ليس للفلسطينيين مطارٌ في الضفة الغربية، إذ ليس لهم سوى جسر الملك حسين معبراً إلى الخارج. يخضع الشارع المُعبّد الذي يقطع الحدود الفاصلة من فوق نهر الأردن ويسمى جسر الملك حسين إلى ثلاث سلطات، هي الأردنية والفلسطينية والإسرائيلية. تنظّم هذه السلطات حركة نحو 38 ألف فلسطيني أسبوعياً.
وتختزل تجاربُ سفرِ الفلسطينيين عبر هذا الجسر، حالةَ المعاناة والإذلال العميقة التي تمثلها إسرائيل. وتظهرُ التجربة في ثلاثين شهادة جمعتها الفراتس في مقابلات، أفاد أصحابها أن معاناتهم تبدأ من عملية فحص الأوراق المعقدة من السلطات الثلاثة، ثم تمتد لمرحلة الانتظار الطويلة التي اختلقتها التعقيدات الإدارية على المعبر. ولأن الجسر يقع في منطقة قانونية ضبابية، نجد أن الجنود الإسرائيليين يوقعون بالفلسطينيين عقوبات عشوائية، ويعاملون أجساد الفلسطينيين والفلسطينيات بطريقة مذلّة منتهكة الكرامةَ.
ساهم الجسرُ في عقوده الأولى في ربط فلسطين بما حولها. يقول الباحث الفلسطينيّ في الدراسات الثقافية محمد مشارقة، إن ظهور الجسر مرتبط بتعزيز الحركة التجارية بين القدس وضواحيها والضفة الشرقية للنهر. لكنه لم يكن الجسرَ الوحيد آنذاك، بل كانت هناك جسور ومقاطع نهرية يمكن عبورها سيراً على الأقدام، وهذه الطبيعة الجغرافية كانت تسهّل التواصل. إلا أن هذا الجسر تحديداً ارتبط بمركزية القدس، يخرج منها طريقاً رئيساً يتجه شرقاً نحو الأردن ويمتد حتى بغداد.
أعاد البريطانيون بناء الجسر، وترجح معظم المصادر بناءه سنة 1919 بتصميم جديد، وأسموه "جسر ألنبي" تكريماً لإدموند ألنبي، قائد الجيش البريطاني الذي احتل فلسطين. والجسر الذي نعرفه اليوم هو في الواقع بناء بريطاني أُقيم فوق أساسات الجسر العثماني القديم. يعلق مشارقة على ذلك قائلاً "كأن كل قوة استعمارية تبني طبقتها فوق التي سبقتها". وفي يونيو 1946 نفذت عصابة بلماخ الصهيونية عملية ليل الجسور التي فجرت بموجبها الجسور التي تربط فلسطين بالدول المحيطة بها. إلا أن الانتداب البريطاني رمم الجسر بعد هذه الحادثة.
كان الجسر طريقاً مركزياً يربط القدس بعمّان، وقتما كانت الضفة الغربية تحت الحكم الأردني بين النكبة سنة 1948 حتى حرب 1967. إذ غدى شرياناً رئيساً لنقل السلاح والمؤن إلى فلسطين، ومعبراً مهماً لحركة الأفراد بين ضفتي نهر الأردن. فقد كانت الضفتان تُعاملان أرضاً واحدة ضمن خطط تنموية مشتركة. وجاءت حرب سنة 1967 لحظة حاسمة في تاريخ الجسر. فبعد أن شهد تقدم القوات الأردنية بداية الحرب، دُمّر بعد سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية. ومع كونه مدمراً، استخدمه آلاف الفلسطينيين المهجرين طريقاً للنزوح بعد الهزيمة. وبعد أن أعيد بناؤه سنة 1968 بهيكل حديدي مؤقت، تحوّل إلى معبر غير مستقر طيلة الفترة التي تلت حرب 1967. وفي أعقاب توقيع معاهدات السلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ودولة الأردن في منتصف تسعينيات القرن العشرين، حُدّثَ الجسر وطورت بنيته ليصبح نقطة العبور الرئيسة بين الأردن والضفة الغربية، خاصة للفلسطينيين.
تكمن أهمية الجسر في كونه المنفذ الرئيس لسكان الضفة للعالم. يرى مشارقة أن غياب معبرٍ جوي فلسطيني بعد إغلاق مطار القدس "قلنديا" جعل الجسر المنفذ الوحيد للفلسطينيين. ولكنه منفذٌ خاضع لسيطرةٍ إسرائيليّةٍ كاملة. يقول مشارقة: "إنه ليس مجرد معبر، بل هو حاجزٌ يتحكم في حق الفلسطينيّ بالتنقل، ويُستَخدَم أداة للمراقبة والاعتقال والتحكّم بحركة الأفراد". ومع أن آمال سكّان الضفّة ارتفعت مع رفع العلم الفلسطيني على المعبر بعد اتفاقية أوسلو، إلا أن السيادة عليه واقعياً ظلّت بأيدي الإسرائيليين. فكافة القرارات الأمنية والسياسية كالتفتيش والمراقبة والسماح بالعبور ظلت إسرائيلية.
تقسّم السلطات الأردنية الفلسطينيين إلى فئتين. فيُعطى الفلسطيني الذي لا يحمل رقماً وطنياً أردنياً بطاقة جسور خضراء. ومن يحمل هوية أردنية وفلسطينية، يُعطى بطاقة جسور صفراء. أما أهل القدس الشرقية فمعظمهم يحملون إقامة دائمة في إسرائيل، ويمكن لبعضهم حمل جواز سفر أردني وثيقةَ سفرٍ من دون أن يعني ذلك بالضرورة حملهم الجنسيةَ الأردنية. والفرق بين البطاقتين أن صاحب البطاقة الخضراء يُعامل أجنبياً في الأردن، وعليه أن يذهب إلى قسم "المتابعة والتفتيش" لتجديد الإقامة، ويدفع عشرة دنانير رسوم دخول في كل مرة يتوجه فيها إلى الأردن. أما البطاقة الصفراء فلا تتطلب ذلك، لأن حاملها يُعتبر مواطناً أردنياً ولا يدفع رسوماً.
تلخص قصة عماد، الشاب الثلاثينيّ، التعقيداتِ التي تطرحها وثائق السفر عبر الجسر. يستخدم عماد الجسر منذ سنة 2009 بتكرار، فهو مواطنٌ فلسطينيٌّ قانونياً، وأهله حاملين الجنسية الأردنية دونه. وهذا يعني أنه الوحيد من أفراد عائلته الذي يستطيع الذهاب لزيارة فلسطين وأقاربه من الدرجة الأولى هناك. يقول "زرت فلسطين وأنا صغير بتصريح زيارة [تصريح يسمح بالزيارة فقط وليس الإقامة] وهناك خالفت [لم يلتزم بالشروط] حتى حصلت على لم الشمل [نظّم وضعه قانونياً] الذي يمكّنك من الحصول على رقم وطني فلسطيني وأصبح بإمكاني السفر". وبعد ذلك تمكّن من زيارة أهله والدراسة بالجامعة في الأردن، لتغدو حياته مقسومةً بين الأردن وفلسطين. ولا يحمل عماد رقماً وطنياً أردنياً، وإنما الهوية الفلسطينيّة التي يحملها سكان الضفة وغزة. قبل كل سفر يلازم عماداً القلقُ ويصعب عليه النوم ويظل يفكر "ماذا سيحدث؟ هل سيوقفوني؟ هل سيستدعوني للتحقيق؟".
يصف عماد علاقته بالجسر بأنها أكثر علاقة سامة في حياته. يبدأ الأمر من الأوراق المطلوبة، والتي يتأكد منها مئة مرة قبل سفره. فحسب كلامه، أي مواطن في العالم يسافر بجواز سفر واحد، أما هو، فيجب أن يحمل أربع أو خمس وثائق: جواز السفر والهوية وبطاقة الجسور الخضراء والتصريح. وكل سلطة من السلطات الثلاث تطلب وثيقة مختلفة.
يتراوح مدى سوء عبور الجسر بحسب مدّة الانتظار. فقبل الدخول للجنة التفتيش الإسرائيليّة، على المسافر أن ينتظر داخل حافلاتٍ مكتظةٍ لعبور مسافة لن تستغرقه دقائق إن اجتازها على قدميه، لكنه بناء على الأوامر الإسرائيلية، قد ينتظر لعبورها ساعات طويلةً تصل في حدها الأدنى إلى ثلاث ساعات.
وأحياناً يُطفَأ التكييف في حرّ الأغوار (المنطقة التي يقع فيها الجسر) التي تعد من أكثر مناطق الأردن ارتفاعاً في درجة الحرارة التي يصل متوسطها من 38 إلى 42 درجةً مئويةً في فصل الصيف، و16 إلى 22 في فصل الشتاء. تخلق هذه الظروف حالة لا تطاق خاصةً للأطفال وكبار السنّ، مع انعدام الأمان والقدرة على النزول من الحافلة لاستنشاق بعض الهواء. وعند سؤال بعض المسافرين عن أسباب هذا التعطيل، رجح بعضهم أنها نتيجة رغبة متعمدة من الجانب الإسرائيليّ في إعاقة المسافرين، وأشار آخرون إلى أسباب أخرى مثل انشغال الجانب الإسرائيلي بتناول الطعام، أو حتى تعكّر مزاج الجنود وعدم رغبتهم بالعمل.
تجربة الانتظار تكون أقسى لمن يعانون من أمراض وآلام مزمنة. الكاتبة شروق طومار أردنية الجنسية، حرص والدها على أن تكون ولادتها في الضفة الغربية - مثل كثيرين - للحفاظ على مواطنتها الفلسطينية. وتتنقل عبر الجسر منذ ولادتها سنة 1982. تذكر أنها تعاني من آلامٍ أسفل ظهرها، ما يجعل الجلوس ساعاتٍ طويلة في الحافلة يشكّل ضغطاً إضافياً عليها، يزيد من صعوبته الانتظار في حرارة الأغوار. وتضيف "تتحرك الحافلة أمتاراً قليلة كل نصف ساعة، يطلب البعض من المجندين النزول للتدخين أو للتنفس، وبحسب أمزجة المجندين [قد] يعطون الإذن بذلك أو يرفضون".
ويتأثر الإنتظار مباشرة بالأحداث الأمنية في الداخل الفلسطيني. تذكر شروق أنه إبّان الانتفاضة الثانية، ثورة الفلسطينيين سنة 2000 احتجاجاً على اقتحام أرييل شارون باحات المسجد الأقصى، استغرقت رحلة الجسر 13 ساعة. أما عائلة طومار فقد اضطر أفرادها للانتظار أياماً في أريحا غير قادرين على العودة إلى الأردن. أما الستينيّة هنادي - طلبت إخفاء اسمها الكامل - فتنقل أنَّ "جميع المسافرين معرّضون للمضايقة والانتظار حال حدوث أي مشكلةٍ عند الإسرائيليين". وتتحدث عن بقائها هي وابنتها الصغيرة عالقتين في الحافلة ستّ ساعاتٍ تحت حرّ الأغوار، تستعيد التجربة المنهكة وتقول "كدنا نموت. إذا حدثت لديهم مشكلة أمنية، يغلقون الجسر لبعض الوقت، هناك أناس يصابون بالدوار ويمرضون، لكن هذا لا يهمهم".
وثمة أحداث أمنية لا تتضح فيها طبيعة التصرف الذي سيقدم عليه الجانب الإسرائيلي، ولا يسع العابرين توقع إن كانت قد تؤدي لإغلاق الجسر دون إعلان سقف زمني واضح، ما يترك المسافر في مواجهة المجهول. فبعد اندلاع الحرب الإيرانيّة الإسرائيليّة سنة 2025 واجتياح القوات الإسرائيليّة نابلس، لم يكن واضحاً ما إذا كان الجسر سيُغلق أم لا. كانت شروق حينها في زيارةٍ لعائلتها في فلسطين مع والدتها، إلا أنَّها آثرت الحيطة واختارت العودة إلى الأردن بعد قضاء يومٍ واحد هناك. وفعلاً، أُغلق الجسر بعد عودتها بيوم.
تذكر هنادي أن ابنتها كانت تبلغ من العمر سنتين وشهرين. وقيل لها إن الأطفال تحت السنتين لا يدفعون رسوماً للخروج من فلسطين، فقالت إن عمرها سنتان بدلاً من عمرها الحقيقيّ. وعندما وصلَت إلى الجانب الإسرائيليّ وأنهت إجراءاتِها كاملةً وكانت على وشك ركوب الحافلة إلى الأردن، رفضوا السماح لها بالمرور، لأن ابنتها الصغيرة لم تكن معها ورقة تفيد بدفع الضريبة المفروضة على من هم أكبر من سنتين. وفرضوا عليها عقوبة عشوائية تمثلت بتركها تنتظر مرور سبع حافلات لأنها لم تدفع منذ البداية. انتظرت طويلاً، من الساعة العاشرة صباحاً وحتى الخامسة مساءً، لتحصل على ورقةٍ تأذن لها بالدخول.
وتزداد بشاعة معاملة الجنود تذرعاً بالحالة الأمنيّة وتطوّراتها. اتفقت كلٌّ من هنادي ومروة على أن معاملة الجنود للعابرين غالباً ما تكون "مستفزةً" و"جلفة"، ما يغرس شعوراً دائماً بالخوف. والخوف متعدد الأنواع، فقد يكون خوفاً من الاستدعاء للتحقيق أو من المنع من دخول فلسطين أو من الخروج منها لأسباب غير مُعلنة، وهو ما يطلق عليه "الترجيع"، أي إعادة المسافر من حيث جاء دون إبداء الأسباب.
"الترجيع" هو ما تعرض له عماد مرتين أثناء سفره من فلسطين إلى الأردن دون إبداء الأسباب، وكان التفسير الوحيد التي تلقاه أن "ضابط المنطقة لا يريده أن يدخل"، بمعنى أنه يرفض عبوره الجسر. والضابط هو عنصر مخابرات إسرائيلي مسؤول عن المنطقة التي يعيش فيها عماد داخل فلسطين. عاد عماد إلى بلدته وانتظر استدعاءً متوقعاً لمعرفة ما يريده منه الضابط، لكنه لم يتلق استدعاءً أو مكالمة، ليتوجه بعدها إلى الجسر بعد أيام ويسافر دون عوائق. يقول "أحياناً يكون الهدف هو فقط إزعاجك وزيادة معاناتك، لا يكون هناك سبب حقيقي". أحياناً تكون كلفة هذه الإجراءات فادحة، مثل تأثر الدراسة. إذ كان عماد عائداً من إجازةٍ قضاها عند عائلته في فلسطين إلى جامعته في الأردن وانقطع عنها نتيجة "الترجيع".
تولّد هذه الحالة الضبابية من العقوبات العشوائية حالةً من الترقب والحذر الذي يستدعي من الفلسطينيين ممارسة رقابة ذاتية صارمة. فقبل كل سفرة، يفتش عماد هاتفه مراتٍ عديدة للتأكد من عدم وجود أي شيء قد يسبب له مشكلة، لأنه إذا طُلب للتحقيق في الجسر وفتش الإسرائيليون هاتفه، قد يواجه مشكلة بسبب صورة أو رسالة. لذا، يمسح الأشياء على الدوام.
ومثله سارا محمد التي كشفت لها تجربة عبور الجسر "عمق استعمار الاحتلال للعقول"، إذ تَجَسَّد داخلها رقيبٌ ذاتي وجَّهها في كل حركة وكلمة دون أن تشعر، و"كأني أتحرك داخل مسرح مُراقَب". لا تنبع هذه الرقابة الذاتية من التعليمات الظاهرة، بل من الخوف المتجذر من الاعتقال أو الإذلال أو حتى الترجيع. ففي كل مرة تغادر فيها فلسطين، يراودها هاجس ثقيل بأنها قد لا تتمكن من العودة. ومثل عماد، كانت تنتابها المخاوف على الدوام، تقول "ليلة السفر تكون دائماً مثقلةً بالقلق، مُشبّعةً بالخوف والأرق، إذ يتحول الجسر الإسرائيلي إلى نقطة اختبار شاقة، تتعرض فيها النساء الفلسطينيات لاختباراتٍ جسدية ونفسيّة صعبة".
ازدادت حدّة الاعتباطية العقابية الاسرائيلية بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023. احتاج صالح أحمد لعبور الجسر كي يسافر إلى سلوفينيا في شهر نوفمبر من سنة 2024، ويصف للفراتس أن تعامل الجنود الإسرائيليين مع مسافري الجسر وقتئذ "اتسم بالهمجيّةٍ والغوغائيّة". يقول "الاحتلال يظل احتلالاً، لكن تصرفاته كانت أكثر همجية وقت الحرب". في يوم سفره فوجئ صالح بجنديٍّ بملابس مدنية يطلب من الجميع "النزول" أي الانبطاح على الأرض بلا سبب، ولم يأذن لأحدٍ بطرح الأسئلة. "كان المنظر مليئاً بالإذلال الشديد وإهانة الكرامة الإنسانيّة. مسنون يطلبون من الجنديّ أن يعفيهم لأنهم متعبون ولا يستطيعون النزول ويأتيهم الردّ 'هيا' لينزل الجميع على الأرض'". يقول صالح إنه في هذه اللحظة شعر أنه يعيش في مكان يحبه حباً شديداً لكن لا يستطيع أن يشعر فيه بالكرامة. "يذكرني الجسر باستمرار أننا محتلون، وأننا لا نشعر بكرامتنا كما يجب، ومن يصل إلى الجسر يقول لنفسه 'ما الذي أعادني إلى البلد؟ لأرجع إلى المكان الذي كنت فيه'". وأصبح متناقلاً بين المسافرين - كما يخبرنا صالح - أنهم عندما يسافرون يشتاقون للوطن، لكنهم حين يصلون إلى الجسر يقولون "إلى أين نحن عائدون؟" في إشارةٍ للخيبة التي تنتابهم عند رؤيته.
تتيح الخدمةُ الانتقالَ بسيارةٍ خاصة للجانب الفلسطيني تحت الإشراف الإسرائيلي وتخطي الانتظار. تصل تكلفتها ما بين مئة وعشرين إلى مئة وخمسين دولاراً للاتجاه الواحد، ومع ذلك فهي لا تعفي المسافرين من الخضوع لقرارات الجانب الإسرائيليّ إذا ما قرر التأخير أو توقيف العمل أو "الترجيع". وغالباً ما يكون هناك بابٌ أو مسارٌ مخصص لمستخدمي هذه الخدمة عند الباب الإسرائيليّ، وتختصر الانتظار من ثلاث ساعات إلى ساعةٍ واحدة.
لا تأتي هذه المزايا بدون قيود، فالخدمة لا تعفي المسافرين من الخضوع للتدقيق الأمنيّ والتفتيش والاستدعاء للتحقيق. وتصبح عديمة الفائدة في حال قررت السلطات الإسرائيليّة إغلاق الجسر كاملاً، ويعلق مستخدموها مثل باقي المسافرين.
تختلف آراء الناس عن الخدمة، بين من يراها تسريعاً وتسهيلاً لإجراءات السفر يخفف المعاناة عبر الجسر، ومن يرفض استخدامها لترسيخها حالة طبقية بين المسافرين. تذكر شروق أنها لجأت إليها مرةً واحدةً عقب وفاة جدتها، لتتمكن من اللحاق بموعد الدفن. ومع ذَلك فهي تؤمن بأنها خدمة لمن يملكون النقود وتساعدهم على "النطّ من فوق الناس ومعاناتهم"، بحسب تعبيرها، وتقصّر فترة الانتظار التي تعيق الجميع وتؤرّقهم.
وتتفق معها مزيّن زاهدة، التي ترى أن تجربة الخدمة السريعة "ترسّخ أن المعاملة التي تحترم كرامة الإنسان ليست حقاً للجميع، بل امتياز يشتريه من يملك المال". وبين الحاجة إليها ورفضها، تبقى الخدمة خياراً لا يغيّر حقيقة أن جميع المسافرين، مهما اختلفت طريقة عبورهم، يظلون في النهاية خاضعين لقرارات الجهة التي تملك القدرة على تأخير الرحلة أو إغلاق الجسر أو منع المسافر من العبور.
مرّ تعامل الجنود الإسرائيلين مع أجساد المسافرين بعدة مراحل، وذلك حسب تطوّر الحالة التقنية. بحكم سفرها مراتٍ عديدة عبر الجسر على مدار خمسة عقود تقريباً، ترى هنادي أن التفتيش الجسماني "كان أكثر إذلالاً وإهانة قبل ظهور الأجهزة الحديثة والأشعة. فقد كانوا يجرِّدون المرء من ملابسه، وبعد الانتهاء من التفتيش، على المسافر أن يمشي ويأخذ الملابس التي كان يرتديها ويظل حافي القدمين بانتظار وصول حذائه. وبعد ذَلك يتجه إلى الموظفين الذين يفتشون الحقائب قطعةً قطعة، ويرمون الأغراض هنا وهناك دون أية مبالاة وكأنهم يستلذون بذَلك". أمّا في هذه الأيام - والحديث لا يزال لهنادي - فقد تغيرت الطريقة. فهم "لم يعودوا يفتشون بنفس الطريقة التي تتطلب خلع الملابس"، بل لديهم غرفة صغيرة بها رسم يوضح للمسافر الوضعية التي يقف فيها رافعاً يديه، ويقولون إنها أشعة فوق بنفسجية تكشف كل ما يحمله المسافرون. "وحتى الذين أجروا عملياتٍ سابقة واحتاجوا لاستخدام دعامات معدنية بأجسادهم، فإنها تُظهِر ذلك فيهم، وهو ما كان يسبب المشاكل لبعض المسافرين الذين يُمنَعون من المرور نتيجةً لقطع معدنية مزروعة فيهم على إثر عمليةٍ جراحيّة".
وأثناء التفتيش والعبور تُسلب النساء خاصةً أبسط أشكال الخصوصية والكرامة. تعلّق الفلسطينيّة سارا محمد على ذلك بأن الجميع يجبرون على الانتظار ساعاتٍ طويلة في ظروف غير إنسانية، ومع ذلك يغيب وسط هذه الظروف أي اعتبار لوجود النساء، ولا يُراعي الرجالُ غالباً حساسية هذا الزحام المختلط. وتنتقد سارا تعامل أحد الجسور مع النساء، إذ يتعرّضن أثناء مرورهنَّ منه لأشكال متعددة من التحرش والانتهاك الجنسيّ، الذي يتجاوز اللفظ ليصل أحياناً إلى الابتزاز واستغلال السلطة. ووثّقت سارا حالاتٍ أُجبرت فيها نساءٌ على إعطاء أرقام هواتفهن لأشخاص مقابل تسهيل مرورهن، فيما تلقّت أخريات عروض مساعدة لا تخلو من التحرش. تتخذ هذه الانتهاكات شكل أسئلةٍ شخصيّةٍ أو تدقيقٍ متعمد في ملامح النساء وأجسادهن، بذريعة التأكد من الهوية، ما يحول العبور إلى تجربة جسدية مهينة ومليئة بالتهديدات الضمنية.
أحد أشكال الإهانة التي تتعرض لها النساء تتضح في تفتيش حقائبهن. تذكر حسناء، التي طلبت عدم الكشف عن اسمها الحقيقي، أنَّ الحقائب تُفتح دون ضوابط. تقول: "كانت ملابسنا الداخلية تُخرَج أمام الجميع والجنود يسخرون منها، كلهم كانوا يرون لون ملابسي الداخلية التي في الحقيبة". وهكذا تُستعرض حياتها الخاصة داخل حقيبتها أمام الجميع، ويبدأ الجنود بإطلاق النكات. وتنقل "تلك اللحظة التي يتوقف فيها الزمن لا يوجد شيء يمكنك فعله. أنت لا تملك القرار، ولا تملك حتى القدرة على التساؤل". وهنا بالضبط، من وجهة نظر حسناء، "يكمن جوهر الجسر وجوهر الاحتلال وما يحاول أن يفعله. وهو أن تعرف أنك في النهاية مهما فعلت، ومهما كان موقعك في الحياة، ومنصبك، ومكانتك في هذا الكوكب، ستجلس عندما يقرر هو أن تجلس، وستقوم عندما يقرر هو أن تقوم".
أما المشكلة الأخرى فالوصول للجسر نفسه، واجتياز سلسلة من العوائق على الطريق المؤدي إلى الجسر. فبينما يمكن لسكان أريحا، القريبين من المعبر، الوصول إليه في وقت قصير، يحتاج المسافرون من مناطق أبعد وقتاً أطول نتيجة كثافة الحواجز بين مدن الضفة الغربية.
تذكر مروة تجربتها في عبور الجسر للحاق برحلتها إلى أمريكا عقب عمليّةٍ فدائيةٍ في أريحا. أدت العملية إلى إغلاق المداخل والمخارج إلى أريحا، ووقف نشر أخبارٍ عن حالة الجسر عبر الصفحات الرسميّة. تقول إن صاحب سيارة الأجرة أدخلها أريحا من طُرقٍ فرعيةٍ وملتويةٍ، ثم رتّب دخولها مع أصحاب الحافلات إلى الجسر، وهو ما أنقذها وساعدها على اللحاق بالطائرة. ولما عادت من الولايات المتحدة يوم الجمعة ليلاً، وجدت أن الجسر لا يعمل يوم السبت، فاضطرت أن تبقى في الأردن حتى صباح الأحد للعودة إلى فلسطين. تقول "كل حدا في الدنيا لما باخد طيارة وبعدين بطلع من المطار بروح على داره، أما أنا مجبورة آخد أوتيل كمان ساعتين، كمان يومين [. . .] فهي الأشياء بتلسع".
وتمتد مشاكل الجسر لتشمل أهالي المسافرين القلقين على أقاربهم. تعلن ترتيل معمّر كرهها للجسر قائلةً "لا أحب الجسر أبداً، إنه يفسد عليك متعة الذهاب في رحلتك، وعند عودتك يمحو كل ذكرياتها الجميلة". ففي كل مرة تسافر، كانت والدتها توصيها بأن تطمئنها عند عبور كل جسر على حدة. كانت ترتيل تستغرب طلبها أول الأمر، لكنها كانت تقول لنفسها لعلها تخشى أن تُحتَجز. وظلّت تتصل بها لتخبرها "أمي، لقد عبرت الجانب الفلسطيني"، فتجيب "حسناً، طمئنيني عندما تعبرين الجانب الإسرائيلي (أي التفتيش الإسرائيلي)"، فتفعل، لتعود أمها وتقول "والآن طمئنيني عندما تعبرين جسر الأردن". هذا الخوف الدائم من أن يوقف المسافرون أو يحتجزون لأي سبب، جزءٌ لا يتجزأ من تجربة الجسر. يظل القلق سيّد الموقف طوال الوقت، ويظل المسافر وأقاربه خائفون من أن يؤخذ أو يوقف.
يظل المطلبُ المتكرر من الأشخاص الذين التقتهم الفراتس ليس تخفيف حدّة تجربة الجسر، بل أن يكون لفلسطين مطارها، ليكون حلاً أكثر كرامة واحتراماً للمسافرين الفلسطينيين. من هؤلاء ترتيل معمّر التي تنزعج من عدم وجود مطارٍ للفلسطينيين. تقول "لو كنتُ في مطار بلدي وواجهت مشكلةً فيه كنت سأعود إلى منزلي ببساطة". وهناك منهم من أشار إلى حقيقة أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يسافر عبر مروحيّةٍ من رام الله إلى عمّان، ومن مطار الملكة علياء الدولي هناك إلى أي دولةٍ أُخرى في العالم.

