أنا وخليفة الفاخري..  البحث عن سبب للتوقف عن الكتابة

في بحثي عن أسباب ظاهرة التوقف عن الكتابة في ليبيا، وجدتُني أمام سيرة الكاتب خليفة الفاخري ونضوب نبعه الأدبي مبكراً.

Share
 أنا وخليفة الفاخري..  البحث عن سبب للتوقف عن الكتابة
كان خليفة كاتباً حتى آخر أيامِ حياتِه | تصميم خاص بالفراتس

منذ أن حلّت ذكرى ميلادي الخامسة والثلاثين في آخر مارس 2026، ألمّ بي هاجسُ التوقف عن الكتابة. أوقظَ هذا الهاجس خيباتٍ وخساراتٍ شتّى، وأرهقَ عقلي برغبةٍ جامحةٍ في التحرر من اسمي وهُويّتي الأدبية اللذين صنعتُهما حتى اللحظة. وبينما كان وحش الرحيل هذا يجهز ملحفته ليجثم على صدري، تذكرتُ كلّ فرسان الأدب الليبيين الذين أثخنتهم جراح الكتابة يوماً، ربما لأعزّي نفسي أنني لستُ الأوّل ولا الأخير. 

بين كل الأسماء الأكثر حضوراً في هواجسي كان اسم الكاتب والقاص الليبي خليفة الفاخري، أو "جِنقي" كما عُرِف شعبياً. كان غزير الإنتاج والنشر في سنوات ذيوع صيته الأدبي الممتدة من 1965 وحتى 1974. وعُدّ آنذاك أحد "جناحَي" مدرسةٍ أدبيّةٍ جديدةٍ، وكان المفكّر والأديب صادق النيهوم جناحَها الآخر، على حدِّ قول الكاتب محمد عقيلة العمامي في كتابه "منابت الريح" المنشور سنة 2002، والذي يتناول سيرة الفاخري الأدبية.

ساهم الاثنان بمقالاتهما وقصصهما في انتشار اسم صحيفة "الحقيقة"، لصاحبها الصحفي رشاد الهوني. وتُروى حكاياتٌ شعبيةٌ عن الليبيين وهم يقتعدون المقاهي لينصتوا لراوٍ يقصّ عليهم ما كتبه صادق أو خليفة. على ذلك، بخل الفاخري على قرائه بما يكتبه بعد أن تجاوز الثلاثين من العمر سنة 1972، فأمسك يده عن النشر إلا قليلاً، حتى وفاته منتصف 2001. وهذه الحقيقة تنجلي لمن يقرأ تواريخ نشر قصصه ومقالاته المنشورة في كتبه الثلاثة.

أخذاً بهذا، وأنا أعيدُ قراءة كتب جنقي، وجدتُني أبحث عن أنماطٍ متكررةٍ في علاقته أو علاقة شخصيات نصوصه بالكتابة والوطن والمجتمع والغربة والعائلة والسلطان. فأمسكتُ نفسي عن البكاء وأنا أقرأ له قصصاً أو حكاياتٍ أو مقالاتٍ، تحكي قصة كاتبٍ يخشى أقصى ما يخشاه أن يتوقف يوماً عن الكتابة. وكان جُلّ هذه النصوص في أوجِ عطاء جنقي، بين الرابعة والعشرين والثلاثين من عمره، فكأنّه كان يرى المستقبل الذي يمشي إليه أحياناً مكرَهاً وأحياناً أخرى طائعاً. فقلما يقرأ أحدٌ خليفة ولا يربكه الوجع الذي يكتبُ به. حتى إنّ صديقه العمامي يقول في "منابت الريح" إنّ مثقفةً مصريةً صديقةً له سألته لماذا يحمل جنقي وجع العالم كلّه على كتفيه.

حملتُ وجع الفاخري على كتفي وأضفتُ إليه وجعي وفتشتُ في كلّ ما كتبه أو كُتِبَ عنه عن جوابٍ لأسئلةٍ طرحها من سبقوني، كالروائي أحمد إبراهيم الفقيه، عن ظاهرة التوقف عن الكتابة أو النشر في ليبيا. لم أصل إلى جوابٍ يرضيني عن السبب الذي جعل نجم الفاخري يخمد فجأة. تساءلتُ ما إذا كان الأمر مرتبطاً بالجو السياسي الثوري الذي تشكل بعد استيلاء العقيد معمّر القذّافي ورفاقه على السلطة سنة 1969. ومع أنّ جنقي لم يُسجن ولم يُحاصر أو يُطارد طيلة عيشه في ظل القذّافي، إلا أنّ هناك إشاراتٍ في سيرته تقول إنّه تأثر. فكرتُ أنّ الجواب يقبع في العلاقة الشائكة بين الكاتب والمجتمع، في أرضٍ مثل ليبيا، حيث ينزعج المجتمع من الأسئلة التي يطرحها الكتّاب. وهذا له ما يؤيده سواءً فيما كتبه الفاخري أو حتى في سير كتّابٍ ليبيين آخرين، أنا أحدهم. قلتُ أيضاً إنّ الأمر مرتبطٌ بالحياة الأسرية والعمل، وهو ما تؤكده سيرة خليفة نفسها، فالرجل مات وهو يعمل مدققاً لغوياً. تأملتُ المسألة كثيراً وطرحتُ أجوبةً، ومع أنني لم أصل إلى موطن الجرح الحقيقي، وجدتُ أجوبةً قد تساعدني في حلّ أحجية بعض ما يلمّ بي: الألم المقيم أن أستيقظ يوماً وأكون قد نسيتُ كيف أكتب.


إن أراد المرء كتابة سيرةٍ مختصرةٍ عن خليفة الفاخري فقد يقول إنّه وُلِد في مدينة بنغازي سنة 1942، وعاش فيها جُلّ عمره. لعله يحكي أيضاً كيف عاش الفاخري صحبة أهله لاجئاً في ضواحي المدينة أثناء قصف الحلفاء بنغازي في الحرب العالمية الثانية. وسيتبع ذلك بقصة اسم "جِنقي"، الذي أطلقه عليه والدُه لأنّه كان غير صبورٍ على الصلاة، فذكّرته صلاتُه بصلاة شخصٍ إيطاليٍ كان يعيش في بنغازي واسمه جِنقي. ومع ذلك، سيقول المرء إنّ جنقي كان حافظاً للقرآن والشعر العربي منذ طفولته، لاسيما أشعار المتنبي. ومن ثمّ سيمرّ على ارتباطه بالقراءة وكيف كان يستعير الكتب من شخصياتٍ وكياناتٍ ثقافيةٍ محليةٍ، كمكتبة "بوقعيقيص" للحاج محمد علي بوقعيقيص، واحدةً من أقدم مكتبات بنغازي، ومن مؤسساتٍ دوليةٍ في المدينة كالمركز الثقافي المصري.

قد لا يتوقف الكاتب هنا، سيقول إنّ لخليفة محاولاتٍ شعريةً، لكنه تركها لكتابة نثرٍ معطّرٍ بروح الشعر، وبدأ نشر نصوصه في الصحف الليبية، خاصةً صحيفة الحقيقة منذ 1966. وسيذكر أن جنقي ولع بفنّ النحت، فيعرض بعض منحوتاته المعروفة كمنحوتة "ديك الجن". وربما أيضاً يربطه بشخصياتٍ أدبيةٍ نالت حظوةً في ليبيا أو العالم العربي، كصداقته مع المفكّر الليبي صادق النيهوم أو الشاعر العراقي عبدالوهاب البيّاتي. وسيذكر المرء بالضرورة كتب الفاخري الثلاثة، "موسم الحكايات" المنشور أوّل مرةٍ عن دار الحقيقة سنة 1974، ثمّ "غربة النهر" و"بيع الريح للمراكب"، اللذين نشرتهما الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، إحدى دور النشر العامة، سنة 1994. ومن ثمّ قد يملأ الكاتب مقالته ببعض نصوصه ومحطّاته الأدبية، ويذكر أسلوبه المتمايز في الكتابة، ناقلاً ذلك عن كلام كاتبٍ أو ناقدٍ أو شخصيةٍ ثقافيةٍ معروفة. 

ولعل الكاتب لا ينسى الأعمال التي شغلها خليفة. فيذكر عمله مستشاراً ثقافياً في السفارة الليبية في الدنمارك منذ منتصف السبعينيات. ثم تركه العمل فيها بعد أن دعا معمر القذافي الليبيين نهاية السبعينيات أن يزحفوا على السفارات ويحولوها إلى "مكاتب اتصال شعبي"، تطبيقاً للنظرية العالمية الثالثة، كما سمّى أطروحاته التي جاء بها "الكتاب الأخضر" سنة 1975. ومن ثم يذكر أنّ الفاخري كان يؤلف كتاباً ضمن نطاق عمله الدبلوماسي عن الدنمارك بِاسم "الكتاب السنوي"، وهو محفوظٌ في خزائن وزارة الخارجية الليبية. والمفارقة التي ربما يطرحها هذا الكاتب أنّ خليفة أكمل بقية حياته منذ 1988 مدققاً لغوياً في مؤسسةٍ عامةٍ تُدعى "مطابع الثورة". ولا ينسى في هذا السياق النكتة التي يتناقلها النّاس عنه بالقول إنّه عندما سُئِلَ عمّا يفعله، قال: "أعيش على أخطاء الآخرين".


جنقي بالنسبة لي لم يكن مجرد اسمٍ في تاريخ الأدب الليبي أو كاتبٍ أبحث في سيرته. فظروف تعرّفي إليه والتصاقي بما كتبه وبشخصيته لم تكن طبيعية. ارتبطت منذ بداية علاقتي به بهاجس الكتابة، وجاء ذلك بعد مقتل القذافي سنة 2011. 

كنتُ وقتئذٍ أقرأ كثيراً لكتّابٍ ليبيين منهم صادق النيهوم في رحلةٍ لاستكشاف ما كتبه أهل وطني قَبلي، فوجدتُني أصطدمُ برسالةٍ كتبها إلى صديقه خليفة، بتاريخ الثاني من سبتمبر 1963، يقول له فيها: "أخي يا صديقي: أريد أن أقول لك شيئاً: أنت ولد رائع [. . .] وثِق أنّك تكتب جيداً .. تكتب مثل إله حقيقي، وكلماتك حلوة، وأنت قادر على خلق الحروف النظيفة". لا أذكر أين وجدتُ تلك الرسالة، لكنني بحثتُ عن هذا الذي يصفه صادق بأنّه يكتبُ مثل إلهٍ حقيقيٍ، فأدركتُه في بعض المواقع الليبية التي لَملَمتْ جزءاً مما كتبه.

عندها كنتُ أفكّر جدياً في أمر امتهان الكتابة، وقد وجدتُ فيما كتبه خليفة شيئاً شبيهاً بي. اعتمدت كتابات جِنقي في عمومها على الغوص عميقاً في جراح الليبيين، وجراحِه الشخصية بالطبع. ومع ذلك لم يشبع فضولي ما وجدتُه على الإنترنت، فظللتُ أبحثُ عن كتبه في المكتبات بطرابلس. وقد أمكن وقتذاك أن يحصل المرءُ على بعض الكتب المطبوعة قبل الثورة الليبية سنة 2011، لكن ببعض الصعوبة. مع ذلك، لم أفلح ولم أدرك أنني لن أجدَ الكتبَ المنشودة إلّا بعد أن أخوضَ بنفسي تجربة النشر مع وزارة الثقافة والمجتمع المدني منذ أواخر 2012.

كنتُ وقتئذٍ مهووساً بأمر النشر. هفت نفسي إلى أن يصدر كتابٌ عليه اسمي، لكنني لم أعرف أيّ شيءٍ عن أمور النشر إلا حقيقة أنّ وزارة الثقافة هي الناشر الرئيس في البلاد. فقد قضى نظام العقيد منذ السبعينيات، إثر ما سُمّيَ "الثورة الثقافية" منذ أبريل 1973، على جُلِّ قطاعات النشر الخاصة، وأُمِّمت دورُ نشرٍ وصحفٌ كثيرة. على الأثر أصبحت الدولة الليبية تتحكّم بتفاصيل كلّ شاردةٍ وواردةٍ تُنشَر في البلد.

وجدتُني بطريقةٍ ما أدخل متاهات الوزارة الإدارية، حتى حُوِّل ملفّي إلى مدير إدارة النشر والكتاب محمود اللبلاب، المُتوفى سنة 2023. وكان لقائي الأوّل به بداية رحلةٍ طويلةٍ من التعقيدات الإدارية والوعود بنشر كتابٍ قصصيٍ أردتُ نشرَه، عنوانه "تاجوريا". وفي كل موعدٍ يضربُه معي اللبلاب، يرجئه إلى موعدٍ آخر. حتى إنني نسيتُ كم مرّةً ولجتُ مكتبَه يعدني فيها بقرب الفرج.

ربما مرّ عامٌ أو أكثر على تكرار اللقاءات، لأحمل في أحد الأيام حقداً عميقاً على المنظومة الإدارية الليبية وأدخل مكتبه زاعماً قتلَ المشروع. وقد وجدتُ حينها اللبلاب مشغولاً مع شخصٍ آخر، فسمح لي بالانتظار عند مكتبته أبحث في قائمة الكتب. هناك لمحتُ كتابَيْ "موسم الحكايات" و"غربة النهر" لخليفة الفاخري، المطبوعَيْن حديثاً سنة 2014. إذ كانت الوزارة تعمل على مشروع إعادة نشر كتب كتّابٍ ليبيين نفدت من السوق. لمعت عيناي، فأخذتُ موسم الحكايات أتصفّحه. ومنذ اللقاء الأوّل بكلمات جِنقي عزمتُ على أخذ الكتابَيْن، فكان اللبلاب كريماً كفايةً ليعطينيهما. وذلك بعدما أعطاني موعداً آخر أنفتُ أن أحضره.

عند عودتي إلى البيت، جلستُ إلى "موسم الحكايات" ألجُ عالم الفاخري دفعةً واحدة. طُبِع الكتاب أوّل مرةٍ سنة 1974 عن دار الحقيقة، وأعادت الدار الجماهيرية طباعته سنة 1994. وكان جِنقي قد كتب جُلّ نصوص الكتاب بين 1968 و1971، باستثناءِ نص "موسم الحكايات" المكتوب سنةَ طباعته. لا يلتزم الكتاب بموضوعٍ أو بشكلٍ أدبيٍ معيّنٍ، بل ويتجاوز مسألة الأنواع الأدبية في كثيرٍ من نصوصه، فيخلط أحياناً بين القصة القصيرة والمقالة والحكاية. وهي خاصيةٌ لجلِّ ما كتبه الفاخري، كما يرى محمد العمامي في "منابت الريح". 

بهذا قد يخلط القارئ بسهولةٍ بين شخصية الفاخري وشخصيات نصوصه، لاسيما أنّ كثيراً من هذه الشخصيات هي شخصيات كتّاب. مثلاً يطالعك في نصّ موسم الحكايات، الذي يفتتح به الكتاب، صوتُ كاتبٍ يبحثُ عن فرصةٍ للكتابة والحكي بقولِه: "وأنا أريدُ الليلة، أن أحكي لك – أينما وكيفما كنت – لقد سردتُ حكاياتي لنفسي طوال ليالٍ عديدةٍ، وأنا أشعرُ الآن أنني أحكي". 

هكذا بدأ يتشكّل لديّ نوعٌ من التآلف مع ما يكتبه الفاخري، وكأنّه كتب ما كتبه إليّ وحدي، وأنا الفتى الذي لم يتجاوز الثانية والعشرين والباحثُ عن مكانٍ أكتب فيه وأفرغ فيه حكاياتي. بدا أن الكتابة كانت همّنا المشترك، أو هذا ما ظننتُه وأنا أقرأ نصوصه، ومنها نصّ "حكاية بائع الفل" المنشور سنة 1970. وهو الذي استلهمه من البيّاتي، الذي كان يسمّيه الفاخري "بائع الفل".

يبدأ جِنقي نصّه بقوله: "كان رجلاً يحلم بالكلمات دون انقطاع"، ويحكي فيها عن رجلٍ مغرمٍ بالشعر والكتابة، في تناصٍ مع البياتي، منزعجٍ من صخب شوارع القاهرة. يذهب الشاعر صحبةَ صديقٍ ليبيٍ إلى شقةٍ تجمع ليبيين آخرين سُكارى، وداخل ضجيج الرفاق يتحدث الرجلان عن الكتابة. يقول الليبي: "وددتُ دوماً لو أستطيع الكتابة.. إنني أنفق ساعات طويلة أحلم بهذا، لكنني كنتُ أشعر بالرهبة كلما حاولت أن أخطّ كلمة واحدة"، وكأنّ الفاخري هنا يتحدث عن نفسه. ليجيبه صديقه الشاعر بقوله: "الأمر القاهر حقاً هو أن تستطيع الكتابة.. إنّك تحرق كل سنوات عمرك في سبيل ذلك.. هل تتصوّر؟ [. . .] إنّك تشعر كأنّ كلّ ما حلمتَ به قد كتبته فوق الماء.. هل تتصوّر؟". 

وأنا أقرأ تلك الكلمات سنة 2014 كنتُ أعيش تخبطّاتٍ كثيرةً مرتبطةً بالكتابة. نسيتُ أمرَ الكتاب القصصي بعد أن تأكدتُ أنني لن أراهُ يوماً بعد وعودٍ من محمود اللبلاب لم تثمر نشراً. ولكنني أيضاً أرغمتُ نفسي على محاولة نشر روايتي الأولى "إنسان"، باحثاً هذه المرّة عن دورِ نشرٍ عربيةٍ تقبلُ بالكتاب. وتحكي الرواية قصةَ جنديٍّ من جنود القذّافي زمن الثورة الليبية يجدُ نفسه في ساحةِ حربٍ أول مرةٍ، فتجعله أجواء الحرب يصارع أشباح ماضيه.

ربما راسلتُ كلّ دور النشر المعروفة، وأذكرُ منها دار الشروق و"الدار العربية للعلوم ناشرون". وقد وصلني ردّ الشروق برفضٍ دمثٍ يحدّثني أنّهم لا يقبلون أيّ أعمالٍ وقتئذٍ، فاحترمتُ ردّهم. بعدها بأسابيع وصلني ردّ "ناشرون" يخبرني بقبول الكتاب على شرطيْن، أحدهما حذف مقاطع كبيرةٍ من الرواية، رأتها الدار خادشةً الحياءَ، ورأيتُها أنا ضروريةً للرواية. أما الشرط الثاني أن أدفعَ مبلغ ألف دولارٍ للنشر. كنتُ وقتها طالباً جامعياً مفلساً. عندها فكّرتُ أوّل مرّةٍ بأن أذر الكتابة لأهلها.

هناك وجدتُ كلمات خليفة بلسماً لجروحي، ولم أعلم وقتها أنّه مرّ بتجربةٍ مشابهةٍ لما أمرُّ به. لم أفكّر أنّ الكلمات التي تصلني ساعتئذٍ من شابٍ شرواي في العشرينات من عمرِه. رأيتُ خليفة شيخاً حكيماً في الستين، يخبرني أنّ الطريق التي أودُّ قطعَها، قد قطعَها هُو من قبلي، وأنّها غير مفروشةٍ بالفلّ كما قد أظنّ، بل "بعيون الكلاب الميتة"، كما يقول في نصِّه المنشور سنة 1968 الذي يحمل عنوانه ذات العبارة. عرفتُ عندئذٍ أنّ الأمر يتطلبُ صبراً ممزوجاً بألف أمنيةٍ "في أن تلثم شفاهَ القراء كلماتُك المشرقة المدهشة مثل عيون الأطفال، بعدما أنفقت سنوات في الكتابة لنفسك"، كما يقول جِنقي في النص نفسه. 


الطريق التي وصفها جِنقي لم تكن وعرةً بفعل الكتابة وحدها، بل بسبب البيئة التي حاول أن يكتب داخلها. فقد بدأ النشرَ في الخامسة والعشرين في صحيفة "الحقيقة" يوم 20 مارس 1966، حين كانت عائدات النفط قد بدأت تتدفق على المملكة الليبية. لكنّ البلاد لم تكن مكاناً مثالياً للكتابة، إذ واجه الكتّاب والشعراء فضاءً سياسياً يضيق بالأصوات والشخصيات المخالفة للمعهود.

 الملك الليبي محمد إدريس السنوسي | خدمة غيتي للصور

مثلاً سُجِنَ الشاعر محمد الشلطامي في أغسطس 1967 بتهمة انضمامه لحركة القوميين العرب. وقد كانت قصائده ناقدةً مواقف سلطة المملكة تجاه القضايا السياسية الداخلية والإقليمية، كقصيدة "بطاقة" التي كتبَها بعد النكسة في يونيو، كما يروي الصحفي الليبي محمود علي في مقالته "12 عاماً على رحيل 'شاعر الثورة والتمرد' امحمّد الشلطامي" المنشورة سنة 2022. 

لم يكن الفاخري نفسه مطارَداً من سلطات المملكة، إذ لا يجد المرءُ نفساً سياسياً مباشراً في مقالاته وقصصه. وهو النَفَس الذي برز في أدب أبناء جيله المرتبطين بالقضايا العربية وقتئذٍ، والصراع المحتدم بين العقائد السياسية الذي ولّدته فترةُ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبداية الحرب الباردة بين المعسكريْن الغربي والشرقي، ونشوء حركات الاستقلال.

هذا لا يعني أنّه لم يكتب في القضايا المحلية أو الإقليمية، لكنّ كتابته كانت مغلفةً بنفسٍ أدبيٍ إنسانيٍ يستعمل الرمز والحكايات. فقد كتب عما يمرّ به عمّال قطاع النفط من امتهان الشركات كرامتهم واستغلالهم، كما في نصِّه "الرجال" المنشور سنة 1967، الذي يحكي فيه قصةَ رجلٍ اسمه خالد يعمل سائقاً يقلّ المؤونة إلى معسكرٍ للتنقيب في الصحراء، وكيف تبدو الطريق بين بنغازي والمعسكر رحلةً من المتاعب والمشاق.

اقترابه هذا من بعض قضايا العدالة الاجتماعية، وإن ضمناً، وضعه أحياناً في مواجهة حدود المقبول آنذاك. فقد لاقى بعض الصعاب في نشر بعض نصوصِه، كمقال "الحمار ذو الأجراس"، الذي نُشِر في "غربة النهر"، الذي يدافع هو الآخر عن العمّال. إذ رفض مدير تحرير "الحقيقة" نشره في البداية، ولم يرضَ إلا بعد أن أصرّ الفاخري عليه، لكنه وضع اسمه تحت العنوان مشاكساً له، ليصبح "الحمار ذو الأجراس خليفة الفاخري"، كما حكى خليفة لصديقه العمامي.

على هذا، ما جعلني أتأمل موقف الفاخري من السلطة السياسية ليس ما نشره، بل ما لم ينشره. يقول العمامي إنّ الفاخري لم ينشر بعض نصوصه إلا بعد سقوط المملكة الليبية سنة 1969 على يد حركة الضباط الوحدويين الأحرار التي قادها معمر القذافي معلناً ثورة الفاتح. إذ يورد نصَّ "بائع الفل" مثالاً على ذلك، ليقول إنّه كتبه سنة 1967 عند لقائه الأول بالبيّاتي، ولكنه لم ينشره حتى 1970. ويرجّح العمامي إلى أنّ السبب قد يعود إلى "عدم موافقة الرقابة في عهد ما قبل الثورة [يقصد ثورة الفاتح] على نشرها بسبب الرمز الواضح الذي استخدمه الفاخري باستعارته لعقودِ الفل، التي ربطها بالكلمات، والتي داست عليها الأقدام بعد حادث سيارة الجيش التي صدمت بائع الفل". 

ما يبدو موضع ترجيحٍ في قصة "بائع الفل" يصبح حقيقةً في نصّ "فخاخ على طول الطريق"، المنشور أوّل مرّةٍ في 20 سبتمبر 1969، أي بعد ثورة الفاتح. ويحكي خليفة في النص قصةَ سجنِه إثر النكسة. فقد ساد البلاد اضطرابٌ عظيمٌ وتظاهر النّاس ضد سلطات المملكة واليهود الليبيين، وجثم العنف على الشارع ودخل عمالٌ كثيرون في اعتصاماتٍ، من بينهم عمال شركةٍ كان يعمل بها صديقٌ لخليفة. أراد ذلك الصديق، الذي لم يتغيّب بسبب الاعتصام، اصطحاب خليفة وصديقٍ آخر إلى البحر للاستمتاع بالصيف، فوجدوا أنفسهم بدلاً عن ذلك في السجن بتهمة إثارة الشغب والاعتصام، وأُهين صديقه وضُرِب. يقول العمامي إنّ الفاخري ظلّ يحبس التجربة في داخله حتى كتبَها ونشرها بعد مرور سنتيْن عليها.

وعلى عكس موقف خليفة من سلطات المملكة، يصمت العمامي عن موقف الفاخري من السلطة السياسية منذ 1969. الأمر قد يكون مفهوماً، فكتابه "منابع الريح" نُشِرَ سنة 2002، حين كانت قبضة نظام القذّافي قويّةً، ولا يمكنُ أن يمرّ نصٌّ يمسّ بالجماهيرية أو قائدها. لكن ما لا يقوله العمامي، نجدُ له دلائل في تاريخ نشر نصوص الفاخري. إذ بدا لي أنّه أخذَ موقفاً من الكتابة في مجالٍ سياسيٍ عنيفٍ خلقه القذّافي يواجه الكلمة الحرّة، وكلّ ما قد يمسّ بصورة الفردوس التي اختلقتها ثورة الفاتح.

الدليل الأوّل يقبع في حقيقة أنّ صحيفة الحقيقة لرشاد الهوني مُنِعَت منذ 1971، وسُجِنَ صاحبها، بسبب قلق القذّافي من مواقفها السياسية. ومع أنّ العمامي لا يشير في كتابه إلى إغلاق الصحيفة التي احتضنت جُلَّ نصوص خليفة، إلا أنّه يوضح في صفحات كتابه ارتباطه بعلاقة صداقةٍ مميزةٍ مع الهوني. ربما تأثّر خليفة من سجن صديقه ومنع الوسيلة التي كان ينشر فيها دورياً. لم أجد دليلاً دامغاً على ذلك، لكن المتتبع لتواريخ نشر كل نصوصه يجد ما يُرجّح هذه الفرضية. وهنا يظهر الدليل الثاني، فالانقطاع البائن عن نشر نصوصه بعد منع الصحيفة يكشف تحوّلاً في مساره الأدبي. فكل مقالات "غُربة النهر" التسع عشرة نُشِرت قبل منع "الحقيقة"، وهو ما ينوّه له الفاخري في طبعة الكتاب الأولى بقوله إنّها مقالاتٌ قديمةٌ نُشِرت في الصحيفة. أمّا "موسم الحكايات"، الذي يكتنز في طيّاته اثنين وثلاثين نصاً لم يُكتب منها إلا نصٌّ واحدٌ بعد منع "الحقيقة"، هو نص "موسم الحكايات" ذاته، كما ذكرتُ آنفاً. 

وتتضح هذه القرائن أكثر عند قراءة نصوص "بيع الريح للمراكب"، آخر كتب الفاخري. إذ كان الدمع يجري في مقلتي وأنا أقرأ نصوص الكتاب، ليس فقط لحساسيتها، ولكن أيضاً بسبب تواريخ كتابتها. الكتاب يحمل بين دفّتيه ثمانية نصوصٍ، اثنان منها كُتبا قبل منع صحيفة الحقيقة، أما سائر الستة فقد توزّع على مدى عشرين عاماً من 1974 إلى 1994، تاريخ نشر الكتاب.

المثير أن نصوص الكتاب في عمومه تبتعد عن ذلك النَفَس في أعمال خليفة المبكرة، إذ كان يواري بنقدٍ رمزيٍ للنظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وكأنّ التغير اللاحق جاء ردّة فعلٍ غير واعيةٍ بما جاء به نظام القذافي من تكميمٍ للأفواه. والأمر قد لا يختزل تفسيره فقط بقول العمامي إنّ الفاخري كان يستغرق لكتابة نصٍ واحدٍ زمناً طويلاً قد يمتد أشهراً أو حتى أعواماً. فنصوص موسم الحكايات وغربة النهر وحتى ما قاله العمامي عن تأجيل نشر نصوصٍ بعينها في عهد المملكة، كلّها أدلّةٌ تقول إنّه ربما ألمّ خطبٌ بخليفة جعله يتوقف عن النشر، وينضب قلمه عن الكتابة. شيءٌ لا يقوله العمامي في منابت الريح، لكن تفضحه غزارة نصوصه مع "الحقيقة".

القذافي يقرأُ في بيته في طرابلس | خدمة غيتي للصور

ويمكن أن نجد تفسيراً لما حدث لخليفة الفاخري في كتابٍ لأحد المثقفين الذين سجنوا في السبعينيات، الشاعر محمد الفقيه صالح، بعنوان "في الثقافة الليبية المعاصرة" المنشور سنة 2016. يقول صالح إنّ الدولة الشعبوية – في حديثه عن دولة القذافي – ناصبت الثقافةَ العداءَ وأَبَت إلّا أن تذيبها في العقيدة السياسية الرسمية، "وإلا أحيط [الثقافي] بالارتياب الذي يصل إلى حد التضييق والمضايقة، بل الاعتقال أيضاً، أي أنّ التناقض والتنافر هنا – بين الثقافي والسياسي – بدا أكثر حدةً منه في أنظمةٍ شعبويةٍ عربيةٍ أخرى". 

ويشير صالح إلى أنّ المجال الثقافي، استجابةً لضغوطِ السلطة السياسية، حاول أن يحتفظ باستقلاليته لكنه حرص على تفادي "كل ما من شأنه أن يستثير السياسي الشعبوي، أي الحرص على إظهار الحياد حيال ما يشهده الواقع من سلبيات وقمع". 

يتضح هذا الحذر من السياسة حتى عند الحديث عن أثرها في توقف الكتّاب عن الكتابة. فها هو الروائي أحمد إبراهيم الفقيه يتحدّث في كتابه "معارك الغد" في طبعته الثانية 1981، عن "ظاهرة 'التوقف عن الإنتاج' التي تصيب الكتاب والأدباء في بلادنا". يفرد الفقيه أسباباً لهذه "الظاهرة"، لكنّه لا يسّمي المجال السياسي بِاسمِه، بل يخفيه في ألفاظٍ دمثةٍ من قبيل عدم توفّر المناخ المناسب للإبداع. وهو مناخٌ يقول عنه الفقيه: "وأين المناخ وقد اختفت من حياة الكتاب والأدباء في هذا الوطن أي بادرة للتجمع، أو مكان للالتقاء وتبادل الخبرات والمعارف والأفكار والتجارب بين صانعي الحرف [. . .] لا تجد نادياً واحداً للأدباء يمكن من خلاله تحريك الحركة الأدبية".

ومع أنّ الفقيه يشير هنا إلى الجرح لكنه لا يضع يدَه عليه، إذ إن اللجان الثورية، الحركة التي ابتدعها القذّافي لصون ثورة الفاتح، حاربت في نهاية السبعينيات اتحاد الكتاب الليبيين وسجنت كثيراً من الأدباء المنضوين تحته، كما يشرح الكاتب عمر أبو القاسم الككلي في مقاله "رئيس وهمي لرابطة وهمية" المنشور سنة 2018. ويتحدث في المقال عن تاريخ "رابطة الأدباء والكتاب"، وكيف استغلّها النظام لتفتيت الثقافة وزرع العناصر التابعة له داخلها. 

من هنا حاولتُ فهمَ ندرة ما كتبه الفاخري بعد إغلاق الحقيقة وأحداث الثورة الثقافية ومحاربة المثقفين المستقلين. إذ بدا لي أنّ الرجل الذي كان يحمل همَّ العمّال والفقراء والهامشيين في كتابته، وجد أنّ استمراره في الكتابة بالنَّفَس ذاته أمرٌ محفوفٌ بالمخاطرة. فكّرتُ أيضاً أنّ خليفة لا بد قد تأثّر من مناخ الرعب الذي زرعه النظام في نفوس الكتّاب، لاسيما بعد أحداثٍ متتاليةٍ لسجن كثيرين منهم كعمر أبو القاسم الككلي وجمعة بوكليب ومنصور بوشناف. فأحياناً لا يأتي المنع مباشرةً، إنّما بضرب أمثلةٍ عن عاقبة المشاغبين.

هذا فعلاً ما يصادق عليه الكاتب سالم الكبتي، الذي كان مقرباً من النيهوم والفاخري، في مقاله "خليفة الفاخري والعيش أكثر من حياة" المنشور سنة 2023. يقول الكبتي: "مع توجه النظام الانقلابي [يقصد نظام القذافي] في ليبيا في السبعينيات إلى تصفية النخب الثقافية أو احتوائها اختار الفاخري والشلطامي الانعزال في منفى داخلي، عندما أصبح الواقع مضاداً لرؤاهما وقاتلاً لأحلامهما التي عبّرا عنها بقوةٍ في عقد الستينيات". ويشير الكبتي إلى أن قصة الفاخري لا تمثل حدثاً نادراً، وإنّما نموذجاً من نماذج تكررت مع الشلطامي، الشاعر الذي لم يسكت في عهد المملكة الليبية وظلّ على سجنِه يقاتل بالشعر ويجود به.

لكن أحياناً يبدو التوقف عن الكتابةِ والنشر أمراً مرتبطاً بظروفٍ أشدٍ، وقد ذكرتُ سابقاً في مقالتي "'روح القذافي' والتركة الثقيلة للصحافة الليبية" المنشور في مجلة الصحافة سنة 2025، كيف انتشرتْ بعد رحيل القذافي الصحفُ والمجلاتُ وانتعشت حركة النشر وطباعة الكتب.

ويوافقني الكاتب مو مصراتي في مقالته "الحصانُ الأسود.. هكذا تمثلت التجربة السجنية في كتابات الأدباء الليبيين" المنشورة على الفراتس في مارس 2026. إذ يشرح كيف أثر السجن السياسي في طريقة تناول الكتّاب الكتابةَ، ولاسيما بوشناف وبوكليب والككلي، وحتى في توقيت نشر ما كتبوه. ولهذا يقول مصراتي: "بدا لافتاً في تجربتَي منصور بوشناف وجمعة بوكليب أن جيلاً من الكتّاب الذين بدؤوا مسيرتهم الأدبية في النصف الأول من السبعينيات، لم ينشروا باكورة أعمالهم إلا في 2008. جاء هذا التأخر نتيجة مسارٍ تاريخيٍ عطّل أصواتهم وأجّل حضورهم العلني. وهو ما اتضح لاحقاً مع سقوط نظام العقيد معمر القذافي في 2011. إذ ظهرت منذئذٍ كتبٌ عديدةٌ تستعيد تجربة الاعتقال السياسي، معظمها كُتب سيرٍ ومذكرات".

لا أعرفُ يقيناً إذا ما أثّر هذا في روح جِنقي وجعله يتوقف عن الكتابة، أو على الأقل يقلّ منها ويتريّث في إعادة نشر جُلِّ ما كتبه حتى منتصف التسعينيات، عندما بدأت قبضة الدولة ترتخي قليلاً بسبب الحصار الدولي على ليبيا. لكنني أعلم أنّه كان سيؤثّر فيّ شخصياً إذا ما عاصرتُه وبقيتُ في البلاد مثله.

نعم، جئتُ في زمنٍ آخَرَ ظروفُه السياسيةُ أشدّ قسوةً، لكنها ظروفٌ تتمتع بضعف الدولة بسبب الحروب الأهلية المتتالية والانقسام السياسي، وبهذا يجد الأديب نفسه في زمنٍ غير مستقّرٍ وظرفٍ سياسيٍ يهمّشه. زاد على ذلك أنّ ما أكتبُه في العادة يُنشَر على الإنترنت، المجال الذي لا يخضع لرقابةٍ مركزيةٍ وتصعب السيطرة عليه. وبهذا فما يمكن وصفه هشاشةً سياسيةً مؤذيةً كان في بعض جوانبه ميزةً للكتابة. 

معرض النيابة العامة للكتاب 2025، في نسخته الثانية بعد غياب معرض طرابلس الدولي للكتاب منذ 2014 | خدمة غيتي للصور

هذا لا يعني أنّ كتابة الأدب في ليبيا المشتتة أمرٌ سهل. فهذا الوضع السياسي أغلقَ باب النشر الذي اعتاد عليه جُلّ الكتّاب الليبيين عقوداً، وهو النشر عبر دور النشر العامة ووزارة الثقافة. فلَم تنشر الوزارةُ كثيراً منذ الحرب الأهلية سنة 2014، بعد أن اتسمتْ الفترة بين نهاية 2011 ونهاية 2013 بغزارة النشر. بل إنني لم أجد كتب الفاخري التي طبعتها الوزارة في السوق الليبية أبداً. كذلك أغلق معرض طرابلس الدولي للكتاب أبوابه منذ نسخته الأخيرة سنة 2013، ولم يعد إلا برعاية النيابة العامة سنة 2024. 

حكى لي كثيرٌ من الكتّاب منذ تلك الحرب أنّهم لا يجدون وسيلةً للنشر، وأن منشورات عديدٍ منهم على مواقع التواصل الاجتماعي تلقي باللوم على وزارة الثقافة بسبب الجمود في حركة النشر. كان منهم نسيبي القاصّ إبراهيم حميدان، المتوفى في ديسمبر 2023. وربما لكنت فعلتُ مثلَهم، بلوم الوزارة والشكوى على مواقع التواصل، عندما حاولتُ نشرَ كتابي الأوّل.

الوضع السياسي الهشّ يمكنُه أيضاً أن يخلق نفساً غير مستقرةٍ، فقد لا يعلم كثيرون بحقٍّ كيف يعيشُ النّاس في مناطق الصراعات والأزمات السياسية الحادّة، بقدر من عاش في تلك المناطق. نعم، لم أتوقف عن الكتابة في أحلك الظروف، بين 2014 و2018، حين كان الانقسام السياسي في أشدّه وكانت المجموعات المسلّحة تتوالد في كلّ حيٍّ، والعنف الموجّه وغير الموجّه يجثمان على صدر مدينة طرابلس.

لكنني أيضاً كنتُ روحاً تائهةً تماماً تتأثرُ بضربات المدافع، وإن لم تُصِبها لكنها تسمعها، والأعيرة النارية متصلة النشيد التي تهزّ آذانها. وقد أثّر ذلك في نظرتي للكتابة وحتى أسلوب الكتابة، وربما أثّر حتى اليوم. كنتُ أغضبُ كثيراً من واقعي، ولا أذكر المرات العديدة التي أعلنتُ فيها أنني سأتوقف عن الكتابة. إحداها كانت عندما نجحتُ سنة 2016 بالحصول على ناشرٍ لروايتي "إنسان"، في الإمارات العربية المتحدة، بعد أربعة أعوامٍ من كتابتها. وقد كنتُ قلقاً وفزِعاً ونفد صبري بسرعةٍ لتأخر الناشر عن الردّ عليّ مراتٍ عديدة. كنتُ كأنني أسعى إلى تدمير هذا الحلم، فتعاركتُ معه، مع أنني صبرتُ على أمثاله بعد أعوام. ربما كنتُ أخاف أن أموتَ برصاصةٍ طائشةٍ قبل أن أرى كتابي. ربما، لا أعلم تماماً.


على حدّة المجال السياسي، فليس وحده ما يمكن أن يُرهق الكاتب الليبي. فهناك مجالٌ يبدو لي أحياناً أكثر شراسةً في ارتيابه من الأدب وأهله، وهو المجال الاجتماعي بكل تقاليده وتحفظاته وإيمانيّاته. وهناك في كتابات جِنقي وسيرته ما يشي بذلك، وأيضاً هناك تقاطعاتٌ كثيرةٌ مع سيرتي وسير غيري من الكتّاب الليبيين.

في أغسطس 1968 نشر الفاخري نصّ "عيون الكلاب الميتة"، وهو أقربُ نصوصه التي تُظهر معاناةَ الكاتب في المجتمع الليبي. يكتب خليفة في إحدى فقرات النص: "وعندما مرقت نظراتهم عبر كلماتك، قالوا إنّك مجرّد سكّير، وملحد، وعميل، وإنّك لا تكتب سوى من أجل حفنة قروش قذرة. لم يكن لديهم ثمة ما يحكونه. ولقد كنتَ بالنسبة لهم موضوعاً جيداً لنفث بقية لعناتهم إلى حد جعلوك تشعر كأنك تعيش داخل قرن ملتهب، وقبل أن ينتهوا من قراءة كل كلماتك قذفوا بالصحيفة على الرصيف وجاء أحد الكلاب وشمّها بفضول، ثم بال عليها .. ورحل". 

عندما قرأتُ هذا النص أوّل مرّةٍ سنة 2014 ضحكتُ من نهايةِ الفقرة، لكن عندما أعدتُ القراءة وأنا أمرّ بمحنتي توقفتُ عن القراءة. توجّع قلبي، إذ ربما عرفتُ عندها ذلك الوجع المغروز في الكلمات.

يحكي النص بضمير المخاطب قصة رجلٍ يحلم أن يكتب، لكنه يواجه مشكلةً في أنّه لا يعرف ما يكتبه، ويدرك فجأةً أن كلّ ما حاول كتابته هو تقليدٌ لغيرِه، فيقرر أن يمرّ "بالتجربة" حتى يكتب، فيهاجر ويعيش كل التجارب الممكنة. عندما عاد بطل النص أصبحت الكتابة أمراً شاقاً، إذ تكشّف للكاتب أنّ مجتمعه الذي كان يعيش معه هو مجتمعٌ متعب. يقول الفاخري: "تعرّت أمام عينيك كل الثعالب في بلادنا، تعرّت عرياً فاضحاً لا شك فيه، حتى تورّد لون الورق خجلاً، وأغمض قلمك عينيه". وعندما كتب بحرارةٍ وبما يعبّر عن نفسه واجهه المجتمع بشراسة. حتى إنّ خليفة ينصح شخصيته في آخر النص: "أطفئ مصباحك إلى الأبد، ودعِ الخفافيش تذرع الأجواء كما تشاء".

لا يمكنني تخطّي حدسي بكونِ هذا النص أكثر نصوصِ الفاخري الشخصية، وأنّه كان يحدّث نفسَه ويسرد سيرته فيه، فكلّ ما حكاه يتقاطع مع سيرته الشخصية حتى حينه. وأنا أقرأ كتاب العمامي، أمكنني أن أرى خليفة وقد وجد نفسه في بنغازي الستينيات محاطاً بحواجز تحدّه من العيش والكتابة، ليبحث عن "التجربة" على خطى الروائي الأمريكي إرنست همنغواي، الذي كان يرى فيه مثلاً أعلى.

يلخّص همنغواي فلسفته في الكتابة بضرورةِ أن يكتب الكاتبُ الحقيقةَ، أي أن يكتب عمّا يعرفه ومن واقع التجربة. إذ يقول في كتابه "وليمة متنقلة"، الذي كتبه عن حياته في باريس الستينيات، في نصيحةٍ لنفسه: "لا تقلق، دائماً ما كنتَ تكتب، وستكتب الآن. عليك أن تكتبَ جملةً واحدةً حقيقيةً، اكتب أكثر جملةٍ حقيقيةٍ تعرفها".

ربما أحسّ الفاخري بأنّ كلام همنغواي موّجهٌ له، فالتجربة المباشرة عنصرٌ مهمٌّ في كتابات الفاخري. ومن بعض رسائل النيهوم له، ممكن أن نستنتج أهمية التجربة عنده، و"رغبته الواضحة في ولوجها"، كما يقول العمامي في "منابت الريح". ولم تكن تلك التجربة كما يرى العمامي سوى تجربة الهجرة والابتعاد عن ليبيا. ففي كثيرٍ من مراسلاته مع صادق النيهوم، نجدُ هاجس الهجرة من أجل التجربة والكتابة يطارد الفاخري، حتى أنّ النيهوم نفسه ينصحه في رسائل متعددةٍ بمغادرة بنغازي و"خربها" وأهلها، فقط ليعيش ويكتب، كما فعلَ هو سابقاً.

يقول له في رسالةٍ في التاسع من فبراير 1963: "أنت تقضي اليوم بطولِه في سوق الحشيش [حيّ في بنغازي]، ولكن ما الذي تفعله هناك، ما الذي تريده من حارةٍ صغيرةٍ مليئةٍ بالأطفال والملل، إنّ سوق الحشيش لا يثيرني أبداً. لقد كان لي مجرد مكانٍ للراحة [. . .] وكان يصيبني بالصدأ [. . .] ما الذي سوف تصفه وأنت جالسٌ هناك، في بالوعةٍ حقيقيةٍ وبلهاء تماماً". 

قد تبدو كلمات صادق قاسيةً في حقِّ وطنه، لكنها نابعةٌ من تجربةٍ قاسيةٍ له ولغيره من الكتّاب في المجتمع الليبي. لملمَ سالم الكبتي بعض نصوص النيهوم ونشرها في كتاب "الدلال" سنة 2014، ومن بين تلك النصوص نصٌّ أخذ الكتابُ عنوانَه منه، نُشِر سنة 1969. في ذلك النص يحكي صادق قصةَ كاتبٍ يذرع شوارع هلسنكي، المدينة التي عاش فيها النيهوم، صحبة بائعةِ أفيون. وبينما يحاولان بيع الأدب، كما تدلّ جملة النص الافتتاحية "من يشتري قليلاً من الأدب؟"، يخوضان في حوارٍ طويلٍ عنه. تسأل بائعةُ الأفيون الكاتبَ لمَ لا يعود إلى بلدِه ليبيا ويحاول بيع أدبه هناك. يجيبها الكاتب: "إنني لا أملك فرصةً واحدةً في ليبيا، فالبضاعة التي أكتبها تجرح مشاعر المواطنين على الدوام"، فتسأله المرأة: "أليس هذا مضحكاً؟"، ليجيب: "ليس في ليبيا على الأقل. إنّ النّاس هناك يحملونك إلى المحكمة إذا جرحت مشاعرهم ويضعونك في السجن طوال حياتك". 

ما يحكي عنه النيهوم له شواهد في الواقع. فعلى سبيل المثال واجه عالمُ اللسانيات علي فهمي خشيم حملةً اجتماعيةً شرسة ضدّه في أيام كتابته الصحفية الأولى في الستينيات، عندما نشرَ تقريراً صحفياً في صحيفة الرائد عن رجلٍ ادّعى النبوّة بعنوان "نبي جديد ظهر في مصراته"، فظلّ خائفاً مختبئاً أسابيع بعد أن اشتعلت الصحف ضدّه، كما يروي في كتابه "هذا ما حدث"، المنشور سنة 2004. وهذا ما حدث أيضاً عندما بدأ الروائي خليفة حسين مصطفى نشرَ روايته "ليالي نجمة" في الصحافة في السبعينيات، وتتحدث الرواية عن حياة مومسٍ في طرابلس. والنيهوم ذاته كان مثيراً للشغب، حتى إنّ كثيراً من الليبيين يصفونه بالكاتب الأكثر جدلاً في ليبيا، بسبب كتاباته التي تستهدف إعادة النظر في الثوابت الاجتماعية والدينية. وبهذا كان صادق يعرف جيداً ما قد يحيق بصديقه إذا ما استمرّ في التفتيش عن مواضيع للكتابة عنها في ليبيا، إذ وجد فضاءً ملغماً يمكن أن يحوّل كلّ كلمةٍ إلى شيءٍ يثير غضب وتقزّز كثيرين في البلد.

قبل سفره الأول إلى إنجلترا سنة 1967 كان الفاخري يكتب من غرفةٍ في الفندق الكبير ببنغازي، نعرف أنّها الغرفة 211 كما يرِد في نصِّ "موسم الحكايات". أخذ الشاعرُ خالد مطاوع، أستاذُ الكتابة الإبداعية في جامعة ميتشيغن الأمريكية، غرفةَ الفاخري اسماً لكتابٍ دوريٍ تصدره مؤسسة آريتي للثقافة والفنون التي يديرها. وتفسيراً لفكرة الكتاب واختيار الاسم بالتحديد، يكتب فريق تحريره في العدد الأول الصادر سنة 2023: "لطالما كانت علاقة الكُتَّاب بمجتمعاتهم ملتبسةً، مشوبةً بسوء الفهم، وكثيراً ما نُظِر إليهم على أنهم مخلوقاتٌ مزعجةٌ تعكّر صفو المجتمع. لقد جسّد الأديب الراحل خليفة الفاخري هذا التنافر مطلع السبعينيّات في نصٍّ يُعَدّ من كلاسيكيات الأدب الليبي"، وهذا النص هو موسم الحكايات ذاته.

يذهب مطاوع بعيداً في مقالةٍ أخرى منشورةٍ في العدد ذاته بعنوان "غرفة الفاخري وغرفة فرجينيا وولف [. . .]"، ليتتبع شروط الكتابة الأدبية بتحليل نصِّ موسم الحكايات للفاخري حسب منظور الروائية الإنجليزية فرجينيا وولف في كتابها "غرفة تخصّ المرء وحده"، المنشور أوّل مرّةٍ سنة 1929. يقول مطاوع عن سبب اختياره كتاب وولف لهذه المقارنة: "كتاب وولف يعد من أيقونات النقد النسوي وسيكون مفيداً لنا عندما نتحدث عن مجتمعاتٍ تحارب مثقفيها أو أيّ فئةٍ منهم".

الدافع هنا بيان نصّ الفاخري وهو يفضح تجربة الكاتب الليبي في مجتمعٍ يرى في الكتّاب موضعاً للارتياب. يقول مطاوع إنّ الفاخري، أو شخصية الكاتب التي يتقمصها، تستمر في الكتابة داخل الفندق "بالرغم من شكوى النزلاء من صوت آلَتِه الكاتبة واغترابه وتنقله بين حجرات الفندق"، لأنّه مؤمنٌ أنّ كتابته يمكن أن تغيّر شيئاً. ويرى مطاوع أنّ هذا الاغتراب هو حقاً ما يواجه الكتّاب الليبيين داخل مجتمعٍ يسأمُ من إزعاجهم، فالنزلاء الذين يشتكون من صوت الآلة الكاتبة ليسوا سوى المجتمع الذي يضيق صدراً بإزعاج كتّابه، "إذ أن في الغرفة 211 تكمن طلاسم إشكاليات الكتابة في بيئتنا".

ويؤكد الأديب الراحل يوسف القويري في كتابه "الكلمات التي تقاتل"، المنشور أوّل مرّةٍ سنة 1969، بقولِه إنّ: "المجتمع المغلق يقذف طلائعه المثقفة نحو المنفى النفسي. إنه ينفيهم بتخاذله، وضيق أفقه، وأفكاره العتيقة وانغلاقه شبه التام في وجه كل دعوة إصلاحية – ولا نقول 'جذرية' – ورفضه لكل تعاطف عميق معه".

يبدو لي أنّ الفاخري، بين خيارَي المنفى النفسي والمنفى الجغرافي، اختار الثاني. فقد سافر أخيراً وعاش تجاربَ كثيرةً ليكتب عنها كما كان يأمل، ولكنه سرعان ما عاد إلى ليبيا. ولا شيء في سيرة العمامي الضخمة عنه يوحي أنّ الفاخري واجه بعد عودتِه إلى ليبيا قصوراً في الكتابة بسببِ ضيق المجتمع به، كما ضاق بصديقه النيهوم أو غيره من الكتاب، فجعله يتوقف عن الكتابة. غير أن هذا لا ينفي أن كتّاباً ليبيين آخرين رأوا في المجتمع والقيود التي يفرضها أحد أسباب تراجع الإنتاج الأدبي.

وفي هذا السياق ينتقد أحمد إبراهيم الفقيه في مقالته المذكورة آنفاً المجتمع الليبي كثيراً، ليجعله تقريباً السبب الرئيس في توقف "ظاهرة توقف الإنتاج". يقول الفقيه إنّه حالما ينضج كاتبٌ ليبيٌ، نرى المجتمع "يحملُ الهراوات يريدُ أن يحطّم جمجمة هذا الكاتب لأنه استعمل تعبيراً لا يتفق مع ما رضي به المجتمع من مسلّمات وبديهيات".

يضيف: "وإذا بالحياة الأدبية تعاني من مراحل هستيرية يتم خلالها تصنيف الأدباء والكتاب ووضعهم في علب وأرفف وصبغهم بمختلف الألوان هذا شيوعي، وذلك متحلل متفسخ مشتبه بحضارة الغرب والآخر رجعي من جماعة الإخوان". وبهذا يخلص الفقيه إلى أنّ قسوة المجتمع وشراسته "كانت أقوى من أن يتحملها فرد أيا كانت قوة إيمان هذا الفرد .. وهكذا فقد تضاءل الإنتاج، واضمحلت منابع العطاء، وتوقف عن الكتابة أدباء يملكون الموهبة والقدرة على المشاركة". 

لا يسرد الفقيه أمثلةً على أولئك الكتّاب الذين توقفوا بسبب ضغط المجتمع، ولا يمكنني أن أجزم أنّ المجتمع كان أحد أسباب "توقف" الفاخري، لكنني مررتُ بتجارب تبدو مماثلة. فقد نشرت مؤسسة آريتي كتاباً سنة 2017 بعنوان "شمس على نوافذ مغلقة"، يضمُ نصوصاً من قصائد وقصصٍ قصيرةٍ وأنواعٍ أدبيةٍ أخرى لخمسةٍ وعشرين كاتباً وكاتبةً من الشباب، وكنتُ أحدهم.

ما بدا في البداية احتفاءً صار بسرعةٍ موجةَ تشهيرٍ وفضيحةً، بعد أن انتشرتْ صفحاتٌ من الكتاب على فيسبوك مظلّلةً سطورها باللون الأصفر، يعبّر فيها قارئٌ عن غضبِه وسخطِه مما عدّه تعدّياً على أخلاق الأسرة الليبية وقيم المجتمع الدينية المحافظة. وبهذا أصبح الكتّاب المشاركون، لاسيما الذين ظهرت صورهم على صفحات التواصل الاجتماعي، هدفاً للمحرّضين.

كنتُ قد شرحتُ ما حدثَ بالتفصيل في مقالتي "رواية جزائرية تقسم المجتمع ما بين حفظ القيم وتحرير الوعي"، المنشورة على مجلّة الفراتس في يوليو 2024. لكن المهم هنا هو أن تلك الحملة شرّدت بعض الكتّاب ونفتهم، وأوقفتْ آخرين عن الكتابة، منهم كاتباتٌ أجبرتهنّ أسرهنّ على التوقف خوفاً من الفضيحة.

أما أنا فلم أتوقف، حتى بعدما حدثَ سنة 2022 عندما فازت روايتي "خبز على طاولة الخال ميلاد" بالجائزة العالمية للرواية العربية، وانتشرت حملةٌ اجتماعيةٌ شبيهةٌ بها موجهةٌ إلى شخصي. لكن تلك الحملة جعلتني أستشيط غضباً وخوفاً على نفسي. حتى أنني عندما عدتُ إلى ليبيا من تونس عشتُ في حالة قلقٍ لعامٍ وأكثر، لم يكن حلّها إلا هجران البلد مرّةً أخرى. ترافق ذلك مع بدئي عملي على روايةٍ جديدةٍ، وانفتاح فرصة العمل محرراً في مجلة الفراتس. وهو أمرٌ فيه تنّاصٌّ آخر مع سيرة خليفة.


بالتوازي مع عراقيل المجتمع، تربط الكاتب الليبي تقليدياً علاقةٌ قلقةٌ بالمال والعمل وشروط الاستمرار في الكتابة. فقد عُرِف عن جِنقي عيشه نمطَ حياةٍ مثل شعراء العرب الصعاليك أو مثل "الهيبيز"، الحركة الاجتماعية السياسية في الستينيات، التي كانت ترفض نمط الحياة الرأسمالي. كتاباته ورسائله مليئةٌ بهذا القلق العامّ من المال، وبحاجته الدائمة له، وهو ما يسردُه محمد عقيلة العمامي على طول كتابِه "منابت الريح"، حتى إنّ جِنقي استعار المثل الشعبي الليبي "فلان يبيع الريح للمراكب" عنواناً لكتابه الأخير، وهو المثل الذي يعني فلان عاطلٌ عن العمل.

في نصِّ "تذكرني هناك" المنشور سنة 1970 يحكي خليفة قصة كاتبٍ تطارده أمّه وتحتقره لأنّه ليس كباقي الرجال "المتخمين بالنقود". يبدأ النص بتقريعٍ عنيفٍ لحُلمِ الكاتب الذي تراهُ الأمّ تافهاً، لتقول له: "أنت ماذا فعلت؟ لا شيء، لا شيء يا عديم الفائدة. لا شيء سوى أن تنفق معظم الليالي في القراءة مثل فقيهٍ معتوه. آه لو كنتَ تكتب حتى مثل فقيهٍ لأصبحت الآن أكثر الناس ثراء".

قد لا يبدو هذا النصُّ انعكاساً لتجربة خليفة الشخصية، لكن موضوع "الإفلاس" والبحث عن المال يتكرر في كتابته. ففي نصِّ "الديك الأحمق"، المنشور أوّل مرّةٍ سنة 1969، يبدأ جِنقي بالكتابة بضمير المخاطب: "أنت مفلس الآن"، ومن ثم يروي قصة شخصٍ يعاني من التبذير ونقص الموارد المادية. وفي نصوصٍ أخرى يعاد الأمر ذاته. فحياة الكاتب التي كان يعيشها أثّرت فيما يكتبه. يقول الفقيه في "معارك الغد" إنّ الكتّاب أكثر الناس تعاسةً في ليبيا، فالنّاس هناك يرون أنّ استلام الكاتب أيّ مالٍ كفيلٌ بتدنيس سمعته، ولهذا يرى المجتمع أنهّ لا يحقّ للكاتب أن يعيش من الكتابة.

ربما لهذا السبب سعى خليفة لإيجاد عملٍ مجزٍ خارج ليبيا بالتواصل مع معارفه وأصدقائه، فوجد ضالته سنة 1975 ليصبح مستشاراً ثقافياً في سفارة ليبيا في الدنمارك. بهذا ضرب عصفوريْن بحجرٍ واحد: أن يبتعد عن ليبيا ويعيش دون أن يطلب المال.

لا يتحدث العمامي كثيراً عن مرحلة العمل في السفارة، إلا بذكر أنّ الفاخري كان يعكف على إنجاز سلسلة كتبٍ عن الدنمارك تحت عنوان "الكتاب السنوي"، وأنّه استطاع استضافة عبد الوهاب البياتي سنة 1978 في أمسيةٍ شعريةٍ حضرتها شخصياتٌ دنماركية.

ومع أنني استصعبتُ اختصار سيرة أربعة أعوامٍ، لاسيما أنّ كتاب العمامي هو عن سيرة الفاخري "الأدبية"، إلا أنني وجدتُ ضالتي في كتاب الفاخري "بيع الريح للمراكب". ويبدو من الكتاب أنّ الفاخري لم يكتب أيّ نصٍ أدبيٍ آنذاك سوى نصٍ واحدٍ سنة 1975 بعنوان "رحلة الليل والنهار في الغرفة 21". ويبدو كذلك أنّ النص كُتِبَ في طرابلس قبل سفر الفاخري إلى عملِه في الدنمارك، إذ فيه سردٌ لشواهد المدينة كتمثال الغزالة في وسطها. ويؤكد ذلك ما ذكره العمامي عن سكن الفاخري في الفندق الكبير بطرابلس المقابل لتمثال الغزالة، قبل رحلته إلى الدنمارك. وبهذا يكون عنوان النص الذي يشير إلى غرفةٍ فندقيةٍ، وشواهد المكان التي تشير إلى طرابلس، ونهاية النص التفاؤلية بغدٍ جديدٍ بقوله "فلتتبارك الحياة"، إشارةً إلى أنّ الفاخري كان عازماً على السفر وبداية حياةٍ جديدة.

الروائي الليبي إبراهيم الكوني في حفل جائزة بوكر الدولية سنة 2015 | خدمة غيتي للصور

بحثَ كتابٌ ليبيون كثرٌ عن تلك الحياة الجديدة التي تمكّنهم من الكتابة وتأمين شروط العيش بعيداً عن لهيب شمس المجتمع الليبي. ربما يكون أهم أولئك الكتّاب الروائي إبراهيم الكوني. كنتُ قد قرأتُ سيرته "عدوس السُرى" قبل أن أهجر ليبيا إلى تونس سنة 2024، للبحث عن فضاءٍ أكتبُ وأعمل فيه براحة. وقد أثّرت فيّ تلك السيرة المنشورة في أربعةِ كتبٍ، حتى إنني راسلتُ الكوني وشكرتُه عليها محدّثاً إيّاه أنني وجدتُ فيها وصايا مهمةً سأعمل على تنفيذها. ومن تلك الوصايا تركُ الكوني العملَ، وقتالُه الشرس من أجل البقاءِ خارج ليبيا، من أجل أن يتفرّغ للكتابة. فقد اشتغلَ منذ 1975 مراسلاً صحفياً في وكالة الأنباء الليبية في الاتحاد السوفييتي، وعمل بعد ذلك مستشاراً ثقافياً في المكتب الشعبي الليبي (أي السفارة بمفردات الجماهيرية الليبية) في الثمانينيات، ليصبح أخيراً مستشاراً ثقافياً في العاصمة السويسرية بيرن.

اللافت في مسيرة الكوني المهنية تلك أنّه لم يكتب بالغزارة التي جعلتْ في رصيده اليوم ثلاثةً وتسعين كتاباً. فجلّ الكتب التي نشرها آنذاك كانت قبل سنة 1975، ولم ينشر سوى المجموعة القصصية "شجرة الرتم" سنة 1986. إلا أنّه عند قراءة "عدوس السُرى" تتكشّف للمرءِ ما كان يمرُّ به الكوني وقتئذٍ، وكيف شعر بالعجز عن الكتابة كما كان يطمح، حتى قال إنّه كافح كثيراً حتى ينالَ تفرغاً ثقافياً من السفارة الليبية في بيرن. عندها فقط، تمكّن من إخلاص نفسه إلى الكتابة. فبعد الانزواء عن مشاغل العالم المادية، بما فيها الطعام، في كوخٍ عند غابةٍ روسيةٍ، صار يكتب بهوسٍ عظيمٍ، حتى إنّه أنجز كتباً كثيرةً في التسعينيات.

التقيتُ بالكوني مرّتيْن، واحدةً في الشارقة الإماراتية سنة 2022 والثانية في بازِل السويسرية سنة 2025، وكان من وصاياه أن أُخْلِصَ نفسي إلى الكتابة كما فعل. في بازِل استيقظتُ صباح سفري لأودّعه، لكنّ السيدة مريم، زوجته، أخبرتني أنّه غائبٌ عن هذا العالم، يقاتل من أجل كتابة نصٍ. احترمتُ ذلك، فأكره ما يكرهه الكاتبُ أن يُنتزَع من خلوتِه مع معشوقتِه الكتابة. ومصادفةً كنتُ أحمل معي كتاب خليفة "بيع الريح للمراكب"، وبينما ركبتُ القطار إلى مدينة زيوريخ لألتقي صديقاً، قلتُ لنفسي متذكراً مسيرة الكوني: "ربما هذا ما لم يجده خليفة. ربما لم يستطع أثناء عمله في السفارة أن يختلي بالكتابة".

أما أنا فعلى عكس خليفة والكوني، وجدتُ في بداية عملي مع الفراتس ذلك المتنفس الذي لم أجده في ليبيا. أردتُ الانتهاء من روايتي "الرحيل إلى الجنة"، التي شرعتُ بكتابتها في سبتمبر 2022، لكن ظروف معيشتي في ليبيا حالت بيني وبينها. عند سفري إلى تونس في مارس 2024، الشهر الثاني في بداية عملي مع المجلة، حملتُ معي وصايا الكوني ونظمتُ جدولي بأن أبدأ يومي بكتابة الرواية ساعةً أو اثنتيْن، ثم أنتقلُ إلى العمل التحريري مع المجلة بعد ذلك مباشرةً.

مضى عامٌ كاملٌ حتى مارس 2025 التزمتُ فيه هذا الجدول تقريباً حتى أتممتُ المخطوطة الأولى من الرواية. وفي خضمِّ ذلك تمكنتُ من كتابة مقالات هنا وهناك، سواءً للمجلة أو لغيرها. وفي نهاية اليوم، كنتُ مُرهقاً، أفكّرُ دوماً أنّ عليّ المضيّ قدماً، فيما تتكررُ كلمات الأصدقاء عن استحالةِ جمع الأمريْن. أحدُ أولئك الأصدقاء كان الشاعر سالم العالم، وزير الثقافة الحالي في حكومة الوحدة الوطنية، وهو يخبرني أنّ العمل الصحفي سيستلّني من الكتابة الأدبية.

يتفقُ أحمد إبراهيم الفقيه مع العالم في هذه النظرة إلى صعوبة القِران بين التجربة الأدبية وأشغالٍ أخرى. إذ يرى ضرورة وجود الحافز المادي للتفرّغ إلى الكتابة، ومن ثمّ يعرض نماذج لكتابٍ وشعراء أنهكتهم متاعب الحياة والفقر المدقع. إذ يقول عن الكاتب والقاص خليفة التكبالي، المتوفى سنة 1968: "وعاش خليفة الغربة حتى النخاع، وكان أمله أن يتفرّغ لكتابة روايةٍ طويلةٍ، ولكن الخدمة العسكرية التي كان يحيا على مرتّبها لم تمكّنه من أن تمنحه هذا الترف ومات قبل أن يحقق أمنيته".

رفضتُ التسليم بهذا الرأي طويلاً، وحشدتُ حججاً كثيرةً على بطلانِه كذكري تجربة الروائي المصري نجيب محفوظ، الذي كتب كثيراً من روائعه الأدبية وهو موظفٌ حكومي. على ذلك، وفي العمقِ، كنتُ أمنّي النفس بأن أحصل على تجربة إبراهيم الكوني، وأن أجدَ مورداً مالياً يجعلني أتفرّغُ تماماً للكتابة. وقد فكّرتُ أحياناً في مغادرة المجلة، ليس لأنني لا أجدُ فيها مكاناً مناسباً للعمل، بل لأنّ طاولتي مليئةٌ بمشاريع أدبيةٍ كثيرةٍ تتفحّصني كلما أجلسُ إلى مكتبي لأعمل. لكنني عندما أسمعُ صراخ أطفالي، أتذكّر متطلباتِ الحياة في غُربتي التونسية، وأتذكرُ دوري أباً ومسؤولاً عن أسرةٍ من ثلاثةِ أفرادٍ، فأطردُ هذه الهواجس.

تزوّج جِنقي سنة 1979 وعاد بعد مدةٍ قصيرةٍ إلى ليبيا وأنجبَ أولاداً وبناتاً. وقد كان يحلمُ أن يكون زوجاً وأباً منذ منتصف الستينيات، حين أسرّ إلى صادق النيهوم أنّه يحلمُ بأن يتزوج فتاةً رشيقةً تعدّ له طعاماً طيباً في بيتٍ بسيط. وبعد زواجه بفترةٍ بسيطةٍ تخلّى جِنقي عن حياة المستشار الثقافي في الدنمارك سنة 1981، إذ أحالته أمانة الخارجية (وزارة الخارجية وقتئذ) عن العمل في عمرِ السادسة والأربعين سنة 1988، وهو ربّ أسرةٍ، ليصبح مدققاً لغوياً في مؤسسةٍ حكوميةٍ تدعى "مطابع الثورة". 


تفاصيل حياة جِنقي الشخصية من زواجه إلى اختياراته المهنية دفعتني وأنا أقرأ سيرة "منابت الريح" للبحث أيضاً عن أسبابٍ شخصيةٍ مرتبطة بالعائلة الصغيرة والكبيرة في علاقةِ خليفة المعقّدة مع الكتابة. فمع أنّ العمامي يقول منذ البداية إنّني لن أجدَ هذا النوع من السيرة في كتابه، رفضتُ ذلك. كنتُ محمولاً بتجربتي الشخصية وبتجربة الكوني في "عدوس السُرى"، التي يحكي فيها أنّه طلّق زوجته الأولى وأرسلها مع ابنه إلى أهلها في بلادها الأوروبية.

لا يحكي الكوني كثيراً عن حياته العائلية في سيرته الضخمة. لكن بدا لي أنّه كان متبرماً منها ويجدها معرقلاً طموحاته. ويذكر بصراحةٍ في عدوس السُرى أنّ طلاقه سهّل عليه الكتابة. وبعيداً عن الخوض في مسائل شخصيةٍ هنا، لكنّ الحياة العائلية في تاجوراء سنة 2023 كانت من الأسباب التي جعلتني أهربُ إلى تونس للكتابة. وقد شجّعني كتابُ الكوني على ذلك. وحتى يرتاح بال زوجتي العزيزة، ريما، لم تخطر فكرة الطلاق ببالي البتة. ولكنني أيضاً وددتُ أن أتنفّس، وأن أبحث عن نقطة التقاءٍ بين تجربة الكوني وحياة العائلة، فسافرتُ في البداية وحدي، تاركاً زوجتي وابني الرضيع عُمَر في ليبيا.

عندما وصلتُ إلى تونس أدركتُ أنّ ذلك الحلم قاسٍ جداً، فوجدتُني أناجي خيالَ عمر في شقتي التونسية والدمعُ ينزل من مقلتي، في لحظةِ إغلاقي الباب أوّلَ مرّةٍ على نفسي. لم أحتمل هذا البُعاد، وكان رمضان وقتَها. وربما زادَ الشهرُ من هذا الإحساس الثقيل بالوحدة. فقد اعتدتُ منذ طفولتي أن أستقبله صحبة العائلة الكبيرة. لهذا لم يمضِ أسبوعان حتى طلبتُ من زوجتي أن تأتي إلى تونس.

لا أعرف يقيناً أثر الحياة الزوجية والاجتماعية على خليفة. وعندما فاتحتُ مو مصراتي في مسألة كتابة المقالة، وأنني أبحثُ عن دلائل عن ذلك، أخبرني أنّ بينه وبكر الفاخري غسّان أصدقاء مشتركين، وأنّه يمكنه أن يوصلني به إن شئت. ترددتُ بعد أن أضاف مو بأنّ الأمر قد يكون مُحرجاً، فكيف يمكنُ للكاتب أن ينشئ علاقةً مع شخصٍ، يعلم أنّه سيكتب عنه وعن والدِه. أحدثَ لي هذا التعليق شيئاً من الإحراج، فتخيلتُ أن يأتي صحفيٌ لابني عمرَ بعد أن أغادر هذا العالم، ويطلب منه أن يفصحَ له عن علاقة والدِه معه أو علاقته مع أمّهِ. لن يكون الأمر بالسهل عليه، لاسيما في مجتمعٍ متحفّظٍ كالمجتمع الليبي.

فكّرتُ أيضاً أنّه أحياناً من الأفضل ترك هذه المسألة برمّتِها، فما دام الفاخري لم يحكِ عنها، كما فعل الكوني، فلا حاجةَ للحديث عنها. لكنني أعرفُ من تجربتي أنّ الحياة الاجتماعية في ليبيا، وليس العائلة النووية فقط، وما تفرضهُ من التزاماتٍ وما تلتهمه من وقتٍ، كانت دوماً حاجزاً أمام المرء للكتابة. عندي عشرات القصص من أصدقاء من الكتّاب الليبيين، لا أودّ الإفصاح عن أسمائهم، يمرّون يومياً بهذه المهمة شبه المستحيلة في التوفيق بين الكتابة والحياة الاجتماعية، فيضحّون بالكتابة.

ربما هذا ما فعله جِنقي، وربما بطيبِ خاطرٍ منه. فكتاباته ورسائله وحتى كتاب صديقه العمامي، مليئةٌ بحبٍ عظيمٍ لأصدقائه وعائلته ومجتمعه وبرغبةٍ جمةٍ في أن يذوب فيهم، حتى وإن ضحّى بالكتابة. ربما وصل جِنقي إلى نتيجةٍ لم أصل إليها أنا بعدُ، وهي أنّ الكتابة فعلٌ غير ضروري. يقول في حوارٍ له مع مجلة "الثقافة العربية" سنة 1991، إنّه ليست لديه مواقيت أو طريقةٌ معيّنةٌ للكتابة، بل "إنني في أحيان كثيرة أهرب منها".


احتمالات الالتزامات العائلية، ويسبقها عوامل المجتمع والمال والسياسة، لم يبدُ أنها منحتني إجاباتٍ حاسمة. كنت بحاجةٍ إلى الاقتراب أكثر من جِنقي، بالعودة إلى من عرفوه ومن حفظوا تفاصيل حياته ومسيرته. في هذا السياق وأنا أقرأُ كتاب "منابت الريح" لمحمد عقيلة العمامي، تذكرتُ حديثي مع الكاتب والصديق حسام الثني في مايو 2026. وكان حُسام أول من حدّثني عن موتِ خليفة الفاخري مدققاً لغوياً، وهو الذي زرتُه في بنغازي سنة 2021 وأخذني في جولةٍ سياحيةٍ في الأماكن التي كان خليفة يمشي فيها.

خلال الزيارة تتبعتُ خُطاه في سوق الحشيش ومقهى الشجرة والجامع الذي درس فيه القرآن، ورأيتُ ما رآه في المدينة. ولهذا كان لزاماً عليّ أن أحادثه مرةً أخرى في أمرِ المقالة، فهو يعرف من تبقّى من عائلة خليفة وأصدقائه، وقد حدثني من قبلُ أنّه يودّ أن يعرّفني بمحمد عقيلة العمامي. اتصلتُ بحسام لأخبره بأمر المقالة والخطة التي وضعتُها لها، وسألتُه عن إمكانية ربطي بالعمامي.

أخبرته أنّني أودُ أن أبحث في علاقة الظروف السياسية والاجتماعية والعائلية والمادية بتوقف الفاخري عن الكتابة. رحّب بذلك طبعاً لكنه توقف قليلاً ليقول لي: "ربما عليكَ أيضاً يا محمد أن تسأل فيما إذا كانت هذه العوامل لم تؤثّر أبداً في توقفِ الفاخري عن الكتابة". هناك توقفتُ فعلاً وفهمتُ قصدَه، ولم أذكّره بعدها بأمر وصلي بالعمامي. قلتُ: "أحياناً يحاولُ المرءُ جاهداً أن يجدَ انعكاساً لتجربتِه في تجاربِ الآخرين".

وهذا ما أثار سؤالاً عندي: هل أكون وقعتُ في هذا الفخ؟ ربما. فقد يكون هاجسي خدعني وألّف سرديةً متكاملةً لي، وجعلني أصدّق أنّ كل الظروف أوقفت جِنقي عن الكتابة. فكتاب "منابت الريح" لا يقول ذلك. جِنقي نفسه لا يعترف بمسألة الأنواع الأدبية، فقد استمرّ طيلةَ حياته في كتابة الرسائل إلى أصدقائه وعائلته. نعم، توقف عن النشرِ فترةً من الزمن في الصحف، لكن ربما غيّر جمهوره فقط. ربما اكتفى بعائلته وأصحابه، الجمهور الذي يحبُه لشخصه، لا لما يكتبه فقط.

أخذ العمامي عنوان كتابه من آخرِ نصٍّ كتبه جِنقي قبل وفاته في يونيو 2001. يقول العمامي إنّ جِنقي قد عكف على كتابة قصةٍ بعنوان "منابت الريح"، حكى له عن تفاصيلها وأعطاه مسودةً منها ليطبعها له. وفي يوم الخميس 31 مايو 2001، التقى به وقد نسيَ مظروفاً في سيارة خليفة. وبعد ظهر الجمعة جاءه مرةً أخرى وسلّمه مظروفه الذي نساه وقال له: "لقد برقت في ذهني هذه الأسطر الليلة البارحة، فكتبتها على مظروفك لأنه كان بجواري، وقد أضيفها لقصة منابت الريح". 

كان ما كتبه خليفة: "الشمس هي الشمس وإن كان نصيبك منها بضعة شعاعات. مجرد خيوطٍ مشبعةٍ بذرّات الغبار. الريح هي الريح، حتى وإن تسللت إليك عبر النافذة مثل سارق. والليل هو الليل، مجرد كائنٍ مملوءٍ بالأساطير والخرافات والذكريات، وبعض الأماني. إنّك لا تملك سوى أن تكون ذاتك، أن تكون أنت. أما غير ذلك فباطلٌ، باطلٌ وحقّ الله". ثمّ يتوقف السرد في الفقرة، لكنه ينهي القصة بسطرٍ واحدٍ: "أريدُ قلماً وحزمة أوراق". وبعد هذه الجملة بخمسةِ أيامٍ مات خليفة الفاخري في السادس من يونيو 2001 وهو لم يتمّ الستين من عمره.

عندما قرأتُ الجملة شُدِهت، وقلتُ لنفسي: "كان خليفة كاتباً حتى آخر أيامِ حياتِه، لكنه رُبما تجاوزَ طموح التفرّغ تماماً إلى الكتابة والنشر". 


لأقولَ الحقيقة، خطّطتُ أن تكون هذه المقالة آخرَ ما أكتبه، على الأقل بِاسمي هذا. لقد أُجهدتُ كثيراً في السنوات الماضية وأُثخِنتُ بالجراح. وفي صراعي الدائم في التوفيق بين حياتي وحياة الكاتب، أجدُني أحاول التضحية بإحداهما. حاولتُ ترك الكتابة المباشرة في السياسة حتى أتّقي شرَّ السياسيين. لكنني هربتُ من ليبيا حتى أتمكن من الكتابة عن مجتمعي وله. وعلى ذلك أجدُني دوماً عائداً مرغماً إلى ليبيا، البدوية الشرسة كما يقول عنها الشاعر عمر الكدي في قصيدته "بلادٌ تحبها وتزدريك". تركتُ وظائفَ لأجل الكتابة، لكن كان ذلك قبل أن أصبحَ أباً لولدٍ مشاكسٍ اسمه عُمَر، وطفلةٍ من أجمل من خلق الله اسمها ليلى، مستعدٌ أن أمزّق قلبي وأسلمه لهما.

ربما تكون هذه المقالة آخر ما أكتُب أو أنشر. ربما أجدُ وسيلةً أخرى أو اسماً آخر للتعبير عما يخالجني من قصصٍ. لا أعلم ما سيحدث، لكنني أعلم أنني عندما أستعيدُ سيرة خليفة الفاخري، بغضِّ النظر عن وصلها بسيرتي، لن أستعيدها كما فعلتُ سابقاً. سأذكرُ جِنقي دوماً بوصيّته لي أنني لا أملك أن أكون إلا أنا، أما غير ذلك فهو باطلٌ وحقّ الله.

اشترك في نشرتنا البريدية