وبين النكبة والنزوح الأخير، تبدّلت الأمكنة وتغيرت الظروف، لكن تجربة الاقتلاع تكررت بأشكال مختلفة. وفي حكاية شيخة الجنيدي، التي امتدت بين زمنين فصل بينهما عدة أجيال، تختلط ذاكرة اللجوء الأولى بما يعيشه آلاف النازحين اليوم. وبين حكايات النساء اللواتي واجهن قسوة فقدان البيت وغياب الخصوصية وتجارب أجيال من الفلسطينيين الذين ولدوا داخل المخيمات وعاشوا تحوّلاتها، تتكشف سيرة المخيم نفسه وكيف تحوّل من ملاذ مؤقت للاجئين إلى حاضنة لذاكرة اللجوء والعودة، قبل أن يصبح هو الآخر مهدداً بالاقتلاع. في مشهد يعيد إلى الواجهة جرحاً لم يلتئم منذ اللحظة الأولى التي هجر فيها غالبية أهل فلسطين، وبدأت رحلة لجوء لم تتوقف آثارها حتى اليوم.
خلال العملية، أجبرت إسرائيل سكان المخيمات على النزوح، ولم تسمح إلا لأعداد محدودة بالعودة إلى أطرافها، فيما واصلت عمليات الهدم داخلها. وبحسب مكتب دائرة شؤون اللاجئين التابع للسلطة الفلسطينية، تجاوز عدد النازحين من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس أربعين ألفاً بعد شهر من بدء العملية. في المقابل، قدّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" عدد النازحين حتى أبريل 2026، بأكثر من ثلاثة وثلاثين ألفاً.
ومثل كثير من النازحين، عاشت شيخة، مشهد الخروج على وقع أصوات الدبابات والجرافات. بالنسبة لها، وقد أخرجت من المخيم في فبراير ذلك العام، فهذا مشهد يتكرر من "زمن الانجليز" وهي التسمية العامية لفترة الانتداب البريطاني لفلسطين بين 1920 و1948. ففي طفولتها، وفق ما تخبر الفراتس، رأت القوات الإنجليزية تلاحق الثوار في الجبال والبيارات القريبة من قريتها، وتقتلهم في كثير من الأحيان. ومع اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى ضد الانتداب والحركة الصهيونية سنة 1936، والتي امتدت إلى 1939، ازداد صوت الرصاص حضوراً في ذاكرتها. كانت طفلة في الحادية عشرة حينها، لكنها لا تزال تذكر ذلك اليوم الذي لم ينقطع فيه صوت إطلاق النار من الجبل، حيث تحصّن الثوار الذين نفذوا معركة لتحرير الأسرى من سجن عتليت الإنجليزي قرب حيفا، سنة 1938.

لا تقف ذاكرة شيخة وحدها عند تلك المرحلة، إذ تتقاطع تفاصيلها مع ما ورد في مراجع عدة تناولت قرية المنسي. تشير أريج صباغ خوري في كتابها "كولونايزينغ باليستاين" (استعمار فلسطين) المنشور سنة 2023، إلى أن المنسي "عُرفت بمشاركتها النشطة في الثورة". وتلفت إلى أنّ "التقارير الصهيونية كانت تشير إليها بوصفها معادية ومأهولة بالعصابات. بينما تضع المصادر الفلسطينية نشاط القرية في سياق مقاومة الاستعمار وسياسة الانتداب البريطاني التي سهّلت بسط السيادة اليهودية".
من جهته، يذكر كتاب "إثنيك كلينزينغ أوف باليستاين" (التطهير العرقي في فلسطين) للمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه الصادر سنة 2006، أنّ القرية لعبت دوراً مركزياً خلال الثورة الفلسطينية الكبرى سنة 1936 وكانت جبالها معقلاً للثوار، قبل أن تصبح لاحقاً هدفاً للهجمات الصهيونية سنة 1948.
وبحكم موقعها الجغرافي في مرج ابن عامر، على الطريق الواصل بين حيفا وجنين، كانت المنسي من القرى التي طاولتها أحداث النكبة مبكراً، وفق ما يرد في الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية. فبعد معارك دارت في محيط مستعمرة "مشمار هعيمك" القريبة، بين قوات البالماخ الصهيونية وجيش الإنقاذ العربي (قوة عسكرية تطوعية أنشأتها الجامعة العربية سنة 1947 لمساندة الفلسطينيين في مواجهة المنظمات الصهيونية)، تعرّضت القرية للاجتياح والتدمير. تقول شيخة: "خرجنا على وقع الرصاص"، وقد كانت حينها آخر "عروس" في المنسي، بعدما قالوا لهم "أيام مؤقتة ونعود". لكنّ المؤقت جاوز سبعة عقود، وهو ما جعلها لا تصدق ابنتها وأحفادها عندما قالوا لها: "سنخرج من المخيم لأيام ونعود".
بادرتني هي بالسؤال حين دخلت مكان إقامتها، حيث تقيم مع عائلة ابنتها في منزل قيد الإنشاء لأقاربهم في ضاحية اكتابا قرب مدينة طولكرم: "هل تستطيعوا الوصول إلى المخيم والاطمئنان عن بيتي؟ لم أُخرج شيئاً معي، حتى ملابسي بقيت هناك". حاولت ابنتها إشغالنا كي لا نجيب بالحقيقة. فالمنزل الذي دُمّر جزئياً احترق بالكامل.
وخلال حديثنا بدا واضحاً تداخل الأزمنة في ذاكرتها. ففي سنة 1948 تركت شيخة ملابسها في صندوق خشبي اعتادت كل عروس الاحتفاظ بجهازها (ملابس زفافها) فيه. وفي المرة الثانية، تركت ملابس شيخوختها في خزانة صغيرة في زاوية الغرفة. وبين التهجيرين، عاشت حياة من التعب وانتظار العودة، ثمّ خيبة ووجع خسارة المخيم. ومع كل سؤال لها كانت تستدرك: "تقصدين المنسي أو المخيم؟".
وكما بقية النازحين، لا تجد شيخة سوى الانتظار. لكن لماذا الاستماتة للعودة إلى المخيم رغم أنه ليس موطنها الأصلي؟ تجيب: "المخيم هو عتبة العودة إلى المنسي، لن نستدل طريقنا بدونه". وللحظة، تنسى المخيم وتعود إلى أجمل ما بقي في ذاكرتها: حقول الخوخ التي كانت تحيط بمنزلهم في المنسي. تقول: "في فصل الربيع، تتحوّل القرية إلى جنة، كانت مشهورة ببيارات الخوخ والمشمش والحمضيات".
إلا أن استعادة تفاصيل المنسي لا تأتي منفصلة عن وجع الخروج منها، حكايات رحلة اللجوء الأولى بما فيها من قصص من قتلوا في الطريق على يد العصابات الصهيونية، ونساء أنجبن في الطريق، وأخريات تركن أطفالهن خلفهن. تتذكّر شيخة الطريق الذي امتد أكثر من خمسة أيام حتى وصلت إلى أقرب نقطة في جنين، ثمّ انتقالها إلى طولكرم بعد سنة، بعدما طمرت الثلوج خيامهم. غير أنّ فترة مكوثها وعائلتها في مسجد حينما وصلوا لاجئين خلال الأيام الأولى، كان لها النصيب الأكبر من الذاكرة. فلم تكن هناك مساعدات تُقدّم للاجئين الذين اعتمدوا على ما توفر حتى اضطروا إلى جمع النباتات البرية لتأمين الطعام.
من بين تلك الوجوه التي بقيت عالقة في ذاكرة شيخة فتاة اسمها فاطمة. أنجبت فاطمة طفلها الأول محمد في طريق اللجوء ولم يتجاوز عمرها أربعة عشر سنةً. وصلت إلى المسجد منهكة من المشي ولم تجد سوى الماء لتقتات به، وبقيت أربعة أيام بلا طعام قبل أن تستجمع قواها مع نساء أخريات ويخرجن إلى التلة القريبة لجمع بعض النباتات. أضافت شيخة: "عندما كنت أحكي لأحفادي ما عشناه في النكبة، أشعر أحياناً أنهم لا يصدقون، اليوم يعيشون نفس ما عشنا، وعشرات العائلات سكنت في المساجد".
على هذا، لم يكن استحضار شيخة للمساجد مجرد عودة إلى ذاكرة اللجوء الأولى. ففي نزوح مخيمات شمال الضفة الغربية، أصبحت المساجد مرة أخرى ملاجئ مؤقتة لعائلات خرجت من بيوتها تحت القصف، لتلتقي تجربة الجيل الأول من اللاجئين بتجربة أبنائهم وأحفادهم.
تسكن خديجة الآن مع أمها في الطابق الثاني من المسجد إلى جانب ثلاث عشرة امرأة أخرى، بينما يُقيم والدها وشقيقها في القسم المخصص للرجال في الطابق السفلي. تقول: "تخيّلي عندما أريد أن أرى أبي، أخرج إلى الشارع أو ألتقيه على سلالم المسجد". وعندما سألتها عن قدرتها على التأقلم مع الحياة الجديدة، طلبت الابتعاد قليلاً عن النسوة من حولنا قبل أن تجيب: "هي من أصعب الأيام التي عشتها، تجردت من طفولتي هنا".

وكان من أصعب ما واجهته تجربة دورتها الشهرية الأولى في مكان لا يوفّر لها الحد الأدنى من الخصوصية. تقول: "لم أعرف ماذا أفعل في البداية، خجلت البوح حتى لأمي، كنت أكتم وجعي في الليل حتى لا يسمعني أحد، ولا يوجد لدينا فوط صحية لاستعملها". وفي ظلّ الأوضاع الاقتصادية الصعبة لعائلتها بعد النزوح، أصبح شراء الفوط الصحية أمراً يحتاج لحُسبان أيضاً. فالمساعدات التي تصل إلى العائلات في المسجد، وهي من بين الأكثر فقراً، بالكاد تكفي لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
تضيف خديجة: "منذ صغري وأنا أسمع عن جرائم الاحتلال، هُجّر جدي وجدتي. واعتاد جنود الاحتلال مداهمة بيتنا في المخيم، وفي كل مرة يُحطّمون كل شيء ويعتدون علينا بالضرب، ويعتقلون أشقائي وأحياناً أبي، لكنني لم أتخيّل أن نخرج من بيتنا ونعيش مع أشخاص لا نعرفهم ولا تربطنا بهم قرابة".
هذه التفاصيل التي تعيشها خديجة كانت جزءاً من معاناة النساء في رحلة اللجوء الأولى، من آلام الدورة الشهرية والمخاض والولادة، لكنها بقيت غالباً خارج الروايات الكبرى عن النزوح. تقول شيخة إن بعض النساء خلال خروجهن، "كنّ يمشين ودماء الدورة الشهرية والنفاس تسيل على أرجلهنّ. كان الجميع يراها ولكن لا أحد يتكلم عن ذلك، فكل واحدة تدبر أمرها لوحدها. وما إن يصلن إلى مكان للاستراحة يمسحن ما لم يجف من دماء عن أجسادهن ويواصلن السير". تضيف: "لم نكن نعرف الفوط الصحية، من تجد قطعة قماش والوقت لاستعمالها، فهي محظوظة".
ولم ينته الأمر على هذا، فبعد أقل من عشرين سنة على خروجها من المنسي، عايشت شيخة تفاصيل مشابهة مرة أخرى، لكن بمسمى جديد: "النكسة"، في إشارة إلى حرب يونيو 1967، أو حرب الأيام الستة بين إسرائيل من جهة ومصر وسوريا والأردن من جهة أخرى، والتي انتهت باحتلال إسرائيل لما تبقى من فلسطين. حينها، انجبت شيخة ابنتها كفاية في مغارة لجأ إليها سكان المخيم هرباً من قصف الطائرات، وكانت تختبئ خلف أجساد النساء لتبدّل ملابسها وتنظف جسدها من دماء الولادة. والأصعب في هذه الحكاية نسيانها طفلتها في المغارة مع اشتداد القصف وهروب الأهالي إلى مكان أكثر أمناً، لتعود إليها بعد عشر ساعات وتجد النمل قد بدأ ينهش جسدها.
وحين تقارن شيخة بين ما عاشته في النكبة والنكسة، تتذكر أن خدمات الإغاثة لم تكن حاضرة في تجربتها الشخصية أثناء النكسة، رغم أن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) كانت قائمة في السياق الفلسطيني الأوسع منذ العام التالي للنكبة. تقول: "في ذلك الوقت لم يكن لدى الفلسطينيين وكالة تخدمهم، ولا سلطة تقدم الخدمات الصحية لهم". ثم تستدرك، مقارنةً بما يعيشه النازحون اليوم: "اليوم جهات كثيرة مسؤولة عن اللاجئين، لكن بلا فائدة، لا نزال وحيدين في المعاناة".

أما اليوم، فلم تعد الولادة تتم في المغارات، لكنها لم تخرج من سياق النزوح. فقد أنجبت روان أبو الحسن طفلها يمان في مستشفى حكومي بمدينة طولكرم، ثم اضطرت إلى مغادرته بعد ساعات فقط، رغم خضوعها لعملية قيصرية، لعدم وجود متسع في قسم الولادة. عادت مباشرة إلى غرفة بسيطة في مدرسة الموحد بمدينة طولكرم، حيث تعيش مع عائلتها بعد نزوحها.

قسمت روان الغرفة بستائر. في زاويةٍ مطبخ، وفي أخرى مساحة لطفلتيها رهف وسيلا، وبالقرب من النافذة مكان لها ولزوجها ورضيعها. وفي المدرسة نفسها تقيم ثلاث عشرة عائلة أخرى عدد أفرادها لا يقل عن 155 نازحاً، لا يخدمهم سوى أربعة حمامات بلا خصوصية. إذ تتلاصق الغرف وتتشارك العائلات الساحات، ويلتزم الجميع بدورهم للاستحمام. واستُثنيت روان يوم ولادتها، فسُمح لها باستخدام الحمام عند الثانية والنصف فجراً.

وإن كانت الحمامات الجماعية تجربةً جديدة على روان في النزوح، إلا أن تجربتها كانت قد اختزنت ذكريات ورثتها عن جدتها عن الأيام الأولى بعد النكبة، حين تجمعت العائلات الفلسطينية في المناطق الأقرب إلى قراها، وأقامت مرافق بدائية. كان بعض هذه المرافق مجرد قطعة قماش تستر مكاناً لقضاء الحاجة، فضلاً عن الاستعانة بحمامات المساجد. ومع تأسيس الأونروا سنة 1949 وبدء توزيع الخيام على اللاجئين، بدأت ملامح المخيمات الأولى تتشكل.
في تلك المرحلة، كان لكل نحو مئة لاجئ خيمة مخصصة حماماً جماعياً، فيما تولت النساء جلب المياه من الينابيع القريبة، حسب المؤرخ الفلسطيني وأستاذ العلوم السياسية صالح عبد الجواد في حديث للفراتس. يضيف عبد الجواد أنه مع انتقال المخيمات لاحقاً من الخيام إلى المساكن المبنية، تحولت تلك المرافق إلى حمامات من الطوب، لكنها بقيت بلا أسقف في سنوات المخيمات الأولى.
وتختصر سيرة اللاجئة السبعينية هند أبو عويص هذا التحول، إذ ولدت سنة 1952 في مغارة قرب جنين شمال الضفة لجأت إليها عائلتها بعد تهجيرها من قريتها الأصلية السنديانة جنوب حيفا. ولم تمكث العائلة في المغارة سوى سنة واحدة، وفق ما تخبر الفراتس. ومع بدء بناء الأكواخ والبيوت الأولى في مخيم جنين سنة 1953، انتقلت إليها مع بقية أبناء قريتها. وقد حصلت الأسرة على وحدة سكنية وسط المخيم. ثمّ بدأت أونروا مطلع الستينيات بناء مساكن من الطوب المسقوف بالأسمنت، لتبدأ العائلات بالتوسع أفقياً في البداية. لكن ضيق المساحة سرعان ما فرض بعد سنوات التوسّع العمودي، وسط أزقة ضيقة أصبحت السمة الأبرز للمخيم.
ومع النزوح الأخير، رفضت هند البقاء في مراكز الإيواء، مكررةً قسراً ما فعله والدها خلال النكبة، حين آثر البقاء على جبل مطل على قريته بعد التهجير. وقد زرتها في تلك الأرض المزروعة بأشجار اللوز والزيتون، داخل خيمة نصبتها لتقيها حرّ الصيف وبرد الشتاء. ورغم وعورة المكان وصعوبة المشي على عكازها، إلا أنها تجد فيها "ونساً"، كما تقول. فالمكان يتوسّط وطنها الأصلي ووطنها المؤقت، تشرق شمسه من جهة المخيم وتغيب خلف السنديانة. وحين يشتدّ المطر، لا تزال تلجأ إلى المغارة التي وُلدت فيها، مثلما فعلت عائلتها قبل عقود. تقول للفراتس ضاحكة: "ولدت فيها وها أنا أعود إليها، وكأن الزمن لا يمرّ علينا نحن اللاجئين".

على هذا، فهند لا تتذكر الكثير عن الفترة الأولى لتأسيس المخيم، لكن الذكرى الأوضح بالنسبة لها كانت النكسة. كان عمرها خمسة عشر سنة عندما دفع القصف الكثيف عائلتها إلى المغارة نفسها، حيث احتمت مثلما فعلت بعد النكبة. وبعد انتهاء الحرب، عادت العائلات إلى بيوتها، وفرضت إسرائيل حظر تجوال لأيام بعد سيطرتها على المنطقة، قبل أن يصبح وجود مركباتها في المخيم مشهداً مألوفاً.
بعد احتلال الضفة الغربية، مرّت سنوات من الهدوء النسبي، قبل أن تبدأ خلايا المقاومة بالنمو بين أزقة المخيم. تُوّج انخراطها الكبير في المواجهات ضد الاحتلال الإسرائيلي في الانتفاضة الأولى سنة 1987، وما انتهت إليه بتوقيع اتفاقية أوسلو سنة 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل. لكن هدوء جذوة العمل المقاوم بعد أوسلو سرعان ما تبدد مع اشتعال الانتفاضة الثانية سنة 2000، والمعروفة باسم انتفاضة الأقصى، التي قادتها المخيمات الفلسطينية وفي مقدمتها مخيم جنين. ومن المخيم انطلق الكثير من منفذي العمليات التفجيرية في إسرائيل.
ردَّت إسرائيل سنة 2002 باجتياح المخيّم ضمن عملية أطلقت عليها اسم "السور الواقي"، وحاصرته أحد عشر يوماً، وقتلت أكثر من خمسين فلسطينياً، فضلاً عن تدميرها مئات المباني.
كانت هند شاهدة على ذلك الاجتياح، ومنزلها كان من تلك التي سُويت بالأرض. تقول: "أذكر كل ما مرّ على المخيّم، من النكسة إلى الانتفاضة ثمّ إلى اجتياح 2002، وكل ما ورثته عن أمي وأبي من حكايات الخروج إليه من قريتنا. لكن ما يحدث اليوم فاق كل شيء. إسرائيل تقتلع المخيم من جذوره".

تفتح شهادة هند، مثلما فعلت تجربة شيخة وخديجة، سؤالاً يتجاوز معاناة سكان المخيم إلى مصير المخيم نفسه اليوم. تسوّق إسرائيل استمرار عملياتها العسكرية في مخيمات الضفة الغربية على أنها تستهدف القضاء على المجموعات المسلحة التي بدأت تتشكل في مخيم جنين مع تأسيس "كتيبة جنين" سنة 2021، قبل أن يمتد النموذج إلى مخيمات أخرى في الضفة.
لكن باحثين فلسطينيين يرون أن ما يجري يتجاوز البعد الأمني إلى استهداف المخيم نفسه حاضنةً لحق العودة وذاكرة اللجوء، مثل ذاكرة شيخة. يقول صالح عبد الجواد للفراتس، إنّ "مخططات تذويب المخيمات تعود إلى السبعينيات، إلا أنّ إسرائيل وجدت مع الحرب على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، اللحظة والحجة والظروف الدولية المناسبة للمضي بهذه المخططات".
يضيف أن المخيمات شكلت محطةً مؤقتةً بانتظار العودة، وهو ما انعكس في عمرانها. إذ أقيمت على أراضٍ استأجرتها الأونروا لمدة تسع وتسعين سنة، وبُنيت عشوائياً، قبل أن تتحوّل مع مرور الزمن إلى وحدات سكنية متلاصقة صغيرة المساحة تفصلها أزقة ضيقة لا تتسع في كثير من الأحيان لأكثر من شخص.
ومع أنّ هذا النمط العمراني نشأ حلاً مؤقتاً، فإنه تحوّل مع الوقت إلى جزء من هوية المخيم السياسية ورمزيته، مكاناً يحفظ ذاكرة اللجوء والعودة. يقول عبد الجواد: "لم يتوقع أحد أن تطول مدة الإقامة في هذه المحطة المؤقتة كل هذه السنوات". وهذا ما تحاول إسرائيل محوه، وفق ما يعلق المختص في الشأن الإسرائيلي والقضايا الأمنية عبد القادر بدوي في دراسته "عمليات الهدم في مخيمات شمال الضفة الغربية [. . .]" المنشورة في ديسمبر 2025. إذ يرى أن ما يجري اليوم يأتي في سياق "مخطط منهجي لتحويل المخيمات إلى أحياء عادية داخل المدن. لذا يُمنع إعادة بناء أي منزل أو حيّ تم تدميره بالكامل خلال العملية، والإبقاء على الطرق مفتوحة وعدم السماح بإعادة تضييقها مستقبلاً".
يضيف بدوي، متوافقاً في طرحه مع عبدالجواد، أنّ هذه السياسات تستهدف المخيم "حيّزاً مكانياً ورمزياً وإحالاته في سردية الصراع: النكبة، والمقاومة والعودة، بما في ذلك دور الأونروا، وهو ما تسعى إسرائيل لتحقيقه مستفيدةً من الظروف الناشئة منذ بدء حرب الإبادة".
تدعم ذلك سياقات سابقة. فبعد اجتياح مخيم جنين بداية الانتفاضة الثانية، اشترطت إسرائيل تغيير هندسة قلب المخيم مقابل السماح بإعادة إعماره، ورفضت مخططات إعادة البناء التي مولها الهلال الأحمر الإماراتي، وفق ما يقول للفراتس المهندس جواد أبو بكر، عضو لجنة إعادة الإعمار آنذاك. ويعتبر أن ذلك كان "بدايات تذويب هوية المخيّم العمرانية". ويشرح أن "توسيع الأزقة الداخلية غيّر البنية العمرانية للمخيم، حتى أصبح الوحيد الذي باتت بعض طرقه تتسع للدبابات، وهو ما سهّل اقتحام أجزاء منه لاحقاً".
مع هذه التغييرات، لم يعد هناك حيّز لبناء منازل جديدة، فخرجت بعض المساكن إلى أطراف المخيّم حتى بات ملاصقاً للمدينة. وفي هذا السياق، تحدّثت صحيفة يديعوت أحرنوت الإسرائيلية في مارس 2025، عن إعداد الجيش الإسرائيلي مخططات مشابهة تستهدف باقي المخيمات إذا اقتضت الحاجة.

