لم يبدُ هذا التوصيف انفعالاً عابراً مع حدثٍ سياسي وحسب، بل ربما أظهر إدراكاً إسرائيلياً متراكماً لأهمية إندونيسيا في الحسابات الدبلوماسية الإسرائيلية. فمنذ وقت مبكر بعد نشأتها، سعت إسرائيل إلى اختراق التضامن الإندونيسي مع فلسطين بطرقٍ مختلفة، سواءً كانت دبلوماسية أو اقتصادية أو سياحية أو أمنية. وهو جهد ظهر كأنه يحمل استثناءً جغرافياً ودينياً، قد تبرز أهميته عند مقارنته بجهود إسرائيلية أقل لإضعاف شبكات التضامن في دولٍ إسلامية أخرى. فأذربيجان مثلاً، ركزت إسرائيل علاقتها معها بالأغلب على مصالح أمنية واقتصادية.
لم يكن التضامن الإندونيسي مع فلسطين تعبيراً دينياً عاماً فحسب، ولم تكن محاولات التقارب مع إسرائيل مساراً خطياً نحو التطبيع. فلسنوات قبل نكبة فلسطين سنة 1948 برز تواصل بين حركات إسلامية إندونيسية وقادة الحركة الوطنية الفلسطينية ضمن الإطار المناوئ الاستعمارَ. فظلت فلسطين منذ استقلال إندونيسيا سنة 1945 جزءاً من ذاكرتها المناهضة الاستعمارَ، وجزءاً من شرعية المنظمات الإسلامية الإندونيسية ومجتمعها المدني. ومع ذلك، فقد راكمت إندونيسيا في لحظات مختلفة وتحت قيادات متباينة هامشاً من "الواقعية السياسية" برزت من الاتصالات السرية أو التجارية أو السياسية مع إسرائيل. وكانت هذه الاتصالات تزيد وتنقص حسب الظرف، مدفوعةً بحسابات التنمية والمصالح الدولية والتحولات الإقليمية. وبين هذين المسارين المتوازيين، تحوَّل التضامن من وعد أخلاقي إلى قوة شعبية ومؤسسية، أثرت في خيارات الدولة وقيدت حدود انفتاحها على إسرائيل إلى التطبيع الفعلي.
سنة 1931 وبينما كانت إندونيسيا لا تزال تحت وطأة الاستعمار الهولندي، حضر عبد القهار مذكر مندوباً إندونيسياً في المؤتمر الإسلامي العالمي بالقدس، الذي نظمه مفتي القدس حينها الحاج أمين الحسيني. وكان من نتائج المؤتمر تشكيل لجنة تنفيذية من خمسة وعشرين عضواً من مختلف الدول الإسلامية، من بينهم مذكر، وتثبيته نواة ائتلاف إسلامي وقومي لمواجهة خطر المشروع الصهيوني.
كان مذكر وقتها عضواً في "منظمة المحمدية" التي أسست سنة 1912 متأثرة بأفكار الإصلاحيين محمد عبده ورشيد رضا. ومنذ بداياتها ركزت المحمدية جهودها على النضال ضد الاستعمار ومكافحة الحملات التبشيرية المسيحية. وهو النهج الذي برز في مجلتها "سوراة محمدية" (صوت محمدية) الموجهة إلى المثقفين الإسلاميين في المدن الإندونيسية الرئيسة. وبهذا أصبحت المحمدية إحدى أكبر المنظمات الإسلامية تنظيماً في العالم الإسلامي، إذ وصل عدد أعضائها إلى مئتين وخمسين ألف عضو بغضون سنة 1938، مع بنية تحتية كبيرة من المدارس والمكاتب والمساجد. إضافة إلى شبكة من التجار الذين ينشرون مبادئ الجمعية في جميع أنحاء إندونيسيا.
وقد مثَّل حضور مذكر للمؤتمر الإسلامي في القدس مدخلاً لتواصل إندونيسي مع النخب العربية. وظهرت نتائجه لاحقاً عندما لجأ مفتي القدس الحسيني إلى ألمانيا قادماً من لبنان، بعيد خروجه من فلسطين. فقد لاحقته السلطات البريطانية لدوره في قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية أثناء ثورة 1936 ففرَّ إلى لبنان. وهناك لاحقته سلطات الانتداب الفرنسي، خصوصاً عقب فشل انقلاب رشيد عالي الكيلاني المعادي النفوذَ البريطاني في العراق سنة 1941، فاتجه الحسيني إلى ألمانيا.
أثناء وجود الحسيني في ألمانيا، وضع من بين مهامه حشد الدعم للقضية الإندونيسية، فأرسل برقية إلى السفير الياباني في برلين مطالباً بمنح إندونيسيا استقلالها من الاحتلال الياباني الذي حلَّ محل الاحتلال الهولندي سنة 1942. وعندما لم يتلقَ تجاوباً، وظَّف المؤتمر الإسلامي العالمي أداةً للضغط رمزياً على اليابان مستنداً إلى ثقل إندونيسيا السكاني بوجود خمسين مليون مسلم لا يمكن تجاهل صوتهم. وهو ما كان يُفترض أن يحرج اليابان سياسياً في ظل سعيها لكسب تأييد الشعوب الآسيوية أثناء الحرب العالمية الثانية.
في تلك الفترة أيضاً نشأ تواصل بين الحسيني وهاشم أشعري - أحد مؤسسي "حركة نهضة العلماء" التي نشأت ردة فعل على تمدد المحمدية - الذي أصبح لاحقاً رئيساً لحزب ماسيومي الإندونيسي (حزب إسلاميّ تأسس سنة 1945).
أقر أشعري بدور الحسيني في الضغط على اليابان لمنح إندونيسيا استقلالها، بعد أن أرسل له الحسيني نسخة من برقيته إلى السفير الياباني. لهذا أصدرت حركة نهضة العلماء تعميماً إلى جميع المنظمات الإسلامية في إندونيسيا دعت فيه إلى التعاون مع الشعب الفلسطيني في النضال من أجل استقلال الوطن والدفاع عن الدين، وأنشأت صندوقاً للتبرع. كذلك حُوِّل الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج إلى يوم تضامن مع الشعب الفلسطيني.
وفي سبتمبر 1944 بينما كانت الحرب العالمية الثانية تقترب من نهايتها، أقدم الحسيني على خطوة رمزية حين بثَّ إعلاناً بالعربية من إذاعة برلين أعلن فيه اعتراف فلسطين باستقلال إندونيسيا، قبل أن تنشره صحيفة الأهرام المصرية ليصل إلى القراء العرب.
امتدت جهود أمين الحسيني لاحقاً إلى دعم الطلبة الإندونيسيين تعليمياً. إذ قدم بالتعاون مع الصحفي والتاجر الفلسطيني محمد علي طاهر منحاً دراسية للطلاب الإندونيسيين في جامعات القاهرة ودمشق وبيروت وبغداد.
يذكر رئيس اللجنة المركزية لرابطة الاستقلال الإندونيسية، حسن زين، في كتابه "دبلوماسي ريفليوسي إندونيسيا دي لوار نيجيري" (الدبلوماسية الثورية الإندونيسية في الخارج) الصادر سنة 1980، موقفاً لطاهر. يقول: "أخذني محمد علي طاهر، وهو زعيم فلسطيني أحب إندونيسيا لفترة طويلة، ذات يوم بيدي إلى البنك العربي وأخرج كل أمواله، ثم أعطاني إياها وقال: 'خذ كل ثروتي للفوز في الكفاح الإندونيسي'".
إضافة لذلك، نشأت قنوات تواصل مع عدد من الدول العربية، ولاسيما مصر، بالتوازي مع نشاط ملحوظ للطلبة والنشطاء الإندونيسيين في الأزهر الشريف، الذين تأثروا بفكرة التجديد التي طرحها محمد عبده وطلابه. وتعاظم نشاطهم منذ سنة 1920 حتى سنة 1945. وذلك كما يبين إيمان راسخ إسلامي، المحاضر في جامعة إمام بونجول بادانغ الإندونيسية، في دراسته "بيوند بوردِرز [. . .]" (ما وراء الحدود: دور الطلاب الإندونيسيين في مصر ومساعي الاستقلال) الصادرة سنة 2025.
هذه الصلات لم تنقطع بعد إعلان استقلال إندونيسيا سنة 1945. فقد تواصل الحسيني مع محمد رشيد، نائب وزير الخارجية الإندونيسي، ناقلاً له تأييداً عربياً متزايداً. وفي الإطار ذاته، دعا الحسيني محمد عبد المنعم مصطفى، القنصل المصري العام في الهند، للتحرك والتوجّه إلى إندونيسيا للقاء الرئيس الإندونيسي أحمد سوكارنو في مارس 1947، حاملاً رسالة تعبِّر عن موقف داعم من جامعة الدول العربية.
وكان هذا التحرك امتداداً لمسار مهَّد له رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي ووزير الخارجية عبد الرحمن عزام، في سياق سياسة مصرية وعربية أوسع تُوِّجت باعتراف مصر باستقلال إندونيسيا سنة 1946. لتبدأ معها علاقات دبلوماسية رسمية مطلع 1947، وتكون من أوائل الدول التي بادرت إلى ذلك.
هذا الدعم الفلسطيني العربي عزَّزَ من الموقف الإندونيسي الثابت لمناهضة الاستعمار، والتضامن مع الشعوب الواقعة تحت وطأته. لذا فحين صيغت ديباجة الدستور الإندونيسي في أغسطس 1945 أُدرج فيها نصٌّ يذكر بوضوح إنَّ "الاستقلال حقٌ لجميع الأمم ولذلك يجب القضاء على الاستعمار في جميع أنحاء العالم لأنه يتنافى مع الإنسانية والعدالة". وهو الموقف الذي عاد سوكارنو للتأكيد عليه سنة 1962، قائلاً: "طالما لم تستعد فلسطين حريتها، فستبقى إندونيسيا مُلزمة بالوقوف في وجه الاحتلال الإسرائيلي".
يرى أحمد عمر، الباحث في السياسة الدولية والمحاضر الإندونيسي بجامعة ابيريستويث البريطانية في حديثه مع الفراتس، أن هذا النص في الدستور يحمل اتصالاً خاصاً بفلسطين. إذ صار يُفهم "ضمنياً" وعداً أخلاقياً بإلزامية الوقوف مع القضية الفلسطينية، وذلك في مقابل وقوف فلسطين إلى جانب استقلال إندونيسيا. ما يعني أنه منذ البداية وضعت فلسطين ضمن المبادئ المؤسسة للدولة الإندونيسية.
أما المختص في الدراسات الأمنية، واوان بودي دارماوان، فيذهب إلى أبعد من ذلك. ويؤكد للفراتس أن "التضامن مع فلسطين دستوري"، ما يجعله شأناً يخص جميع الإندونيسيين بصرف النظر عن دينهم. وذلك برأيه بالعودة إلى مبادئ "البانتشاسيلا"، وهي الفلسفة الرسمية التي طرحها سوكارنو أثناء التحضير للاستقلال ومن ثم قامت عليها دولة إندونيسيا، وتعني "المبادئ الخمسة". وهي المبادئ القائمة على العدالة والكرامة الإنسانية، التي تعني من وجهة نظر دارماوان رفض التطبيع مع إسرائيل إلى حين التوصل إلى اتفاق سلام، ومواصلة دبلوماسية حرة وفعالة بإثارة القضية الفلسطينية في مختلف المحافل الدولية، وأخيراً الدعم الإنساني المتواصل لفلسطين وشعبها.
ويُفضل المتحدث وصف التضامن الإندونيسي مع فلسطين "بالالتزام المعياري" الذي لا ينطلق من مجرد استراتيجية سياسية أو استجابة للتحولات العالمية، إنما من هوية الدولة الأخلاقية ومواقفها في ميدان السياسة الخارجية.
أيضاً بعد الاستقلال توسعت حركة التضامن مع فلسطين، لاسيما من كان منها قائماً قبله. فمنظمة المحمدية التي كانت جزءاً من المشهد، عززت تضامنها بخطابها الديني والتربوي داخل المؤسسات التعليمية، دون التحول إلى فاعلٍ سياسي. فقد بقيت ضمن إطار المجتمع المدني الإسلامي الذي يدعم القضايا الإسلامية التحررية، لاسيما فلسطين، وفق مبدأ التعاضد والدعم لا الانخراط المباشر. وهو ما عبر عنه رئيس مجلس المحمدية فتح الرحمن كمال على موقع المنظمة سنة 2024 بالقول: "ربما لم نتمكن من الانخراط في الجهاد المباشر، إلا أن صلواتنا وبياناتنا الرسمية كانت دائماً مخصصة للقضية الفلسطينية".
أما نهضة العلماء، التي أصبحت جزءاً من الحكومة، فقد برزت فاعلاً سياسياً ودينياً داخل بنية الدولة، ما جعل مواقفها الخارجية تجاه حركات التحرر مثل فلسطين متوافقة لحد كبير مع توجه الدولة في تلك المرحلة. وقد برز هذا التوجه جلياً في مؤتمر باندونغ سنة 1955، الذي جمعت فيه إندونيسيا تسعاً وعشرين دولة أكثرها حديثة الاستقلال، ورفع صوت الدول الآسيوية والإفريقية في دعم قضايا التحرر مثل فلسطين.
رفضت إندونيسيا مشاركة إسرائيل في المؤتمر، وأصر الرئيس سوكارنو على إدراج حق الفلسطينيين في تقرير المصير والتحرر من الاستعمار والعنصرية في البيان الختامي. غير أن بورما والهند وسريلانكا رفضت ذلك لينتهي الخطاب بذكرٍ موجزٍ لفلسطين في القسم الأخير المعنون "مشاكل أخرى".
في حديثه مع الفراتس اعتبر محمد ذو الفقار رحمت، الباحث في شؤون جنوب شرق آسيا، مؤتمر باندونغ انطلاقة الربط الإندونيسي بين حقوق الفلسطينيين والنضالات العالمية ضد الاستعمار. فقد أصبحت تجربة المؤتمر برأيه جزءاً من تشكل الدبلوماسية الإندونيسية، بتأطير الرئيس سوكارنو لفلسطين قضيةً استعماريةً غير محلولة داخل بنية السياسة الخارجية الإندونيسية.
أصبح هذا التوجه جزءاً من آخر أوسع مؤسَّس على الحذر الدبلوماسي المتدرج ورفض التماهي مع التوجهات الأمريكية. فقد عبَّر سوكارنو في الستينيات عن رفضه بعض برامج المساعدات الأمريكية بقوله: "فلتذهب مساعداتكم إلى الجحيم"، رافضاً أن تُفرض على حكومته عبر تلك المساعدات مسارات سياسية موجهة.
وقد تبلورت أيضاً مواقفُ إندونيسية داعمة القضيةَ الفلسطينية من دورها في منظمة دول حركة عدم الانحياز التي تأسست سنة 1961، وتأثرت بمخرجات مؤتمر باندونغ. إلى جانب المؤتمر، تجلَّى رفضُ الدولة الإندونيسية مسارَ تطبيع علاقاتها مع إسرائيل في السنوات الأولى إثر محاولات أولية للتواصل من جانب إسرائيل.
كانت المحاولة الأولى عندما أرسلَ رئيس الوزراء بن غوريون ورئيس الدولة حاييم وايزمان برقية تهنئة بالاستقلال الإندونيسي سنة 1949 بعد الاعتراف الهولندي. وتلتها محاولة ثانية سنة 1950، حين أرسل وزير الخارجية الإسرائيلي موشيه شاريت إلى وزير الخارجية الإندونيسي محمد حاتا يبلغه فيها بقرار إسرائيل الاعتراف الكامل بإندونيسيا، التي قوبلت بالشكر فقط. ثم في تواصلٍ آخر اقترح فيها شاريت إرسال بعثة حسن نية إلى إندونيسيا، رد عليه حاتا باقتراح تأجيل الفكرة إلى أجلٍ غير مسمى، وفق الأكاديمي كولين روبينستاين المتخصص في الدراسات الشرق أوسطية، في دراسته "إندونيشا آند إزرائيل [. . .]" (إندونيسيا وإسرائيل: علاقة انتظار) المنشورة سنة 2005.
لاحقاً، تبنَّت إندونيسيا تحت قيادة سوكارنو موقفاً أكثر تشدداً في المجال الرياضي والسياسي، إذ انسحبت من مواجهة إسرائيل في تصفيات كأس العالم لكرة القدم سنة 1958. ثم رفضت إندونيسيا مشاركة إسرائيل في دورة الألعاب الآسيوية في جاكرتا سنة 1962 برفض منح التأشيرات، وهو ما وثقته سجلات الألعاب الآسيوية.
بنهاية مرحلة سوكارنو بدا أن التضامن كان قد ترسخ في الوعي الإندونيسي، ليصبح جزءاً من هوية الدولة والمجتمع المدني. فقد صيغ حراكٌ تضامنيٌ مستمرٌ حتى في أكثر الفترات انغلاقاً في تاريخ إندونيسيا الحديث، وهي فترة الجنرال العسكريّ والرئيس الأسبق سوهارتو.
ففي 30 سبتمبر 1965، نُفذت محاولة انقلابٍ قُتل على إثرها عددٌ كبيرٌ من القادة العسكريين، ما دفع سوهارتو الذي كان قائداً عسكرياً بارزاً في قوات الاحتياط الاستراتيجي داخل الجيش الإندونيسي إلى الاستفادة من الفراغ والتحرك عسكرياً ضد الشيوعيين.
كان ذلك بدعمٍ أمريكي شمل معلومات استخباراتية ومساندة دبلوماسية، وتغاضياً عن عمليات القمع الواسعة، التي أفرزت واحدة من أعنف حملات التطهير ضد الشيوعيين في القرن العشرين. إذ قُتل على إثرها نحو خمسئة ألف شخص، قبل أن يحصل سوهارتو على صلاحيات تنفيذية واسعة لإدارة الأمن والحكم، بوثيقة "سوبرسيمار"، التي أجبر سوكارنو على توقيعها. ولينتهي المطاف بعزل سوكارنو رسمياً عبر البرلمان الإندونيسي وتعيين سوهارتو خلفاً له فيما سمي حينها "النظام الجديد".
ظل الخطاب الإندونيسي الرسمي، كما في عهد سوكارنو، يدين احتلال إسرائيل لأراضٍ عربية ويدعم حق الفلسطينيين في قيام دولتهم المستقلة. وإحدى تجلياته كانت في المشاركة النشطة في اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، الذي يُحتفل به في الأمم المتحدة كل 29 نوفمبر منذ سنة 1978، وهو ذات اليوم سنة 1947 الذي أصدرت فيه الأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين ومهدت الطريق لقيام إسرائيل.
أما في العلاقات الخارجية، فاعتمد سوهارتو منهجاً أكثر واقعية بإعطاء الأولوية للتنمية الاقتصادية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز والاستقرار الداخلي على حساب التضامن الممنهج. يظهر ذلك في فتح السوق الإندونيسي أمام شركات النفط والتعدين الأمريكية. ويظهر أيضاً في موقف سوهارتو الحذر من المقاطعة النفطية العربية سنة 1973، التي لم ينخرط فيها مباشرةً مع عضوية إندونيسيا في منظمة أوبك في تلك الفترة، ومع ذلك فلم تعارض إندونيسيا الموقف العربي علناً.
بدأ الموقف الإندونيسي بالتحول تدريجياً مع إبرام معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في مارس 1979 (وقد كان اتفق على مبادئها في سبتمبر 1978). جوبه الاتفاق بغضبٍ عربي وإسلامي، غير أن سوهارتو امتنع عن التصويت في اجتماع منظمة التعاون الإسلامي في مايو 1979 على وقف عضوية مصر. ثم في سبتمبر من ذلك العام أصبحت العلاقات بين نظام سوهارتو وإسرائيل أكثر انفتاحاً وذلك ضمن عملية "ألفا"، حين ابتاعت حكومة سوهارتو، بوساطة الولايات المتحدة، عدداً من الطائرات المقاتلة الأمريكية المستعملة من إسرائيل. ثم أرسلت إندونيسيا سبع مجموعات فنية من القوات الجوية لمدة عشرين شهراً للتدريب على صيانة الطائرات في إسرائيل سراً. تلتها المرحلة الثانية من عملية ألفا سنة 1980 بتسلم إندونيسيا ست عشرة طائرة . ثم في المرحلة الثالثة سنة 1982 سُلمت آخر دفعة، ليصل العدد الكلي إلى اثنتين وثلاثين طائرة.
على ذلك بقي الخطاب الإندونيسي محلياً ودولياً رافضاً الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والجولان ولبنان، ومتبنياً خطاباً مندداً بانتهاكاتها بحق سكان الأرض المحتلة ومطالباً بحقهم في الاستقلال وتقرير المصير.
ظهر ذلك في خطاب سوهارتو أمام البرلمان الإندونيسي بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين للاستقلال سنة 1981، حين صرَّح قائلاً: "كان موقفنا من مشاكل الشرق الأوسط واضحاً منذ البداية، وهو أننا نقف إلى جانب الشعوب العربية والشعب الفلسطيني الذي يناضل من أجل حقوقه المشروعة ضد العدوان الإسرائيلي المتعجرف".
هذا إضافةً إلى تأييد إندونيسيا الدائم القراراتِ والوثائقَ الختاميةَ الصادرةَ عن الاجتماعات الدولية التي تدعم الشعب الفلسطيني في نضاله ضد إسرائيل. يقدم سودارنوتو عبد الحكيم، نائب رئيس مجلس علماء إندونيسيا، وجهة نظره للفراتس عن المرحلة الأولى من حُكم سوهارتو. ويصف دور العلماء والمنظمات الإسلامية وخطابها حينئذ بأنه كان ممارسة "للمرونة الأخلاقية" أمام السلطة المتعاملة مع إسرائيل.
بحسب سودارنوتو، استخدم هؤلاء لغة دينية بدلاً من المواجهة السياسية الصريحة، وهو ما ضمن بنظرهم استمرارية دعم فلسطين دون الاصطدام المباشر بقيود الدولة. ويصف المتحدث أداء المنظمات حينها "بحُماة الذاكرة التاريخية"، لافتاً إلى أن العلماء حرصوا على عدم تراجع الوعي العام بفلسطين مع تذبذب الموقف الدبلوماسي للدولة. وهو بنظره ما أدى إلى خلق شكل من أشكال الدبلوماسية الشعبية التي حافظت على التضامن على المستوى المجتمعي بمعزل عن القيود السياسية الرسمية.
هذا المنحى للدولة لم يستمر دون تغيير. إذ بحلول منتصف الثمانينيات بدأت سياسة سوهارتو الخارجية تتغير تدريجياً مع سعيه للتقارب مع الجماعات الإسلامية الإندونيسية، مثل نهضة العلماء والمحمدية. فانتقل من تقييد الإسلام السياسي إلى احتوائه. وجاء هذا التحول مدفوعاً باعتبارات سياسية داخلية، جزء منها مرده تعزيز الشرعية وموازنة نفوذ الجيش، وأخرى خارجية، مع تزايد دور الهوية الإسلامية في المجتمع الإندونيسي.
جاء جزء من تقارب سوهارتو مع المنظمات الإسلامية من بوابة دعمه الحقوقَ الفلسطينية. تمثل ذلك في خطاب مكتوب ألقاه رئيس مندوب جمهورية إندونيسيا لدى الأمم المتحدة، نانا سوتريسنا، سنة 1986. وقد نقل عن سوهارتو أن استقلال الشعب الفلسطيني وسيادته قبل سنة 1967 كان شرطاً أساساً للتسوية السلمية في الشرق الأوسط.
ومعززاً لهذا الموقف، اعترف الرئيس سوهارتو بدولة فلسطين سنة 1988 وفق إعلان منظمة التحرير الفلسطينية من الجزائر، ثم سمح بافتتاح مكتبٍ لها في إندونيسيا سنة 1990. ولربما كان انخفاض السقف السياسي العربي مع إسرائيل عاملاً مساعداً لدفع إندونيسيا نحو واقعية أعلى، مع الحفاظ على ثبات الموقف المبدئي المؤيد فلسطينَ. فذروة العلاقات الإندونيسية الإسرائيلية في عهد سوهارتو تبينت وقت اتفاق أوسلو سنة 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير. وبرز ذلك بالتصريحات اللينة عن إسرائيل في المحافل الدولية واللقاءات الثنائية على هامشها.
كان منها لقاء وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز ونظيره الإندونيسي علي ألتاس في يونيو 1993 في مؤتمر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فيينا. وتصريح وزير الدفاع الإندونيسي إيدي سودراجات حينها: "إذا أقامت جميع الدول العربية علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، فإن إندونيسيا ستفعل الشيء نفسه بالتأكيد".
ثم في أكتوبر 1993 زار رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين جاكرتا، بهدف بحث فرص فتح قنوات تواصل مع دولٍ إسلامية كبرى، أولها إندونيسيا. خاصةً وأن العائق الأساس - القضية الفلسطينية - قد بدأ نظرياً يزول بتوقيع اتفاقية أوسلو، قبلها بشهرٍ واحد.
يوضح روبنستاين في دراسة "إندونيسيا وإسرائيل" أنه مع أن الزيارة أسست لزيارات متبادلة للصحفيين الإندونيسيين إلى إسرائيل، ولاحقاً وفد غرفة التجارة الإسرائيلية ومصلحة الجمارك إلى إندونيسيا، وإنشاء خطوطٍ بريدية وهاتفية مباشرة، إلا أن تصريحات سوهارتو قللت من إمكانية إقامة علاقات ثنائية مع إسرائيل. فقد وصفت الدراسة اللقاءَ مع سوهارتو بأنه اجتماع مع "رئيس حركة عدم الانحياز"، وليس صفته الثانية رئيساً لإندونيسيا. وبالتوازي اقتصرت اللقاءات بين الجانبين حتى سنة 1998 على سنغافورة وبكين ونيويورك، دون أي زيارة متبادلة من سوهارتو لإسرائيل.
ويصف روبنستاين السياسة الخارجية الإندونيسية في عهد سوهارتو بأنها "عملية جداً في علاقتها مع إسرائيل، يقترب بضع خطواتٍ صغيرة، لكنه يُحافظ دائماً على إظهار تقديرٍ كبير للجماعات الإسلامية في بلاده، وارتباطٍ متواصل بموقف الدول العربية".
يُفسر ذلك جزءاً من ردود الأفعال الغاضبة وحالة السخط الشعبي الذي قادته الجماعات الإسلامية المعارضة، احتجاجاً على اللقاءات الثقافية والدبلوماسية والتجارية. فقد قادت هذه الجماعات موجات احتجاجات وصلت إلى حدِّ المطالبة بحظر فيلم "شِندلرْز لِست" (قائمة شندلر)، للمخرج الأمريكي اليهودي ستيفن سبيلبرغ، ويحكي قصة تاجر ألماني أنقذ يهوداً من الهولوكوست. لاحقاً حُظر الفيلم، لكن لقاء سوهارتو برابين أسس لانفصال على صعيد المنظمات الإسلامية، ظهرت ملامحه في مراحل لاحقة.
فبينما وجدت منظمة المحمدية أن رابين استغل الاجتماع لفتح علاقات دبلوماسية بين البلدين، تفهمت نهضة العلماء قرار الحكومة معتبرةً أن على المسلمين الإندونيسيين الترحيب بالمبادرة الإسرائيلية للسلام. ومؤكدةً ثقتها باتخاذ الحكومة للاحتياطات المناسبة واليقظة المطلوبة.
يشير الباحث الإندونيسي أحمد عمر في حديثِه للفراتس إلى أن جزءاً من العلاقات المحدودة مع إسرائيل هدفت لتمكين الإندونيسيين، مسيحيين ومسلمين، من زيارة المسجد الأقصى والأماكن المسيحية المقدسة. وهو برأيه ما قد يكون مبرراً لموقف نهضة العلماء من التفاعل الدبلوماسي إبان زيارة رابين، وتصاعده ليشمل الاستجابة لدعوة إسرائيلية لحضور ندوة نظمها معهد هاري إس ترومان في إسرائيل سنة 1994.
فقد استجاب للدعوة أربعة من القادة المسلمين الإندونيسيين، بمن فيهم عبد الرحمن وحيد، المعروف إندونيسياً باسم "غوس دور"، الذي كان يشغل منصب رئيس المجلس التنفيذي لنهضة العلماء حينها. وهو حفيد هاشم أشعري الذي ساهم منذ الثمانينيات في تنظيم فعاليات خيرية لجمع التبرعات للشعب الفلسطيني بمشاركة الشخصيات البارزة والفنانين. وشهد أيضاً توقيع اتفاقية السلام بين إسرائيل والأردن، ثم انخرط بعد ذلك في سلسلة محادثات مع رجال دين ودبلوماسيين يهودٍ وغربيين وفق منظوره للحوار بين الأديان.
يفسر آجي كاهيونو، المدير التنفيذي لمنظمة التعايش الإندونيسية، للفراتس هذا التناقض بين مواقف عبد الرحمن وحيد ومبدئية نهضة العلماء بالإشارة إلى أهمية تجاوز النظرة الأحادية لها منظمةً جماهيريةً متجانسةً إلى نظامٍ سياسي يقسم تقسيماً دبلوماسياً للعمل. وهو ما يُنتج برأيه جدلية بين مستوى القاعدة الشعبية وبين السياسة الواقعية على مستوى النخبة. فبينما ترفض القاعدة، خاصة الزعامات المحلية التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي، يتبنَّى عبد الرحمن وحيد رؤية نقدية لفشل استراتيجية المقاطعة المطلقة بعد الحرب الباردة، خاصة في ظل تحولات العرب والفلسطينيين، ما دفعه لاعتماد "دبلوماسية الحوار" مع الخصوم بدل العزلة. وذلك، وفق كاهيونو، انطلاقاً من قناعة بأن السلام لا يُصنَع مع الأصدقاء بل مع الأعداء، وأن التواصل المباشر قد يكون أكثر فاعلية من المقاطعة في التأثير على الرأي العام الإسرائيلي والدولي ودعم حقوق الفلسطينيين.
قوبلت زيارة عبد الرحمن وحيد إسرائيلَ بردود فعلٍ سلبية. لكنه استخدم المبرر الرسمي نفسه الذي استخدمه سوهارتو، ومفاده أن إندونيسيا زعيمة حركة عدم الانحياز، وليست بحاجة لعزل نفسها عن إسرائيل والتصرف كأنها في خلافٍ معها بينما أبرمت العديد من الدول العربية معاهدات سلامٍ مع إسرائيل. خاصة وأن إندونيسيا لم تُقم علاقات مع إسرائيل حتى الآن دفاعاً عن الدول العربية، وأن هناك العديد من المصالح التي تتطلب إقامة العلاقات مع إسرائيل.
ومع ذلك هاجم سوهارتو عبد الرحمن وحيد ووصفه أنه "متعاطفٌ مع الصهيونية"، في مفارقة قد تكشف إمكانية استخدام العلاقات مع إسرائيل أداة لضرب الخصوم الداخليين وفي الوقت نفسه تبريراً للتنمية والاستقرار.
يبقى أن مراوحة سوهارتو بين الدبلوماسية والسياسة في تعامله مع إسرائيل مع إبقاء دعمه المعلن فلسطينَ واستقباله ياسر عرفات مرات عدة بين سنتي 1984 و1993، أتاحت له اللعب على حبالٍ سياسية واقتصادية مختلفة داخلياً وخارجياً. لكن في نهاية المطاف لم تفلح سياسة الانفتاح الاقتصادي لسوهارتو في إنقاذ حكمه واقتصاده الذي أصابته الأزمة المالية الآسيوية سنة 1997 بانهيارٍ حاد رفعَ معدلات البطالة، وضاعفَ تحالفاته مع النخب الاقتصادية وسيطرته على الشارع.
فقد جاء الرد باندلاع احتجاجات واسعة مطلع سنة 1998، تحولت سريعاً إلى حركة شعبية تطالب بالإصلاح السياسي وإنهاء الفساد والاستبداد. ليُعلن سوهارتو في 21 مايو 1998 استقالته من الرئاسة وتبدأ إندونيسيا مرحلة تحولٍ ديمقراطيٍ عرفت باسم "عصر الإصلاح"، بوصول عبد الرحمن وحيد رأساً للسلطة سنة 1999.
وبانفتاح الفضاء الديمقراطي الإندونيسي لم يتسع التضامن الشعبي مع فلسطين وحسب، بل اتسع معه هامش التواصل مع إسرائيل أيضاً.
كان عبد الرحمن وحيد قد اتصل بشخصيات ومؤسسات إسرائيلية قبل وصوله إلى الرئاسة، وزار إسرائيل في التسعينيات رئيساً لمنظمة نهضة العلماء، في إطار نشاطات للحوار الديني والسياسي. فسعى إلى تحويل قناعاته الفكرية إلى سياسة خارجية رسمية بالتعاون مع وزير خارجيته علوي شهاب، ساعياً إلى إقامة علاقات علنية مع إسرائيل.
ففي 24 مايو 1999 صرَّح عبد الرحمن وحيد في التلفزيون التعليمي الإندونيسي بأنَّه "من لا يرغبون في الاعتراف بإسرائيل غير منطقيين، فإندونيسيا كانت مستعدة للاعتراف بجمهورية الصين الشعبية والاتحاد السوفييتي، وهما دولتان شيوعيتان ملحدتان، لكنها لا ترغب في الثقة بإسرائيل التي تؤمن بالله [اليهودية]".
حاول عبد الرحمن وحيد ووزير خارجيته التأكيد على المكاسب التجارية من العلاقات مع إسرائيل. إذ إنه في اجتماع سنة 2000 مع إدارة الغرفة المركزية للتجارة والصناعة (كادين)، صرح علوي قائلاً: "أدركتُ حساسية قضية العلاقات مع إسرائيل. لكن علينا أن نبدأ. علينا أن نكون عمليين وعقلانيين [. . .] رواد الأعمال العمليون والعقلانيون هم من سيحققون التقدم". ثم أضاف: "لن نتراجع رغم الاحتجاجات"، في إشارة للتيار الحزبي والشعبي المعادي العلاقات مع إسرائيل.
بالمقابل سعى وحيد ليكون وسيطاً بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، مبرراً ذلك بأنه يستحيل على إندونيسيا أن تكون وسيط سلام بين إسرائيل وفلسطين إذا اقتصرت علاقاتها الدبلوماسية على طرف واحد. بالتوازي مع ذلك أكد عبد الرحمن وحيد مراراً أن الدعم الإندونيسي لفلسطين ثابت. وكان فتح إندونيسيا مكتباً تجارياً في الأراضي الفلسطينية إشارةً إلى أن علاقة الحكومة الإندونيسية مع إسرائيل تصب في مصلحة الفلسطينيين.
قوبلت هذه السياسة في نوفمبر 1999 باحتجاجات عارمة، حتى من منظمة نهضة العلماء التي دعمته سابقاً. واندلعت المظاهرات في أنحاء مختلفة حاشدةً المحتجين خاصةً من طلبة الجامعات، الذين رأوا أن الحل العادل لقضية فلسطين يجب أن يسبق أي تقاربٍ مع إسرائيل، وأن يراعي شعور الأغلبية الإندونيسية المؤيدة فلسطين.
سُرعان ما عُزل وحيد من منصبه بقرار البرلمان الوطني سنة 2001، إثر فشله في الحفاظ على تحالفاته وغياب قدرته على الحسم في ملفاتٍ محلية مختلفة، من بينها محادثات السلام مع القوات المتمردة في إقليم آتشيه. هذا بالإضافة لاتهامه بالتورط في فضيحتين ماليتين أُسيئت فيهما إدارة الأموال العامة.
وما زاد وضعه سوءاً تصعيده المواجهة إثر محاولته حل البرلمان وإعلان حالة الطوارئ في يوليو 2001، ما أضعف موقعه السياسي ومنح خصومه ذريعة للتحرك ضده. خصوصاً أنه لم يحصل على دعم الشرطة والجيش، فسرع ذلك عزله.
من ناحية أخرى، تطور التفاعل الشعبي مع فلسطين في عهد عبد الرحمن وحيد بتسارعٍ ليتخذ نمطاً أكثر تنظيماً. فقد أسس أطباء ومتطوعون إندونيسيون منظمة "ميديكل إيميرجنسي ريسكيو كوميتي" المعروفة اختصاراً باسم "ميرسي" في العاصمة جاكرتا، وقد انخرطت المنظمة في مشاريع ميدانية داخل فلسطين. بالإضافة إلى تأسيس منظمة "هيومن إنيشيتيف" أول مؤسسة إغاثة إندونيسية عابرة الحدودَ، وتدير شبكة من ثلاثة آلاف متطوع عالمياً. وركزت من بين اهتماماتها على غزة حتى بلغَ إنفاق برامجها في غزة نحو ستة وأربعين مليون دولار سنة 2006، موزعةً على برامج إغاثية وطبية وغذائية وتعليمية وإعمارية.
يصف محمد ذو الفقار للفراتس ما حدث بأنه مساحة من الديمقراطية المستجدة أتاحت للمجتمع المدني والمنظمات الإسلامية والحركات الطلابية التعبئة العلنية دعماً لفلسطين، ما زاد حضورها في المجال العام. ونتيجة لذلك أصبحت المشاعر الشعبية أقوى وبدأت تضغط على صانعي القرار، ما ضيَّق مجال انحراف النخب عن المواقف المؤيدة فلسطين.
لذا حين خلفت ميغاواتي سوكارنوبوتري عبد الرحمن وحيد في الرئاسة سنة 2001، بدا أنها حملت إرثاً ثقيلاً من خطاب والدها سوكارنو التحرري، وفي الوقت ذاته كانت بحاجة لإثبات ميلها للتعددية الديمقراطية. في تلك الفترة اندلعت انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانية) وكان اختبارها في هذا الملف. فقد شهدت حينها مدن إندونيسية عديدة مظاهرات تضامن واسعة، بلغت ذروتها في اجتياحات الضفة الغربية سنة 2002، ضمن ما سمته إسرائيل عملية "الدرع الواقي" وأعادت احتلال مناطق كانت قد غادرتها وفق اتفاقيات أوسلو، بالإضافة لمحاصرتها القيادة الفلسطينية في رام الله.
اتسع التضامن إبان الانتفاضة ليتجاوز الخطب والتبرعات إلى ما يشبه الدبلوماسية الشعبية التي أنتجت توحيداً نسبياً بين الخط الرسمي للدولة والموقف الشعبي الديني من فلسطين. تمثل ذلك في تأسيس الهيئة الوطنية الإندونيسية للزكاة "بازناس" سنة 2001، هيئةً رسمية لإدارة الزكاة في إندونيسيا. واضطلعت، كما يتبين في موقعها الإلكتروني، بجمع التبرعات وتوجيهها إلى قطاع غزة.
أحد أبرز الأمثلة الأخرى الموثقة على التضامن الشعبي الإندونيسي في تلك الفترة، كانت مظاهرات ساحة النصب الوطني في جاكرتا في أبريل 2002. شارك فيها آلاف المتظاهرين ورُفعت الأعلام الفلسطينية وأًحرقت رموز إسرائيلية، وشارك في المظاهرات شخصيات رسمية وحكومية.
رسمياً، التزمت إندونيسيا بسقف مبادرة السلام العربية بعدما بنت عليها الجامعة العربية موقفاً جماعياً قائماً على صيغة الأرض مقابل السلام والاعتراف بإسرائيل في حدود 1967.
مع ذلك يذكر كاهيوني للفراتس أن مبادرة السلام العربية لم تكن سوى درعٍ دبلوماسي تستطيع إندونيسيا به صدَّ ضغوط الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين عن دفعها للتطبيع. في الوقت ذاته ليست المبادرة العربية معياراً لتحديد سياسة إندونيسيا، فمع تقاربها مع الدول العربية إلا أنها محكومة بالبنية الدستورية والتركيبة الاجتماعية للمجتمع الإندونيسي نفسه. إذ ترفض البوصلة الأخلاقية التطبيع إلى حين التوصل إلى حلٍ عادل للقضية الفلسطينية.
بوصول سوسيلو بامبانغ يودويونو إلى الرئاسة سنة 2004 إثر فوزه على ميغاواتي، في أول انتخابات يختار فيها الشعب الإندونيسي رئيس البلاد مباشرة، استمرت مساحة المجتمع المدني تعبيراً عن دعم فلسطين. فانخرطت حكومته في هذا الدعم، بدءاً من حرب غزة الأولى سنة 2008 إلى حرب سنة 2014.
حينئذ قادت الجامعات والمنظمات حملات تبرعٍ بدعمٍ من أمانة مجلس الوزراء الإندونيسي، وشاركت فيها الحكومة بتخصيص مليون دولار أمريكي في صورة مساعدات إنسانية لفلسطين إضافة لدعمٍ تنموي واقتصادي.
وفقًا لياسي مارتاليني الناشطة في منظمة ليتيل بروجيكت الداعمة فلسطينَ في حديثها للفراتس، فإن معادلة تلك المرحلة شملت مستوى تغطية إعلامية مرتفع وتعبئة شعبية مع وعي أعمق عن فلسطين، ودعمٍ حكومي ورسمي لهذه التحركات. وقد شمل هذا الدعم، وفق مارتاليني، استقبال الرئيس الفلسطيني محمود عباس سنة 2007 وتعميق العلاقات مع المؤسسات الرسمية الفلسطينية.
تضيف مارتاليني أن تلك الفترة شملت كذلك مواقف دولية، مثل تصويتٍ متكرر لصالح فلسطين في سعيها للحصول على مقعد في الأمم المتحدة، وعدة قرارات مناهضة الاستيطانَ وحل الدولتين. ومن المشاريع التنموية اللافتة كان إطلاق منظمة ميرسي مشروع بناء المستشفى الإندونيسي في غزة بعد حرب سنة 2008، وهو ما بدا حضوراً لإندونيسيا في القطاع المحاصر وليس مجرد دعمٍ سياسي أو مالي من بعيد.
على هذا الدعم، ترك يودويونو في الوقت نفسه الباب موارباً لعلاقة محتملة مع إسرائيل، بدءاً بعقد وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم أول لقاء سري مع نظيره الإندونيسي حسن ويراجودا في قمة الأمم المتحدة في مدينة نيويورك في سبتمبر 2005. ثم أعادت إندونيسيا تأكيدها على حل الدولتين سنة 2012. ووفقاً لتقرير معهد واشنطن بعنوان "كيف تنظر إندونيسيا لاحتمال التطبيع مع إسرائيل" الصادر في 2020، فإن حديث الرئيس الإندونيسي عن حل الدولتين أثار احتمال تَمَكُّن إندونيسيا من تطبيع العلاقات في سياق السلام الإسرائيلي الفلسطيني. ثم دعا يوسف كالا، نائب الرئيس ورجل الأعمال الإندونيسي، للتعامل مع إسرائيل. حتى أعلن الرئيسُ سنة 2014 "أن إندونيسيا 'لا يمكن أن تكون وسيطاً إذا كنا لا نعرف إسرائيل [. . .] يجب أن نكون قريبين من كل من إسرائيل وفلسطين".
هذه المواربة جعلت من الدبلوماسية المزدوجة ما بين تضامن شعبي ورسمي ومؤسسي مع فلسطين، مقابل حياد عملي أو انفتاح مع إسرائيل دون تطبيع، أمراً مقبولاً حتى على مستوى المؤسسي. وتبين ذلك حين وقَّعت منظمة "نجمة داود الحمراء" الطبية الإسرائيلية ونظيرتها الإندونيسية اتفاقية تعاون بقيمة مئتي ألف دولار أمريكي في تل أبيب. وقد شهد التوقيع نائب رئيس منظمة المحمدية، سوديبو ماركوس، ومستشارها الصحي البروفيسور أريونو بوزبونيجورو.
وبرر ماركوس وجوده بأنه شاهدٌ فقط على اتفاقية غالباً ما تحدث في إطار التعاون الدولي في مجال الطوارئ الطبية وتبادل الخبرات الإنسانية، لاسيما وأنها برعاية اللجنة اليهودية الأمريكية المشتركة، وفق تقرير معهد واشنطن.
بهذا المعنى رسَّخت سنوات الإصلاح الأولى تضامناً شعبياً ومؤسسياً أوسع من قدرة الدولة على تجاهله، وانفتاح عملي محدود مع إسرائيل لا يستطيع التحول إلى اعتراف رسمي من دون ثمن داخلي كبير. على هذه المعادلة دخل الرئيس جوكو ويدودو إلى الحكم سنة 2014 حتى 2024، لكن بمؤسسات إنسانية أكثر رسوخاً وتنظيماً.
أما ذروة نشاطه فكانت أثناء حرب الإبادة على غزة التي بدأت سنة 2023، حين أكد مراراً أن إندونيسيا ستبقى إلى جانب فلسطين في نضالها من أجل الاستقلال، مشرفاً نفسه على إرسال أول دفعة مساعدات إنسانية إلى غزة في نوفمبر 2023 تزن واحداً وخمسين طناً ونصف طن. ثم أتبعها بدفعة ثانية في الشهر نفسه زنتها واحدٌ وعشرون طناً، وجَّهها إلى ميناء العريش المصري على طائرتين عسكريتين تابعتين للقوات الجوية، وطائرة بوينغ مستأجرة تابعة لشركة جارودا إندونيسيا. وهو الفعل الذي تكرر أربع مراتٍ أخرى أثناء حرب غزة.
بالإضافة لذلك، أقدمت حكومة جوكو على رفع مساهمتها السنوية لوكالة الأونروا إلى 1.2 مليون دولار، بعدما كانت ستمئة ألف دولار، وذلك في إطار الرد على تعليق الولايات المتحدة ودول أوروبية تمويل الأونروا. وانسجمت حكومة جوكو مع المزاج الشعبي بمشاركتها في مظاهرات مليونية في ميدان موناس دعماً لفلسطين. وقد ألقت وزيرة الخارجية ريتنو مارسودي كلمة أمام الحشد، ورئيسة مجلس النواب بوان ماهاراني، وحاكم جاكرتا السابق باسويدان. ومقابل ذلك كانت بعض المواقف الحكومية باهظة، وتمثل ذلك بفقدان إندونيسيا مثلاً حق استضافة كأس العالم تحت عشرين عاماً، عندما رفض عدد من حكام الولايات الإندونيسيين البارزين مشاركة إسرائيل في البطولة.
لكن واحدة من السمات الأبرز لحقبة جوكو كانت التحالفات المدنية الإنسانية، التي جمعت أكثر من مؤسسة ومنظمة. ففي ملف فلسطين دُعمت أنشطة القوافل الغذائية والمخيمات وحملات التضامن الجماهيري والعمل الإنساني والتبرع الرقمي. ومن أمثلة ذلك، التحالف الإندونيسي الخيري "إندونيسيان هيومنتيريان آلاينس" وائتلاف المجتمع المدني من أجل فلسطين "سيفيل سوسيتي كولياشن فور باليستين".
وقد تبرعت الحكومة الإندونيسية لبرنامج الغذاء العالمي المرتبط بغزة بقرابة اثني عشر مليون دولار، وتبرعاً نقدياً بلغ أربعة ملايين دولار أمريكي بنهاية حكم جوكو.
يصف محمد أنشور الله، رئيس هيئة مجموعة الأقصى الإندونيسية، في حديثه مع الفراتس طبيعة العمل الإنساني مع فلسطين في مرحلة جوكو، بأنها امتزاجٌ للجهد الدولي بالديني. وقد تبين ذلك في خطاب جوكو الداعم فلسطينَ في مؤتمر العلماء الثلاثي بين باكستان وإندونيسيا وأفغانستان سنة 2018، الذي هدف لتحقيق السلام في أفغانستان. وتبين أيضاً في إدانة اغتيال قائد حركة حماس إسماعيل هنية في طهران سنة 2024. علاوةً على دعوة مجلس الأمن والجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية للدفاع عن فلسطين، مع المطالبة بمحاسبة إسرائيل على انتهاكاتها القانونَ الدولي.
لم يبدُ أن ذلك الدعم ينفي تقبلاً رسمياً إندونيسياً لوجود علاقات مع إسرائيل. ويتبين ذلك في لقاء يوسف كالا - الذي عاد لمنصب نائب الرئيس بين سنتي 2014 و2019 في عهد الرئيس جوكو ويدودو - مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 2018. كذلك سفر الرئيس الجديد لجمعية نهضة العلماء (وكان وقتها الأمين العام للمنظمة)، يحيى ستاكوف، ذلك العام إلى إسرائيل واجتماعه بنتنياهو أيضاً.
ارتفع حجم التجارة بين إندونيسيا وإسرائيل سنة 2018 ووصل إلى مئة مليون دولار أمريكي، وتزايدت أعداد السياح الإسرائيليين لإندونيسيا. بالمقابل استمر توافد الزوار الإندونيسيين إلى القدس. ووفقاً لقطاع السياحة الإسرائيلي، يدخل قرابة ثلاثين ألف زائر إندونيسي إلى القدس كل عام، يقضون ما معدله خمسة أيام.
لكن ما بدا زخماً في العلاقات الإسرائيلية الإندونيسية انتكس مؤقتاً حين منعت إندونيسيا حاملي جوازات السفر الإسرائيلية من زيارتها إثر الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة سنة 2018. وهو ما ردته إسرائيل بمنع دخول الإندونيسيين، قبل أن تلغي البلدان قرارهما بعد شهرٍ واحد، وتعود مسارات السياحة لوضعها السابق.
لم تنقطع هذه السياسة بوصول برابوو سبيانتو، وزير الدفاع الأسبق، إلى الحكم بعد انتخابه سنة 2024، إثر انتهاء الولاية الثانية لجوكو. فقد تواصلت الحملات الداعمة فلسطين، وحراك المنظمات وتحالفاتها، وتحركات الشارع ومظاهرات الطلبة. بدأت تظهر موازنة جديدة في الأفق، عنوانها محاولة برابوو تصدير إندونيسيا دولياً بانخراطٍ أكبر في صراع الشرق الأوسط شريكاً إلى جانب الدول العربية.
في الفترة ذاتها ظهرت في تل أبيب حملة دعائية لتسويق خطة ترامب إطاراً إقليمياً جديداً لغزة، وقد نصت الخطة على إنهاء الحرب على مراحل وتجريد حماس من السلاح وانسحاب إسرائيل، ونشر قوات دولية في القطاع. اعتمدت الحملة على صور عدد من القادة، بينهم دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو وبرابوو ومحمود عباس، إلى جانب قادة من دول عربية مثل عبدالفتاح السيسي والملك عبدالله الثاني والشيخ محمد بن زايد وولي العهد السعودي محمد بن سلمان. وقدّمت رسائل مباشرة تخاطب ترامب وتدفع باتجاه إنجاز الاتفاق، من قبيل: "سيدي الرئيس، إسرائيل تقف إلى جانب خطتك، أبرم الاتفاق".
بعد هذا التمهيد الإعلامي والدبلوماسي، أعلنت إندونيسيا انضمامها إلى مجلس السلام في غزة عقب دعوة من الجانب الأمريكي. وقع برابوو على الميثاق إلى جانب عدد من القادة الدوليين، وأعلن وزير الدفاع جعفري شمس الدين، أن بلاده أعدت عشرين ألف جندي لعملية حفظ سلام مخطط لها في قطاع غزة.
اعتبر برابوو انضمامه لمجلس السلام مشاركة إندونيسية فاعلة بجانب دولٍ وازنة من قبيل السعودية وتركيا وباكستان ومصر، قد تفتح الباب لإمكانية تشكيل ثقلٍ ضاغطٍ على الولايات المتحدة، لدفعها لثني إسرائيل عن مخططاتها. مؤكداً إمكانية الانسحاب من المجلس إذ لم يلتزم بتحقيق الأمن والسلام للفلسطينيين.
أما خطط الجيش الإندونيسي للانتشار في غزة، التي أُجلت بسبب الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، فجميعها تتضمن تدخلاً إنسانياً وهندسياً أو صحياً أو معيشياً. ويأتي ذلك ضمن سفينتين طبيتين ومستشفى ميداني وكتيبة مهندسين لتحسين البنية التحتية وكتيبة رعاية صحية وكتيبة دعم ورعاية. وقد تشمل في مرحلة لاحقة إجلاء ألف فلسطيني إلى إندونيسيا لمعالجتهم.
غير أن الإعلان عن الاستعداد لإرسال قوات لغزة أثار ردود أفعالٍ محلية ساخطة، بالنظر للاحتفاء الإسرائيلي بهذا الإعلان. وهو ما دفع برابوو لعقد اجتماعٍ مع قادة المنظمات الإسلامية، ونخب المجتمع الإندونيسي، لإيضاح موقف حكومته من الانضمام إلى مجلس السلام، وخطط الجيش الإندونيسي للتدخل الإنساني في غزة.
أكدت تلك الاجتماعات المتواترة، رؤية برابوو لآلية إدارة الصراع في الشرق الأوسط التي تنطلق من توجهه لتحقيق نمو اقتصادي. يتحقق ذلك بالانضمام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بدءاً من يونيو 2025، حين قدمت إندونيسيا مذكرة تقييم ذاتي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بهدف الانضمام لها في السنوات الأربع التالية. وعضوية المنظمة تشترط موافقة جميع الأعضاء، وإسرائيل واحدة منها، ولها الحق في رفض انضمام أي دولة تتقدم بطلب الانضمام.
يُشير محمد أنشور الله في حديثه مع الفراتس إلى حالة من الانفتاح على الواردات والصادرات الإسرائيلية. فهُناك مثلاً شركة "بي تي أورمات جيوثيرمال"، التي لها مشاريع قديمة في إسرائيل وأسسها مهندسون إسرائيليون، وتمتلك الشركة مرافق تصنيع رئيسة في إسرائيل، وتتداول أسهمها في بورصتي نيويورك وتل أبيب. ولا تزال تقنياتها ومسارها المؤسسي مرتبطين ارتباطاً وثيقاً بقطاع الطاقة الإسرائيلي، وتمتلك حصصاً في مشاريع مثل محطة إيجين للطاقة الحرارية الأرضية في شرق جاوة.
بهذا فإن توسع شركات الطاقة متعددة الجنسيات ذات الجذور الإسرائيلية في أسواق خارجية، ومنها إندونيسيا، قد يفهم تداخلاً اقتصادياً غير مباشر بين قطاعات الطاقة العالمية وإسرائيل. خصوصاً وأن إسرائيل دأبت منذ عقود على استخدام قطاعات استراتيجية مثل الطاقة والتقنية مساحةً لتوسيع نطاق القبول لها وتطبيع الشراكات الدولية معها.
في هذا السياق اعتبر كاهيونو في حديثه مع الفراتس أن تركيز برابوو على الاستقرار الاقتصادي والتنمية وتطوير آليات الدفاع، المرتبطة بمنصبه السابق وزيراً للدفاع، مكنته من الحصول على تواصل فعالٍ مع قادة العالم العربي. خاصة مشروع تطوير العاصمة الوطنية الإندونيسية الذي أبدت الإمارات العربية اهتماماً بتطويره، بالإضافة إلى سعي برابوو تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية نحو قطاعات الحلال والتمويل الإسلامي. لكن كاهيونو يستدرك أن هذا النهج النفعي يخفي الموقف الأخلاقي الإندونيسي من قضايا مختلفة مثل الصراع الفلسطيني، ويُسهم في أن تفقد إندونيسيا شرعيتها الأخلاقية في المحافل الدولية.
تشترك العديد من الأحزاب السياسية والمنظمات الإسلامية والمدنية والإنسانية مع كاهيونو في هذه المخاوف، لكنها تفضل التعبير عن مخاوفها بحذر. إذ لم تظهر كثير من الأحزاب اعتراضاً مؤسسياً بيِّناً أو مباشراً على سياسة برابوو، لكن خطابها ظل يُشدد على أن ولاية القوات الإندونيسية يجب أن تكون تحت مظلة الأمم المتحدة وليست ضمن إطار سياسي بقيادة أمريكية.
أما المنظمات الإسلامية فقد كان موقفها أكثر حساسية، فقد اعتمد كل من مجلس العلماء الإندونيسي ونهضة العلماء والمحمدية على سؤال أساس في موقفهم: هل تخدم هذه الخطوة الفلسطينيين أم تمنح شرعية لترتيبات لا تمثلهم. ووفقاً لسودارنوتو في حديثه مع الفراتس فإن "تركيبة المجلس والشخصيات المهيمنة عليها لديها سجل مثير للجدل تجاه فلسطين، فيما يغيب أي تمثيلٍ فلسطيني حقيقي". ويرى أنه "قد يُفهم الانضمام الإندونيسي غطاءً سياسياً لهذا الغياب، أو مدخلاً لإجراءات لا تخدم استقلال فلسطين".
حاول برابوو مطلع 2026 تسكين بعض مخاوف الأحزاب والمنظمات الإسلامية بعد اجتماعٍ معهم، أكد فيه أنه سينسحب من المجلس إذا لم يخدم الوجودُ الإندونيسي القضيةَ الفلسطينية. أما الجمهور فقد واجه السياسةَ باحتجاجات سرعان ما تراجعت حدتها حين أوضحت الحكومة أن مهمة القوات ليست قتالية، ولا تشمل نزع سلاح الفلسطينيين.
يضاف لذلك تشكيل إطار منسق يجمع الحكومة والمجتمع المدني، ضمن حملة أطلقتها وزارة الخارجية الإندونيسية. ونسقت الوزارة مع "دومبات ضعفاء" (دار الضعفاء) ودار التوحيد "بادولي"، وبالتعاون مع الهيئة الوطنية للزكاة ونهضة العلماء التي تشارك في حملات التبرع والدعم السياسي بفروعها الدينية أو شبكاتها المجتمعية. يضاف لذلك منظمة "نهضة الأمة"، إحدى أكبر المنظمات الشعبية في إندونيسيا، ومنظمات المناصرة السياسية والتعبئة الشعبية، مثل "الأقصى ووركينغ جروب" و"كوميتي ناشونال أونتوك راكيات باليستينا"، وكذلك منظمة ميرسي. تهدف تلك المنظمات إلى تعزيز فعالية إيصال المساعدات وتعبئة الرأي العام وتنظيم حملات التبرع.

