"العربية" في اسم الدولة السورية بين التاريخ وجدل الواقع

ظهرت صفة "العربية" في لحظة التأسيس الأولى للدولة السورية، وأصبحت لاحقاً جزءاً من دساتير الاستقلال على أنها عنوان هوية جامعة.

Share
"العربية" في اسم الدولة السورية بين التاريخ وجدل الواقع
"العربية" لا تُلغي التنوّع الثقافي | تصميم خاص بالفراتس

أسماء بعض الدول ليست صيغاً محايدة، إنما قد تحمل في طيّاتها تاريخاً مضنياً من الصراعات والتوافقات والتسويات، وتكشف عن مرحلة التكوّن والانبثاق بكل ما فيها من رهانات وامتدادات. وهي تعبّر كذلك عن الرؤية للهوية الوطنية التي تتحرّك فيها ووفقها الجماعة، وتعرّف بها نفسها أمام ذاتها والآخرين.

ودلالات هذه الأسماء ليست ثابتة بالضرورة. إذ قد ينتقل الاسم من كونه تعبيراً عن هويّةٍ وطنيّةٍ وسياسيّةٍ جامعةٍ في لحظة التأسيس ليغدو موضع تساؤل وإشكال في ظلّ تعاقب التحولات السياسيّة، وتنوّع التجارب المتباينة في الحكم والإدارة. وهو الحال اليوم في المشهد السوري، إذ يتنازع فهم الاسم إما في ضوء لحظة التأسيس، أو في ضوء ما تلاها من أطوار وأعمال.

أصبحت صفة "العربيّة" في اسم الدولة السورية بعد سقوط نظام الأسد نهاية سنة 2024 موضع سجالٍ على معنى الدولة ذاتها، وربطها البعض باستبداد النظام السابق. لكنّ ما يُتجاوز في هذا السجال أنّ صفة "العربية" ظهرت في لحظة التأسيس الأولى للدولة السورية في سياق نهاية الدولة العثمانية ومواجهة مشروعِ التقسيم الفرنسي، وأصبحت لاحقاً جزءاً من دساتير الاستقلال عنواناً لهوية سياسية وثقافية جامعة. غير أن العودة إلى لحظة التأسيس والنظر في الواقع الحالي تكشف أن المشكلة الأعمق قد لا تكمن في الكلمة نفسها، وإنما في إدارة التعدد وضمان الحقوق داخل دولةٍ واحدة.


قبل أن تظهر سوريا دولةً باسمها الحديث، كانت العربيّة قد خرجت من نطاق الثقافة واللغة إلى نطاق السياسة والدستور. وفي أواخر العهد العثماني، رأى عدد من النخب السورية العربية فيها رابطة سياسية جامعة لا مجرد لسانٍ مشترك.

سنة 1911 أسَّس طلبة من بلاد الشام كانوا يتابعون الدراسات العليا في إسطنبول وباريس جمعية سريّة أطلقوا عليها اسم "العربيّة الفتاة". وكان منهم مثلاً محمد المحمصاني، ابن بيروت الذي ارتبط اسمه بالمراحل المبكرة من تبلور التيار القومي العربي، وعوني عبد الهادي الذي شارك لاحقاً في الإدارة العربية في دمشق بعد الحرب العالمية الأولى، ثم تولَّى مناصب سياسية في فلسطين والأردن. وكذلك جميل مردم بك، الذي أصبح لاحقاً من قادة الكتلة الوطنية في سوريا، وتولَّى رئاسة الحكومة السورية عدة مرات فترة الانتداب الفرنسي وما بعدها. ومنهم كذلك الأديب والمؤرخ الفلسطيني، المولود في نابلس، محمد عزة دروزة.

تدرَّجت هذه الجمعية في مطالبها حتى أصبح هدفها النهائي إقامة دولة عربية دستورية مستقلة عن جمعية الاتحاد والترقّي، التنظيم السياسيّ التركي الذي ظهرَ في نهاية الدولة العثمانية وسعى لتتريك الدولة. وكان العضو في جمعية العربية الفتاة يقسم على "بذل كلِّ جهد لإيصال الأمّة العربيّة إلى مصاف الأمم الراقية الحرة المستقلة"، كما ذُكر في مذكرات محمد عزة دروزة المنشورة سنة 1993.

كان ردّ جمعية الاتحاد والترقّي على المنتمين للعربية الفتاة قمعاً متصاعداً، بدأ بالمضايقة السياسيّة، وانتهى بالسجن والنفي والإعدام. فقد رأت في هؤلاء دعاةَ مشروعِ استقلالٍ عربي ذي معالم سياسية، لا مجرد تيارٍ ثقافي ضبابي. وأطلقت يد الجنرال جمال باشا في ملاحقتهم بلا هوادة، حتى ارتبط اسمه في الذاكرة السورية بلقب "السفّاح"، عقب إعدامات سنتي 1915 و1916.

انتسب إلى هذه الجمعيّة، بُعيد الحرب العالمية الأولى، شخصيات سياسية مؤثرة. أهمهم شكري القوتلي، الذي أصبح أول رئيس لسوريا بعد الاستقلال سنة 1946، وهاشم الأتاسي رئيس سوريا في فترات لاحقة. ومنهم أيضاً إبراهيم هنانو، قائد ثورة الشمال (1919-1921) ضد الانتداب الفرنسي. كذلك عادل أرسلان، الزعيم السياسي الدرزي الذي ساهم في الحياة الوطنية الإقليمية السورية، ويوسف العظمة، وزير الحربية الذي قاد معركة ميسلون سنة 1920 ضد الفرنسيين وقُتل فيها.

بالتوازي، كان من أعضاء الجمعية نوري الشعلان، شيخ قبيلة الرولة التي كانت تسيطر على البادية السوريّة بين دمشق ونجد، وابنه نواف. ومنهم كذلك فواز الفايز شيخ قبيلة بني صخر، ونسيب سلطان باشا الأطرش، أحد زعماء جبل الدروز البارزين.

في يناير سنة 1915، أرسل السوريّون رسالة شفوية حملها فوزي البكري، أحد قادة العربية الفتاة، إلى الشريف حسين تعرض عليه أن يقود ثورة عربيّة لتكون الحجاز منطلقها، ويكون الشريف حسين قائدها. فأرسل الشريف ابنه فيصل إلى دمشق لاستشارة الشخصيات البارزة فيها، ومعرفة قوة الحركة العربيّة، وفي تلك الفترة انتسب الأمير فيصل إلى جمعية العربيّة الفتاة، ومعه رضا الركابي وياسين الهاشمي. والركابي ضابط وسياسي سوري ترأس أول حكومة عربية في دمشق بعد العثمانيين سنة 1918، بينما كان الهاشمي ضابطاً وسياسياً عراقياً تولى رئاسة الوزراء في العهد الملكي وعُرف بتوجهه القومي العربي.

اندلعت الثورة العربيّة الكبرى سنة 1916، وتحالفت عسكرياً مع بريطانيا في سياق الحرب العالمية الأولى ضد الدولة العثمانية. وقد أعطى هذا التحالف غطاءً سياسياً ودعماً أسهم في ترجيح كفة الثورة العربية عسكرياً. وحين دخل الجيشُ العربيُ دمشقَ في أواخر سبتمبر وأوائل أكتوبر سنة 1918، كان قوامه الأساس ضباط وجنود سوريون وعراقيون. وانخرطت فيه وحدات بدويّة شمالية، وبقيت القبائل التي أطلقت الشرارة الأولى في الحجاز في الجنوب. وهذا ما جعل "لحظة التحرير" امتداداً طبيعيّاً لذلك المسار الوطني، لا مجرد انعكاس لتحالف دولي عابر.

ومنذ تلك اللحظة بدا أنه صار على النخبة السورية أن تنتقل من مشروع الاستقلال إلى تأسيس الدولة وتحديد هويتها، قبل أن تصل خرائط سايكس بيكو معيدةً تشكيل المنطقة.


كانت النخبة السورية على دراية باتفاقية سايكس بيكو، التي كانت تسعى إلى تقسيم بلاد الشام إلى مناطق نفوذ بين بريطانيا وفرنسا. تلك الاتفاقية التي عُقدت سرّاً في مايو سنة 1916 بموافقة ضمنية روسيَّة. 

فبعد انتصار الثورة البلشفية في نوفمبر سنة 1917، نشرت الحكومة الروسية الجديدة نصوص الاتفاقيات السرِّية التي أبرمها القيصر مع الحلفاء. فوصل خبرها إلى النخب العربيّة في أواخر سنة 1917، أي قبل دخول الجيش العربيّ دمشق بسنة تقريباً. لذلك سعى الأمير فيصل بن الشريف حسين بعد دخول الجيش العربيّ إلى تثبيت واقعٍ سياديٍّ سريع قبل وصول الفرنسيين، فأعلن في الخامس من أكتوبر سنة 1918 قيام حكومة عربيّة في دمشق برئاسته، وعيَّن علي رضا الركابي رئيساً لمجلس النظّار (مجلس الوزراء أو الحكومة التنفيذية). بهذا غدت جمعية العربيّة الفتاة صاحبة الدور الأبرز في تأسيس سوريا، وإعلان استقلالها، وإقامة أول حكومة عربيّة فيها. 

وفقاً للمؤرخ السوري محمد جمال باروت، أحد مؤلفي كتاب "الحكومة العربية في دمشق [. . .]" المنشور سنة 2020، "اعتمدت الحكومة العربيّة في تعبيرها عن عربيّة الدولة سجلات محكمة البداية في دمشق يوم السابع من  أكتوبر سنة 1918 تاريخاً لقيام الدولة العربيّة. وعليه بدأ ترقيم القضايا في هذه المحكمة برقم جديد (رقم 1)، واستخدام اللغة العربيّة محل اللغة التركيّة في السجلات".

وينقل باروت أن ساطع الحصري، الكاتب القومي العربي من حلب، وصف الحدث قائلاً: "لا نغالي إذا قلنا إنّ الدولة السورية التي تألفت عقب الحرب العالميّة الأولى كانت دولة عربيّة بأتمّ معاني الكلمة".

يذكر أستاذ التاريخ، السوري عمار السُمر في المصدر نفسه: "استُخدِمت تسميات عدة للدلالة على الحكومة، فسُمّيَت في الدور الأول الحكومة العسكرية العربيّة في سورية، ثمّ الحكومة العسكريّة العامة في سوريا، ولكنّها صارت تسمى بعد ذلك باسم الحكومة العربيّة السورية، والحكومة العربيّة، والمملكة السورية، وظهرت هذه التسميات على الأوراق الرسمية والمراسلات الصادرة من الحكومة ومؤسّساتها، وعلى الطوابع البريدية، وعلى الدينار السوري الذي سُكَّ في أواخر أيام الاستقلال".

وفي مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919، الذي عُقد لتسوية أوضاع ما بعد الحرب العالمية الأولى، دافع فيصل بن الحسين عن استقلال سوريا بكلِّ أجزائها في مواجهة الترتيبات الاستعمارية التي بدأت تظهر. وفي المقابل، ظهر في ذلك المؤتمر شكري غانم، وهو مهاجر من بيروت كان مقيماً في فرنسا منذ ثلاثين سنة تقريباً ومقربٌ من دوائر القرار الفرنسية، وادعى أنَّ السوريين ليسوا عرباً، وأنَّ الحكم العربيّ خارجي لا يُعبِّر عنهم. وقد دعا إلى فصل لبنان عن سوريا، وقبول انتداب فرنسي على أنه ضمانة للاستقرار.

في المؤتمر نفسه، ألح المسؤول الفرنسي في وزارة الخارجية، جان غو، على ضرورة وضع الأقليات تحت حماية فرنسية. فردَّ فيصل: "إذا كان وجود أقليات يُسقط حق الشعوب في الاستقلال، فكيف قامت رومانيا وسواها من دول أوروبا الشرقية؟ أليست الأمة السورية، بثقافتها ولغتها المشتركة، جديرة بأن تقرِّر مصيرها؟". نقلت هذا الاقتباس المؤرخة إليزابيث تومبسون في كتابها "كيف سرق الغرب الديمقراطية"، المترجم للعربية سنة 2022. 

في المؤتمر نفسه قرَّر الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون إيفاد لجنة لاستطلاع رأي السكان في مستقبل الأقاليم العربيّة العثمانية بعد الحرب، برئاسة المبعوثين الأمريكيين هنري تشرشل كينغ وتشارلز كراين، فعُرفت باسم لجنة "كينغ كراين". وبحسب تومبسون، أرسل كراين في نهاية الزيارة برقية مباشرة إلى الرئيس ويلسون يخبره فيها أنَّ السوريين مستعدون لبناء دولتهم. وقد قال فيها: "إنّهم أذكياء ومجدّون ومتّزنون، مع ثقافة قوية تستند إلى اللغة العربيّة الجميلة والغنية، سواءً للمسيحيين أو للمسلمين منهم".

في أغسطس سنة 1919، رفعت اللجنة تقريرها المبني على العرائض والمقابلات، التي كشفت أنَّ الغالبيَّة في سوريا تعارض الانتداب الفرنسي، وتفضِّل الاستقلال تحت قيادة فيصل. وكذلك بيَّن التقرير أن هذه الغالبية تؤيِّد قيام دولة سورية موحَّدة، وأنَّه إذا كان لا بدَّ من انتدابٍ فالسكان يفضّلون الولايات المتحدة أولاً ثم بريطانيا ويرفضون فرنسا.

ثم أوصت اللجنة بوحدة بلاد الشام (سوريا ولبنان وفلسطين والأردن) في كيانٍ سياسيٍّ واحد، بدلاً من التقسيم. وخلص التقرير إلى أن تنفيذ برنامج الحركة الصهيونية كما عُرض آنذاك يتعارض مع رغبات الأغلبية العربيّة في فلسطين، وأن تطبيقه بالقوة سيستلزم استخداماً دائماً للقوة العسكرية.

بادر السوريون، في الوقت نفسه، إلى عقد المؤتمر السوري العام بدمشق في يونيو سنة 1919 (المؤتمر السوري الأول)، ثم تحوَّل إلى أول مجلس نيابي وطني في تاريخ سوريا الحديثة. وقد ضمَّ نحو تسعين عضواً ممثلين بلادَ الشام. وفي السابع من مارس سنة 1920 أُعلن استقلال سوريا باسم "المملكة السوريّة العربيّة"، ونودي بفيصل بن الحسين ملكاً عليها، ثم باشر بإعداد دستور للبلاد.

وبالعودة لمناقشات المؤتمر السوري الأول قد يتبين مركزية كلمة العربيّة في تكوين هويّة البلد. فقد كانت بريطانيا وفرنسا تسعيان إلى تقسيم سوريا الكبرى، وكانت أقوى حججهما أنَّ سوريا ستكون دولة دينية مسلمة تضطهد المسيحيين، وكان لهذا التخوف صدى لدى الأقليات الدينية. ولذلك حسم المؤتمر السوري أمره، وألغى البند الدستوري الذي كان سيتحدث عن كون دين الدولة الإسلام، واكتفى بالنصِّ على أن يكون الإسلام دين ملك الدولة، بناءً على رأي الشيخ محمد رشيد رضا، أحد أقطاب الإصلاح الإسلامي.

في المقابل نصّ الدستور على عربيّة الدولة، لأنها الهويَّة المشتركة التي كانت تجمع المسلمين والمسيحيين والعلويين والدروز. وتنقل تومبسون في كتابها عن جريدة لسان العرب الأرثوذكسية البيروتية حينئذ إشادتها بوصول الحكومة العربيَّة واستشهادها بخطاب الأمير فيصل: "إنّ الأمة العربيّة اليوم تتمتع بما كانت تتوق إليه: رغبتها الطويلة في استعادة أمجادها القديمة، وإنّ الأمة العربيّة ليست أمة إسلامية، بل أمة واحدة تضم المسلمين والمسيحيين واليهود".

على هذا الأساس بدا أن حماسة كثير من المسيحيين السوريين لكلمة العربيَّة لم تقل عن حماسة المسلمين، نظراً لأنَّهم ساهموا في ريادة النهضة العربيَّة الحديثة جنباً إلى جنب مع المسلمين. إذ برز مثقفون وصحفيون مسيحيون في إحياء اللغة العربية والصحافة والتعليم، منهم بطرس البستاني وناصيف اليازجي وفرح أنطون. ويُذكر في هذا الصدد أيضاً نجيب جرجس العازوري، وهو أوَّل من دعا لتأسيس حزب قومي عربي، أطلق عليه اسم "جامعة الوطن العربي". كذلك كان كتابه "يقظة الأمّة العربيّة" من أوائل الكتب في التاريخ العربي الحديث التي عبَّرت عن النزعة العربيّة.

وقد تُوّجت تلك الرؤية التي توافق عليها السوريّون في مؤتمرهم، الذي ضم مختلف الأطياف السياسية والاجتماعية، في المواد الدستوريّة الثلاث الأولى التي شكَّلت هذه الدولة. نصت المادة الأولى على أنّ حكومة المملكة السورية العربية حكومة ملكيَّة مدنيَّة نيابيَّة، وعاصمتها دمشق الشام، ودين ملكها الإسلام. ونصت المادة الثانية على أن المملكة السوريَّة تتألف من مقاطعات ذات وحدة سياسية لا تقبل التجزئة. ونصت المادة الثالثة على أن اللغة الرسمية في جميع المملكة السورية هي اللغة العربية.

كان هذا الدستور أول دستور يستخدم وصف العربيَّة صفةً لدولة قائمة. كذلك مثل - وفقاً لمحمد جمال باروت في كتابه "الحكومة العربية في دمشق" - أول دستور عربيّ علمانيّ عصريّ في مرحلة ما بعد نهاية الحكم العثماني تعتمده دولة عربيَّة، استقى بعض مصادره من قوانين أساس ودساتير متطورة سبقته، مثل الدستورين البلجيكي والعثماني.

في تلك الأثناء كان جان غو يحذِّر من أن القوميَّة العربيَّة التي يمثِّلها الأمير فيصل تهدِّد حكم فرنسا في شمال إفريقيا. أما الجريدة الفرنسية المؤيدة القضيةَ السورية "لازي آراب" (آسيا العربية)، كما تشير تومبسون في كتابها، فقد أدانت التخطيط الفرنسي للحرب على سوريا على أنها حملة صليبية اختلقها اليسوعيون ورجال الدين بمساعدة جماعات الضغط والمتعصبين البارزين. وقالت إن هؤلاء حرفوا السياسة الفرنسية بتصويرهم سوريا بلداً مسيحيّاً يسعى إلى التحرر من النير المسلم.

بهذا رُسخت العربيَّة في تلك المرحلة في الدستور التأسيسي وفق تصورٍ يرى العربية إطاراً سياسياً وثقافياً يتسع للمسلمين والمسيحيين وسائر الأقليات والعرقيات. غير أن فرنسا تعاملت مع الهوية العربية للدولة السورية عقبةً أمام مشروعها الاستعماري، لأنها منحت البلاد معنى سياسياً جامعاً يتجاوز الطوائف والمناطق. ومن هنا حشدت فرنسا جيشها ساعيةً إلى إضعاف هذا المعنى لإعادة تشكيل المجال السوري سياسياً وإدارياً.


بدأت القوات الفرنسية، بعد أشهر قليلة من إقرار الدستور السوري، الزحف من لبنان إلى دمشق بعد إنذار الجنرال الفرنسي هنري غورو، لتقع معركة ميسلون في 24 يوليو سنة 1920، التي مثَّلت المواجهة العسكرية الحاسمة بين الحكومة العربية والقوات الفرنسية. ثم في اليوم التالي للمعركة، دخلت القوات الفرنسية دمشق بقيادة غورو، فكان أول الإجراءات نفي الملك فيصل وحلّ المؤتمر السوري العام (المجلس النيابي)، وإلغاء الدستور، وتفكيك الجيش العربي، ثمَّ تقسيم البلاد في سبتمبر سنة 1920 إلى كيانات منفصلة على أساس طائفي. كان منها دولة دمشق ودولة حلب ودولة العلويين ودولة جبل الدروز ولبنان الكبير.

وتعلق إليزابيث تومبسون بأن كلمة العربيَّة كانت هي العدو الأول لفرنسا في اسم الدولة السوريَّة، لذا لم يكن حذفها تقنياً بل سياسياً. فالتشكيك بوجود أمة عربيَّة في سوريا كان جزءاً من خطاب رسمي فرنسي آنذاك.

جاءت ردة الفعل على التدخل الفرنسي بعد خمس سنوات، باندلاع الثورة السوريَّة الكبرى التي استمرت بين سنتي 1925 و1927. فاضطرت فرنسا بعد قمعها إلى تقديم تنازل سياسي، تمثل بموافقتها على انتخابات جمعية تأسيسية لوضع دستور للبلاد، فأُجريت سنة 1928 انتخابات الجمعية التأسيسية. وبعد انتخابها وضعت دستوراً للبلاد وقدَّمته للمندوب السامي الفرنسي، هنري بونسو، غير أنَّه لم يقبله وعطَّل الجمعية ثم حلَّها.

ظلَّ الحال كذلك إلى سنة 1930، حين أصدر هذا المندوب دستوراً معدَّلاً استناداً إلى صلاحياته وإلى صكِّ الانتداب، وفي هذا الدستور تظهر المواد التأسيسية الثلاث للدولة السوريَّة. المادة الأولى تنص على أن "سورية دولة مستقلة ذات سيادة لا يجوز السماح بأيِّ جزءٍ كان من أراضيها". ونصت المادة الثانية على أن "سورية وحدة سياسيّة لا تتجزأ". أما المادة الثالثة، فنصت بأن "سورية جمهوريّة نيابيّة دين رئيسها الإسلام، وعاصمتها مدينة دمشق".

وإن حُذفت كلمة "العربيّة" من توصيف الدولة السوريَّة من دستور سنة 1930، فإنها ظلت حيَّة في الخطاب الوطني وعادت بقوة بعد الاستقلال سنة 1946. ثم تجدَّد تثبيتها في دستور 1950 حين انتُخبت جمعيَّة تأسيسيَّة أواخر سنة 1949، لتتولى مهمتين هما وضع دستور جديد وانتخاب رئيس للجمهوريَّة.

انتخبت الجمعيَّة هاشم الأتاسي رئيساً للجمهوريَّة في ديسمبر سنة 1949، إذ كان شخصيَّة توافقيّة ذات شرعية وطنية تعود إلى عهد التأسيس السوري الأول. وكتبت دستوراً يُجمع كثير من السوريين على أنه من أفضل الدساتير السوريَّة. ونصت المادة الأولى منه على أنَّ سوريا جمهوريَّة عربيَّة ديمقراطيَّة نيابيَّة ذات سيادة تامة. وأنها وحدة سياسيَّة لا تتجزأ ولا يجوز التخلي عن جزء من أراضيها. وأنَّ الشعب السوري جزء من الأمة العربيّة.

وبدا أن عودة تسمية الدولة بالعربيَّة في لحظة تثبيت الاستقلال السياسي بعد انتهاء الانتداب الفرنسي، تعبيرٌ عن هوية الدولة في محيطها السياسي والثقافي، أكثر من كونه موقفاً إقصائياً لأي جماعة داخلية. فقد بدا أن النخبة الدستورية آنذاك أرادت تأكيد الانتماء العربي للدولة بعد مرحلة الانتداب، وربط الاستقلال السياسي بإطار ثقافي وتاريخي أوسع.

في تلك الفترة، لاسيما بعد سنة 1950، شهدت سوريا فترة استقطاب حاد في مرحلة الحرب الباردة. وحدث انقلاب ضابط الجيش السوري أديب الشيشكلي على هاشم الأتاسي سنة 1951، ثمّ أُطيح بالشيشكلي وأُعيد الأتاسي، ليخلفه شكري القوتلي سنة 1955.

وبعد تأميم قناة السويس سنة 1956، غدا جمال عبد الناصر رمزاً عربياً عابراً الحدودَ المصرية، فانطلقت الأصوات في دمشق وحلب تطالب بالوحدة. أما ضباط الجيش فرأوا في هذه الوحدة مظلة استقرار في مواجهة الانقلابات والتجاذبات الدولية، فيما رآها كثير من أفراد الشعب تحقيقاً لوعد مؤجَّل منذ سقوط الحكم الفيصلي، وبرزت بعد جلاء الاستعمار لحظة إقليمية أخرى لتحقيقه. وهكذا اندمجت مصر وسوريا وأُعلنت "الجمهوريّة العربيّة المتحدة" في 22 فبراير سنة 1958 بعد استفتاء سريع في مصر وسوريا.

بقيام الوحدة أُلغِي دستور 1950، وأُعلن دستور مؤقت في الخامس من مارس سنة 1958، وجاء في مادته الأولى: "الدولة العربيّة المتحدة جمهوريّة ديمقراطيّة مستقلة ذات سيادة، وشعبها جزء من الأمّة العربيّة".

استمرت الوحدة ثلاث سنوات وسبعة أشهر، ثمَّ حدث الانفصال الذي أنهاها في 28 سبتمبر سنة 1961 بانقلابٍ عسكري في دمشق بقيادة عبد الكريم النحلاوي. ثم صدر في الخامس من ديسمبر سنة 1961 دستور مؤقَّت قصير من ثماني مواد فقط، ونصّت مادته الأولى على  أن "الجمهورية العربيّة السورية دولة مستقلة ذات سيادة وهي جزء من الوطن العربي الكبير".

وتوالت بعد ذلك خمسة دساتير في سنوات 1962 و1964 و1969 و1973 و2012، وثبّتت جميعها بموادها الدستوريَّة الأولى اسم الدولة السوريَّة "الجمهوريّة العربيّة السوريّة".

أما في مصر فظلَّ اسم الدولة الجمهوريَّة العربيَّة المتحدة إلى وفاة عبد الناصر، وفي عهد أنور السادات سنة 1971، صدر دستور جديد غيَّر الاسم رسمياً إلى جمهوريَّة مصر العربيَّة.

وبالتالي، كما يبين الصحفي اللبناني حازم صاغية في مقالته "لا يطمئن السوريين إلا [. . .] وطنتيهم السورية" في صحيفة الشرق الأوسط في يناير 2025،  فكلمة العربيّة لم تكن إضافة مقحمة أضافها حزب البعث، كما رُوِّج لذلك. وإن ربما لم تأتِ على سبيل مزايدة الانفصاليين الذين انقلبوا على جمال عبد الناصر.

وعلى ما بدا تثبيتاً لوصف العربية للدولة منذ الاستقلال، فقد عاد النقاش مرة أخرى للواجهة مع اندلاع الثورة السورية. 


أثارت التحولات التي شهدتها سوريا بعد سنة 2012 نقاشاً متصاعداً في دلالة توصيف العربية في الاسم الرسمي للدولة. ولاسيما في المناطق التي خضعت لسيطرة تنظيم سوريا الديمقراطية ذي الغالبية الكردية "قسد"، فبرز اتجاه يسعى إلى إعادة تعريف الهوية السياسية للدولة انطلاقاً من رؤية أحادية لا تستند إلى توافق وطني شامل.

تجلَّى ذلك في أعمال رمزية وإدارية، إذ شُطبت مثلاً كلمة العربية من لوحات بعض الدوائر الرسمية العامة في مناطق سيطرة التنظيم، بما أوحى بمحاولة فرض تعديل على أحد أهم مكونات الاسم الرسمي للدولة خارج الأطر الدستورية والمؤسسية، وتحويله إلى أمر واقع. وظهر هذا المنحى في يناير 2025، عندما صرح مظلوم عبدي قائد قوات "قسد" أنّه يؤيد الطرح المُطالب  بإزالة العربية من اسم الدولة السورية.

قد يُفهم هذا التوجّه، في أحد أبعاده إعادةَ إنتاج مرجعية قومية بديلة تعبِّر تحت عنوان التعدد أو تجاوز القومية الأحادية. وهذا المسار قد يثير إشكالاً جوهرياً عن ازدواجية المعايير، إذ يعترض بعضهم على توصيف قومي قائم، مقابل إعادة إنتاج توصيفات هوياتية أخرى ضمن فضاء السلطة المحلية. وبذلك لا يقتصر الأمر على خلاف دلالي في التسمية، بل يتصل بصراع أعمق على من يمتلك حق تعريف الدولة ورموزها، وحدود مشروعية إعادة صياغة هويتها خارج إطار الإرادة الوطنية الجامعة عند التأسيس.

فقد كان في سوريا عند التأسيس أقليات عرقية عديدة، من كرد وتركمان وأرمن وشركس، وكان لهم حضور اجتماعي خصوصاً في المدن الكبرى مثل دمشق وحلب والريف الشمالي والشرقي. ولا يبدو أن هناك في الوثائق السياسية المركزية اعتراضات منظمة وواسعة من الأقليات على وصف العربيَّة في إعلان المملكة السوريَّة العربيَّة حينئذ. ومع ذلك، لا يمكن استنتاج غياب التحفّظات أو النقاشات المحلية أو الفردية، إذ إن "تبلور الهويات الطائفية والإثنية" نفسها كانت ما تزال في طور التشكل ولم تكن قد اتخذت صيغة سياسية مؤسسية واضحة بعد.

وبتأثر الخطاب السياسي للنخب مع الدولة السورية الأولى بالتيار القومي العربي - ممثلاً بدايةً بجمعية العربية الفتاة ومروراً بالمؤتمر السوري العام - بدا توصيف العربية إطاراً سياسياً وحدوياً في مواجهة مشاريع الانتداب الفرنسي والتقسيم الإداري للمنطقة إلى كيانات منفصلة.

في هذا السياق، لم يكن الاسم تعبيراً عن توصيف عرقي للسكان، مثلما يوضح كتاب إليزابيث تومبسون، بقدر ما كان انعكاساً لخيارات سياسية وهوياتية لدى النخبة الحاكمة التي رأت في العروبة إطاراً جامعاً للبلاد الشامية ضمن مشروع سياسي قيد التشكل. 

وقد يُحاجج أنّه إذا كانت دولة مثل فرنسا وألمانيا لا تضيف نسبة قوميَّة إلى اسمها، فلماذا تُضاف العربيَّة إلى سوريا. غير أنَّ هذه المحاجة تتجاوز فارقاً أساساً، ففرنسا وألمانيا اسمان مشتقان أصلاً من جماعات تاريخية وعرقية قديمة ومؤسِّسة. غير أن المقارنة مع حالة سوريا في بدايات القرن العشرين، تحتاج إلى تمييز سياقي. فالأسماء الأوروبية تبلورت عبر مسار تاريخي طويل من تشكل الدولة القومية، بينما ظهرت التسميات المركبة في المشرق في لحظة انتقالية أعقبت تفكك الإمبراطورية العثمانية وصعود مشاريع سياسية متنافسة على تعريف الهوية.

لذا يمكن القول إن سوريا اسم إقليم تاريخي لا يدل بذاته على الجماعة الكبرى ذات الأغلبيَّة المطلقة، بصرف النظر عن التركيبة العرقية لسكانها. وهو ما يوضِّحه المؤرِّخ النمساوي المتخصص في تاريخ الشرق الأدنى القديم، روبرت رولينغر، بمقارنته مصطلحي "أشور" و"سوريا" يشير إلى أن استعمال كلمة "سوريا" في أصلها وتطوِّرها المبكِّر كانت تشير إلى نطاق جغرافي محدَّد، أكثر من كونها دلالة عرقية. وذلك في دراسته "ذا تيرمز 'أسيريا' آند 'سيريا' أغين [. . .]" (مصطلحا آشور وسوريا مجدداً) الصادرة سنة 2006. 

وعندما يكون الاسم جغرافياً محضاً قد تظهر الحاجة أحياناً، وإن لم تكن قاعدةً مطلقة، إلى توصيف يعبِّر عن هويَّة التأسيس. فيُذكر هذا التوصيف لتحديد المرجعية الثقافيَّة السياسيَّة التي قامت عليها الدولة لحظة نشوئها. وهو ما يتوافق مع دراسات عن القومية والتاريخ، منها كتاب "إيماجند كميونيتيز [. . .]" (المجموعات المتخيلة [. . .]) لعالم السياسة الأيرلندي بندكت أندرسون، الصادر سنة 1983. وكتاب إرنست غيلنر، عالم الاجتماع والإناسة البريطاني، المعنون "نيشنز آند ناشوناليزم" (الأمة والقومية) المنشور سنة 1983. 

فالوطنية السوريَّة بلا كلمة العربيَّة مسألة تعريفيَّة بلا جذور تاريخيَّة، ولا سياق ثقافي، وبالتالي قابلة لإعادة التفسير بحسب مصالح جماعة أو فئة. كذلك فكلمة العربيَّة تجعل الوطنيَّة السوريَّة محدَّدة ومتجذِّرة في لحظة التأسيس وجامعة بين أغلبية المواطنين، ومعبِّرة عن هويَّة الدولة وثقافتها منذ ميلادها.

وبناءً على هذا، فإنَّ محاولة تحويل حقيقة جماعات غير عربية في سوريا إلى ذريعة للمطالبة بإعادة تعريف الدولة، قد يفقدها ماهيتها التاريخية. ويمكن الاستناد هنا إلى تجارب دول مثل ألمانيا، مرة ثانية، التي تُظهر أنَّ الجماعات التي استقرت فيها منذ أكثر من قرن أو حتى عدة قرون، مثل البولنديين والفرنسيين والروس، لم تطعن مباشرة في اسم الدولة "دويتشلاند" ولم تطالب بتغييره، مع أنَّه يعني نصاً "أرض الألمان". 

وينطبق ذات الأمر هناك على أقليَّات تاريخية ضاربة في القدم، مثل الدنماركيين والفريزيين، تلك المجموعة العرقية المميزة ذات العلاقة بالرومان والممالك القديمة وبلغتها الخاصة "الفريزية"، وتاريخها المستقل نسبياً. ومع ذلك، لم تُطالب بتغيير اسم الدولة، بحجة أنَّها أرضهم التاريخية، ولا يطالب أبناء الجماعة كذلك بتغيير كلمة "الألمانية" في وثائقهم الرسمية التي تحدد جنسيتهم بحجة أنَّهم ليسوا ألماناً.

يعني ذلك كله أن الأقليات التاريخية داخل ألمانيا لم تُعرِّف علاقتها السياسية بالدولة بالاعتراض على الاسم، إنما بالاندماج في الإطار القانوني والمؤسساتي للدولة الوطنية. أي أن الدولة القومية تُحوِّل الأسماء القديمة إلى "أطر سياسية مستقرة"، مثلما يوضح عالم الاجتماع الأمريكي روجر بروبيكر في كتابه المعنون "ناشوناليزم ريفريميد [. . .]" (إعادة تأطير القومية [. . .]) الصادر سنة 1996. لأن التسمية تعبِّر عن الإطار التاريخي الذي يمثِّل الغالبية العظمى.

غير أن الدفاع عن الجذر التاريخي للتسمية يحتاج إلى مواجهة الذاكرة الثقيلة التي التصقت بالقوميِّة العربيِّة في سوريا الحديثة. فكثير من الاعتراضات الراهنة تأتي من تجربةٍ لاحقةٍ ارتبطت بالقسر والتمييز وانتهاك الحقوق، خاصةً في علاقة الدولة البعثية بالمكون الكرديّ. من أبرزها تجريد جزء من الأكراد من الجنسية في إحصاء الحسكة سنة 1962، ومشروع "الحزام العربي" في السبعينيات، بإقامة شريط سكاني عربي على طول الحدود مع تركيا والعراق في مناطق ذات حضور كردي تاريخي. إضافة إلى قيود على بعض مظاهر التعبير الثقافي واللغوي.

لذا فإن نقاش تسمية الدولة، وليس نقاش سياساتِ حزبٍ حاكم مستبد هو ما قد يحتاج نقداً ومراجعةً. إذ ينصب الحديث على لحظة تأسيسٍ تاريخية، وعن السياق السياسي والثقافي الذي ولدت فيه الدولة، وعن هويَّة اختيرت حينها لتكون عنواناً جامعاً لوحدة شعب متنوِّع. ووَصفُ العربيَّة في هذا الإطار لا يعني بالضرورة كما تبين تاريخياً، "ترسانة فروض وسلوكيّات". فالأزمة ليست في الكلمة بذاتها، ولكن في طريقة إدارتها وقراءتها. 

فالدعوة إلى حذف كلمة العربيَّة من اسم الدولة السورية فيه خلل في الطرح، يخلط بين الرمزية التاريخية للهويَّة التأسيسية، والأعمال المجحفة التي اتخذتها سلطة مستبدة. لأنَّ الانتماء العرقي لأية أقليَّة لن يُلغى ببقاء العربيَّة في الاسم. وحذف العربيَّة لن يخلق هويَّة سورية شاملة بالمعنى العملي، بل قد سيزيل عنصراً أساساً في تعريف الدولة، ويضعف الرابط التاريخي الذي يجعلها جامعة.

ويثير هذا الطرح سؤالاً افتراضياً عن العلاقة بين الاسم السياسي للدولة أو الإقليم وبين التعدد العرقي لسكانه. فهل يُفترض، مثلاً، أن يؤدي وجود عرب أو سريان أو تركمان في إقليم كردستان إلى المطالبة بتغيير اسمه بحجة عدم انتمائهم العرقي إليه، أو إلى استبداله بتسمية محايدة تماماً تُلغى فيها الإشارة إلى أي مكوِّن بعينه. وبالمقارنة مع تجارب الدول الحديثة، فإن الأسماء السياسية، بما فيها ذات الطابع القومي أو التاريخي، لا تُفهم عادة تعريفاً حصرياً للانتماء العرقي، بل إطاراً سيادياً قانونياً للدولة أو الإقليم.

الإشكال في هذا الإطار لا ينشأ من التسمية في ذاتها، بقدر ما يرتبط بمدى المساواة في الحقوق والاعتراف السياسي. إذ تتحول التسمية إلى مشكلة فقط حين تقترن بإقصاء فعلي أو انتقاص من المواطنة. وفي هذا الفهم تماهٍ مع ما يعرضه الفيلسوف السياسي الكندي ويل كيمليكا، في كتابه "ملتيكلتشرال سيتيزنشِب" (المواطنة متعددة الثقافات) الصادر سنة 1995، منوهاً إلى أن معيار العدالة ليس الاسم، بل الحقوق داخل الدولة.

يبقى الثابت أن كلمة العربيَّة وجدت في لحظة التأسيس الأولى، وإبقاؤها يكسب الأقليات من غير العرب حماية الهويَّة التأسيسيَّة واللحظة الدستورية الأولى، التي راعت جميع الفئات السوريَّة تحت إطار الهويَّة الثقافيَّة اللغويَّة الأوسع والأشمل.  

لكن إذا شُطبت العربية من اسم الدولة ودستورها. فقد يؤدي ذلك أولاً إلى فقدان الإطار التاريخي والسياسي للدولة. وهذا الفقدان يعطي انطباعاً أنَّ الدولة الجديدة تأسَّست على فراغٍ لغويٍّ أو ثقافي، مما يمحو سياق التأسيس، ويجعل اسم الدولة مجرد جغرافيا بلا رابط ثقافي سياسي واضح. لأنَّ كلمة سوريا وحدها لا تعطي مؤشراً على الأصل الثقافي والسياسي للدولة. وثانياً، يُضعفُ غياب العربيَّة الرابط التاريخي بين مواطنيها ويؤدي إلى الفوضى. وشطب العربيَّة تحت شعار إرضاء الأقلّيّات قد يفتح الباب لمطالبات متكرِّرة بإعادة تعريف الدولة كلما ظهرت حساسية جديدة. وهذا قد يربك الاستقرار ويضعف الإطار الوطني الجامع.

في العراق على سبيل المثال، اسم الدولة هو "الجمهوريّة العراقيّة". لكن لم يؤد ذلك إلى وضعٍ أفضل للأقليَّات، لاسيما في علاقة الدولة المركزية مع المكون الكردي. ولم يمنع ذلك المطالبة بالانفصال والتهيئة للاستفتاء عليه لدى أول فرصة، وهو ما تبين في الاستفتاء الكردي على الاستقلال سنة 2017. وينوه المؤرخ البريطاني تشارلز تريب في كتابه "أهيستوري أوف إراك" (تاريخ العراق) الصادر سنة 2000، أن جذور هذه التوترات تعود إلى طبيعة السياسات المركزية التي اتبعتها الدولة العراقية في مراحل مختلفة، لاسيما فترات الحكم البعثي. فقد ارتبطت هذه السياسات بأعمال قمعية وإعادة هندسة قسرية للعلاقة بين المركز والأطراف.

فالمشكلة لم تكن في التسمية، بل في سياسات حزب البعث الحاكم الذي انتهج الاستبداد والإقصاء بحقِّ الجميع دون استثناء، وفي الكرد أنفسهم الذين لم يؤمن بعضهم بالعراق وطناً لهم. لذلك فإنَّ شطب هذه الكلمة لا يعالج الاستبداد أو الإقصاء، ولا يلغي أحلام الانفصال، بل قد يشوِّه فقط فهم جوهر المشكلة.

ومن اللافت هنا أنَّ جمعيَّة خويبون الكردية، في كتابها الصادر سنة 1930 بعنوان "القضيّة الكرديّة: ماضي الكرد وحاضرهم" عرضت مقرَّرات المؤتمر الكردي المنعقد سنة 1927، التي نصَّت على "تأسيس العلاقات الأخوية والحُبّيّة الدائمة مع حكومتي العراق وسوريا، اكتفاءً بالحقوق التي منحتها صكوك الانتداب لأكراد هذين القطرين، دون المطالبة بحقٍّ سياسيٍّ إضافي خارج هذا الإطار".

والدلالة هنا أنَّ الحركة القوميَّة الكرديَّة نفسها ميَّزت، في تلك المرحلة المبكرة، بين المجال التركي وبين المجالين السوري والعراقي. إذ قُبل إطار الدولة القائمة فيهما مع السعي إلى ضمان الحقوق ضمنه.

وهذا المعطى التاريخي يبيِّن أنِّ النقاش في اسم الدولة السوريَّة لم يكن جزءاً من الصراع القومي الكردي عند نشأة الدولة، بل إنَّ الإشكال كان بطبيعة الحقوق والمواطنة داخل الدولة، لا بتعريفها الاسمي. وهو ما قد يعزِّز التمييز بين هويَّة تأسيسية تعبِّر عنها التسمية، وبين إدارة سياسيَّة قد تصيب أو تخطئ في ضمان المساواة.

وعن هذا تتحدث إليزابيث تومبسون في كتابها إذ تقول: "كان هناك آلاف الأكراد يتحدثون العربيّة، وكانوا اجتماعياً مميّزين عن سكان البادية والريف، ولكن لم تكن هناك حركة قوميّة كرديّة في سوريا، ولا توجد في السجلات عرائض مقدمة من الأكراد تعترض على إعلان سوريا كمملكة عربيَّة، كما أنَّه لا يوجد هناك إثبات على مناقشة حقوقهم في المؤتمر".

تُصان الحقوق بدستورٍ عادلٍ ومواطنة متساوية ومؤسسات مانعةٍ التمييزَ، بينما حذف صفةٍ تأسيسيةٍ من اسم الدولة لا يضمن شيئاً من ذلك بذاته. فالانتماء الوطني ينشأ من قدرة الدولة على تحويل تاريخها المشترك إلى عقدٍ سياسي يشترك فيه جميع المواطنين.


ثمة نتيجة مفادها أنَّ صفة العربيَّة في اسم الدولة السوريَّة تمثِّل عنصراً أصيلاً في تعريفها منذ لحظة نشأتها الدستوريَّة. إذ سعت النخبة المؤسِّسة إلى بلورة هويَّة سياسيَّة جامعة تعبِّر عن الإطار الثقافي اللغوي الغالب الذي احتضن مختلف أفراد الشعب، دون أن تنطوي على إقصاء أو نفي للتعدّد داخل المجتمع. ويُظهر المسار التاريخي أنَّ محاولات طمس هذه الصفة، منذ عهد الانتداب الفرنسي، ارتبطت في أحيان بإعادة تشكيل المجال السياسي بما يخدم تصوّرات خارجيَّة أو مشاريع تفكيكيَّة، في حين ظلَّت العربيَّة حيَّة في الوجدان الوطني وفي الخطاب السياسي إلى أن أُعيد تثبيتها دستورياً بعد الاستقلال. ولعله يُفهم ذلك أنه دلالة على رسوخها في معنى الدولة، لا مجرَّد بقايا خطابٍ عابر.

غير أنَّ التمييز يظلّ ضرورياً بين الهويَّة التأسيسيَّة للدولة من جهة، والأعمال السياسيَّة التي عرفتها في مراحل لاحقة من جهة أخرى. فالإخفاقات التي شهدتها سوريا، ولاسيما في ظلِّ الأنظمة الاستبداديَّة، لا يمكن ردّها إلى التسمية، بل إلى طبيعة السلطة وآليات إدارتها المجتمعَ. والخلط بين الرمز التأسيسي ومآلاته المشوَّهة يُفضي إلى معالجةٍ خاطئة للمشكلة، حين تُنقض الدلالة التاريخية بدلاً من أن تُنقد الممارسة السياسية. 

لذا فالحفاظ على صفة العربيَّة لا يتعارض مبدئياً، مع الإقرار بالتعدّد القومي والثقافي، ولا ينتقص من حقوق أيِّ مكوِّن، ما دامت هذه الحقوق مصونة ضمن إطار دستوري عادل. وحذفها لا يُنتج تلقائياً هويَّةً أشمل، بل قد يفضي إلى إضعاف الرابط التاريخي الذي شكَّل أساس الاجتماع السياسي، ويفتح الباب لإعادة تعريفٍ مستمرٍّ للدولة تبعاً لموازين القوى والهويَّات الجزئيَّة.

وبالدعوة اليوم إلى حذف الصفة يُعاد فتح سؤال التأسيس نفسه: ما الإطار السياسي الذي عرَّف الدولة عند نشأتها. وأي معنى للدولة يبقى إذا فُصل تعريفها الراهن عن جذورها الدستوريَّة التأسيسية الأولى.

اشترك في نشرتنا البريدية