استمر هذا النشاط نحو عامٍ قبل أن ينتهي في نوفمبر 2025 باعتقال عزارزر وزوجته في منزلهما في مدينة كريات يام بالقرب من حيفا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط. الزوجة لم تكن تعلم بتورط زوجها، ولذلك لم يُنشر اسمها ولا يُعرف عنها أيّ معلوماتٍ إضافية.
تكمن أهمية قضية عزارزر فيما كشفَتْه من تفكك صورة المجتمع الإسرائيلي الذي طالما نُظر إليه عصياً على الاختراق. فالمقاول الإسرائيلي كان واحداً من شبكة متمددة من الإسرائيليين اليهود الذين جندتهم إيران خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وليس قصة تجسسٍ معزولة. ويكشف هذا نمطاً جديداً من الحرب الخفية، التي نجحت فيها إيران باختراق واحدٍ من أكثر المجتمعات حساسيةً أمنية. وقد استفادت في تحقيق ذلك من التصدعات الناتجة عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي حاقت بإسرائيل في العقد الماضي، رغم التفوق الاستخباري والتقني الإسرائيلي البيِّن. وهو ما تجلّى أكثر في قراءة خريطة انتشار وتوزع الشبكات المدانة بالتعاون مع إيران، وما يمنح فهماً أعمق لتلك التحولات بعد السابع من أكتوبر 2023.
يكتسب هذا الرقم دلالةً مهمةً إذا فُهم في سياق تاريخٍ طويلٍ من صعوبة اختراق المجتمع الأمني الإسرائيلي. فلم ينجح الفلسطينيون عبر حركاتهم السياسية والمسلحة المختلفة طوال عقود الصراع في تجنيد إسرائيليين على هذا النطاق. والأمر ذاته ينطبق على الدول العربية التي خاضت حروباً مع إسرائيل، إذ لم تُسجل لها اختراقاتٌ مماثلة. وهو ربما ما يعكسه الاحتفاء المصري برفعت الجمَّال الذي صُوِّر اختراقه للدولة الإسرائيلية في مسلسلٍ دراميٍ شهيرٍ باسم "رأفت الهجان" عُرض أول مرةٍ نهاية الثمانينيات. فغالباً ما ارتبطت هذه الحالات بعملياتٍ فرديةٍ معزولةٍ داخل إسرائيل ولم تتطوَّر إلى نمط.
وقد تكشف هذه الشبكات تحوّلاً أعمق من مجرد نجاح عمليات تجسسٍ متفرقةٍ، إذ أصابت مجتمعاً تأسست بنيته السياسية والاجتماعية على العسكرة، وتعظيم قيمة الأمن، والتمحور حول هويةٍ يهوديةٍ ترى نفسها مستهدَفةً باستمرار. وهو ما أسهم طيلة عقودٍ في تعقيد محاولات اختراقه. وهذا النمط البنيوي المنغلق قد يسهل مراقبته في السياسة والسلوك المؤسسي الإسرائيلي، كما هو موثقٌ بدراساتٍ جادَّة. ومن أهمها كتاب "ركفيرد رووتس" (جذور مستعادة) للمؤرخة الإسرائيلية يائيل زيروبافل، الصادر سنة 1997، الذي يربط تشكل الهوية الجمعية الإسرائيلية بسردية التهديد المستمر، وما يفرضه ذلك من انكفاءٍ على الذات وتوجسٍ من الأغراب.
لذلك يكتسب التوسع الحالي في عمليات التجنيد نقلةً خاصةً، إذ ترافقت مع توجيه اتهاماتٍ إلى خمسةٍ وعشرين إسرائيلياً ومقيماً أجنبياً بالتجسس لصالح إيران منذ 2024، وهو عددٌ يفوق بأضعافٍ ما سُجِّل منذ سنة 2013، بحسب تقريرٍ لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى بعنوان "سباي فيرسس سباي" (جاسوس في مواجهة جاسوس) نشر في أغسطس 2025.
ينقل التقرير أيضاً عن ضابطٍ أمنيٍ إسرائيليٍ رفيع المستوى قوله: "لو راجعنا السنوات الماضية، والعقود الماضية، يمكننا عدّ المعتقلين على أصابع اليدين". غير أن هذه الحالات أخذت تتزايد بوتيرةٍ لافتةٍ في الأعوام الأخيرة.
ويعكس هذا التصاعد بدوره تحوّلاً في مقاربة إيران للوصول للعمق الإسرائيلي. فقد كثَّفت محاولات تجنيد الإسرائيليين اليهود في ظل تصاعد الصراع الإقليمي واتساع المواجهة الاستخبارية مع إسرائيل، ولاسيما مع تكثيف الأخيرة عملياتها الأمنية والاستخبارية ضد إيران.
فبعد مقتل الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في حادثة مروحيةٍ في مايو سنة 2024، بدا أن إسرائيل أدركت أن حفل تنصيب الرئيس الجديد، مسعود بزشكيان، سيجمع شخصياتٍ يمكن أن تستهدفها. لذلك زرع الموساد عبوةً ناسفةً في بيت ضيافةٍ يديره الحرس الثوري الإيراني، قبل الحفل بنحو شهرين، استعداداً لاستهداف رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية.
حضر هنية بالفعل مراسم التنصيب، وقُتل بطريقةٍ تشابه اغتيال صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي للحركة في الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله اللبناني، في يناير سنة 2024.
زاد استهدافُ هنية من شعور طهران بالإهانة، بعد أعوامٍ من العمليات الإسرائيلية التي استهدفت علماء نوويّين، مثل مسعود علي محمدي سنة 2010 ومصطفى أحمدي روشن سنة 2012 ومحسن فخري زاده في 2020، علاوةً على قادةٍ أمنيين وعسكريين داخل إيران. إضافةً إلى عملياتٍ سيبرانيةٍ وتخريبيةٍ استهدفت منشآتٍ نوويةً، أبرزها الهجوم على منشأة نطنز عبر برمجية ستاكسنت مطلع العقد الثاني من الألفية. واستمرت هذه العمليات حتى استهداف المرشد الأعلى علي خامنئي بغارةٍ جويةٍ في 28 فبراير سنة 2026 مع اليوم الأول للحرب التي شنّتَها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
وقد دفعت هذه الاختراقات المتكررة – مثلما يورد تقريرا الشاباك ومعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى "جاسوس في مواجهة جاسوس"، كلٌّ بطرحه – إلى اعتبار الرغبة في الانتقام أحد دوافع تكثيف إيران عملياتها الأمنية ضد إسرائيل. ففي أغسطس 2025 أقر مستشار خامنئي، علي لاريجاني، وهو الذي قُتل في غاراتٍ إسرائيليةٍ على طهران في 17 مارس 2026، بأن الاختراق الإسرائيلي داخل إيران تحوَّل في السنوات الأخيرة إلى ظاهرةٍ خطيرة.
ولم يقتصر الأمر على الداخل الإيراني، بل توجهت الضربات الإسرائيلية المستمرة لحلفاء إيران وأذرعها الإقليمية. ففي منتصف سبتمبر 2024 نفذت إسرائيل عمليةً استخباراتيةً معقَّدةً عُرفت بعملية "البيجر"، فجَّرت خلالها أجهزة الاتصال التي يستخدمها عناصر حزب الله. وكان فيهم قادةٌ من وحدة الرضوان، وهي قوة النخبة في الحزب وأحد أهمِّ أذرع الحرس الثوري الإيراني في المنطقة. ولم تمضِ سوى أيامٌ حتى اغتالت إسرائيل الأمين العام للحزب حسن نصر الله، في ضربةٍ استهدفت رأس الحزب وقيادته العسكرية، وأفقدته قسماً كبيراً من قدرته التنظيمية والعملياتية، وفتحت مرحلةً طويلةً من إعادة البناء.
تعمَّق تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة بسقوط نظام بشار الأسد في سوريا في ديسمبر 2024، أي بعد ثلاثة أشهرٍ من مقتل نصر الله. فعلى مدار عقودٍ، وفَّر النظام ممراً استراتيجياً لنفوذ الحرس الثوري الإيراني في المشرق، ولاسيما في لبنان. ومع انهياره خسرت طهران إحدى أهم أوراقها في صراعها مع إسرائيل وفي مساعيها لترسيخ موقعها قوةً إقليميةً مؤثرة.
فرضت هذه التطورات على إيران إعادة النظر في الأدوات التي اعتمدت عليها لترسيخ حضورها الإقليمي، وفقاً لتقرير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى. إذ تزامن ما بدا شعوراً بالإهانة الناتج عن الاختراقات الإسرائيلية المتكررة مع تآكل أدوات الضغط التقليدية التي استندت إليها طهران في صراعها مع إسرائيل. ودفعها ذلك إلى نقل جانبٍ من المواجهة الأمنية إلى الداخل الإسرائيلي، سعياً إلى إثبات قدرتها على الاختراق بالمثل وتعويض جزءٍ من خسائرها الإقليمية.
لذلك ارتبطت كثيرٌ من شبكات التجسس التي كُشف عنها بمحاولات استهداف قياداتٍ إسرائيليةٍ أو جمع معلوماتٍ عن أهدافٍ أمنيةٍ وعسكريةٍ حساسةٍ، كما أوردت صحيفة جيروسالم بوست في يناير 2026 نقلاً عن تقرير الشاباك. وغدت هذه الشبكات، وفقاً للتقرير، إحدى الوسائل التي سعت إيران من خلالها إلى الحفاظ على قدرتها على التأثير والمبادرة.
ولم يقتصر أثر هذه التطورات على تغيير أولويات إيران الإقليمية، بل دفع أيضاً إلى تحول عقيدتها الاستخباراتية. فخلص تقييمٌ أعدَّته لجنة الأمن والاستخبارات في مجلس العموم البريطاني ونشر في يونيو 2025، إلى أن طهران تبتعد منذ سنة 2023 عن النموذج التقليدي الذي حكم عمل أجهزتها الأمنية عقوداً. فتقليدياً عملت الأجهزة الاستخباراتية الإيرانية المختلفة بالتوازي، مع توزيعٍ وظيفيٍ يفصل بين النشاطين الداخلي والخارجي، وتخضع جميعها لسلطة المرشد الأعلى. واعتمدت منهجاً في تجنيد العملاء يستند إلى توافقهم العقائدي مع النظام الإيراني، ويُخضعهم للتمحيص مدةً طويلة.
بيدَ أن الحاجة للنشاط السريع فرضت نمطاً جديداً من التجنيد، تعتمد فيه استخبارات الحرس الثوري "اطلاعات" أساليب غير تقليديةٍ لتجاوز التعقيد التراتبي، فتستعمل التجنيد الجماعي والإغراء المالي بدلاً من الاستدراج الدقيق والإقناع الفكري، مستغلةً لتحقيق ذلك التحولات والانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي. وزاد بالتوازي انخراط اطلاعات الحرس الثوري، المختص بالشؤون الداخلية، في نشاطاتٍ خارجيةٍ تركز على إسرائيل.
ومن أشهر تلك القضايا خلية حيفا التي كُشف عنها النقاب في أكتوبر 2024، وضمت سبعة أشخاصٍ تمكنوا على مدى عامين من تصوير قواعد جويةٍ استهدفتها إيران لاحقاً. تألفت المجموعة من يهود هاجروا من أذربيجان، ضمن واقع التحولات التي شهدها المجتمع الإسرائيلي بفعل موجات الهجرة المتعاقبة، ولاسيما ابتداءً من سنة 1990 من روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. ولعل انتشار اللافتات والإعلانات باللغة الروسية إلى جانب العبرية يعبِّر عن هذا التحول.
ويرى أستاذ العلاقات الدولية الفلسطيني في جامعة قطر أحمد جميل عزم، في حديثٍ للفراتس، أن المجتمع الإسرائيلي بات منقسماً على أساس الأصول، بما يعكس تعثر مشاريع الاندماج واستمرار التنافس بين اليهود الشرقيين والغربيين.
وهو ما عبَّر عنه أيضاً المؤرخ الإسرائيلي شلومو ساند في كتابه "كيف لم أعد يهودياً؟" المترجَم للعربية سنة 2014، حين وصف إسرائيل بأنها "قبائل متناحرة يجمعها الخوف". وقد زادت هجمات السابع من أكتوبر من اهتزاز فكرة الأمن لدى قطاعاتٍ من المجتمع الإسرائيلي. ناهيك عن أنها عمقت نقاشاتٍ داخل إسرائيل حول مفهوم الأمن الجماعي، وما رافقها من شعورٍ متزايدٍ بعدم اليقين لدى شرائح اجتماعيةٍ وسياسيةٍ متباينة.
وتكشف قضايا التجسس المنظورة أمام القضاء الإسرائيلي هذه عن اتساع قاعدة التجنيد الإيرانية وتنوعها مهنياً وجيلياً. مثلاً، حُكم على موتي (مردخاي) مامان بالسجن عشرة أعوامٍ سنة 2025 بسبب التخطيط لاغتيال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع يؤاف غالانت ومدير الشاباك آنذاك رونين بار. كان مامان حينئذٍ في السبعين من عمره، ويعيش في عسقلان بالقرب من غزة في الجنوب، وقد سافر إلى إيران مرتين.
أما الكسندر غرانوفسكي ويوري إلياسبوف وغيورغي أندرييف الذين قدموا معلوماتٍ عن القبة الحديدية، ومجموعة السبعة المهاجرين من أذربيجان، فلعلهم يعبِّرون عن تأثير الهجرة في تغير المجتمع الإسرائيلي، كما يتضح من أسمائهم الأولى التي انتشرت بُعيد الهجرة اليهودية من مناطق الاتحاد السوفييتي مطلع التسعينيات نحو إسرائيل. ووجهت محكمة حيفا المركزية لإلياسبوف وأندرييف، وهما أيضاً من كريات يام، مدينة عزارزر، تهماً عديدة. أوَّلها، حسب صحيفة هآرتس التي نشرت لوائح الاتهام في تاريخ يناير 2025، التعاون مع دولةٍ عدوَّةٍ خلال الحرب معها. وكانا، مثل معاول كرينغل وتال عمرام من مدينة حولون الذين ألقي القبض عليهما في 2024 بتهم بتسريب معلوماتٍ استخباراتيةٍ لإيران، يخدمان في قوات احتياط الجيش الإسرائيلي.
وعلى التنوع الظاهر في خلفيات المجندين لصالح إيران، فإن معظمهم ينحدرون من الشرائح والمناطق الأفقر في إسرائيل. إذ تركزت جهود التجنيد في جنوبي البلاد وشمالها، تخوم غزة وجنوب لبنان، حيث انخرطت إسرائيل في حربٍ مع حماس وحزب الله على التوالي. ونسب الفقر في تلك المناطق، وفقاً لتقرير الفقر السنوي للمعهد الوطني للتأمين الإسرائيلي لسنة 2024، تتجاوز 22 بالمئة. يشير التقرير كذلك إلى أن الأسر الأفقر قبل السابع من أكتوبر، كانت الأشد تضرراً من الأعباء الاقتصادية للحرب.
وانطلاقاً من هذا التداخل بين الهشاشة الاقتصادية وتوزع التجنيد، اعتمدت استخبارات الحرس الثوري في التجنيد على الاستهداف الجماعي عبر الفضاء الرقمي والإغراء المالي بدل الانتقاء الفكري التقليدي. فتواصلت مع معظم المجندين عبر تطبيق تلغرام للرسائل. ويرصد تقريرٌ نشرته صحيفة إسرائيل هيوم في أغسطس 2024 أسلوب استخدام الإيرانيين التطبيقَ ووسائلَ التواصل الاجتماعي الأخرى بإغراقها برسائل تحوي عروضَ عملٍ وهميةً أو خدماتٍ تجاريةً، تسأل عمَّن يريد كسب المال لقاء خدماتٍ بسيطةٍ، "ودوماً هناك من يستجيب".
بهذا عملت "اطلاعات" على التجنيد الجماعي العشوائي. وتبرز الحالات التي حُكم فيها في إسرائيل أو نشرت تفاصيل عنها تكتيك التدرج المسمى "سلامي سلايسنغ" (تقطيع شرائح السلامي). إذ تبدأ العلاقة بطلباتٍ بسيطةٍ وغير مشبوهةٍ، لتتدرج بعدها لأمورٍ أكبر. فقد طُلب من عزارزر في البداية القيام بمهام تبدو "صبيانية" مثل كتابة شعاراتٍ على الجدران أو تصوير شوارع عاديةٍ في كريات يام، مقابل مبالغ تراوحت بين خمسمئة إلى ألف دولار. وتكرر الأمر مع حالاتٍ أخرى، خاصةً بين أوساط صغار السن. ويهدف هذا الأسلوب إلى كسر حاجز الخوف لدى المستهدف وتوريطه في قبول المال قبل الانتقال إلى المهام الاستراتيجية. كذلك أبرزت حالاتُ تجسسٍ كثيرةٌ أن الإيرانيين يعمدون للدفع بالعملات الرقمية.
وجديرٌ بالذكر أن خروج استخبارات الحرس الثوري من أنماط العمل الاستخباراتي التقليدية إلى استقطاب مجندين تحركهم دوافع ماليةٌ أو اجتماعيةٌ أكثر من السياسية، يختلف عن حالات التجنيد المرتبطة بالمنظمات الفلسطينية. فقد ظلت هذه الحالات نادرةً واقترنت في الغالب باقتناعٍ عقائديٍ وانضمامٍ إلى مشروعٍ سياسيٍ أو ثوري. ولعل يوري ديفيس، الذي انضم إلى منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1984، أشهر هذه الحالات. وقد أعلن إسلامه لاحقاً وتزوج من فلسطينية. وأمثال ديفيس عددٌ من اليهود الإسرائيليين الذين انخرطوا في العمل الفلسطيني بدوافع عقائديةٍ، كما يقول للفراتس الصحفي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية عصمت منصور.
على ذلك، فنجاح إيران في تجنيد مواطنين إسرائيليين قد يعرِّي تصدعاتٍ اجتماعيةً واقتصاديةً أضعفت بعض أسس التماسك التي قامت عليها إسرائيل. وتعبِّر حالة عزارزر وغيرها من قضايا التجسس عمَّا سمَّاه المحلل الاستخباراتي الإسرائيلي يوسي ميلمان "تفكك المجتمع الإسرائيلي" و"تآكل تضامن الدولة وتلاحمها". ويجادل ميلمان بأن انخراط مواطنين إسرائيليين عاديين، لا تجمعهم عقيدةٌ مشتركةٌ ولا سوابق جنائيةٌ، في مهام تجسسيةٍ مقابل مبالغ محدودةٍ، يعكس تحولاً في بنية المجتمع، إذ غلبت الاعتبارات الفردية والضغوط المعيشية على الولاء الجماعي للدولة.
ويتقاطع هذا التشخيص مع ما طرحه عالم الاجتماع الإسرائيلي، وأحد المؤرخين الجدد، باروخ كيمرلنغ في كتابه " ذي إنفِنشن آند ديكلاين أوف إزرايلينيس: ستيت، سوسايتي آند ذا ميليتري" (اختراع وأفول الإسرائيلية: الدولة، المجتمع، والجيش) الصادر سنة 2001. إذ رأى أن العقد الاجتماعي الإسرائيلي استند تاريخياً إلى مقايضة الأمن بالانتماء. ومن هذا المنظور، عزز السابع من أكتوبر وما تبعه من أعباءٍ اقتصاديةٍ الشكوك التي أصابت هذا العقد لدى بعض الفئات.
وربط كيمرلنغ تراجع الهيمنة الثقافية الأحادية الجامعة للدولة باتساع الاستقطاب الاجتماعي وتزايد الفجوات الطبقية. وقد تبلور ذلك في تراجع قدرة دولة الرفاه على احتواء التناقضات، على نحوٍ تجلَّى في احتجاجات العدالة الاجتماعية سنة 2011 ضد غلاء المعيشة، ثم احتجاجات "العار" في 2017 (ضد الفساد السياسي) ثم الاحتجاجات الواسعة على التعديلات القضائية التي دفع لها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بين سنتي 2020 و2023. ولم يكن السؤال الفلسطيني جزءاً في أيٍّ من هذه الحراكات، بل كان تعبيراً عن تصدعاتٍ إسرائيليةٍ داخلية.
وهكذا هيَّأت هذه التحولات بيئةً سعت استخبارات الحرس الثوري إلى استغلالها بعد السابع من أكتوبر. ومع ذلك، يبقى أثر هذه الاختراقات محدوداً إذا ما قورن بحجم الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي لإيران.

