من شنغهاي إلى البوسنة.. كاتباتٌ عربيات يتحدّين القوالب الجاهزة في أدب الرحلات

من مذكرات أميرة بابلية إلى رحلة أمّ طارت بأولادها إلى الهند، تعددت الكتابات والرسائل التي تحكي تاريخاً مليئاً بالمغامرة والألم والطموح، وخطّتها كاتبات عربيات على مدى ثلاثة قرون من السفر والكتابة.

Share
من شنغهاي إلى البوسنة.. كاتباتٌ عربيات يتحدّين القوالب الجاهزة في أدب الرحلات
نساءٌ يكتبن رحلاتهن ويواجهن الصور النمطية | تصميم خاص بالفراتس

"تمرّ السنوات، أتحرّك وأسافر وأكتب وأترجم وأعيش وأحبّ وأكره وأمضي وأسكن، ويبقى سؤالٌ واحدٌ معلَّق. لا يتغيّر ولا يتلاشى ولا أجد له إجابة 'ماذا أفعل بهما' [. . .] وأنني أستعيد بكلّ خطوةٍ نخطوها معاً صلةً انقطعت بانفصالهما عنّي بالولادة، وانفصالهما عنّي بسبب عدم تقبّلي لأمومتهما بسهولة، وبالتالي عدم تقبلّي كونهما أطفالي".

هاتان الشذرتان المقتطفتان من كتاب "كشتبان.. الأم التي طارت" عن علاقةِ كاتبتِه أميمة صبحي بطفليها تجليان محوراً من محاور السِفر الذي سجّلت فيه وقائع وتأمّلات رحلتها معهما إلى الهند. لكنها حين اختارت عنوان الكتاب الصادر سنة 2025، جاعلةً فيه من الأمومة محوراً أساساً، وجّهت عينَي القارئ إلى إدراك أنّ الرحلة التي أخذت الثلاثة إلى الهند كانت أيضاً رحلةً في علاقة الكاتبة وطفليها. فقارئ "كشتبان" لا يقرأ عن رحلةٍ واحدةٍ، وإنما رحلتين تتداخلان على نحوٍ غير مألوفٍ في كتب أدب الرحلات.

"كشتبان" واحدٌ من أربعة كتبٍ تَلاحَقَ نشرُها منذ 2021، ثلاثةٌ منها صدرت في 2025 و2026. يجمع بين هذه الكتب أنها تنتمي إلى أدب الرحلات، وسجَّلتها كاتباتٌ مصريات. على أنّ هذا اللون من الأدب تتباعد وتيرة نشر أجزائه في العالم العربي، ما يجعل تلاحُق أربعة كتبٍ خطّتها نساءٌ في هذا اللون الكتابيّ أمراً يستحق الالتفات له.

تنوّعت موضوعات الكتب الأربعة، "خطوات في شنغهاي.. في معنى المسافة بين مصر والصين" للروائية والصحفية منصورة عز الدين، و"كشتبان.. عن الأم التي طارت" للقاصة والمترجمة أميمة صبحي، إلى جانب "تحت سطح العالم.. ستون يوما في أستراليا" لغادة لبيب، و"رحلة في ذاكرة الحرب.. البوسنة والهرسك" للروائية والصحفية حنان سليمان.

فبين الإقامة الأدبية التي فتحت أمام الكاتبة مجالاً للاشتباك مع الواقع الأدبي والثقافي لدولةٍ أخرى، والبحث وراء فكرة الأمومة بين مدن الهند المترامية، وبين سؤالٍ مسيطرٍ على الكاتبة منذ طفولتها صار مغامرةً عميقةً وراء ما خلّفته الحرب في ذاكرة الأحياء، ثم رحلةً بدأت عائليةً وأصبحت سياحيةً وثقافيةً، جاءت تلك الإصدارات لتقدّم نظرةً مختلفةً للآخر من زوايا معرفيةٍ وثقافيةٍ وإنسانيةٍ متباينة.

ومع هذه الكتب الأربعة، وكتب أخرى سبقَتها أو تزامنت معها خطّتها مرتحلاتٌ عربياتٌ في العقدين الأخيرين، وجدتُني أشارك كاتباتها التساؤل عن معنى الرحلة وتدوينها عندما تسطّرها امرأة، وما الذي يلفت أنظار النساء في رحلاتهن ويشتركن فيه مع الرجال أو يميّزهن عنهم. ووجدتُني أيضاً أبحث في تاريخ أدب الرحلات في عالمنا العربي، الذي بدأ باعتقادٍ أنّ العربيات تأخّرن عن الأوروبيات كثيراً في الارتحال والكتابة، ليقودني البحث إلى اكتشاف تاريخٍ نسائيٍّ طويلٍ في منطقتنا عن ظعنهن وتأملاتهن في السفر، قبل أن يعرفن حتى الكتابة بالعربية.


تاريخ أدب الرحلات متصلٌ بتاريخ الأدب عامة. فالرحلة عنصرٌ سرديٌّ ومكوِّنٌ رئيسٌ في رواية ما يمرّ به "البطل المأساوي"، بحسب وصف الفيلسوف الإغريقي أرسطو (عاش في القرن الرابع الميلاد) في كتابه "فن الشعر". ويتأسس أدب الرحلات على سرد المرتحل وقائع رحلةٍ حقيقيةٍ خاضها وعايش فيها مجتمعاتٍ وأماكن بعيدةً عن المجتمع والمكان اللذين ينتمي إليهما. وعلى هذا الوصف، نجد كتاباتٍ ضاربةً في القدم — أبرزها "تورايخ" هيرودوت — تقف بين التأريخ وأدب الرحلة لانطوائها، إلى جانب التأريخ والتحرّي، على الوصف والتأملات وبعض التخييل.

بقيَ إسهام النساء في هذا اللون الكتابيّ قليلاً. وما احتفظت به اللفائف القديمة لم يُبقِ من أدب الرحلات الذي خطّته النساء نصوصاً كثيرةً أقدم من نصّ "إيجيريا"، السيدة الإسبانية التي كتبت رسالةً طويلةً إلى رفيقاتها تصف فيها رحلتها إلى الأراضي المقدّسة في فلسطين نهايات القرن الرابع. تُعدّ رسالة إيجيريا من أقدم ما دُوِّن في رحلات الحج المسيحية التي تشكّل جانباً لا يستهان به مما سُجّل من أدب الرحلات، كما يذكر بيتر ويتفيلد في كتابه "ترافيل، آ ليتراري هيستوري" (السفر، تاريخ أدبي) الصادر سنة 2011.

لا تحصي الكتاباتُ المعنيّةُ بأدب الرحلات، ومن بينها كتاب ويتفيلد، مدوّناتٍ أخرى للنساء بعد رحلة إيجيريا في القرن الرابع. لكن سنة 1436، أي بعد أحد عشر قرناً، ظهر كتاب "ذا بوك أوف مارجيري كيمب" (كتاب مارجيري كيمب). وفيه تصف مارجيري مشاهداتها في رحلتها إلى فلسطين للحج، وكذلك أحلامها ورؤاها التي تواصلت فيها — على زعمها — مع المسيح والله والروح القدس.

مرّ قرنان آخران قبل أن يصدر "ذا توركيش إمباسي ليترز" (خطابات السفارة التركية) الذي يضمّ مجموعةً من اثنين وخمسين خطاباً من امرأةٍ إنجليزيةٍ أخرى هي السيدة ميري وورتلي مونتاغيو، التي كانت زوجة سفير المملكة البريطانية لدى عاصمة الدولة العثمانية. كتبت ميري هذه الخطابات بين سنتَي 1716 و1718، ونُشرت بعد وفاتها في 1763، وقد وصفت فيها رحلاتها ومشاهداتها في أنحاء الإمبراطورية العثمانية. يُعدّ كتابها بين الكتابات المهمّة والفريدة آنذاك، لأنها تمكّنت من دخول عوالم النساء في الشرق والكتابة عنها، في حين كانت تلك مساحةً مغلقةً ومحرّمةً يستمد الرحّالة كتاباتهم عنها من الخيال لا من الواقع والمشاهدة.

بعد كتاب ميري مونتاغيو، بدأت كتابات النساء في أدب الرحلات تتعدد ويتقارب زمن صدورها. فبعد نحو ثلاثين عاماً من نشر كتابها، نُشر سنة 1796 كتاب ميري وولستونكرافت "ليترز ريتن ديورِنغ آ شورت ريزِدنت إن سويدِن [. . .]" (خطابات كتبت خلال إقامة قصيرة في السويد والنرويج والدنمارك). يُعدّ هذا الكتاب أقرب لكتب أدب الرحلات بمفهومها الحديث كما يذكره فاضل عبود التميمي، أستاذ الأدب بجامعة ديالي العراقية، في كتابه "رحلات المرأة العربية" الصادر سنة 2025. ففيه مزجت الكاتبة بين وصف الرحلة والتأمّلات الفكرية والفلسفية فيما رأته.

بدايةً من كتاب وولستونكرافت عن رحلتها الإسكندنافية، تراجع حضور رحلات الحج في كتابات النساء. باتت كتاباتهن تميل إلى البحث عن المغامرات والاستكشاف وتسجيل يومياتهن في السفر، وكثرت كتاباتهن في هذا الاتجاه خلال القرن التاسع عشر ثم العشرين. برزت خلال هذه المرحلة أسماء إيزابيلا بيرد التي جابت آسيا والشرق الأوسط، وميري كينغزلي التي سجلت رحلاتها في غرب إفريقيا، إلى جانب أوروبياتٍ وأمريكياتٍ أخرياتٍ خصّت كثيراتٌ منهن المنطقةَ العربيةَ برحلاتهن. فبدا وكأن نساء العرب بعيداتٌ عن هذا المجال، بُعدَهنّ عن الكتابة والنشر خلال تلك الحقب التاريخية، أو هكذا كنا نظنّ.


تستهلّ أميمة صبحي كتابها "كشتبان.. الأم التي طارت"، الصادر في 2024، بتعليقٍ على كتابة النساء أدبَ الرحلات. تقول في تعليقها: "ارتحلت السيدات مثلما فعل الرجال تماماً خلال حقبٍ تاريخيةٍ مختلفة، واستطعن تسجيل رحلاتهن بالكتابة والرسومات، وحديثاً بالتصوير [. . .]، تحديداً سيدات أوروبيات تمرّدن على مجتمعاتهن في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، واخترن العيش بشكلٍ مختلف، بل واكتشفن أنفسهن ووجدنها بعد غربةٍ نفسيةٍ ووجودية. لكنني لم أجد لسيداتٍ عربياتٍ تسجيلاً أو كتاباً عن رحلاتهن، وإن ارتحلن".

تبدأ أميمة كتابها من افتراضٍ شائعٍ بأنّ العربيات سجّلن رحلاتهن في وقتٍ متأخرٍ كثيراً عن الأوروبيات اللواتي ذاع صيتهنّ في هذا اللون الأدبي خلال القرن التاسع عشر. وظُنّ أنّ كتابة المرتحلة العربية أخبارَ رحلتها بدأت مع كتاب عائشة عبد الرحمن "بنت الشاطئ" عن رحلتها إلى الحج في "أرض المعجزات"، الصادر سنة 1951. ثم تلَتها كتاباتٌ أخرى، أشهرها كتاب نعمات أحمد فؤاد "رحلة الشرق والغرب"، الصادر سنة 1986.

لكن البحث قادني لدراسةٍ تجمع رسائل نساءٍ عِشن في مصر بين سنَتي 300 قبل الميلاد و800 بعده، يخبر بعضُهن فيها أزواجَهن أو أُسَرَهن عن وقائع رحلاتهن لزيارة معابد بعيدةٍ أو لرعاية شؤون ضِياعهن. جميع هذه الرسائل موجودةٌ في كتاب "ويمِنز ليترز إن إينشِنت إيجبت" (رسائل نساء في مصر القديمة) الصادر سنة 2006. نرى في الكتاب تحوّلاتٍ في حضور النساء داخل المجتمع المصري، بين السلطة الرومانية ثم الحكم الروماني المسيحي، فالحكم العربي الإسلامي. لكن ما يهمّنا هنا هو تسجيل النساء رحلاتهن بخطوطٍ تُراوح بين الثقة والارتباك بين الحروف القبطية والحروف العربية. لكنّ القراءة المتعمّقة في كتاباتهن عن رحلاتهن تحتاج إلى مساحةٍ لا تتّسع لها هذه المقالة.

توجد دراسةٌ أخرى بعنوان "ثري سينشريز أوف ترافل رايتنغ باي مُسلم ويمِن" (ثلاثة قرون من أدب الرحلات بقلم نساء مسلمات)، لشيفان لامبرت هيرلي وآخرين، تغطي الفترة من القرن الثامن عشر إلى العشرين. وعلى أنّ الدراسة غير معنيّةٍ بالنساء في بلاد العرب فقط، نجد إسهاماً واسعاً من نساءٍ خططن رسائل عن رحلاتهن بالفارسية والأوردية والعربية. ومثل قريناتهن الأوروبيات في تلك المراحل التاريخية، كنّ يكتبن مشاهداتهن وانطباعاتهن ومشاعرهن في رحلات الحج، وهناك من ارتحلن لطلب العلم.

تقول الدراسة في متنها إنّ كتابة سجّلات الرحلات وأدبها طالما عُدّت فنّاً ذكوريّاً خالصاً، وإسهام النساء فيه قليل. ولكن حتى مع الاحتفاء بكتابات الرحالات في القرنين الثامن والتاسع عشر، تطغى المركزية الأوروبية وتُهمَل كتابات نساءٍ أخرياتٍ سجّلن رحلاتهن، لاسيما المسلمات. ترجّح الدراسة أنّ إهمال كتابات المسلمات تحديداً يرجع إلى تصوير المجتمعات المسلمة قامعةً النساءَ حيث لا يُسمح لهنّ بالحركة، وهو الاعتقاد الذي تخلخله قليلاً تلك الكتابات.  

لكن الكتابات النقدية العربية التي اهتمّت بكتابة النساء أدب الرحلات تؤرخ البداية عند كتابَين صَدرا في القرن التاسع عشر، تزامناً مع ازدهار كتابات الرحلات التي سجّلتها الأوروبيات، وإن صُنّف الكتابان بالمذكرات، لكنّ فاضل التميمي يصنّفهما في كتابه ضمن أدب الرحلات. أوّلهما كتاب "مذكرات أميرة بابلية" للعراقية ماري تريز أسمر، الصادر في 1844، وسجّلت فيه وقائع رحلاتها بين سنتَي 1815 و1840 بلا رفقةٍ ولا رقابةٍ من رجال. والثاني هو مذكرات الأميرة العُمانية سالمة بنت سعيد، ابنة سلطان عُمان وزنجبار، التي سُجّلت في "مذكرات أميرة عربية" الصادر في جزئين سنة 1886. مع الإشارة إلى أنّ الكتابين صَدرا في لندن، بعدما خطّتاهما صاحبتاهما بالإنجليزية، قبل أن يُترجما لاحقاً إلى العربية.

لا تقف أهمية كتاب ماري تيريز أسمر عند كونه أول كتابٍ لعربيةٍ في أدب الرحلات، بل ترتبط أيضاً بأهمية ماري التي أسّست معهداً لتعليم النساء القراءة والكتابة في العراق وطمحت لأن يكون بلدها مساهماً أساساً في التطوّر والتحضّر، لاسيما فيما يتصل بحياة النساء وحقوقهن. فكانت المشاهدات التي سجّلتها عن رحلاتها منطلقةً من ذلك التوق، ومنحت لرحلاتها في العراق وزناً لا يقلّ عن رحلاتها خارجه، فكتبت عن مدنه وآثاره وأهله بيدٍ مُحبةٍ غيورة. 

أما سالمة بنت سعيد التي بَنَت كتابتها على مذكرات حياتها المضطربة، فكانت مشاهداتها منطلقةً من توقها إلى الحرية لنفسها والآخرين، فكتبت عن أحوال الرقيق في البلدان التي ارتحلت إليها. وخصّت أحوالهم في مسقط رأسها زنجبار، وألمانيا التي اختارت العيش فيها، بالذكر والمقارنة. خلصت سالمة إلى أنّ أحوال أبناء الطبقات الدنيا الفقيرة في الغرب كانت أسوأ من أحوال العبيد في بلدها، لا تأييداً للاسترقاق، وإنما نقداً لأشكاله الحديثة المبنيّة على الإفقار والاستغلال الطبقي. 

خلال العقود التالية على هذين الكتابين، تعددت الرسائل التي كتبتها عربياتٌ عن رحلاتهن وأسفارهن. بعضها استقبلته الصحف والمجلات، وبعضها طَوَته الكتب التي جمعت رسائلهن. من بين تلك الكتب والرسائل، سلسلة رسائل الأديبة اللبنانية لبيبة هاشم في مجلتها "فتاة الشرق" في العقد الثاني من القرن العشرين، وعَنْوَنتها "رحلات فتاة في بلاد الإنجليز"، إضافةً إلى رسائل مي زيادة عن سياحتها في بلدها لبنان التي ضمّها كتابها "سوانح فتاة" المعاد نشره سنة 2012 بعد نحو ثمانين عاماً من وفاة صاحبته.

يمكننا التوقف أيضاً عند سلسلة "رحلات السندباد البحري الثاني" لمي زيادة، التي نشرتها في صحيفة "الصحائف" سنة 1924، وجمعت فيها بين وصف المكان وتأمّلاتها الفكرية والوجدانية. سجّلت مي في السلسلة رحلاتها بين بيروت وحيفا وبورسعيد والإسكندرية. لم أستطع العثور على النصوص لقراءتها، لكنها بهذا الوصف التعريفيّ – الوارد في كتاب "أدب المرتحلة العربية" لبهاء الدين حسب الله أستاذ الأدب العربي بجامعة حلوان، الصادر في 2018 –  ينطبق عليها تعريف أدب الرحلات المعاصر.

على أنّ بهاء حسب الله نفسه قد ذكر في مقالٍ له منشورٍ بجريدة الأهرام في 2018 أنّه لا يعتدّ سوى بكتاب "أرض المعجزات: رحلة في جزيرة العرب" لعائشة عبد الرحمن فاتحةً لكتب أدب الرحلات من كاتباتٍ عربيات. وهو عكس ما يراه التميمي في كتابه الذي تطرق فيه إلى خمسة عشر كتاباً لمرتحلاتٍ عربياتٍ رصداً وتحليلاً، بدأها من الأميرتين العراقية والعُمانية، وضمّ معهما إصداراتٍ لكاتباتٍ من العراق ومصر والمغرب وتونس ولبنان والأردن. من هؤلاء الكاتبات، العراقيتان لطيفة الدليمي وكتابها "مدني وأهوائي" الصادر في 1965، وزينب ساطع عباس في "عامان في الفردوس" الصادر سنة 2012. إضافةً إلى المغربيتين ليلى أبو زيد في "بضع سنبلات خُضر" الصادر في 1968، وعائشة بلحاج في رحلتها "على جناح دراجة" المنشورة سنة 2018.


معظم الكتابات العربية النسائية في أدب الرحلات، التي اعتدّ بها كتاب التميمي، توالى صدورها بعد النصف الثاني من القرن العشرين. لكننا نلمح لها تكاثفاً — خصوصاً في مصر — خلال العقدين الأخيرين. ربما يرتبط ذلك بأنّ السفر إلى الخارج والتجوال في كثيرٍ من دول العالم أسهل على المرأة المصرية من سفرها وحدها داخل ربوع مصر، كما اختبرتُ في تجربتي الشخصية. فالسياحة الداخلية تحتاج إلى حساباتٍ مختلفةٍ في مجتمعاتٍ ما زالت تميل للتحفظ والتشكك في النساء، وأحياناً تكون قوانينها ملتبسة. ولعلّ المثال الواضح على ذلك رفضُ بعض الفنادق في مصر استقبال سيّداتٍ دون مُرافِقٍ، مع أنّ تلك الممارسة تُعدّ تمييزاً يخالف القانون.

على أنّ هذا التضييق أسهم في أن تلتفت الكتابات التي دوّنتها بنات هذا المجتمع عن رحلاتهن إلى المساحات الشخصية والشعورية في رحلاتهن، متجاوزاتٍ الوصف المجرد لمشاهداتهن وانطباعاتهن الفكرية عن الرحلة. نلمح هذا في كتاب "كشتبان.. الأم التي طارت" لأميمة صبحي، الذي جابت فيه مدن الهند بيدٍ تحمل الخريطة، وفي اليد الأخرى طفلان مع أعينٍ منفرجةٍ لاستقبال العالم. تسري رحلة أميمة في اتجاه اكتشاف طبيعة تلك العلاقة شديدة الخصوصية، الأمومة ووجوهها المختلفة، وإعادة رأب ما قد شابَها من تصدّعٍ في زحمة الحياة. معها نكتشف الهند بعينٍ مختلفة. ليست عينَ سائحٍ ولا رحالةٍ، بل عين أمٍّ تعيد تشكيل علاقتها بابنتها عالية التي تتجه إلى سنوات مراهقتها وتوقها للفردية، وابنها نوح الذي يمارس طفولته والتصاقه الدائم بأمّه. يحمل ثلاثتهم حقائب خفيفةً ويعبرون الهند من نيودلهي في الشمال إلى كلكتا وبوبانسوار وتشيناي، نزولاً على طول الساحل الهندي الشرقي إلى الجنوب. ثم يقطعون شبه الجزيرة من أقصى شرقها إلى أقصى غربها، ليصلوا في النهاية إلى كوتشي ثم مونار وتشيراي وجايبور وأغرا، ثم عودةً إلى نيودلهي. يتوقفون عند هذه المدن الهندية المختلفة في طبيعتها وثقافتها ومناخها بلا خطةٍ واضحةٍ سوى تمسّك الأم الكاتبة بأطفالها وبذاتها المبدعة.

انطلقت أميمة داخل الهند وراء هذا المعنى، فليس غريباً أن نجد في سطور الكتاب كثيراً من الأسئلة التي تقودنا التجربة ذاتها إلى إجاباتها. وربما أول سؤالٍ يتبادر إلى الذهن: لماذا الهند تحديداً؟ تشير الكاتبة إلى أنّها البلاد التي أبهرتها طفلةً ومراهقةً صغيرةً بأحلامٍ متقّطعة. الألوان والعبادات كانت أكثر ما تراكم في خلفية عقلها. لذلك ودّت الانغماس في الألوان المبهرة والاقتراب من البعد الروحي في أرجائها، "ربما كان هذا باعثاً على الهدوء" وإيجاد طريقٍ يحتوي الأم وطفليها.

تشير الكاتبة إلى جوانب التشابه بين مصر والهند في أكثر من موضعٍ، حين كان الهنود يعتقدون مثلاً أنّ طفلَيها هنديّان، أو حين استدعى الزحام في نيودلهي والأسواق المحيطة بالمناطق الأثرية إلى ذهنها شوارع القاهرة القديمة. ظلّ هذا التشابه يتكرر في أغلب المدن، حتى إنها كتبت بعد زيارة تاج محل في مدينة أغرا هذا التعليق: "يشبه الهنود المصريين كثيراً، متاجرهم الصغيرة الفقيرة والغنية على حدّ السواء، والمشغولات اليدوية الدقيقة التي يصنعونها ويبيعونها حول الأماكن السياحية، الفهلوة والأصالة ذاتها وهم يعرضون على السياح أعمالهم، ويقنعونهم بالاقتناء والشراء". وقعت الكاتبة ضحية محتالٍ هنديٍّ يدعى عمران، يبدو مصرياً أصيلاً في ممارسته ألعاب "الفهلوة وخفة الدم". حتى إنها مع علمها بأنه محتالٌ، ظلّت تعتمد عليه طوال الرحلة من وقتٍ لآخر. كأنّ ما غادرته لم يغادرها، ويلقي بظلاله على رؤيتها للمكان.

لم تكن الكاتبة في رحلتها حريصةً على رؤية المعالم المشهورة، وإن لم تخلُ الرحلة من ذلك، لكنها حرصت أكثر على رؤية طبيعة الحياة في الهند والاقتراب من الهنود وطفلَيها في أجواءٍ مختلفة. نرى في الحكي تَقاطُع رحلتها مع ذكرياتها عن رحلاتٍ أخرى خاضتها مع طفليها أو بمعزلٍ عنهما، فيبرز انشغالها بتلك العلاقة ومركزيّتها في الكتابة والرحلة، في إطار المقارنات التي تعقدها الكاتبة.

تقارن أميمة بين "الشرق" حيث تنتمي والغرب الذي زارت فيه مدناً عديدةً حين كانت تحاول "الطيران بعيداً"، تارةً وطفلاها ما زالا أجنّةً يطيران معها دون أن يكبّلاها، وتارةً منفردةً ومشغولةً بهما وهما في وطنهما الأم. فتجد أنّ وجودها معهما، وخوضها التجربة ذاتها معهما في الوقت نفسه، هو الوضع الأمثل لرحلةٍ لن تُنسى. تتساءل أميمة: "فكرتُ في ماهية الخلود، نتكاثر ليحمل أولادنا أسماءنا، هل أسافر بأولادي ليظلّوا يحكون لأولادهم وأحفادهم عنّي؟ هل أكتب هذا الكتاب لتبقى السيرة مستمرة؟". وتجيب في موضعٍ آخر: "إنني أستعيد بكلّ خطوةٍ نخطوها معاً صلةً انقطعت بانفصالهما عنّي بالولادة، وانفصالهما عنّي بسبب عدم تقبّلي لأمومتهما بسهولة، وبالتالي عدم تقبّلهما كونهما أطفالي".

إن كانت الكاتبة قد وصلت الهند وفي جعبتها أسطورتها الشخصية، عن الأم التي طارت وبين جناحيها طفلاها، فإنّ أساطير الهند عن النساء والأمهات صاحَبَتْها في الرحلة كذلك. من أسطورة الربّة دروجا التي أوجدها ثلاثي الآلهة وفقاً للأسطورة الدينية الهندوسية، حين أصبح الكون في خطرٍ بسبب الشيطان ماهيشاسورا، وهو شيطانٌ يُرمَز له بنصف إنسانٍ ونصف جاموس. سأل الشيطانُ الإلهَ براهما أن يخلّده، فرفض. ثم سأله ألّا يموت إلا على يد امرأةٍ، ظناً منه أنّ النساء عاجزاتٌ وضعيفات. وحين شعر الآلهة بالقلق، اتحدوا لخلق امرأةٍ محاربةٍ ذات أذرعٍ عديدة. منحوها الحكمة والقوة والقدرة على التدمير ومُثِّلت تمتطي أسداً، وصارت تجسيداً للقوة والطاقة، ودمّرت الشيطان في كلّ مواجهاتها معه حتى تمكنت من قتله برمحها الثلاثي.

تلفت أميمة صبحي إلى البون الشاسع بين تلك الأسطورة وواقع النساء في الهند، ونظرة أبناء تلك الحضارة — التي آمنت قديماً أنّ أمرأةً قادرةٌ على تدمير الشيطان — إلى النساء اليوم. فطوال ترحالها، كان غياب الزوج أكثر سؤالٍ يردّده الهنود على مسامعها، متعجّبين من سفر امرأةٍ بصحبة طفلَين وحدها في بلادٍ غريبةٍ، مع اختلاف الطبقات والثقافات والديانات بين تلك المدن.

تخلص أميمة في "كشتبان" أنّ الرحلة وصعوباتها، التي شكّلت خبرةً مشتركةً بينها وبين طفليها، كان نتاجها قُرباً أكبر بين ثلاثتهم بل وساهمت في تغيّر العلاقة بين ابنها وابنتها اللذين صارا أكثر تقبّلاً بعضهما بعضاً.


كما كان مفتاح أميمة صبحي للهند تجربةً شخصيةً للغاية، حتى لو كانت معبّرةً عن سؤالٍ أنثويٍّ عامٍّ، فإنّ مفتاح غادة لبيب إلى أستراليا كان شخصياً أيضاً. لكنه لم يبدأ من هَمٍّ أو انشغالٍ، وإنما من أواصر عائليةٍ أنتجت كتابها "تحت سطح العالم.. 60 يوماً في أستراليا" الصادر سنة 2026. 

تقول الكاتبة في مقدّمتها: "كنتُ متحمسةً لتلبية دعوة أخي الحبيب إلى زيارته في أستراليا البعيدة جداً، والتي كانت لي مجرد وجهةٍ على خريطة العالم، متميّزةً عن غيرها لوجود شقيقي هناك. لكن عندما زرتها وتجوّلت فيها، رأيتها قصيدةً بعيدةً تنتظر من يصغي إلى موسيقاها الخفية، العذبة الهادئة والملحمية المتسارعة".

تصرّ غادة في مقدّمتها أنّ كتابها لا ينتمي إلى أدب الرحلات التقليدي وأنّه ليس دليل سفرٍ، بل هو "تجربةٌ ذاتيةٌ" كتبتها "خوفاً من فقد التفاصيل"، كما ذكرت في عدة تصريحاتٍ صحفية. ولكن حتى الرحالة الأوائل قدّموا في كتاباتهم عن رحلاتهم تجارب ذاتيةً أيضاً، فما يقرؤه الإنسان من مشاهداته في الرحلة إنما يخضع لفرديته ورؤيته التي تميّزه عن غيره.

قضت غادة ستين يوماً ما بين مدينتَي بيرث وملبورن، وكادت تكتب عن كلّ ما رأته فيهما بالتفصيل. فدوّنت المعالم السياحية والحدائق والحيوانات والمكتبات، وغير ذلك مما لفت انتباهها في المدينتين. ومع محاولتها أن يبقى كتابها مخلصاً للتسجيل، ظلّت أفكارها ومشاعرها تتسلل بين ثنايا فصول الكتاب. فاستغرقت كثيراً في كتابةٍ شعوريةٍ منفعلةٍ بالاضطهاد والتنكيل الذي عاشه سكّان أستراليا الأصليون على أيدي المستعمرين الأوروبيين، وانشغلت بما تشهده العقود الأخيرة من محاولاتٍ لردّ الاعتبار عن طريق ترسيخ وجود السكّان الأصليين في كلّ التفاصيل التي عاينَتْها. فخصّصت مساحةً كبيرةً للسكّان الأصليين وتجاربهم، وربط تاريخهم بالحقائق المعاصرة، مع الإشارة إلى أثر الاستعمار وأحداث التاريخ التي تركت بصماتها على المجتمع الحالي. وجدت غادة أنّ حضورهم الكبير نابعٌ في الأساس من شعورٍ بالذنب لدى الدولة. ولعلّ من أهم ما أشارت إليه وجودُ مسؤوليةٍ اجتماعيةٍ في تكريس الجهود للمّ شمل العائلات التي خَطف المهاجرون الأوائل منها أولادها وهم أطفالٌ بقوة القانون، حين كان مسموحاً للسلطة انتزاع أطفال السكّان الأصليين من أهلهم بحجة تربيتهم تربيةً أفضل، وهم من أُطلق عليهم مصطلح "الأجيال المسروقة".

يعدّ الكتاب تجربة سفرٍ شخصيةً لا تحمل سؤالاً أو همّاً أنثوياً خاصاً كما في "كشتبان" أميمة صبحي، إلا أنّها أنتجت أسئلتها من قلب التجربة ذاتها، لتكون ملهمةً لهواة السفر ومحبّي المعرفة معاً. فالكاتبة في الأصل طبيبة أسنان، لكنهّا تدير مجموعة قراءةٍ شهريةٍ وتنظم ندواتٍ وفعالياتٍ لها حضورٌ في الواقع الثقافي المصري. فلم يكن غريباً أن ينصبّ جزءٌ من اهتمامها في أرض الكنغر على البحث عن مجموعات قراءةٍ في أستراليا، وحضور فعالياتها مع ضيق الوقت.


لم يكن لدى الروائية منصورة عز الدين الوقت ولا التخطيط كي تجوب أنحاء بلدٍ مترامية الأطراف مثل الصين، فأمضت شهرين في شنغهاي. في كتابها "خطوات في شنغهاي.. عن معنى المسافة بين مصر والصين" الصادر في 2021، تقول الكاتبة إنّ رحلتها جاءت في إطار إقامةٍ أدبيةٍ للتفرّغ من أجل كتابة عملٍ روائيٍّ لا تدور أحداثه في الصين، إلى جانب المشاركة في فعالياتٍ ثقافيةٍ بحضور كتّابٍ من بلدانٍ شتى. وبين كل ذلك، كانت تكتب يومياتٍ عن علاقتها بالمكان وما تعيشه خلال تحرّكاتها في المدينة، وتسجّل ما يخلّفه كلّ ذلك بداخلها من أفكارٍ وهواجس.

تصف منصورةُ السفرَ بأنه "قطيعةٌ مع ما سبق وتعاقدٌ مع المستقبل". وتُقَولب علاقتها بالمدن التي رأتها في سفراتها المتعددة من خلال علاقة تلك المدن بخيالها وأثرها فيه. تقول في مقدّمتها: "أعرف أنّ مدناً تقهر المخيّلة، تستنزفها وتحوّلها إلى خرقةٍ، ومدناً أخرى تثريها وتشحذها لدرجةٍ تحيلها إلى سيفٍ مَسنون". ويبدو أنّ شنغهاي قد شحذت مخيّلة الكاتبة في اتجاهاتٍ شتى، وهو ما أعلنته حين كتبت: "هذا الكتاب ليس فقط عن شنغهاي أو لؤلؤة الشرق كما يحلو لأهلها أن يطلقوا عليها، ولا عن بكين أو جوهاي أو الصين في المجمل، لكنه أيضاً وبالأساس عن علاقتي بمفهوم المسافة، عن الأماكن بشكلٍ عامٍّ، عن مدنٍ عديدةٍ رأيتُها أو تخيّلتُ رؤيتها. مدن تقع شنغهاي في القلب منها، أو هي منها بمثابة مرآةٍ سحريةٍ تنعكس عليها صور كلّ ما سواها، وتنعكس صورتها هي على ما عدّاها من مدنٍ وفضاءات".

بين تأملات منصورة عن السفر والترحال، نجد أنّها لا تحبذ الكتابة من منطقة الرحالة القدامى التي تعتمد على الوصف والتسجيل، وتفضّل الغوص في المكان ذاته فتُفرغ فيه من ذاكرتها ومعارفها. مثلاً، يتكرر وصف كل ما يخصّ النباتات. وهو ملمحٌ أساسٌ تحفل به أعمالها الروائية، فكان طبيعياً أن يحتلّ مساحاتٍ من كتابها الأحدث. نجده مثلاً بتناولها أسطورةً صينيةً ترتبط بشجرة الخوخ التي ترمز في الثقافة الصينية إلى طول العمر، ويعتقد أنّ خشبها يبعد الشرّ. تتعرض منصورة لرمزية الخوخ في الأساطير الصينية، منحازةً إلى اتخاذ الشجرة رمزاً للعودة إلى الجذور، فتنطلق من ذلك لتخبر القارئ عن بيت طفولتها الذي وُلدت به وكان محاطاً ببستانٍ للخوخ. وهكذا، تربط الكاتبة بشكلٍ متكرّر بين ما تراه وما عاشته في وطنها أو حتى في مكانٍ آخر. وهو ما انتهجته مع أشجار البامبو وزهرة اللوتس وأعواد قصب السكر وأشجار الماغنوليا في مواضع أخرى، في تداعٍ دائمٍ بين المكان وتجلّياته في الذاكرة، وما يستحضره من أماكن أخرى.

اهتمت الكاتبة أيضاً بالتفاعلات الثقافية مع المكان من خلال كتّابه ومثقّفيه، وما تفجّره المدينة من أفكارٍ حول كتّابٍ صينيين وغير صينيين خلال مناقشاتها مع كتّابٍ من جنسياتٍ مختلفةٍ يشاركونها الإقامة. وبذلك، حوّلت منصورة كتابها في كثيرٍ من فصوله إلى نصٍّ إبداعيٍّ مفتوحٍ، فيه شيءٌ من التخييل، ومتفاعلٍ مع كتّابٍ وحكاياتٍ امتدت إلى حيوات الكتّاب الآخرين في بلدانهم الأخرى. فتعدّت في رحلتها المكان، وبات كتابها رحلةً في ذاكرتها وفيما يمكن أن يشحذه المكان في ذاكرة الآخرين.

قالت منصورة إنّه لا يمكن معرفة مدينةٍ ما، إلا بزيارة بيت أحد أبنائها. لكنّ زياراتها دوماً كانت لبيوت مثقّفين، مثل زياراتها الكاتب لو ياو فور وزوجته الروائية بن هويفن. وبطبيعة الحال، كانت علاقة منصورة وثيقةً أكثر بهذا الجانب الثقافي في المدينة.

وخلاف ما كانت تسعى إليه أميمة صبحي في "كشتبان"، أي التمييز بين المدن الهندية وربطها بالعمق الثقافي الهندي دون انشغالها بتساؤلاتٍ كثيرةٍ عن المكان نفسه — ربما لانشغالها برحلتها الأهم في علاقتها بطفليها — كان لمنصورة رؤيةٌ أخرى. فهي تحفظت على رؤية البعض شنغهاي مدينةً غير صينيةٍ بما يكفي لطابعها التعددي إثنياً وثقافياً (تضمّ شنغهاي جاليةً جنوب إفريقيةٍ كبيرةً ومندمجةً إلى جانب عرقياتٍ وجنسياتٍ آسيوية)، ورفضت حملها على التعرّف إلى الصين من بوابة المدن الصغيرة والريفية. وكان من بين أسئلتها: "هل هناك نسبة محددة أو وصفة بعينها تجعل مدينةً ما صينيةً أكثر من سواها؟" الأسئلة المفتوحة والمختلفة، والتي لا ترفض الأفكار المسبقة، هي ما شكّل علاقة منصورة بالمكان، بل والزمان أيضاً. ففي نهاية كتابها، تشير إلى هذا الخلل الزمني الذي يحدث عند الانتقال من مكانٍ إلى آخر لمسافاتٍ هائلة. فحين غادرت الصين ظهراً، وصلت موسكو مع غروب اليوم نفسه، مع أنّ الرحلة تستغرق عشر ساعات. فاستدعت ذاكرتها الفوارق الزمنية الشبيهة التي لازمتها في رحلاتها، وعلّقت قائلة: "وهكذا وجدتُ أنّ ما بدأتُه بعنوانٍ يتمحور حول معنى المسافة، ينتهي بي إلى التساؤل عن معنى الزمن ومغزاه. لكنه تساؤلٌ لا أملك إجابةً له، على الأقلّ لا إجابة مُرضية لي، لذا اكتفيت بترديد مقولة الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي 'الزمان مكان سائل، والمكان زمان متجمّدُ'".


في كتابها "رحلة في ذاكرة الحرب.. البوسنة والهرسك" المنشور سنة 2026، لا تستغرق حنان سليمان في التفكير بالإبداع وأسئلته أو الأمومة وهمومها، بل تتجه مباشرةً إلى البحث عن إجابة سؤالٍ شَغَلها منذ الطفولة: "لماذا انشغلَتْ عائلتُها بأخبار حرب البوسنة في التسعينيات؟.

يبدأ كلّ شيءٍ من تلك الفكرة الملحّة، حين كانت طفلةً لا تتعدى التاسعة من عمرها تشاهد نشرة أخبار التاسعة مساءً وتتابع مع عائلتها مأساة البوسنة والهرسك على يد الصرب. لم تفهم وقتئذٍ ما الذي يربطها بهم، ولماذا امتلأ بيتها بصدى مأساتهم. تقول حنان في مقدّمة كتابها إنّ سؤالها طفلةً لم يفارقها حتى "صار شغفاً ناضجاً" في ثلاثينياتها، فارتحلت إلى موقع المأساة لا بحثاً عن تفسيرٍ وإنما عن ملامح هذا الحزن الأول.

قامت الكاتبة برحلتها خلال أيام المسيرة السنوية التي تُقام من الثامن إلى العاشر من يوليو، للسير ما يقرب من مئة كيلومترٍ لإحياء ذكرى المأساة. لكنّ الكتاب صدر بعد أعوامٍ من الرحلة، بعد الذكرى الثلاثين للإبادة الجماعية في البوسنة، وكذلك الذكرى الثلاثين لاتفاقية السلام بين البوسنة وصربيا.

يمكن اعتبار كتاب حنان سليمان رحلةً صحفيةً استقصائيةً امتدّت أسبوعين، قضت منهما أسبوعاً طالبةً في جامعة سريبرينيتسا الصيفية، مشاركةً في برنامجٍ مكثّفٍ يتعرّف فيه المشاركون على تاريخ البوسنة وحاضرها. تصف الكاتبةُ البرنامجَ بأنّه يجمع بين التعليم الميداني والإنصات إلى الذاكرة الحيّة، ويشمل جولاتٍ في المتاحف والمواقع التاريخية ولقاءاتٍ مع مسؤولين ونشطاء وأهالي عاصروا تلك الحرب، وتنوء أرواحهم بثقل حكاياتهم عنها. شاركت أيضاً في مسيرة السلام السنوية التي تسير على طريقٍ سار فيه من قَبْلُ نحو خمسة عشر ألف بوسنيٍّ، أغلبهم من الرجال العزّل الراغبين في الفرار من الجحيم الذي شهدته بلدة سريبرينيتسا حين سقطت في يد القوات الصربية سنة 1995، لتدور المذبحة المصنّفة أسوأ واقعة إبادةٍ جماعيةٍ منذ الحرب العالمية الثانية.

من خلال تلك المسيرة، وما جمعته من معلوماتٍ ومصادر وشهاداتٍ، تخلص حنان لشغفها الصحفيّ وتحكي عمّا شهدته البوسنة، موازنةً بين تقديم معايشة المكان وأبطال الحدث وبين الغوص في ذاكرة الحكاية. وعن ذلك تقول: "ليس حكاية ماضٍ، بل جريمة قابلة للتكرار والتجدد كلّ يومٍ لأسبابٍ كثيرةٍ، في عالمٍ لم يتعلمّ بعد من جرائمه".

ومع أنّ الكتاب في الأساس منشغلٌ بالحرب التي صنّفتها الأمم المتحدة إبادةً جماعيةً، إلا أنّ حنان لم تترك جانباً من جوانب الحياة في البوسنة الحالية إلا وتطرقت لها ووضعتها في سياق تاريخ البلد وتفاعلات الناس فيها وأصداء المأساة. يستوي في ذلك رصدها المعمار والأدب والطعام والمتاحف والمكتبات. كلّ ذلك يوضح بشكلٍ أو بآخر تعقيد الهوية البوسنية الذي أسهم في تعقيد وضع سراييفو أثناء حرب الصرب عليها، وردود الفعل العالمية المتهاونة مع تدميرها. وحتى اتفاقية السلام التي زادت الوضع تعقيداً، بتهميش هوياتٍ داخل البلد المترامي على حساب أخرى.

هذا التعدد يذكّر بتعقيد الهوية في الهند كما أوضحت أميمة صبحي في كتابها كشتبان، وإن لم تركّز على ما خلقه هذا التعقيد من صراعاتٍ داخل البلاد على شاكلة ما حدث في البوسنة، لأنّ هدف الكتابين مختلف.

ولئن كانت الهند والصين وأستراليا بلاداً عُرفت بأساطيرها القديمة، فإنّ للبوسنة قصةَ حُبٍّ تعكس هذا التعقيد الهوياتي، تقارنها الكاتبة بما نسجه ويليام شكسبير في مسرحية "روميو وجولييت". ولكنّها قصةٌ أكثرَ استحالة. فهي لا تحمل صراعاً عائلياً، بل طائفياً. هي قصة بوشكو الصربي المسيحي الأرثوذكسي وأدميرا البوشناقية المسلمة، اللذين عاشا في المدينة التي تجمع الديانتَين والعرقَين. وأثناء الهدنة المؤقتة بين الجيش البوسني والجيش الصربي في مايو 1993، حاول الحبيبان عبور الجسر إلى منطقةٍ أخرى، لكنهما تلقيّا رصاصاً من الجانبين وبقيت جثتاهما عالقتَين سبعة أيامٍ، فأُطلق على الجسر اسم روميو وجولييت. لكنّ الحكايات والشهادات التي جمعتها حنان لم تكن كلّها بتلك الشاعرية. فالحرب خلّفت آلاف الضحايا والجرحى والفتيات المغتصبات، وأطفالاً نِتاج الاغتصاب، وكثيراً من التشوّه النفسي. ذاكرة الحرب التي عملت حنان على توثيقها بالعربية طوال رحلتها، وأيضاً ما قبل الرحلة وما بعدها من خلال الكتب والوثائق، تستحق كل ما عانته في سبيلها.


خاضت الكاتبات المعاصرات رحلاتٍ إلى فضاءاتٍ مختلفةٍ، وتنوّعت دوافعهن إلى السفر وما اخترن أن يكون محوراً لكتاباتهن عنه. انعكس ذلك على علاقتهن بالذات والآخر عبر المكان.

لكنّ كتابتهن ليست معلّقةً في فضاءٍ فارغٍ، بل يقف وراءها تراثٌ متراكمٌ من كتاباتِ نساءٍ أخرياتٍ عشن في هذه المنطقة من العالم وارتحلن داخل أوطانهن وخارجها، فسجّلن نزراً من رحلاتهن بلغاتٍ وألسنةٍ مختلفة. وكأن نساء هذه المنطقة من العالم كنّ يغزلن منذ ما قبل الميلاد سجلّاً يتحدى الصور والقوالب التي يحاول العالم وتحاول مجتمعاتهن أن تَضَعَهن فيها.

اشترك في نشرتنا البريدية