ولم تمضِ سوى ثلاثة أسابيع على توقيع الاتفاق حتى بدأت الدول الثلاث تحويل جوانب منه إلى ترتيبات عملية. ففي إسطنبول، عقدت اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية للاتفاق، التي تضم وزراء الخارجية والدفاع والقادة العسكريين للدول الثلاث، أول اجتماعاتها. أعلنت بعده تأسيس أمانة للحلف مقرّها السعودية، ونُصّب أمين عام من باكستان في منصب الأمانة للثلاث سنوات القادمة. إلى جانب إعلان بيان اللجنة نيّة الدول الثلاث تعزيز التعاون في مجال الصناعات الدفاعية وتطوير التقنيات.
يمثل هذا التحالف الدفاعي الطريقة التي اختارتها السعودية للرد على التهديدات المتزايدة على حدودها التي رافقت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مطلع 2026. إلا أن التحالفات بين الدول تعاني من مشكلة قد تكون جوهرية، تكمن في سهولة التنصّل منها. ولحل هذه المشكلة، يبدو أن السعودية اختارت القوّة الرمزية لمكة المكرمة لرفع كلفة التنصّل. وفي حين أن هذا الحل سيمنح التحالف القدرة على الردع، إلا أن هذه القدرة قد تكون لفترة قصيرة، ومن غير المرجّح أن تتبلور حلفاً دائماً كحلف الناتو. فتحويل الرمزية إلى التزام دفاعي مستدام سيظل مرهوناً بمدى استعداد أطرافه لتحمّل كلفته عندما تتعارض مصالحها أو تتغير الظروف الإقليمية، خصوصاً في منطقة تتسم بعدم الاستقرار وتضارب المصالح.
إذ تتصاعد على السعودية عواقب الحرب سلباً منذ فبراير 2026. فقد هاجمت إيرانُ والجماعات المسلحة الموالية لها في العراق السعوديةَ بما يقارب ألف هجمة في أول شهرٍ ونصف من اندلاع الحرب، قتلت ثلاثة أشخاص وجرحت ما لا يقل عن عشرين. وهذه أضخم موجة من الهجمات على السعودية منذ تأسيسها، وقد ركّز الاستهداف على قواعد السعودية العسكرية ومنشآتها النفطية.
وإضافةً للهجمات، تسبب إغلاق إيران مضيقَ هرمز بتبعات اقتصادية على السعودية. فمن ناحية، بدأت تصدير نفط أقل بسعر أعلى، ما عوض جزئياً عن انخفاض كميات النفط المصدرة بسبب هذا الإغلاق. وتأتى لها ذلك بسبب زيادة الاعتماد على خط أنابيب شرق غرب، الذي أنشئ في سياق الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات. استطاعت السعودية بهذا الخط تجاوز هرمز ونقل حوالي سبعة ملايين برميل نفط يومياً من بقيق شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. ارتفعت على الأثر إيرادات السعودية النفطية في مارس 2026 إلى نحو 4.3 بالمئة.
لكن من ناحية أخرى، في الأشهر التالية، بدأت قيمة الصادرات بالهبوط حتى وصلت إلى 23.4 مليار دولار في شهر يونيو، وهو أدنى رقم لها منذ فترة جائحة كورونا 2020 و 2021. أما الواردات، فقد هبطت في شهر مارس ثم تحسنت قليلاً حتى وصلت إلى 18.7 مليار دولار في شهر يونيو (كانت 19.3 مليار في يونيو 2025 و21.3 في فبراير 2026). وانخفض الناتج المحلي العام بنسبة 4.8 بالمئة في الربع الثاني من 2026 مقارنة بمثيله في السنة الماضية. وقد وضّح المحلل الاقتصادي في مركز دول الخليج العربية في واشنطن تيم كالِن، أن ما حافظ على الاقتصاد السعودي في الربع الأول كان خط شرق غرب وزيادة الإنفاق الحكومي وتغير أنماط التجارة.
ومع أن الولايات المتحدة وإيران دخلتا هدنة مؤقتة لستين يوماً في منتصف يونيو 2026، إلا أن تبعات الحرب السلبية لم تقل وطأتها على السعودية. فقد أوقفت الهدنةُ العملياتِ العسكريةَ بين الطرفين وفتحت مساراً تفاوضياً للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب. لكن الهدنة انتهت دون التوصل لاتفاق ينهي الحرب، ما جعل الحركة عبر مضيق هرمز متقطعة ومهددة وبطيئة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.
ما زاد الأمر تعقيداً أن قادت الهدنة بطريقة غير مباشرة إلى عودة الحرب بين السعودية والحوثيين في اليمن. فبعد حضورهم تشييع خامنئي في طهران أثناء الهدنة، أقلّت طائرة إيرانية وفد الحوثي إلى صنعاء مباشرة في تحدٍّ للحصار المفروض من قوات تحالف دعم الشرعية الذي تقوده السعودية. ولمنع الطائرة من الوصول إلى مطار صنعاء، أعلنت وزارة دفاع الحكومة اليمنية قصفها مدرج المطار.
ورداً على هذا القصف، أعلن الحوثيون فرض حصار بحري يمنع السفن السعودية من عبور باب المندب. ومنذ هذا الإعلان شنّ الحوثي عدة هجمات على مصالح سعودية. وتزامناً مع انفتاح جبهة اليمن، تعرضت منشآت نفطية سعودية في نهاية يوليو 2026 لهجمات من الجماعات المسلحة الموالية لإيران في العراق. ثم بعدها بأيام ردت عليها القوات السعودية، مع القوات الأمريكية، بقصف مقرات الحشد الشعبي داخل العراق.
التحالف الأول هو "التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات". أعلنت السعودية عن هذا التحالف في 30 يوليو 2026، أي بعد يوم واحد من تحذير مسؤول سعودي من هجوم منسّق وشيك سيشنّه الحوثيون والميليشيات العراقية. ضم هذا التحالف أربع عشرة دولة شملت كل الدول المطلة على البحر الأحمر إضافةً لعدة دول من الخارج أهمها باكستان وتركيا وقطر.
أما التحالف الثاني فهو حلف مكة، الذي كان تتويجاً لتحسّن العلاقات بين البلدان الثلاثة في السنوات القليلة الماضية. فبعد فترة من تدهور العلاقات بين السعودية وباكستان أثناء فترة حكم رئيس الوزراء السابق عمران خان، الذي انتهى حكمه في 2022، بدأت العلاقات تتحسن تدريجياً بدفع من رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير ورئيس الوزراء شهباز شريف. وتحسنت العلاقة خاصةً أثناء الأزمة الاقتصادية التي تعرضت لها باكستان بعد جائحة كورونا. إذ دعمت السعوديةُ باكستانَ دعماً مالياً ضرورياً سهل عليها الاقتراض من صندوق النقد الدولي. بعدها تطورت العلاقة حتى وصلت إلى توقيع اتفاقية دفاعية ثنائية بين البلدين في سبتمبر 2025. وحين اندلعت الحرب على إيران في 2026، ذكرت وكالة رويترز أن باكستان نشرت ثمانية آلاف جندي وسرب طائرات ونظام دفاع جوي لمساعدة السعودية في التصدي للهجمات الموجهة ضدها.
أما تركيا، فساهمت الظروفُ الاقتصادية والتغيرات الإقليمية في تحسن علاقتها مع السعودية بعد عقدٍ من الخصومة الإقليمية. ففي مايو 2022 زار أردوغانُ السعوديةَ، ثم زار ولي العهد السعودي تركيا، لتتخذ العلاقات بين البلدين بعد ذلك مساراً تصاعدياً شمل جوانبها التجارية والدفاعية. ففي منتصف سنة 2023، وقعت الشركة السعودية للصناعات العسكرية (سامي) عقداً مع شركة بايكار التركية لتوطين صناعة المسيرات التركية. وقد أسهم سقوط نظام الأسد في سوريا نهاية 2024 في تعزيز العلاقات بين البلدين والتفكير بمشاريع ربط بنية تحتية تضم سوريا والأردن.
وعلى غرار الاتفاق الدفاعي السعودي الباكستاني، بدأت السعودية نهاية سنة 2025 محادثات متزايدة مع الجانب التركي بشأن ترتيب مماثل. ولما اندلعت الحرب على إيران نهاية فبراير 2026، تزايدت اللقاءات والمحادثات التي وضعت الدول الثلاث في نهاية الأمر على طريق اتفاق مكة.
لكن لعل ما فات رضائي ومن يتفق مع طرحه أن الساسة يلجأون عادةً إلى آليتين لحل هذه المشكلة وإضفاء المصداقية على التزاماتهم. وذلك حسب ما يشير جيمس فيرون، المتخصص في العلاقات الدولية وواحد من أفضل من فصلوا في هذه المسألة، في مقالته "سغنلين فورين بوليسي إنتريستس [. . .] (إظهار المصالح في السياسة الخارجية [. . .]) سنة 1997.
إحدى هاتين الآليتين أن تتخذ الدولة خطوات ترفع على نفسها كلفة التراجع لاحقاً. فمثلاً، حين أعلنت السعودية والإمارات ومصر والبحرين مقاطعتهم قطر سنة 2017، أوضحت تركيا جدية وقوفها إلى جانب قطر بإرسال قوات إضافية إلى قاعدتها في الدوحة بعد أيام من إعلان المقاطعة. إرسال القوات ليس فعلاً مكلفاً، لكن الكلفة تبدأ عند تعرض قطر لهجوم يطال هذه القوات. بهذا الفعل قيّدت تركيا يديها وأوضحت للجميع عزمها الوفاء عن التزاماتها مع قطر.
الآلية الثانية اتخاذ الدولة خطوات مسبقة تترتب عليها كلفة حقيقية، فيصبح التراجع عن الالتزام لاحقاً أكثر صعوبة وكلفة. فبعد يوم واحد من هجمات السابع من أكتوبر 2023، أمر الرئيس الأمريكي بايدن حاملة الطائرات يو إس إس جيرالد آر فورد بالتوجه إلى شرق البحر المتوسط. كان تكبّد تكاليف هذا القرار يقدم رسالةً واضحة من إدارة بايدن بأنها جادّة في وقوفها إلى جانب إسرائيل في حال تدخلت إيران أو أحد حلفائها في الحرب.
كلا الضمانتين غير موجودة في الأنظمة التي تفتقر لرأي عام حرّ وقدرة اجتماعية على المحاسبة. فلا يمكن التعويل على مواطنيها لأنهم ضعفاء والرأي العام في بلادهم مكبّل وموجّه. ولا يمكن التعويل على مصادقة الاتفاقيات كون هذه الأنظمة ليست معروفة بحرصها على مراقبة القانون وتطبيقه.
هنا تأتي مكة لتكون حلاً لهذه المشاكل. فالسعودية دعت أطراف الاتفاق لتوقيعه في قصر الصفا بجوار الحرم المكي. أي أنها اختارت أكثر الأماكن حرمةً عند المسلمين، وأضافت عليه أنها اختارت توقيتاً قريباً من صلاة الجمعة. ما يجعل التراجع عنه مكلفاً أمام الرأي العام لمسلمي العالم. بمعنى آخر، استبدال الناخبين بالأمة الإسلامية.
واللجوء لقصر الصفا في هذا الصدد ليس ممارسة جديدة في السعودية. إذ بُني قصر الصفا في عهد الملك خالد في الثمانينيات، لكن استخدامه لرفع كلفة الاتفاقات تسارع مع بداية حكم الملك عبدالله. ففي سنة 2005 عُقدت القمة الإسلامية الاستثنائية التي أعلنت نبذ العنف وإدانة كراهية المسلمين في القصر. تلاها توقيع "وثيقة مكة" بعدها بعام بين علماء الدين العراقيين من السنة والشيعة لحقن الدماء ووأد الفتنة الطائفية. بعد ذلك وقعت كل من حماس وفتح اتفاق مكة سنة 2007، الذي توسطت فيه السعودية لوقف الصدامات بين الطرفين.
ثم استمر اللجوء للقصر حتى بعد رحيل الملك عبدالله. إذ اختاره ولي العهد محمد بن سلمان مكاناً لمبايعته ولياً للعهد سنة 2017 في ليلة السابع والعشرين من رمضان. وعقدت فيه قمم مكة الثلاث - القمتين الخليجية والعربية الطارئتين والقمة الإسلامية الرابعة عشر لمنظمة التعاون الإسلامي - في شهر مايو 2019، بعد الضربات التي وجهها الحوثيون ضد الإمارات والسعودية.
وتدعم التجارب السابقة هذا الشك. فميثاق مكة العراقي لم يوقف الحرب الطائفية في العراق. واتفاق مكة بين الفصائل الفلسطينية لم يمنع عودة الاقتتال واستئثار حماس بغزة والسلطة الفلسطينية بالضفة. وقمم مكة الثلاث لم تمنع الحوثي وإيران من شنّ هجوم أكبر على السعودية في سبتمبر 2019.
والمفارقة أيضاً أن قوّة هذا النوع من الاتفاقيات في أشهرها الأولى ليس بالضرورة أمراً جيداً، بل قد يسرّع من حدوث ما صممت الاتفاقية لتفاديه. فلأن هذا النوع من الاتفاقيات يقيّد القادة على المدى القصير، فإنها ترفع احتمال نشوب الحرب أو توسعها إذا ما قرر الخصوم المتشككين اختبارها. وهذا ما يتبين منذ توقيع الاتفاق، إذ هاجم الحوثيُ منشأةً نفطية ومطاراً في منطقة نجران جنوب غرب السعودية، ثم هاجم سفينة سعودية قرب ميناء ينبع على البحر الأحمر. وقد نقلت رويترز عن مصادر استخباراتية آخر أغسطس 2026 أن التنظيمات العراقية الموالية لإيران تخطط لشن هجوم على السعودية.
الثابت، كما يبدو، أن الانتقال من الاعتماد على القوة الرمزية لمكة ضامناً للاتفاق إلى مأسسته في أمانة الحلف خطوة تزيد من كلفة التنصل. بلا مصالح مشتركة راسخة تربط هذه الدول ببعضها، من المستبعد أن تضمن الكلفةُ الدينية والمؤسساتية نجاحَ هذه التحالفات واستمرارها على المدى الطويل.

