زرته وزوجي بعد سبعة أيام على إنجاب مولودنا الثاني لنستشيره بشأن ختان الفتى، فتحولت الزيارة إلى شيء آخر تماماً. سألني مستطرداً بلطفٍ لا يشبه وجهه القاسي عن لوني الشاحب وعن التعافي بعد الولادة. أخبرته بأنني لا أزال أعاني نزفاً حاداً وأنني لم أجد الوقت الكافي للقلق، بسبب ما تتطلبه مسؤولية رعاية مولود جديد، فنصحَ أن أجري فوراً صورة بالموجات فوق الصوتية. فعلت لتخرج النتائج صادمةً.
أظهرت الصورة أن في رحمي بقايا من المشيمة، بعضها بحجم ستة وسبعة سنتيمترات، مع نزيف نشط عند جدار الرحم. طلبت من تطبيق ذكاء اصطناعي أن يترجم التقرير ويفسّره لي. اتصلتُ، بطبيعة الحال، بالطبيب الذي واكبَ ولادتي فكان جوابه غير مقنع. طلبَ أن أستريح وأن أتناول بعض الأدوية التي من شأنها أن تساعد على تنظيف الرحم في أيام. وحين أخبرته بأن الأمر يبدو أكبر من ذلك، أجابَ ممازحاً إنني "دراميّة زيادة عن اللزوم بعد الإنجاب" وأن الموضوع لا يستحق كل هذا القلق. برأيه، تلك تبعات عادية للولادة الطبيعية. أما الدكتور رجا، فكانت قراءته لما يحدث مختلفة تماماً. قال لي: "لديكِ أقل من أربعٍ وعشرين ساعة ليتسمم دمكِ إذا لم تجرِ بحلول الغد عملية كشط الرحم". قالها وهو يرتشف قهوته الباردة، دون تكلّف، كأنه يصف حبّة مسكن.
لم تكن نجاتي من موت وشيك هي النهاية التي تصوّرتها حين أصررت على إنجاب طفل ثانٍ، بل اللحظة التي أجبرتني على النظر إلى ما يمكن أن تفعله المرأة بجسدها وهي تسعى إلى الأمومة. فالرغبة في الإنجاب لا تتوقف دائماً عند الطفل الأول، وقد تدفع المرأة إلى اختبار حدود جسدها مرة بعد أخرى. فتفاوض العمرَ والألمَ والعلاجَ والعمليات، وتتجاوز عن إشارات الإنهاك وحتى تحذيرات الخطر. كأن الجسد مجرد حدّ يمكن دفعه أبعد، كلما وقف بين الرغبة وتحقيقها.
حين بدأت أفتش في أسباب ما فعلت، لم يعد السؤال يخص تجربتي وحدها. ثمة نساء يصلن إلى النقطة نفسها بطرق مختلفة، واحدة تواصل الإنجاب مع أن جسدها يخرج من كل ولادة أكثر إنهاكاً، وأخرى تبدأ دفع الكلفة قبل أن يحدث الحمل أصلاً، بسنوات من العلاج الدوائي والهرموني ومحاولات الإخصاب. من هنا تتقاطع تجربتي مع تجربة سناء، التي أنجبت خمسة أطفال مع تصاعد المخاطر مع كل حمل، ومع هلا التي خاضت رحلة طويلة من العلاج قبل أن تصل إلى توأمها. تختلف الدوافع والمسارات، لكن السؤال يظل واحداً: ما الذي يجعل الرغبة في طفل أول أو ثانٍ أو خامس أقوى من إشارات الجسد وحدوده؟ وكيف يصبح الألم والخطر قابلين للتفاوض حين تكون الأمومة في الجهة الأخرى؟
حددت موعدي مع دكتور رجا في اليوم التالي بعد خضوعي لفحص تصوير الرحم بالموجات فوق الصوتية، عند الواحدة ظهراً. فعلتُ ذلك بعدما تواصلت مع ستة أطباء مختصين بالنساء والولادة من معارفي فأجمعوا على خيار كشط الرحم بأسرع وقت. ومع ذلك، اخترتُ الموعد بحيث أنتهي سريعاً وأكون في المنزل قبل عودة ابنتي البكر من المدرسة. يسقط الرحم ويسقط العمر، ولا يسقط واجب الأمومة في اعتباراتي. وللسبب نفسه، قررتُ مع الدكتور رجا أن أحتمل "بعض الألم" وأستغني عن التخدير. كنتُ مُرضِعة، ولم أُرد لابني أن يشرب حليباً اصطناعياً. تخيّلت أن أخرج من العيادة بعد وقت قصير، أحمله إلى صدري في طريق العودة إلى المنزل، وأواصل إرضاعه كما خططت، حولين كاملين مثل شقيقته. لكن الثقة سقطت لحظة دخلتُ العيادة ورأيت المعدات التي جهّزها الطبيب. أدوات فولاذية لا توحي بشيء من "بعض الألم". أنا الأربعينية التي تبجّحت بأن المرأة تستطيع الإنجاب مرة واثنتين وثلاثاً وما طاب لها من الذرية، طالما "الله طعَم"، صرتُ أردد في سرّي "شو كان صاير عليكِ؟".
تحول كشط الرحم، الذي كان يُفترض أن يكون إجراءً بسيطاً وسريعاً إلى ساعتين من الألم، انتهتا بنقلي بسيارة إسعاف إلى المستشفى. سمعت الطبيب يُخبر زوجي "عملت اللي عليي"، يعني أنه فعل ما بوسعه ولا يمكنه القيام بالمزيد. أردتُ أن أقول له إنني ما زلت هناك، وإن ضغط دمي الذي كاد يختفي لا يزال يصارع، لكن الألم الذي تكبّدته أثناء كشط الرحم كان قد شلّ قدرتي على الكلام والحركة. على مدى ساعتين، استخدم الطبيب ملقط عنق الرحم والموسّعات وأنبوب الشفط وأداة الكشط، في جسدٍ كان قد خرج من الولادة قبل أسبوع واحد فقط، ولم تكن أنسجته قد التأمت بعد. بلغ الألم حداً تعجز لغتي عن وصفه. لن تسعفني العربية الحبيبة، ولن تتأبط ذراعي رغم أنني سرّحت رموشها أكثر من أربعين عاماً، لأصف ما عانيته. جلّ ما أعرفه أنني لن أنسى اللحظة الأولى التي أدخل فيها الطبيب موسّعات عنق الرحم، ثم أنبوب الشفط الذي خُيّل إليّ أنه غُرز في قلبي، ولا مشهد عبوة تجميع السوائل الجراحية بعدما امتلأت بنحو لتر ونصف لتر من دمي.
كانت المضاعفات أسرع من قدرة الطبيب على احتوائها. تفاقم النزف، ولم يعد ممكناً إيقافه داخل العيادة. أذكر أن آخر ما حقنني به كان الأدرينالين. عرفت لاحقاً أنه يُستخدم في الإنعاش القلبي الرئوي وفي بعض حالات هبوط الضغط الخطيرة. وكان الهدف يومها رفع ضغطي سريعاً ودعم القلب والدورة الدموية.
في المستشفى، لم يعد ما جرى مجرد مضاعفات لعملية صغيرة، بل اشتباكاً مباشراً مع الموت. لم أقاتله بنفسي، لكنه لفظني. كان عليّ أن أعود إلى صغيريّ، إلى الأم التي أردت أن أكونها، أو ربما إلى الأم التي تعلّمت أن عليّ أن أكونها. والفرق بين الاثنين لم يكن واضحاً لي آنذاك.
لم أستفق من نوبات الألم إلا مع هبوط ليل ذلك الأربعاء. مكثت يومين في المستشفى تحت نقل الدم، ثم أمضيت عشرة أيام أتلقى حقناً قوية بمضادات الالتهاب، حُرمت خلالها من إرضاع طفلي بعد عودتي إلى المنزل. كنت محطّمة جسدياً، مرهقة حتى الخدر. ولو كنت أعرف أن الطريق إلى طفلي الثاني سيمر بكل هذا الألم، ربما اكتفيت بابنتي الأولى. كنت قد اختبرت الأمومة معها بالفعل، فلماذا ظلّ طفل ثانٍ يبدو لي ضرورياً إلى هذا الحد؟ إنها فكرةٌ نخرت رأسي تسع سنوات. ابنتي تحتاج أخاً أو أختاً، سنداً يؤنس وحدتها حين نغيب أنا ووالدها. شيئاً فشيئاً، تحولت الفكرة إلى يقين لم أعد أجادله. لم أستشر جسدي، ولم أتوقف طويلاً أمام إنهاكه أو السنوات التي عبرت فوقه. راهنت على قدرته على الاحتمال، كما فعلت في مرات كثيرة كان يفترض بي فيها أن أتوقف وأطلب الراحة.
لم تكن حجة السند التي تشبثت بها استثناءً، بل تشهد دراسات أن أمهات أخريات يشاركنني إياها، إذ تتحول الرغبة في إنجاب طفل ثانٍ من مجرد فكرةٍ مجردة إلى قرارٍ تنفيذي تحت تأثير دوافع بنيوية ونفسية تتجاوز مجرد العاطفة المجردة. في دراسةٍ بعنوان "موتيفز فور هافينغ آي سيكوند تشايلد [. . .]" (دوافع الرغبة في إنجاب طفل ثانٍ [. . .]) نشرت في 2017، يحدد الباحث الألماني شتيفان هولوبك أربعة دوافع رئيسة لإنجاب طفل ثانٍ، استناداً إلى مقابلات مع أمهات وآباء. الدافع الأول السعي إلى مطابقة صورة الأسرة التقليدية، والثاني اعتبار الطفل الثاني خطوة بديهية ومتوقعة، والثالث الرغبة في منح الطفل الأول أخاً أو أختاً، والرابع الرغبة في تكرار تجربة الأمومة والأبوة. ولا يكتفي هولوبك بتحديد أسباب الرغبة، بل يبحث أيضاً في الظروف التي تنقلها من مجرد أمنية إلى قرار بالإنجاب.
كنتُ أجد نفسي في الدافع الثالث تماماً. حدّدت لطفلي الثاني منذ البداية وظيفةً قبل أن يوجد. سيأتي كي لا تبقى أخته وحيدة. وبذلك منحت نفسي سبباً يبدو شديد الإيثار لخوض الحمل من جديد، حتى وإن لم أكن مهيئة له جسدياً ونفسياً. بدأتُ أفهم ذلك منذ الأشهر الأولى للحمل. أخذ جسدي يئنّ ويستنجد، واشتدّ التعب شهراً بعد آخر. لجأتُ إلى التفسير الشعبي الجاهز بأن الحمل بصبي أشقّ من الحمل بفتاة، لكن الحقيقة أن جسدي كان مطحوناً ولم أنصت إليه.
ولأن ما شعرتُ به لم يكن مجرد إحساس عابر، وجدتُ في كتابة إيمان مرسال عن الأمومة، لغةً تصف ذلك الصراع الذي خاضه جسدي بصمت. لم يكن إنهاك جسدي مجرد توهمٍ عابر، بل تجسيداً لحقيقةٍ تفكك فيها الكاتبة والشاعرة المصرية إيمان مرسال في كتابها "كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها" المنشور سنة 2017 أسطورة الأمومة الوردية. وتكشف عن صراعٍ أحيائي ونفسي محتدم، يتسلل فيه الجنين ليرغم الأم على إنكار ذاتها واستنزاف صحتها تحت مسمى الحب.
تقول إيمان إن "الجنين يأخذ نصف جيناته من الأم، فأنانيته تسخِّر جينات الأم وتجعلها تنكر ذاتها من أجله عبر الحب، ليعيش طفلها حتى لو كانت احتياجاته ضد مصلحتها". وفي الفصل الأول "الأمومة والعنف"، ترى مرسال أن "أي وصفٍ طبي لعملية الحمل والولادة يمدّنا بمجازات عديدة عن التهديد والصراع والانتقاء والاستثمار والخطر". وتشرح كيف يدافع جسد الأم عن نفسه أثناء الحمل، وكيف يصبح الانفصال بينها وبين الجنين شرطاً لنجاة كليهما. فالجنين، أحيائياً، ليس سوى جسمٍ غريب قد يسبب مضاعفات تهدد حياة أمه. ولا يختفي هذا الصراع الأحيائي بعد الولادة، بل يمتد إلى العلاقة بين الأم وطفلها، فيجعل حبها لذاتها مصدراً للذنب.
لم تكن تلك الكلمات بعيدة عما شعرتُ به. لم يكن الغثيان والإرهاق أو الصداع المستمر أكثر ما أخافني أثناء الحمل، بل دقات القلب المتسارعة التي كانت تفاجئني وتجعلني أشعر أحياناً بأنني أمضي إلى حتفي. ومع ذلك، لم أتعامل مع ذلك الخوف سبباً لإعادة النظر في قراري. كنت أواصل الطريق وأطلب من جسدي أن يواصل معي. ربما لهذا يراودني اليوم سؤال أكثر إرباكاً من الألم نفسه. هل ينتقص الحديث عما فعلته الأمومة بجسدي من اعتزازي بها؟ لماذا يبدو الاعتراف بأن الحمل والولادة آلماني وكأن فيه انتقاصاً من الحب الذي أحمله لطفليّ؟ وهل صنعت مثاليات الأمومة صورةً بلغت من الصرامة حدّ أن تصبح شكوى الأم من جسدها نوعاً من الذنب؟
الإجابة لا توجد في جسد المرأة وحده. فرغبتها في طفل ثانٍ، مهما بدت شديدة الخصوصية، تتشكل أيضاً داخل مجتمع يرسم صورة للأسرة المكتملة، ويحدد – مباشرة أو ضمنياً – ما يُنتظر من المرأة بعد أن تصبح أماً. ترى عبير الأسمر، الأكاديمية المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة بيروت العربية في حديثها مع الفراتس، أن اختزال رغبة المرأة في إنجاب طفل ثانٍ في غريزة الأمومة يُبسّط قراراً أعقد. فمن منظور علم الاجتماع، لا تتشكل الرغبة الشخصية بمعزل عن السياق الاجتماعي والثقافي الذي تعيش فيه المرأة. وتستند الأسمر في ذلك إلى مفهوم الفعل الاجتماعي عند ماكس فيبر، في كتابه "إيكونومي أند سوساييتي" (الاقتصاد والمجتمع) المنشور سنة 1922. فالفعل لا يُفهم من السلوك الظاهر وحده، بل من المعنى الذي يمنحه صاحبه لذلك السلوك. وعندما تقول امرأة إنها تريد طفلاً ثانياً، لا يكفي إذاً تسجيل الرغبة نفسها. الأهم أن نسأل ماذا يعني لها هذا الطفل، وماذا تنتظر منه؟ وأين تضعه داخل الصورة التي كوّنتها عن نفسها وعن أسرتها؟
توضح الأسمر أن المعايير الاجتماعية والتوقعات الجمعية، تتحول إلى قوةٍ خفية تصوغ قرار الإنجاب، حتى يتماهى ما تريده المرأة ذاتياً بما يفترضه المجتمع عليها. وتستعين بمفهوم الواقعة الاجتماعية لدى إميل دوركهايم في كتابه '"لي رِيغل دو لا ميتود سوسيولوجيك"' (قواعد المنهج في علم الاجتماع) المنشور سنة 1895، لتشرح أن الأسرة محاطة بجملةٍ من المعايير والتوقعات التي تؤثر في قرارات أفرادها. من بينها التصور الشائع بأن الأسرة المكتملة لا تتوقف عند طفل واحد، بل تضم طفلين أو ثلاثة. وقد تشعر المرأة التي أنجبت طفلاً واحداً بأن شيئاً ينقصها، فيما تتولى الأسئلة العابرة والتعليقات المتكررة من المحيط تثبيت ذلك الشعور. تضيف الأسمر، أن هذا لا يعني أن قرار الإنجاب استجابة آلية لضغط المجتمع. فالرغبة الشخصية وما نتلقاه عبر التنشئة والثقافة يتداخل بعضها ببعض إلى درجة يصعب معها أحياناً معرفة أين تنتهي رغبتنا ويبدأ ما تعلّمنا أن نرغب فيه. ويصبح هذا الالتباس أحدّ حين يكون الحمل نفسه محفوفاً بالمخاطر. فالسؤال لا يعود لماذا تريد المرأة طفلاً آخر فحسب، بل لماذا تظل هذه الرغبة وحدها كافية كي تتحمل من أجلها ألماً أو خطراً تعرفه مسبقاً.
ويزداد هذا السؤال أهمية عندما يكون الحمل نفسه محفوفاً بالخطر. فعلم الاجتماع لا يبحث فقط في رغبة المرأة في الإنجاب، بل في السياقات والظروف الاجتماعية التي تجعل هذا القرار مرغوباً وذا قيمة عندها. لذلك، لا يكون الإنجاب غريزة خالصة ولا ضغطاً اجتماعياً مباشراً، بل نقطة التقاء بين الرغبة الشخصية والتنشئة الاجتماعية، وبين الصورة التي تحملها المرأة عن نفسها والصورة التي يحملها المجتمع عن الأسرة.
لكنّ قرار الإنجاب لا يبقى محصوراً في السياقات التي تحيط به فحسب، فكل حملٍ يترك أثراً في الجسد أيضاً، حتى لو لم يكن هذا الأثر مرئياً أو حاضراً لحظة اتخاذ القرار. وما تقوله الأبحاث عن هذه الآثار يفتح باباً آخر لفهم الكلفة التي قد يحملها الإنجاب على جسد المرأة.
تحاول بعض الأبحاث تتبّع الآثار التي قد يتركها الحمل والإنجاب في الجسد على المدى البعيد. منها دراسة بعنوان "بارِتي أسوشييتِد ويذ تيلومير لِنث [. . .]" (ارتباط عدد مرات الإنجاب بطول التيلوميرات [. . .]) لعدد من الباحثين ونشرتها مجلة "هيومن ريبروداكشن" سنة 2018، وجدت الدراسةُ أن النساء اللواتي سبق لهن الإنجاب كانت لديهن تيلوميرات أقصر بنحو 4.2 في المئة مقارنة بالنساء اللواتي لم ينجبن. والتيلوميرات أغطية واقية تقع في نهايات الكروموسومات وتحمي المادة الوراثية، وقدّر الباحثون الفارق الذي رصدوه بما يعادل نحو 11 سنةً من الشيخوخة الخلوية.
لكن هذه الكلفة الجسدية لا تحتاج دائماً إلى تحليل مخبري كي تصبح مرئية. إذ تجسدت نتائج دراسة الشيخوخة الخلوية في وجه صديقة الطفولة سناء، الجالسة أمامي في شرفة مطبخ بيت أهلي، والورود التي زرعتها أمي تحيط بنا بنضارتها، فيما بدا الإجهاد واضحاً على ملامح صديقتي الأربعينية التي أصبحت تحمل ملامح امرأةٍ خمسينيةٍ.
سألتها بعد مقدِّمة لطفٍ طويلةٍ: "ألستِ نادمة على إنجاب خمسة أبناء وقد خسرتِ صحّتكِ بالكامل؟". لا تحتاج سناء إلى التفكير طويلاً قبل أن تدافع عن الخيار الذي استنزف جسدها. أجابتني فوراً، بلكنتها الجبلية المحضة: "يقبروني". ثم صمتت قليلاً، قبل أن تقول بهدوء من بلغ آخر التعب "خسرت حياتي، لكنهم حياتي اليوم. لا صحة لدي، ولا حتى أسنان، لكن لو عاد بي الزمن لأنجبتهم من جديد. ولو سمح لي الأطباء، فأنا أريد ستة أبناء على الأقل، لا خمسة".
لم تكن رغبة سناء في عائلة كبيرة قراراً وُلد بعد الزواج، بل صورة حملتها معها منذ طفولتها. أحبت صديقتي لعب دور الأم مع دُماها المحشوة، تطهو لها بأوانٍ بلاستيكية وترعاها، ثم كبرت واختارت دراسة رعاية الأطفال. وعلى هذا الاهتمام بعالم الأطفال، لم تدخل سناء سوق العمل، إذ تزوجت في سن مبكرة، وكانت قد اتفقت مع شريكها منذ الخطوبة على أن ينجبا ستة أطفال على الأقل، وهي نفسها ابنة عائلة كبيرة تضم ثلاث بنات وثلاثة أبناء. وعلى ذلك، لم تُشبع الولادةُ الأولى رغبةَ سناء التي حملتها طويلاً في الأمومة، بل جعلتها تريد تكرارها. سألتُها مرةً إن كان الطفل الأول أو الثاني أو حتى الثالث، قد منحها في لحظة ما شعوراً بالاكتفاء، محاوِلةً أن أفهم لماذا عادت إلى الحمل كل مرة رغم ما بدأ جسدها يدفعه من أثمان. فقالت ببساطة إنها كلما رأت مولوداً جديداً رغبت في أن تصبح أماً من جديد.
منذ الولادة الأولى لم يكن طريق سناء إلى أطفالها خالياً من الخطر، إذ تحولت كل تجربةٍ إلى اختبارٍ قسري لنجاتها. في الولادة الأولى، وكانت عملية قيصرية، تعرّضت سناء لحساسية خطيرة استمرت أربعين يوماً إثر مادة تخدير ملوثة خضعت بسببها لنظامٍ غذائيٍ صارمٍ لتتحسن بعد أشهر. لكنها لم تخشَ من التجربة فأنجبت طفلها الثاني بعد عامين بجهدٍ أقل. وفي الولادة الثالثة عانت من نقصٍ حادٍّ في الأكسجين استسهلته أمام غريزة الأمومة. أما الحمل الرابع فكان تحدياً جسدياً حقيقياً، إذ عانت صديقتي المرهقة من الإنجاب والتربية من آلامٍ مبرحةٍ تسببت في فقدان متكرر للوعي. رأت الطبيبة أن تكرار العمليات القيصرية في حالة سناء يجعل الحمل أخطر، وطرحت عليها في بدايته خيار الإجهاض بسبب المخاوف الصحية التي كانت تحيط باستمراره. رفضت سناء، ومضت في الحمل حتى وضعت طفلها الرابع.
بلَغَت مساومةُ سناء جسدَها ذروتها في الحمل الخامس، حيث تحولت الأمومة من رغبة حيوية إلى إصرارٍ صريح على المضي إلى حافة الموت. اعتقدنا جميعاً بأنها عدلت عن فكرة الإنجاب إلى الأبد، إذ استغرقت وقتاً طويلاً لتتعافى من مضاعفات التجربة الرابعة. لذلك، حين أخبرتني والدتها ذات صباح، ووجهها يميل إلى السواد، أن سناء حامل من جديد، بدا الخبر أقرب إلى إعلان خطر منه إلى بشارة حمل. كان الحمل الخامس ضرباً من الانتحار، ترقّق جدار الرحم ولم يعد قادراً على حمل الطفل، فطلبت الطبيبة منها أن ترتدي حزاماً يدعم البطن لتخفيف ثقل الحمل. بعد مضي خمسة أشهر على الحمل أصيبت بنزفٍ حاد، فأمرت الطبيبة بالإجهاض لأن الأم تسير إلى موتٍ محتمٍ لكنها رفضت.
يرقّ صوت سناء حين تصل في الحكاية إلى "كريستال"، طفلتها الأخيرة. تقول "الطب اعتبرها ميتة سلفاً، ونعوني بجانبها. صحيح أنني متت وعشت لأنجبها، لكن انظري إليها". تنظر نحو ابنتها كأن وجودها وحده كافٍ لإبطال كل الحسابات التي سبقت ولادتها. تردد ذلك وهي تعاني اليوم من فتق في جدار المعدة وتحتاج إلى عمليات جراحية متتالية لتعيش حياة طبيعية بلا ألم، ومع ذلك تهمس لي دون أن تسمع والدتها: "لو بترجع صحتي، سأنجب السادس".
لا يمكن فهم رغبة سناء في الطفل السادس قراراً منفصلاً عن الأطفال الخمسة الذين سبقوه. تكشف الدراسات النفسية أن دوافع الإنجاب المتكرر تتجاوز التفسيرات المنطقية المألوفة، إذ تتغير طبيعة الرغبة وتتداخل تعقيداتها كلما ارتفع عدد الأطفال المطلوبين. ففي دراسة منشورة سنة 1993 بعنوان "موتيفيشنال أند نون موتيفيشنال ديترميننتس أوف تشايلد نمبر ديزايرز" (العوامل الدافعة وغير الدافعة للرغبة في عدد معين من الأطفال)، درس الباحثان وارن ميلر وديفيد باستا العلاقة بين الرغبة في الإنجاب وعدد الأطفال. اعتمدت الدراسة على بيانات أزواج وزوجات لم ينجبوا بعد، وآخرين لديهم طفلٌ واحد. وخلصت إلى أن الرغبة في عدد معين من الأطفال لا ترتبط بدافع واحد أو بعوامل خارجية فحسب، بل تتداخل فيها دوافع الإنجاب بصورة أكثر تعقيداً. والأهم أن الدراسة وجدت أن هذا الارتباط يصبح أقل وضوحاً كلما تجاوزت الرغبة في الإنجاب طفلين، أي أن من يرغبون في ثلاثة أطفال أو أكثر لا يمكن تفسير رغبتهم بالمنطق نفسه الذي يفسّر الرغبة في الطفل الأول أو الثاني.
وتساعد هذه النتيجة على قراءة تجربة سناء رغبةً ممتدة في شكل معين للأسرة، لا سلسلة من القرارات المنفصلة. فهي لا تبدو وكأنها اتخذت قرار الإنجاب في كل مرة استجابةً لظرف جديد، بل تحمل منذ البداية رغبةً واضحةً في عائلةٍ كبيرةٍ، وتستمر هذه الرغبة حتى بعد أن اختبرت بنفسها كلفة الحمل والولادة ومخاطرهما. وفي حالتها تحديداً، يبدو أن الرغبة في الطفل التالي لم تكن مجرد قرار منفصل عن سابقه، بل جزءاً من دافع إنجابي مستمر يجعل الوصول إلى عدد معين من الأبناء هدفاً قائماً بذاته.
لكن حين يقول الجسد كلمته ولا نستجيب له، فالسؤال الذي نطرحه هنا ليس مدى قدرة جسد المرأة على احتمال حملٍ جديدٍ، بل مدى قدرتها على احتمال الألم والتجاوز عنه. ترى نيكول هاني، المعالجة النفسية العيادية في حديثها مع الفراتس، أن إصرار المرأة على الحمل مرة أخرى بعد تجربة عرّضت صحتها للخطر لا يمكن اختزاله في التهور، ولا يمكن تفسيره برغبة بسيطة ومباشرة في الإنجاب. فقد تقف خلفه رغبة قوية في الأمومة، أو تعلق بصورة معينة للأسرة، أو ضغط اجتماعي وعائلي، أو خوف من الندم، وأحياناً حاجة إلى استعادة الشعور بالسيطرة.
وقد تصبح الأمومة نفسها جزءاً من الطريقة التي تعرّف بها المرأة ذاتها وقيمتها. فيصبح الطفل جزءاً من الهوية الأنثوية، وتشعر المرأة بأن الإنجاب يؤكد أنها أم جيدة وقادرة على منح المزيد، أو أن قدرتها على الحمل والإنجاب جزء أساس من قيمتها في نظر ذاتها. ويتقاطع هذا التصور مع فصل بعنوان "ذا موذَر آيدنتِتي أند سيلف-إستيم" (هوية الأم وتقدير الذات) ضمن كتاب "آيدِنتِتيز إن آكشن" (هويات عاملة) للكاتب جان إي. ستِتس الذي بحث العلاقة بين التحقق من هوية الأم والكفاءة والقيمة الذاتية باعتبارهما بُعدَي تقدير الذات لديها.
وقد وجدت أبحاث في علم النفس أن تجارب الإنجاب السابقة وطريقة تفسيرها يمكن أن تؤثر في إدراك المخاطر واتخاذ القرار. منها دراسة "داينامِك دِسِيجن ميكنغ وِن رِسك بيرسِبشن ديبندز أون باست إكسبيرينس" (اتخاذ القرار الديناميكي عندما يعتمد إدراك المخاطر على التجربة السابقة) نُشرت سنة 2008، وأبرزت أن الخبرة السابقة يمكن أن تغيّر إدراك المخاطر، وبالتالي تؤثر في القرارات اللاحقة. وفي حالة سناء، انتهت كل مواجهة سابقة مع الخطر بنجاتها ووصول طفل حي إلى ذراعيها. وربما جعل تكرار هذه النهاية إمكانية النجاة جزءاً من حسابها النفسي في كل مرة. فحتى حين قالت التحذيرات الطبية إن الخطر يتصاعد، تذكر الجسد ما دفعه من ثمن، بينما كانت التجربة تمنح الرغبة حجة أخرى تقول إنها نجت في المرة السابقة.
ولا تنحصر المسألة في تقدير الخطر، بل تمتد إلى الطريقة التي تُعرَّف بها الأمومة نفسها. تقول نيكول هاني للفراتس، إن الأمومة تتحول عند بعض النساء من اختيارٍ وارتباطٍ عاطفي إلى جزء أساس من قيمة المرأة أمام نفسها. إذ تصبح التضحية معياراً للأمومة، حتى لو كان ثمنها الإرهاق الجسدي والنفسي. وترى أن التمييز بين الرغبة الحقيقية والواجب المفروض لا يكون حاضراً دائماً، فقد تجتمع الرغبة والواجب في القرار نفسه. قد ترغب المرأة في طفل آخر، وفي الوقت نفسه تشعر بأنها مطالبة بالاستمرار في العطاء وإثبات قدرتها على أداء دور الأم مثل ما تتصوره هي وبيئتها. ويتقاطع هذا الكلام مع مقال "أون بينغ أ غود موذر [. . .]" (أن تكوني أماً جيدة: التقديم الأخلاقي للذات في قصص الحياة المكتوبة) لِفانيسا ماي، المنشور سنة 2008 في مجلة "سوسيولوجي". بحث المقالُ كيفية تقديم النساء لذواتهن أخلاقياً في ضوء المعايير الاجتماعية للأمومة الجيدة، وتناول التوتر بين رعاية الأم نفسَها ورعايتها أطفالَها.
حين تصبح الأمومة جزءاً من هوية المرأة وقيمتها، يمكن للجسد أن يتحول إلى ساحة يُختبر عليها مقدار ما تستطيع أن تمنحه. في تجربة سناء، كان الاختبار يتكرر مع كل حمل وولادة جديدة، حتى بعدما أصبح الخطر معروفاً ومسمّى. لكن ثمة نساء لا يبدأن هذا التفاوض بعد الطفل الأول أو الخامس، بل قبل أن يولد الطفل أصلاً.
دخلت هلا رحلة العلاج بعد عام واحد فقط من زواجها، وكانت لا تزال في التاسعة والعشرين من عمرها. تزوجت سنة 2020، وكانت ترغب في أن تصبح أماً منذ عامها الأول في الزواج، رغم أن الانتظار كان خياراً مطروحاً أمامها. لكن مرور سنة من دون حمل دفعها وزوجها إلى إجراء الفحوصات الطبية. لم تظهر نتائج الفحوصات سبباً واضحاً لتأخر الحمل، ومع ذلك لم ترغب هلا في الانتظار، رغم نصيحة بعض الأطباء بمنح الأمر مزيداً من الوقت. لذلك اختارت مع زوجها البدء بالعلاج تدريجياً، من متابعة الدورة الشهرية وتحديد موعد الإباضة، إلى استخدام الهرمونات ومراقبة استجابة جسمها للعلاج.
لم تكن بداية العلاج مؤلمة جسدياً بقدر ما كانت مرهقة بانتظار حمل لا يأتي. تقول هلا للفراتس إن الهرمونات لم تزعجها كثيراً في المرحلة الأولى، لكن مرور الشهور دون نتيجة كان أقسى عليها. وبعد عامين من الزواج، انتقلت مع زوجها إلى التلقيح داخل الرحم، وهو إجراء تُحضّر فيه الحيوانات المنوية قبل إدخالها مباشرة إلى رحم المرأة في توقيت قريب من الإباضة. خاضت هلا التجربة ثلاث مرات، ومضى عام آخر بين المحاولات، دون أن يحدث الحمل.
بعد ذلك، قررت هلا الانتقال إلى الإخصاب في المختبر أو ما يعرف بأطفال الأنابيب. خضعت لأول تجربة باستخدام الأجنة الطازجة، ثم كررت التجربة مرتين، أولاهما كانت مؤلمة، لكنها تحملت. وفي بعض مراحل العلاج، تلقت ثلاث حقن في اليوم بين الهرمونات والأدوية المصاحبة. وكانت حقنة "لوفينوكس"، المستخدمة للحد من خطر تشكل الجلطات في حالات طبية محددة، من أكثرها إيلاماً. أما الهرمونات، فكانت تُستخدم لتحفيز المبيضين على إنتاج عدد أكبر من البويضات تمهيداً لسحبها.
وكان سحب البويضات اللحظة التي فهمت فيها هلا مقدار ما تستطيع احتماله من أجل الحمل. خاضت الإجراء في المرة الأولى من دون تخدير، وتصف إحساسها كما لو أن شيئاً يُشفط من الداخل مع كل بويضة تُسحب. بلغ الألم حداً جعلها تطلب التخدير في المحاولات التالية، فصارت التجربة أقل قسوة. ومع ذلك، لم يظهر في حساباتها سؤال التوقف أو تأجيل الأمومة عاماً أو عامين، إذ كانت لا تزال شابة، ولم تكشف الفحوصات سبباً يمنع الحمل طبيعياً، لكن هذه الاحتمالات لم تكن عندها مساوية لاحتمال واحد تريده الآن، أن تصبح أماً. ولأجل ذلك، كانت صحة الجسد وراحته قابلتين للمساومة.
لم يؤد الألم في المحاولة الأولى إلى النتيجة التي انتظرتها هلا. فشل الإخصاب، واضطرت إلى أخذ استراحة اضطرارية استمرت ستة أشهر، ثم عادت إلى الطبيب نفسه وخاضت محاولة ثانية لم تنجح أيضاً. كانت تشعر بأن جسدها يُستهلك دورة بعد أخرى، لا بسبب إجراء واحد، بل بفعل تراكم الهرمونات والحقن وسحب البويضات وانتظار النتيجة ثم البدء من جديد. ومع ذلك، لم يكن الفشل إشارة إلى نهاية الطريق، بل سبباً للبحث عن طريق آخر.
وجدت هلا في الدعم النفسي ما أعاد إليها القدرة على مواصلة العلاج بعد المحاولات الفاشلة. بعد ذلك، التقت الدكتورة غنى غزيري، رئيسة قسم الإخصاب في المختبر في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، التي قالت لها جملة ظلت عالقة في ذاكرتها: "أرى أنك ستصبحين أماً رائعة". لم تسمعها هلا وعداً طبياً بالحمل، بل دفعة نفسية في مسار لم تعد تعرف نهايته. وتقول إن كلمات طبيبتها منحتها شيئاً من القوة لمواصلة العلاج واحتمال ما يرافقه من تعب وألم.
تُصنَّف حالة هلا ضمن ما يُعرف بالعقم غير المفسَّر، أي حين لا يظهر سبب طبي واضح لتأخر الحمل ضمن نتائج الفحوصات المتعددة. ووفق غزيري، يُعدّ هذا التشخيص شائعاً نسبياً بين الأزواج الذين يواجهون صعوبة في الحمل، ولذلك رأت أن الحمل الطبيعي لا يزال ممكناً، وتوقعت أن تحمِل هلا طبيعياً في مرحلة لاحقة من حياتها. لكن هلا قررت، بدل الانتظار، تجربة الإخصاب في المختبر باستخدام أجنة مجمّدة، غير آبهة بما قد يسببه العلاج لجسدها مرة أخرى.
نجحت واحدة من المحاولات أخيراً، لكن رحلة الحمل لم تكن هادئة، وتحققه لم يضع نهاية لاختبار الجسد. في الشهر الثالث، تعرّضت هلا لنزيف كبير، لكن دعم الطبيبة النفسي كان حاسماً، إذ طمأنتها إلى أن النزيف قد يحدث لدى 22 بالمئة من النساء اللواتي يخضعن لعلاجات الإخصاب. ومع اقتراب نهاية الحمل، انتقل الخطر من رحلة الإخصاب إلى الحمل نفسه. في الشهر الثامن، بدأ صداع شديد يلازم هلا، ثم ارتفع ضغط دمها، فصارت تراجع المستشفى كل يومين تقريباً لمراقبته. وقبل دخولها الشهر التاسع بيوم واحد، رأى الفريق الطبي أن استمرار الحمل أصبح يشكل خطراً عليها، فطُلب منها أن تلد فوراً.
كانت ولادة التوأم بداية مضاعفة جديدة، لا نهاية رحلة العلاج كما تصورت هلا. ارتفع ضغط دمها بعد الولادة بشدة، ووصل الضغط الانقباضي، بحسب روايتها، إلى مئة وعشرة ملليمترات زئبق. وأُعطيت كبريتات المغنيسيوم، التي تستخدم في حالات ارتفاع ضغط الدم الشديد المرتبط بالحمل للوقاية من نوبات التشنج وعلاجها، فيما كانت غزيري، الموجودة خارج لبنان آنذاك، تتابع حالتها مع الفريق الطبي.
وبعد ليلة واحدة من الولادة، دخل جسد هلا أخطر مراحل الرحلة كلها. كانت قد اطمأنت إلى طفليها حين شعرت بإرهاق شديد، ثم أصيبت بنوبة تشنج وفقدت وعيها لنحو خمس عشرة دقيقة. تقول إن أكثر من عشرين طبيباً تجمعوا حولها في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، وإن غزيري كانت أول وجه رأته بعدما استعادت وعيها. انتهى الأمر بهلا في العناية المركزة بعدما شُخصت بمتلازمة "إكلامبسيا"، وهي من أخطر مضاعفات ارتفاع ضغط الدم المرتبط بالحمل، إذ تحدث نوبات تشنج يمكن أن تهدد حياة الأم، وقد تظهر أثناء الحمل أو الولادة أو بعدهما. وهكذا، حين ظنت هلا أن سنوات الحقن وسحب البويضات والمحاولات قد انتهت أخيراً بولادة طفليها، وجدت نفسها تخوض مواجهة أخرى مع جسد أوصله الطريق إلى حافة جديدة.
يمكن تلخيص نظرة هلا لتلك الرحلة بعبارة "الأمومة تبرّر الألم". عرفت هلا أن جسدها يتألم، لكنها رأت في رغبتها في أن تصبح أماً ما يجعلها قادرة على احتمال المزيد. هذا الاستعداد لتحمل الألم لا يعني أن رحلة الإخصاب في المختبر جسدية فقط. ترى الطبيبة غنى غزيري في حديثها مع الفراتس أن كثيراً من النساء يحملن همّ الأمومة ووجوب تحقيقها جزءاً من دورهن في الحياة، لكن الرغبة في الوصول إليها قد تدفع بعضهن إلى تجاهل قدرة أجسادهن على التحمل. وتصف رحلة الإخصاب في المختبر بأنها مرهقة نفسياً قبل أن تكون جسدياً، لأن نتيجتها غير مضمونة. فلو كانت النتيجة مؤكدة، لربما بدا الألم الجسدي أقل وطأة، بعيداً عن لحظات الترقب والقلق. مشيرةً إلى أن العلاقة بين الحالة النفسية والصحة الجسدية موثقة في الأدبيات الطبية والنفسية، مستشهدة بكتاب "ذا بادي كيبس ذا سكور" (الجسد يحتفظ بالأثر) المنشور سنة 2014، للباحث والطبيب النفسي بِسِل فان دِر كولك، الذي يتناول تأثير التجارب النفسية والضغوط، ولاسيما الصدمات، في الدماغ والجسم والصحة. ويشير الكتاب إلى أن أثر الصدمة لا يقتصر على الجانب النفسي والعاطفي، بل يمتد إلى الجانب الجسدي أيضاً، إذ يمكن أن تعيد الصدمة تشكيل استجابة الدماغ للضغط وتُبقي الجسم في حالة من التوتر أو فرط الاستثارة، بما قد يرتبط بمشكلات صحية.
وقد يجعل تكرارُ الفشلِ الأملَ نفسه وقوداً لمحاولات جديدة. تقول غزيري إنها تستقبل نساء يحاولن مرة واثنتين وثلاثاً، وبعضهن يصلن بعد عدد كبير جداً من محاولات الإخصاب، قد يبلغ عشر محاولات، مع أنها لا تنصح عادة بالمضي إلى هذا الحد من دون إعادة تقييم الحالة وفرص النجاح والمخاطر. فكل محاولة جديدة لا تعني جرعة أخرى من الأمل فحسب، بل مزيداً من الاختلالات الهرمونية والإجراءات الطبية والضغط النفسي والجسدي. ولا يرتبط الإصرار دائماً بعدم وجود أطفال سابقين، فهناك نساء، يلجأن إلى الإخصاب في المختبر مع أن لديهن أطفالاً، لأن تجربة الأمومة لا تعني بالضرورة اكتمال الرغبة فيها.
وحين ينعدم الأمل في نجاح المحاولات، تنصح غزيري المرأة بالتوقف، لأن الاستمرار قد يتحول إلى إيذاء للجسد. وتشير إلى أن بعض الدراسات ربطت كثرة محاولات الإخصاب في المختبر بزيادة بعض المخاطر الصحية، ومنها احتمال سرطان المبيض، إضافة إلى ازدياد مخاطر تشكل الجلطات أو حدوث مضاعفات خطيرة أثناء الحمل.
تستشهد غزيري بمريضة لديها أربعة أطفال، وُلدوا جميعاً بعمليات قيصرية، وجاءت تطلب الحمل للمرة الخامسة عن طريق الإخصاب في المختبر. فنصحتها بالتوقف، لأن الحمل بعد أربع عمليات قيصرية قد يعرّضها لمضاعفاتٍ خطيرةٍ، من بينها نزيف يهدد حياتها وربما يستدعي استئصال الرحم.
تكشف هذه التجارب أن الرغبة في الأمومة قد تدفع المرأة إلى الضغط على جسدها لتجاوز حدود احتماله، حتى حين تصبح كلفة الاستمرار عالية، وأن قرار الإنجاب لا ينفصل دائماً عن تصورات أعمق عن دور المرأة والأمومة وما يُنتظر منها.
أما أنا فلا أريد أن أفنى ولا أن يفنى جسدي. أريد أن أنجو مع مغامرة الأمومة ومنها، مع أنني لا أزال أعاني من مضاعفات صحية تحتاج إلى المتابعة. مع ذلك لم أجرؤ على زيارة أي طبيب نسائي منذ عملية كشط الرحم قبل أكثر من عامٍ وشهرين ولا أظنني سأفعلها.
في حالتي وحالة سناء، لم تكن غريزة الأمومة وحدها ما دفعنا إلى المزيد من الأبناء. اختبرنا الأمومة مع الطفل الأول، وعرفنا ما تعنيه، ثم اخترنا أن نعود إلى الطريق نفسه، مع أن أجسادنا كانت تقول شيئاً آخر، ورغم تحذيرات الأطباء. وربما هنا تكمن صعوبة الحديث عن الأمومة خياراً بسيطاً. نختار أن نصبح أمهات، نعم، لكن هذا الاختيار لا يولد في فراغ. تصنعه العائلة والصورة التي نحملها عن المرأة، والأخوة الذين نريدهم لأطفالنا، والأمثال التي نسمعها منذ الصغر، وربما خوفنا نحن من أن يكتفي جسدنا قبل أن نكتشف أننا لم نكتفِ.
وأتساءل أحياناً كيف كان يمكن أن تبدو الأمومة لو أمكن فصل الحمل عن جسد المرأة. قرأتُ عن إنسان آلي يُقال إن التقنية الصينية تعمل على تطويره ليحمل الجنين داخل رحم صناعي، بما قد يتيح للمرأة، يوماً ما، أن تنجب من دون أن تحمل في جسدها كل ذلك الألم والخطر. لو أصبح ذلك ممكناً، هل كنتُ سأفكر في إنجاب طفل ثالث؟ هل كانت سناء ستهرع إلى إنجاب السادس؟ وهل كانت هلا ستأتي بأختٍ أو أخ لتوأمها؟
لا أعرف. لكنني أدركُ أنني، بعد كل ما حدث، لم أعد أرى الأمومة رحلةً تبدأ برغبة وتنتهي بطفل. ثمة جسدٌ يدفع الثمن في الطريق، وامرأة تتفاوض معه في كل مرة. وربما، حين يأتي اليوم الذي لا يعود فيه الجسد مضطراً إلى دفع هذا الثمن، سنعرف للمرة الأولى: هل كانت رغبتنا في الأمومة أكبر من خوفنا من الألم، أم أن الألم نفسه كان جزءاً مما تعلّمنا أن نسميه أمومة؟

