أثار تسجيل كاميرا الشرطة، الذي نشرته شرطة ساوثهامبتون بموافقة عائلة الضحية في الثاني من يونيو سنة 2026، صدمةً واسعةً في بريطانيا. إذ جاء بعد نحو ستة أشهرٍ من مقتل نواك في ديسمبر سنة 2025، كاشفاً عن تفاصيل اللحظات الأخيرة قبل وفاته. وزاد من حساسية القضية أن القاتل، فيكروم ديغوا بريطانيٌّ من أبناء طائفة السيخ، فأعادت الجريمةُ إلى الواجهة الجدلَ المتصاعد في الهجرة والأقليات في بريطانيا خلال السنوات الأخيرة.
سرعان ما وجد نايجل فاراج، زعيم حزب "ريفورم" (الإصلاح)، وأحد أبرز مهندسي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، في القضية فرصةً للعودة إلى واجهة المشهد السياسي. ظهر السياسي اليميني الشعبوي في بيانٍ مصوَّرٍ، بوجهه المألوف وابتسامته العريضة، ليقول إن أكبر ما يخشاه الشرطي البريطاني اليوم هو أن يُتَّهم بالتمييز العنصري، أكثر من خوفه من التقصير في إسعاف رجلٍ يُحتضر، داعياً الجمهور إلى الرد بما وصفه "غضباً خالصاً بارداً". وفي اليوم التالي، استغل جلسةً في مجلس العموم، يقول منتقدوه إنه نادراً ما يحضرها، لاتهام الحكومة البريطانية بازدواجية المعايير، مدعياً أن الشرطة تتلقى تعليماتٍ تقضي بمعاملة الجماعات الإثنية على نحوٍ مختلف.
امتد أثر القضية إلى الشارع. فقد شهدت ساوثهامبتون أعمال شغبٍ واشتباكاتٍ بين الشرطة ومتظاهرين شاركوا في احتجاجاتٍ دعا إليها الناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون. وبعد أيامٍ، في 9 يونيو سنة 2026، اندلعت اضطراباتٌ مماثلةٌ في بلفاست، ولكن على خلفية حادثةٍ منفصلة. فعشية الاضطرابات، وُجهت تهمة محاولة قتل بريطانيٍ طعناً إلى رجلٍ عرّف نفسه للسلطات بأنه طالب لجوءٍ سودانيٌّ، قبل أن تعلن الشرطة أنها غير متأكدةٍ من جنسيته. وأعقب ذلك اعتداءُ مجموعاتٍ يمينيةٍ مناهضةٍ للمهاجرين على منازل يُعتقد أنها تعود إلى مهاجرين وأفرادٍ من الأقليات، وأجبرت بعضهم على الجلاء عن منازلهم.
لم تمنع الاتهامات التي لاحقت نايجل فاراج من ترسيخ موقعه في قلب السياسة البريطاني. فقد اتهمه خصومه، ومنهم رئيس الوزراء آنذاك كير ستارمر، بالتحريض على الكراهية، وتأجيج الانقسام العرقي، واستغلال هذه الحوادث سياسياً، والامتناع عن إدانة أعمال العنف. لكن خطاب فاراج تحول إلى قوةٍ انتخابيةٍ صاعدة. فمنذ منتصف سنة 2025، تصدّر حزب "ريفورم" كثيراً من استطلاعات نيّات التصويت، وحافظ على تقدمه خلال الأشهر الأولى من سنة 2026، إذ تجاوزت نسبة تأييده 30 بالمئة في بعض الاستطلاعات، فيما بلغ متوسطها في مايو سنة 2026 نحو 27.8 بالمئة. وفي المقابل، تراجع الحزبان الرئيسان، العمال والمحافظون، إلى أقل من 20 بالمئة لكلٍّ منهما، بحسب مؤشرات مركزَي "يوغوف" و"إبسوس". وحقق حزبه "ريفورم" أيضاً اختراقاً كبيراً في انتخابات المجالس البلدية في السابع من مايو سنة 2026، بعدما حصد 1454 مقعداً، مقارنةً بمقعدين فقط في انتخابات سنة 2022.
تراجعت شعبية حزب "ريفورم" مع إعلان ستارمر عن استقالته في 22 يونيو 2026، ليخلفه آندي برنهام في الحزب والحكومة. وبعد ذلك أعلن فاراج في السابع من يوليو عن استقالته من مقعد كلاكْتن في مجلس العموم، وعزمه الترشح ثانيةً، بعد نشر تحقيقٍ أثبت تلقّيه هديةً قبل انتخابات سنة 2024 لم يصرّح عنها. في حركةٍ قصد منها تجديد شرعيته الانتخابية، مشيراً إلى أنها معركةٌ مع المؤسسة السياسية.
أصبح نايجل فاراج وحزب "ريفورم" قوةً صاعدةً تنافس الحزبين التقليديين على قيادة السياسة البريطانية. ولم يعد احتمال فوز الحزب بأكبر عددٍ من المقاعد في الانتخابات التالية وتشكيل الحكومة مستبعداً. وإن حصل ذلك، فسيصبح أوّلَ زعيمٍ من خارج حزبي المحافظين والعمال يتولى رئاسة الحكومة منذ حكومة رامزي ماكدونالد العمالية سنة 1924. يفسّر صعود فاراج وأساليب عمله السياسي طبيعة الانقسام الراهن في السياسة البريطانية، ويرسم بعض ملامح تحوّلها المحتمل.
وثّق الصحفي مايكل كريك هذا الجدل في سيرته عنه "وَنْ بارتي أفتر أنَذَر: دِسرَبتِف لايفْ أوفْ نايجل فاراج" (حزبٌ تلْوَ الآخر: حياة نايجل فاراج التخريبية) المنشور سنة 2022. أدى تعيين فاراج الشاب عريفاً للطلبة سنة 1981 إلى خلافٍ بين المدرسين إثر رسالة احتجاجٍ، نُشرت لاحقاً، تتهمه بترديد أناشيد شبيبة هتلر والمجاهرة بآراء "عنصرية وفاشية جديدة". رافق ذلك شهاداتٌ من زملائه، لاسيما اليهود، عن إساءاتٍ متكررةٍ منه ومعاديةٍ للسامية، نفاها آخرون واعتبروها محض "شقاوة مراهقين". نفى فاراج هذه الروايات لاحقاً ووصفها بالسخيفة، في ردٍّ يبرز أسلوبه السياسي القائم على الاستفزاز المتعمد ثم النفي الساخر. تجدد هذا السجال أواخر سنة 2025 حين وقّع خمسة وعشرون من زملائه السابقين وأحدُ مدرسيه رسالةً مفتوحةً نشرتها صحيفة الغارديان تطالبه بالاعتراف والاعتذار والتبرؤ من تلك الفاشية والتعليقات العنصرية والمعادية للسامية، ليردّ فاراج بأنه لم يقصد أيّ نيّاتٍ خبيثةٍ، معتبراً القضية محاولةً سياسيةً للنيل منه.
بعد تخرجه من المدرسة اختار فاراج العمل تاجر سلعٍ في سن الثامنة عشرة بدل استكمال التعليم الجامعي، فبدأ مساره في "ذا سيتي" (المدينة)، الاسم الذي يطلقه البريطانيون على الحي المالي بلندن. لكن يبدو أن ولعه بالسياسة بدأ مبكراً، إذ انضم لحزب المحافظين في الرابعة عشرة من العمر سنة 1978 بعد أن زار مدرستَه كييث جوزيف أحدُ سياسيّي الحزب الكبار.
لعلّ لخلفية فاراج الاجتماعية ونشأته في جنوب شرق إنجلترا، المعقل التاريخي لحزب المحافظين، دوراً في اختيار هذا الحزب. لكنه لم يرغب أن يكون محافظاً تقليدياً، بل أراد أن يتموضع إلى يمين الحزب نفسه. وبعد توقيع بريطانيا معاهدة ماستريخت سنة 1992، التي عمّقت اندماجها في الاتحاد الأوروبي، غادر الحزبَ، وشارك في العام التالي في تأسيس حزب استقلال المملكة المتحدة المسمى اختصاراً "يوكيب".
يظهر هذا المنهج في علاقته بالأحزاب. فبينما تقوم الأحزاب البريطانية التقليدية على الولاء التنظيمي، وتفرض مؤسساتها الداخلية قيوداً على زعمائها، لم يتخذ فاراج الحزبَ انتماءً تنظيمياً ثابتاً، وإنما وسيلةً تتغير حسب مصلحته السياسية. لذلك استقال من قيادة حزب "يوكيب" وعاد إليه غير مرةٍ، قبل أن يغادره نهائياً بعد تحقيق هدفه الأكبر، وهو استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي سنة 2016، ثم استقال من عضوية الحزب في ديسمبر 2018. تزامن مع خروجه من الحزب إعلانُ منشقّين آخرين من "يوكيب" عن تأسيس حزب "بريكزِت" في يناير 2019، الذي انضمّ له فاراج وأصبح زعيمَه وأعلن عن برنامجه في حفل إطلاق الحزب في أبريل 2019 داعياً إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي بلا اتفاق. وبعد اكتساح الحزب انتخابات البرلمان الأوروبي في المملكة المتحدة سنة 2019 بحصوله على نحو ثلث الأصوات وتسعة وعشرين مقعداً، انتهت مهمة حزب البريكزِت المركزية تقريباً مع إقرار اتفاق الخروج، فغيّر فاراج مطلع 2021 اسم الحزب إلى حزب إصلاح المملكة المتحدة المعروف باسم "ريفورم"، موسعاً أجندته لتشمل الهجرة والضرائب وسياسات المناخ.
في يونيو 2024 قدّم الحزب مشروعه السياسي في وثيقةٍ سمّاها "عَقْدُنا معكم"، بدلاً من البرنامج الانتخابي التقليدي. ارتكزت الوثيقة على رؤيةٍ يمينيةٍ جذريةٍ اقتصادياً واجتماعياً، تستهدف الناخبين المحبطين من الحزبين الكبيرين. وتصدّر ملف الهجرة أولوياتها، بالدعوة إلى وقف الهجرة غير العادية سعياً إلى الوصول بصافي الهجرة إلى الصفر، واحتجاز المهاجرين غير الشرعيين وترحيلهم فوراً، مع الانسحاب من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لتسهيل هذه الإجراءات. اقتصادياً، يتبنى الحزب سياسةً شعبويةً تقوم على تخفيضاتٍ ضريبيةٍ حادةٍ تشمل رفع حد الإعفاء من ضريبة الدخل وتخفيض ضريبة الشركات لإنعاش السوق. أما في ملف الطاقة، فيقود فاراج هجوماً شرساً على سياسات المناخ مطالباً بإلغاء أهداف صافي الانبعاثات الصفري، ورفع الدعم عن الطاقة المتجددة لصالح العودة للتنقيب عن النفط والغاز في بحر الشمال واستخراج الغاز الصخري. وفي الخدمات العامة، يطرح رؤيةً يمينيةً تدعو إلى إشراك القطاع الخاص لإنقاذ نظام الرعاية الصحية، وتقليص البيروقراطية الحكومية، فضلاً عن فرض "منهج وطني في التعليم" يحارب ما يصفه بالأيديولوجيات التحررية، أو "الووك".
ساعد تصاعد القلق الشعبي من الهجرة، ولاسيما غير النظامية، في تفسير جاذبية خطاب فاراج وبرنامجه السياسي. إذ تشير نتائج استطلاعٍ أجراه مركز إبسوس في فبراير 2026 إلى أن ثلثي البريطانيين يرَوْن أعداد المهاجرين بالقوارب طلباً للّجوء إلى بريطانيا مرتفعةً للغاية. وتعدّ قضية الهجرة من أكثر القضايا المقلقة للناخب البريطاني، ولذا يضعها فاراج في صدارة خطابه ويستثمرها كلما أتيحت له الفرصة.
تمتد خصوصية أحزاب فاراج المختلفة إلى بنيتها التنظيمية. فعلى خلاف الأحزاب البريطانية التقليدية، سُجلت بدايةً شركاتٍ، وهو ما مكَّن فاراج من الهيمنة على إدارتها دون مؤتمراتٍ عامةٍ أو هيئاتٍ منتخبةٍ قادرةٍ على محاسبة القيادة، قبل تنازله في فبراير 2025 عن حصته في الشركة المالكةِ حزبَ "ريفوم" بعد تصاعد الانتقادات.
كشفت انتخابات مجلس العموم سنة 2024 عن إحدى أكبر مفارقات النظام الانتخابي البريطاني. فحزب "ريفورم" حصد أكثر من أربعة ملايين صوتٍ، أي 14.3 بالمئة من إجماليّ أصوات الناخبين. لكنه لم يفُز إلا بخمسة مقاعد من أصل 650 مقعداً بسبب نظام الأغلبية البسيطة الذي يمنح المقعد للمرشح الحائز على أعلى عددٍ من الأصوات في كلّ دائرة. وأمام هذا الاختلال، طالب فاراج بإصلاح النظام الانتخابي واعتماد التمثيل النسبي الذي يمنح كلّ حزبٍ نسبة مقاعد قريبةً من نصيبه في الأصوات. وهو مطلبٌ متوقعٌ، فرضته عليه قواعد اللعبة التي حرمته طويلاً من ترجمة أصوات ناخبيه إلى مقاعد برلمانية.
دخل فاراج مجلس العموم ممثلاً عن مقعد كلاكْتن، في محاولته الانتخابية الثامنة. وهو ما يشير إلى أن هدف خطابه اليميني الشعبويّ ليس تفكيكَ النظام السياسي البريطاني، بل وراثتَه من الداخل.
تكرر هذا الأسلوب في محطاتٍ سياسيةٍ أخرى. ففي حملة الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سنة 2016، أطلق فاراج ملصق نقطة الانهيار "بريكنغ بوينت"، الذي يصوِّر أفواجاً من اللاجئين تحت شعار "الاتحاد الأوروبي خذلنا"، في رسالةٍ توحي أنهم قادمون لإغراق بريطانيا. أثار الملصق عاصفةً من الانتقادات، إذ رأى سياسيون بريطانيون، بينهم وزير الخزانة جورج أوزبورن، أنه يستحضر أدبيات ودعاية ثلاثينيات القرن العشرين ذات الصلة بالفاشية والنازية. تكرّر النمط نفسه بعد مقتل نواك، حين دعا فاراج إلى "غضب بارد خالص"، وربط الحادث بازدواجية معايير يُستهدف بها البِيض.
على امتداد ثلاثة عقودٍ، أتقن فاراج الوقوف على يمين المحافظين مسافةً تكفي لسحب ناخبيهم، وعلى يسار اليمين المتطرف العنصري مسافةً تكفي لإنكار أيّ صلةٍ بهم. وحين يُتهَم بالعنصرية، يصوِّر هذه الاتهامات حرباً عليه من المؤسسة السياسية. لكنه يحرص أيضاً على رسم حدودٍ فاصلةٍ بينه وبين اليمين المتطرف. فيحظر دستور حزب "يوكيب" مثلاً انضمام أعضاء الحزب الوطني البريطاني، أبرز أحزاب اليمين المتطرف المتهم بالفاشية. وعلى المنوال نفسه، شارك فاراج في لقاءاتٍ مع الجبهة الوطنية الفرنسية بقيادة ماري لوبان، لكنه رفض الانضمام إلى كتلتها في البرلمان الأوروبي.
ظلَّ فاراج حذراً في إدارة علاقته باليمين العنصري، مدركاً حساسية هذا الارتباط في الوعي السياسي البريطاني. تشير حادثتان بين سنتي 2018 و2025 إلى أسلوب عمل فاراج السياسي. في الأولى حين قرّب خليفتُه في قيادة "يوكيب"، جيرارد باتن، الناشطَ اليميني المتطرف تومي روبنسون، مؤسس "رابطة الدفاع الإنجليزية" العنصرية المعادية للمهاجرين. استقال فاراج حينئذٍ من الحزب الذي أسّسه قبل خمسة وعشرين عاماً، قائلاً إن الحزب يُجرّ إلى "الخزي". أدرك فاراج أن روبنسون صورةٌ لن تفيده لدى الناخب البريطاني الذي يحتاج إليه ليحلّ محلّ المحافظين.
كررت الحادثة الثانية الاختبار مع خصمٍ أثقل وزناً. في يناير 2025، وبعد أسابيع من غزلٍ متبادلٍ مع الملياردير الأمريكي إيلون ماسك، طالبه الأخير بضم روبنسون المسجون آنذاك إلى حزبه. رفض فاراج، وفقاً لتقريرٍ نشرته بي بي سي في مايو من السنة ذاتها، ليدخل في خلافٍ علنيٍ على وسائل التواصل الاجتماعي مع ماسك الذي ناقش مع فاراج قبلها التبرع بمبلغٍ كبيرٍ لحزب "ريفورم"، وفق ما صرّح فاراج في ديسمبر 2024. خسر فاراج المال الأمريكي، وربح صكاً بالبراءة من التطرف يلوّح به كلما اتُّهم بالتحريض.
ومن الأوراق التي دأب فاراج على لعبها في مواجهة اتهامات العنصرية إبراز شخصياتٍ من أصولٍ مهاجرةٍ أو من الأقليات في الصفوف الأولى لأحزابه. وهؤلاء تعددوا من "يوكيب" إلى "ريفورم"، وآخرهم رئيسُ الحزب السابق، المسلمُ من أصولٍ سريلانكيةٍ زيا يوسف.
كانت الثنائية الحزبية البريطانية حتى سنة 1924 تقوم على الانقسام بين المحافظين (التوري) والأحرار (الويغ ثم الحزب الليبرالي). تغير هذا بعد الحرب العالمية الأولى، إذ وسّع قانون تمثيل الشعب سنة 1918 قاعدة الناخبين ثلاثة أضعافٍ تقريباً. منح القانون حق الاقتراع لجميع الرجال فوق الحادية والعشرين وللنساء فوق الثلاثين، فدخل ملايين العمال والجنود العائدين من الخنادق إلى صناديق الاقتراع أول مرة. ازدادت النقابات العمالية بأعضائها ونفوذها، وخشيت الطبقات العليا في القارة شبح الثورة البلشفية التي انتصرت في روسيا سنة 1917. بات حزب العمال يساراً على المقاس البريطاني، فهو حزب عمالٍ نقابيٌ برلمانيٌ إصلاحي. وفيما عانى الحزب الليبرالي من انقسامٍ حادٍّ، دعت حكومة المحافظين إلى انتخاباتٍ مبكرةٍ سنة 1923. فاز المحافظون بالنسبة الأكبر دون أغلبيةٍ، وحلّ العمال، ثانياً فأسقط الليبراليون حكومة المحافظين، ومهدوا الطريق لصعود أول حكومةٍ عماليةٍ بتاريخ بريطانيا برئاسة رامزي ماكدونالد في يناير 1924. ومن حينها تغيرت البنية الحزبية البريطانية إلى ثنائيةٍ جديدة.
ربما يمكن رؤية تشابهٍ بين صعود حزب فاراج الراهن وزعزعة ثنائية المحافظين والعمال، وبين صعود العمال قبل قرنٍ وزعزعة ثنائية المحافظين والليبراليين، وإن كان فاراج مرشحاً لوراثة مرتبة المحافظين هذه المرة.
لم يكن صعود حزب "ريفورم" نتيجة قوة خطابه وحدها، بل جاء أيضاً ثمرةً لتآكل الثقة بالحزبين التقليديين. فقد أنهكت سنوات حكم المحافظين بين سنتي 2010 و2024 صورتهم لدى الناخبين، وتعاقب خلالها خمسة رؤساء حكومةٍ من الحزب. تلا حكوماتِ المحافظين حكومةُ كير ستارمر العمالية التي شهدت تراجعاً حادّاً سريعاً في معدلات قبول الحكومة شعبياً. إذ تشير بيانات "إبسوس" إلى أن رضا البريطانيين عن ستارمر هبط خريفَ 2025 إلى أدنى مستوىً تسجله المؤسسة لأيّ رئيس وزراء منذ بدأت القياس سنة 1977، فيما هوى المحافظون إلى حصص تصويتٍ هي الأدنى في تاريخ قياساتها.
يبدو ذلك ظرفاً يرجّج تكرار حادثة 1924، ولكنْ أمام فاراج تحدٍّ أساسيٌّ في المقارنة التاريخية. صعد حزب العمال سنة 1924 عبر قاعدةٍ اجتماعيةٍ جديدةٍ كاملةٍ هي الطبقة العاملة المنظمة نقابياً، ودخلوا النظام ليديروه لا ليحاربوه.
لكن حزب "ريفورم" لا يمثل طبقةً صاعدةً بقدر ما يمثل استياءً عابراً الطبقاتِ من الطرفين معاً. وهو ما جعل صعوده أسرع، ولكن قد يعكس قاعدةً اجتماعيةً أوهن من الحزبين. ومما يؤيد ذلك، أن الحزب تراجع في استطلاعات الرأي حين بدأت المؤسسة السياسية، وهي في هذه الحالة الحزبُ الحاكم، تغيير قيادتها وتقديم مرشحٍ جديد.
لكن الأهم من فاراج نفسه هو ما يكشفه صعوده عن المجتمع البريطاني. فالغضب الشعبي وخوف قطاعاتٍ كبيرةٍ في المجتمع البريطاني، سواءً كانت مشاعر حقيقيةً أم تضخيماً لغاياتٍ سياسيةٍ، تعدّ عاملاً رئيساً في تشكيل السياسة البريطانية. وهذا الخوف يشكل اختباراً أمام الناخب البريطاني إذا ما سيبقى على نمطه التقليدي المؤسسي في السياسة البريطانية، أم سيقبل تحولاً كبيراً.
وإن كان فاراج يستغل ذلك الغضب لمآرب سياسيةٍ، فإن احتمالية وصوله إلى زعامة المؤسسة السياسية، كما يرغب ويتصرف ولكن يدّعي نقيضه، لا تحمل معها ضماناتٍ بألا يتحول السخطُ الذي تغذيه خطاباته الشعبوية ضد المؤسسة السياسية والمهاجرين والأقليات إلى خطابٍ سياسيٍ عامٍّ ويوميٍّ، أو ربما نشوء قاعدةٍ اجتماعيةٍ جديدة. وإن حدث ذلك، فلعلّ أحداث الشغب والعنف في ساوثهامبتون وبلفاست والنزعات العنصرية ستصبح أقرب إلى التكرار والتحول إلى واقعٍ يوميٍّ، سيذكر التاريخ معه دور نايجل فاراج.

