا خلال مدّته الثالثة وزيراً للتربية القومية، والتي امتدت أربعة أعوامٍ بدايةً من سنة 1976. وفيها واصل جهوده لتعريب مناهج السنوات الأولى من التعليم الابتدائي "لتمكين الأطفال التونسيّين من تمتين معرفتهم بلغتهم الأم"، كما يقول في كتابه. اتجه مزالي إلى تعريب مناهج التاريخ والجغرافيا في المرحلة الثانوية، وأثرى مادة الفلسفة بإدراج دروسٍ عن الفلاسفة المسلمين، من أمثال أبي حامد الغزالي وابن سينا وابن رشد. ولم يكن تعريب الفلسفة بقرارٍ من مزالي، فقد سبقه إليه سنة 1975 إدريس قيقة، وزير التربية القومية. وعلى هذه الجهود، توقّفت سياسة مزالي للتعريب عند حدود المواد العلمية. فلئن أقرَّ بأهمية الفرنسية لما تتيحه من "ولوج باب الحداثة"، إلا أنّه رهن استمرارها لغةً لتدريس العلوم بانتظار تَوفّر الأساتذة القادرين على التبليغ بالعربية.

ازداد امتعاض بورقيبة من تصميم مزالي على التعريب. تزامن هذا مع فشل الوحدة التونسية الليبية سنة 1974، بعد أقلّ من يومٍ على إعلانها. عاد بعدها الزعيم في خطبه، التي ضمّنها الكاتب التونسي لطفي حجيّ كتابه "بورقيبة والإسلام، الزعامة والإمامة" الصادر سنة 2004، إلى التأكيد على فرادة الأمّة التونسية والعمل على صيانة شخصيتها "التي هي في الأصل بربريّة لا محالة". ولمّا أفضى هذا الشقاق إلى انتهاء آخر فترات مزالي وزيراً للتربية القومية سنة 1980، فإنّ الزعيم لم يغفر لوزيره تصميمه على التعريب. ففي آخر لقاءٍ جمع الرجلين، إثر إقالة مزالي من مهامه وزيراً أوّل (رئيساً للحكومة) سنة 1986، اقترب بورقيبة منه قائلاً بنبرةٍ فيها من اللطف والتأسّف: "يا سي محمّد عرَّبت ياسر [يعني كثيراً] التعليم؟ قلتُ لك لا تعرِّب".

إثرها تقرّر إدراج الفرنسية مرّةً أخرى، ابتداءً من السنة الثالثة من التعليم الابتدائي، عوضاً عن الرابعة. واضطرّ بعدها مزالي إلى مغادرة البلاد "هروباً بجلده بعد المؤامرة التي استهدفته بـتهمة التعريب والاتجاه العروبي والإسلامي".

بانقضاء مدّة محمد مزالي، لم يعد للتعريب وزن مشروعٍ إصلاحيٍّ، وانحصر الخلاف حول السياسة اللغوية في مسألة تحديد السنة التي ينطلق فيها تدريس اللغة الفرنسية. وحتى المشروع الإصلاحي الذي قاده محمّد الشرفي، وزير التربية والتعليم منذ سنة 1989، اتصل أساساً بمراجعة مضامين البرامج بهدف تنمية الحسّ الوطنيّ لدى الناشئة. ومنه أُقِرَّ مبدأ الإزدواجية اللغوية واقعاً طبيعياً ما انفكَّ يعيد إنتاج وجوده في مناهج التعليم التونسي الحديث منذ تأسيس المدرسة الصادقية.


بهذا، بدت الأمّة التونسية منصرفةً عن حسم مسألة لغة تعليمها القوميّ. وقد أقرّ بورقيبة، في خطابٍ ألقاه بملتقى هواة الأدب في المنستير سنة 1968، بأن "اللغة التي يتكلَّمها الشعب ويفهمها كلّ تونسيٍّ ليست الفصحى، بل العاميّة. لذلك، من حقِّ الأدب الشعبيّ والشعر الشعبيّ أن يحتلّا مكانهما عند الشعب وأن يكون هما أدبه وشعره".

وفي ظلّ واقع التعليم التونسي اليوم، يبدو جدل التعريب غريباً، بل ومجهولاً لدى عموم الناشئة. حتى إنّ تبرُّمَهم من الفرنسية لا يتصل بالاستعاضة عنها بالعربية. فمثلاً، أُحيل في 6 فبراير 2026 إلى مجلس نواب الشعب التونسي مقترح قانونٍ أساسيٍّ يتعلَّق بتعزيز استعمال اللغة الإنجليزية، بإدراجها لغةً أساسيةً ابتداءً من السنة الثانية من التعليم الابتدائي، واعتمادها لغة تدريس العلوم انطلاقاً من المرحلة الإعدادية. وعلى ما أثاره المقترح من ترحيبٍ وتساؤلاتٍ في جدواه، وفيما إذا كانت الأولوية إصلاح مضامين البرامج قبل لغة تدريسها، فلم يكن لمسألة التعريب أثرٌ يُذكر في هذا النقاش، ولو على سبيل مطالبةٍ خجولة.

اشترك في نشرتنا البريدية