سلطان العامر عضو هيئة التحرير في مجلة الفِراتسْ
شعار أوبك | ويكيميديا
شعار أوبك | ويكيميديا
محطة وقود أمريكية أُغلقت خلال فترة حظر النفط عام 1973 بسبب نقص الإمدادات | ويكيميديا
محطة وقود أمريكية أُغلقت خلال فترة حظر النفط عام 1973 بسبب نقص الإمدادات | ويكيميديا
الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر | ويكيميديا
الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر | ويكيميديا
مقر منظمة أوبك في فيينا | ويكيميديا
مقر منظمة أوبك في فيينا | ويكيميديا
بعد إعلان الإمارات العربية المتحدة في أبريل 2026 انسحابها من منظمة الدول المصدِّرة للنفط، المعروفة اختصاراً "أوبك"، لفت انتباهي اتفاق بعض المحتفين بالقرار وغير الراضين عنه في تصوّرهم المنظمة وتأثيرها على أسواق النفط. إذ بدا مفاد تصوّرهم أن أوبك تعمل عمل "كارتِل" (أو تكتل احتكاري) ذي نفوذ قوي يحدد مستويات إنتاج أعضاء المنظمة وأسعار النفط.
كتب المتخصص الأمريكي بشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ستيفن كوك، مقالة بعنوان "واي ذا يو إيه إيه ووكد آوت أوف أوبك [. . .]" (لماذا انسحبت الإمارات من أوبك وماذا يعني ذلك للكارتل؟) منشورة في 28 أبريل 2026، منطلقاً من افتراض أن أوبك تكتل احتكاري قد يضعفه خروج أحد أعضائه. وفي الاتجاه المقابل، وصف الاقتصادي السعودي سعيد بن عبدالله الشيخ، في مقال "عوامل قوة أوبك في تحقيق أسعار النفط [. . .]" في نوفمبر 2023، أوبك بأنها تؤدي منذ تأسيسها دوراً مهيمناً في سوق النفط العالمية من خلال تنسيق الإنتاج والحفاظ على استقرار الأسعار. وظهر في طرحه ما يمكن وصفه ميلاً إلى تضخيم درجة التماسك الداخلي في المنظمة.
ومع أن أوبك تأسست سنة 1960، إلا أن نموذج التكتل الاحتكاري الذي يتحكم بالأسعار له جذور تعود إلى الهزَّة الكبيرة التي طالت أسواق النفط بالتزامن مع الحرب العربية الإسرائيلية سنة 1973. فخلالها اتخذت منظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط "أوابك"، وهي مختلفة عن أوبك وتأسست سنة 1968، قراراً بحظر تصدير النفط للدول الداعمة لإسرائيل، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، وخفض إنتاجه تدريجياً حتى تنسحب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها سنة 1967. وقد تزامن قرار أوابك مع قرار آخر اتخذته أوبك غير مرتبط بالحرب قضى برفع أسعار النفط المعلَنة. ورافق هذه القرارات ارتفاع في أسعار النفط الفعلية وتشكّل خطوط طويلة من سيارات المنتظرين أمام محطات الوقود في الولايات المتحدة الأمريكية.
ولَّد تزامن هذه الأحداث حالة هلع في إعلام الدول المستهلِكة النفطَ، وتحديداً الولايات المتحدة، ما أسبغ على أوبك صورة نمطية بأنها تكتل احتكاري ومتسبب رئيس في رفع أسعار النفط. وتبين ذلك الهلع عملياً في أن غالب المرشحين للرئاسة الأمريكية بعد السبعينيات بدا أنهم يعادون أوبك. فالرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر رأى في نهاية السبعينيات ضرورة تخفيف اعتماد الدول الصناعية على "نفط أوبك"، أما منافسه رونالد ريغان فرأى أن زيادة الإنتاج المحلي من النفط هو "طريقنا الوحيد لتحريرنا من قوة أوبك الاحتكارية على أسعار النفط". ولعل أكثر المؤمنين بهذه الفكرة هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي وصف أوبك بأنها "منظمة احتكارية غير قانونية" قبل ترشحه للرئاسة للمرة الأولى بسبعة أعوام. ويمتد هذا التصور إلى السلطات التشريعية. فمنذ سنة 2000 حاول الكونغرس الأمريكي تمرير قانون "نوبيك" (لا لأوبك) نحو ست عشرة مرة، وهو قانون يسعى لرفع الحصانة عن دول المنظمة والسماح بمقاضاتها في المحاكم الأمريكية.
إلا أن هذا التصوّر عن أوبك أنها تكتل احتكاري يستطيع التحكم بالأسعار والإنتاج قد لا يكون دقيقاً. فأوبك تأسست مبدئياً رداً على التلاعب بالأسعار الذي كانت تفعله الشركات الأمريكية والبريطانية المتحكمة آنذاك بحقول أعضاء المنظمة النفطية.
أسعار النفط في الفترة بين عامي 1983 و2023
أسعار النفط في الفترة بين عامي 1983 و2023
ودور أوبك في التحوّل الذي طال أسواق النفط في السبعينيات كان ثانوياً وليس نابعاً من ممارسات احتكارية و"كارتيلية"، بل أدى إلى تحرير هذا السوق من هيمنة الشركات النفطية الكبرى. وأول مرة حاولت فيها أوبك أن تتصرف مثل تكتل احتكاري ينسق حصص الإنتاج ويتحكم بالأسعار كان في الثمانينيات، ولكن هذه المحاولة فشلت. واستمرت هذه المنظمة ضعيفة التأثير على أسواق النفط بعد ذلك. فلما هبطت أسعار النفط منذ الثمانينيات وحتى مطلع الألفية لم تستطع أوبك رفعها. وعندما بدأت تهبط الأسعار في منتصف العقد الثاني من الألفية لم تستطع السعودية، على كونها أكبر مصدر للنفط في العالم، كبح جماحها من داخل أوبك، فاحتاجت لعقد اتفاقية مع عشر دول من خارجها أهمها روسيا، ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم.
خريطة الدول الأعضاء في منظمة أوبك | ويكيميديا
خريطة الدول الأعضاء في منظمة أوبك | ويكيميديا
كان غرض الدول المصدِّرة للنفط من تأسيس أوبك زيادة قوة الأعضاء التفاوضية إزاء تكتل احتكاري مكون من عدة شركات نفطية كبرى مسيطرة على حقول النفط في مناطق مختلفة من العالم، ومنعها من الانفراد بقرارات الإنتاج والتسعير. فالدول الخمس المؤسسة لأوبك، وهي السعودية وإيران والعراق والكويت وفنزويلا، لم تكن تملك لحظة تأسيس المنظمة الشركات المنتجة للنفط العاملة في بلادها، ومن ثم كانت قدرتها على التحكم بمستويات الإنتاج أو تحديد الأسعار محدودة جداً.
ويعود هذا الوضع البنيوي إلى السياق الأوسع الذي تشكَّل فيه سوق النفط العالمي بعد الحرب العالمية الثانية. فمع بروز أهمية النفط العالمية مصدراً للطاقة إبَّان الحرب، وُلد ما سمَّاه المؤرخ الاقتصادي الأمريكي دانيل يرغن "نظام ما بعد الحرب النفطي" الذي نظَّم صناعة النفط العالمية. والمقصود بهذا النظام مجموع السياسات والإجراءات والتسويات والفاعلين التي تضافرت في نهاية المطاف لتحقيق ثلاثة أغراض رئيسة: الإنعاش الاقتصادي لأوروبا الغربية المدمَّرة بسبب الحرب، ومنع المدِّ الشيوعي من الوصول للموارد النفطية في الشرق الأوسط، وحماية الاحتياطات النفطية في النصف الغربي من الكرة الأرضية.
اعتمد هذا النظام في منتصف الخمسينيات على سبع شركات نفط كبرى تسيطر على 85 بالمئة من إنتاج النفط العالمي خارج الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، خمس منها أمريكية واثنتان بريطانيتان. وقد تولَّت هذه الشركات إنتاج النفط ونقله إلى أوروبا الغربية لإنعاش اقتصادها تنفيذاً لخطة مارشال الأمريكية لإعادة إعمار أوروبا ما بعد الحرب. وبالتوازي امتلكت شركاتٍ تابعةً في الدول المنتجة للنفط، منها عدة شركات في فنزويلا بدأت من شركة كريول النفطية وشركة نفط العراق، وبابكو في البحرين، وأرامكو في السعودية، وشركة نفط الكويت، وشركة نفط قطر.
وفي إيران، كانت شركة النفط الأنجلو إيرانية تسيطر على حقول النفط الإيراني منذ 1909، ثم تحوَّل اسمها إلى شركة البترول البريطانية بعد محاولة رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدّق تأميم النفط في إيران سنة 1951 وتأسيس شركة النفط الوطنية الإيرانية. وبعد إجهاض المحاولة في انقلاب دبَّرته المخابرات الأمريكية والبريطانية عادت الشركات الكبرى تدير النفط الإيراني عبر شركة النفط الوطنية الإيرانية.
وفي سياق الهيمنة هذا، نظمت هذه الشركات الكبرى تسعير النفط بما يضمن لها قدراً كبيراً من الأرباح. إذ كانت شركاتها التابعة تنتج النفط وتبيعه للشركات الأمّ بسعر يسمى "السعر المعلن" الذي تحدده هذه الشركات وتستخدمه في تحديد قيمة الضرائب والريوع التي تدفعها لحكومة الدولة النفطية المستضيفة. وهذا "السعر المعلن" منفصل عن سعر النفط الفعلي الذي تحكمه قوى العرض والطلب. وبعد بيعه على الشركات الأم، تسوِّقه هذه الشركات وتكرره ومن ثم تبيعه على المستهلك النهائي بسعر النفط الفعلي الذي يحدده السوق. لذا فهي تربح مرتين، مرَّة من بيع الشركات التابعة النفطَ للشركات الأم، ومرَّة أخرى عندما تبيعه الشركات الأم للمستهلك النهائي إما خاماً أو مكرَّراً.
خريطة الدول حسب صافي صادرات النفط سنة 2008 | ويكيميديا
خريطة الدول حسب صافي صادرات النفط سنة 2008 | ويكيميديا
وحتى تحمي هذه الشركات علاقتها بحكومات الدول النفطية المستضيفة، تخلَّت بعد الحرب العالمية عن نظام دفع ريع محدد على البرميل إلى مناصفة الأرباح مع هذه الحكومات. فقبل الحرب، كانت الشركات التابعة تدفع ريعاً محدداً على برميل النفط أياً كان سعر البيع. وكانت أرامكو، مثلاً، تدفع للحكومة السعودية سنة 1949 أربعة وثلاثين سنتاً على البرميل.
لكن علاقة الشركات بالحكومات تحولت من نظام ريع إلى نظام مناصفة أرباح ابتداءً من فنزويلا سنة 1948. فنتيجة ظروف متعددة سياسية بين الحكومة الفنزويلية والشركات العاملة بها تدخلت فيها الحكومة الأمريكية، توصل الأطراف لتسوية حصلت بموجبها الحكومة المستضيفة على نصف أرباح الشركة التابعة على شكل ضرائب. وكانت السعودية أوَّل من طالب بتبني صيغة مناصفة الأرباح هذه في الشرق الأوسط في 1951، وبعدها انتقلت لبقية دول المنطقة.
وخلافاً لما قد يبدو متوقعاً، لم يؤدِ انتشار اتفاق المناصفة إلى تقلّص أرباح الشركات النفطية. ذلك أنها خصمت المبالغ التي تدفعها لحكومة الدولة النفطية المستضيفة من الضرائب التي كانت تدفعها لحكومتها. ففي سنة 1950 دفعت أرامكو ستين مليون دولاراً للحكومة السعودية وخمسين مليوناً للحكومة الأمريكية. وبعد تطبيق اتفاق المناصفة، دفعت للحكومة السعودية سنة 1951 مئة وعشرة ملايين دولار مقابل ستة ملايين للحكومة الأمريكية.
إلا أن نظام النفط العالمي هذا واجه مشكلة نهاية الخمسينيات تمثلت في أن العرض صار أكثر من الطلب. وسبب الزيادة في العرض أن اتفاقية مناصفة الأرباح حفَّزت الشركات الكبرى على التوسع في الإنتاج لتحصيل أسرع وأكبر قدر ممكن من الأرباح. والسبب الآخر هو أن الاتحاد السوفييتي بدأ يعرض نفطه على المستهلكين الأوروبيين بأسعار أقل. يضاف إلى ذلك دخول شركات جديدة من إيطاليا واليابان للتنافس على امتيازات جديدة في الشرق الأوسط سواءً في الدول المحيطة بمنطقة الخليج، أو في أماكن جديدة مثل ليبيا والجزائر.
وأمام هذا الفائض المتنامي في العرض، توجهت الشركات الكبرى وحكومة الولايات المتحدة لاتخاذ إجراءات أضرت بمصالح الدول المصدرة للنفط. أما الشركات الكبرى فقد خشيت أن تفقد حصتها السوقية، فاختارت تخفيض السعر المعلن للنفط منفردة دون مشاورة الدول المصدرة. وفي فبراير 1959، خفضت شركة النفط البريطانية السعر المعلن للنفط القادم من الشرق الأوسط بقيم تتراوح من خمسة عشر إلى تسعة عشر سنتاً أمريكياً على البرميل. كانت هذه هي المرة الأولى التي تقوم بها شركات النفط بتخفيض شامل للأسعار، وقد أثمر ذلك هبوطاً كبيراً في إيرادات الدول المصدرة للنفط.
أما حكومة الولايات المتحدة، فقد استجابت لمشكلة زيادة العرض باتخاذ إجراءات وقائية قادت لعزل سوقها النفطي عن السوق العالمي. ففي سنة 1959 خضع الرئيس الأمريكي حينئذ دوايت آيزنهاور لضغوط ممثلي ولايات تكساس وأوكلاهوما ولويزيانا – التي توجد فيها شركات نفطية مستقلة متضررة من النفط الرخيص الذي تجلبه الشركات الكبرى من الخارج – وأقرَّ نظام محاصصة الواردات النفطية المناقض منطقَ السوق الحرّ. وقد منع هذا النظام استيراد ما يزيد عن 10 بالمئة من إجمالي الاستهلاك الأمريكي. وبهذا باتت أسعار النفط داخل أمريكا مفصولة عن أسعاره العالمية، وأدى إغلاق السوق الأمريكي أمام النفط القادم من الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية لزيادة إغراق الأسواق الأخرى محدثاً مزيداً من تخفيض السعر المعلن للنفط.
في تلك الأثناء، تحديداً في أبريل من ذلك العام، عقدت الجامعة العربية المؤتمر العربي الأول للبترول في القاهرة. وقد شاركت فيه الدول العربية، وحضرت وفود من دول غير عربية مثل فنزويلا وإيران وهولندا وبريطانيا والولايات المتحدة. وكان هذا المؤتمر ثمرة جهود مجموعة من جيل جديد من المتخصصين العرب في شؤون النفط، هم المهندس العراقي محمد سلمان مدير الشؤون النفطية في الجامعة العربية، ومدير المديرية العامة لشؤون الزيت والمعادن في السعودية عبدالله الطريقي، والمحامي الفلسطيني المسؤول عن شؤون النفط الليبي أنيس قاسم.
وقتئذ لم تكن الكويت وقطر والبحرين دولاً مستقلة ولا أعضاء في الجامعة العربية. ما عنى أن الدولتين العربيتين الوحيدتين المصدرتين للنفط ولديهما عضوية في جامعة الدول العربية كانتا السعودية والعراق. ولأن عبدالناصر دعم محاولة انقلاب ضد حكومة عبدالكريم قاسم في العراق، رفض العراق إرسال وفد لتمثيلها في المؤتمر. أي أنه لم يكن في هذا المؤتمر ممثل رسمي لدولة عربية مصدرة للنفط وعضوة في الجامعة العربية سوى السعودي عبدالله الطريقي.
كان مسار عبدالله الطريقي إلى هذا المؤتمر الذي سيمثِّل الخطوة الأولى لتأسيس أوبك مثيراً. فقد ولد الطريقي سنة 1919 في بلدة الزلفي النجدية، وحصل على الماجستير في تخصص هندسة البترول من ولاية تكساس. وعندما عاد إلى السعودية سنة 1948، تسلَّم منصب مراقبة حسابات الحكومة على الدخل النفطي من شركة أرامكو. ثم سنة 1951، سافر الطريقي إلى فنزويلا وإيران والعراق للاطلاع على تجاربهم وبناء شبكة علاقات مع نظرائه من مسؤولي وخبراء النفط. وعند عودته بدأ بالضغط على أرامكو لنقل مقرها الرئيسي من نيويورك إلى مدينة الظهران السعودية، وهو ما فعلته سنة 1952. وبعد ذلك بعامين عُيِّن رئيساً للمديرية العامة لشؤون الزيت والمعادن، وهو أعلى منصب نفطي في البلاد. وعندما طالبت الحكومة السعودية أرامكو أواخر الخمسينيات بتعيين سعوديين في مجلس إدارتها، كان الطريقي أحدهم.
وكانت أحد أكثر الأوراق إثارة للجدل في هذا المؤتمر هي التي ألقاها المحامي الأمريكي المرافق للطريقي، فرانك هندريكس، والتي شكَّكت في حصانة عقود الامتياز. فالمبدأ الذي كانت تدافع عنه الشركات النفطية هو أنه لا يجوز تعديل عقود الإمتياز الذي يعتمد وجودها عليه دون تراضي الطرفين. وفي حال تصرَّف أي طرف منفرداً بما يخالف العقد، فللطرف الثاني الحق في اللجوء للتحكيم الدولي.
حاجج هندريكس في ورقته بالمؤتمر المعنونة "أ سوفرن نيشنز ليغال إبيليتي [. . .]" (القدرة القانونية للدول السيادية في تعديل وإلغاء اتفاقات الامتياز النفطية) أن للدول حق سيادي في تعديل العقود منفردةً إذا رأت في ذلك مصلحة وطنية. واستند في حجته إلى تراث القانون العام الأنجلوسكسوني وكذلك القانون الفرنسي، واحتج بالعديد من القرارات السيادية التي اتخذتها الدول الغربية باسم المصلحة العامة. وبهذا مثَّلت الورقة تهديداً للركن القانوني لنظام الامتيازات النفطية التي استندت عليه الشركات النفطية.
إلا أن أهم ما حدث في هذا المؤتمر ومهَّد الطريق نحو تأسيس أوبك كان اللقاء الذي جمع الطريقي بوزير النفط الفنزويلي خوان بابلو بيريز ألفونسو، وهو أحد مهندسي اتفاق المناصفة في فنزويلا وصاحب فكرة إرسال وفد فنزويلي للشرق الأوسط لمد جسور التعاون ضد الشركات في أوائل الخمسينيات. وكانت الجملة الأولى التي قالها للطريقي عندما عرَّفته عليه الصحفية الأمريكية في شؤون النفط واندا جابلونسكي: "هذا أنت الذي يسبب كل هذا الإزعاج".
وعلى هامش المؤتمر، عُقدت عدة لقاءات سرية في نادٍ لليخت في المعادي بالقاهرة لنقاش قضايا النفط والعلاقة مع الشركات الكبرى. حضرها كل من صالح نسيم من الجمهورية العربية المتحدة، والطريقي من السعودية، وأحمد السيد عمر من الكويت، وفرمانفارماييان من إيران، وألفونسو من فنزويلا، ومحمد سلمان من الجامعة العربية. وإن لم تصل هذه اللقاءات لنتيجة حاسمة، لكنها لعبت دوراً في بناء الثقة وتحديد المسائل التي تحتاج لتنسيق بين الدول المنتجة في تعاملها مع الشركات والتي كان من ضمنها وضع حدٍّ لقدرتها على تغيير السعر المعلن دون تشاور مع الحكومات ونقل المعرفة الفنية والتقنية وبناء شركات وطنية وقدرات تكريرية محلية.
وقد شكَّلت هذه النقاشات الأولية قاعدةً لمرحلة تفاوض أطول وأكثر تعقيداً، استغرقت ما يزيد على عام ونصف لتتحول إلى إطار مؤسسي. فبعد لقاءات المعادي حصلت عدة اجتماعات في جدة وأماكن أخرى كطهران وبغداد وكراكاس. لكن ولي العهد السعودي فيصل بن عبدالعزيز رفض مواجهة أرامكو نظراً لأنه كان حريصاً آنذاك على ضبط ميزانية التقشف التي كان يشرف عليها منذ سنة 1958. ولكن هذا الرفض زال عندما خفضت إحدى الشركات المالكة أرامكو في أبريل سنة 1960 سعر النفط السعودي المعلن إلى 1.8 دولار للبرميل. وفي هذا السياق، رحل الطريقي ومحمد سلمان، الذي أصبح وزيراً للنفط في العراق، إلى العاصمة الفنزويلية كراكاس حيث جدَّدا رفقةَ ألفونسو دعوتهم لإنشاء منظمة للدول المصدرة للنفط أسوةً بالمنظمات المصدرة لسلع أخرى كالقهوة.
رأى العراق في تلك اللحظة فرصة لتعزيز موقعه الإقليمي، فدعا عبدالكريم قاسم لاجتماع في بغداد كلاً من السعودية والكويت وإيران وفنزويلا إضافةً إلى وفد مراقب من قطر. وعقدت الاجتماعات من 10 إلى 14 سبتمبر 1960، ونجم عنها ثلاثة قرارات.
أعلنت الدول المجتمعة في القرار الأول أنها لن تقف متفرجة أمام سلوك الشركات المنفرد في تحديد السعر المعلن، وأنها ستسعى "بكافة السبل المتاحة" لإعادة السعر لقيمته قبل تخفيضات الشركات الأخيرة. كذلك أعلنت أنها ستدرس وستقرّ نظاماً يضمن استقرار الأسعار بعدة طرق "منها تنظيم الإنتاج مع مراعاة مصالح الدول المنتجة والمستهلكة" وضمان تحقيق عائد منصف للمستثمرين في هذا القطاع. أما القرار الثاني فتضمن أنه لأجل تحقيق ما ذكرت في القرار الأول، فإن الدول المجتمعة تعلن عن تأسيس منظمة للدول المصدرة للنفط غايتها الرئيسة "توحيد السياسات البترولية للدول الأعضاء وتحديد أفضل السبل لحماية مصالحها فرادى ومجتمعة". أما الثالث، فهو تصديق واعتماد هذه القرارات من الدول الخمسة.
وقد يتضح من هذه القرارات أن تركيز أوبك عند تأسيسها كان منصباً أساساً على التعامل مع الشركات أكثر منه على محاصصة الإنتاج. فموضوع المحاصصة رُحِّل للمستقبل بصيغة "ستدرس وستقرّ"، لكن موضوع تخفيض الشركات السعرَ المعلَن فلغته كانت حاسمة. وهذه هي الخلاصة التي وصل إليها مدير شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الأمريكية، آرمين ماير، في مذكرته الداخلية حول الموقف من تأسيس المنظمة التي كتبها في نوفمبر 1960. إذ كتب أنه "مع أن الدول الأعضاء اتفقت على دراسة نظام لمحاصصة الإنتاج، فلا توجد حتى الآن أي مؤشرات على أنها ستنجح في ذلك. وحتى الآن، يبدو أن ما يجمع دول أوبك هو أمر واحد فقط، وهو رفضها السماح لشركات النفط بإجراء أي تخفيضات إضافية في أسعار النفط الخام من دون موافقة مسبقة من الدول الأعضاء".
يبقى أن هذه القراءة تكتسب سياقاً أوسع عند النظر إلى ما حدث بداية السبعينيات، حين ارتفعت أسعار النفط وأمَّمت حكومات الدول النفطية الشركات العاملة في أراضيها. ومع أن بعض التفسيرات تمنح أوبك دوراً مركزياً في هذه التحولات، إلا أن قراءة أدقَّ لما حدث تكشف أمرين: أن دورها كان ثانوياً، وأن هذا الدور الثانوي لم ينبع من ممارسة احتكارية من قبيل محاصصة الإنتاج والتسعير وإنما تحرير الأسعار والأسواق من الممارسات الحمائية والاحتكارية.
في السنوات العشر التي فصلت بين تأسيسها وبداية السبعينيات، انشغلت المنظمة بمسألتين غير مرتبطتين بالضرورة بمحاصصة الإنتاج أو التسعير. ففشلت في الأولى، ونجحت جزئياً في الثانية.
أما المسألة الأولى فهي محاولتها إجبار الشركات الكبرى على حسم ريع النفط من النفقات قبل مناصفة الأرباح. فالإجراء الذي كانت تعتمده الشركات هو أنها تحتسب الريع ضمن النصف الذي تأخذه الدول المصدرة للنفط بعد خصم تكاليفها من الدخل. وفي حال حققت أوبك مرادها، فإن هذا سيزيد الحصة التي تتحصل عليها الدول المنتجة من نفطها. إلا أن جولات مفاوضات متعددة خيضت ولم تثمر بنتيجة. وعندما قدَّمت الشركات مقترحاً يخدم مصالح إيران سنة 1964 كادت المنظمة تنهار بسبب رفض فنزويلا وإندونيسيا. ولكن في نهاية الأمر حصلت تسوية تمثلت بأن تفاوض كل دولة على حدة بخصوص هذا الموضوع. أي إن أوبك لم تستطع صياغة موقف جماعي يمثل أعضاءها كافة.
وبشأن المسألة الثانية التي شغلت المنظمة والتي اعتمدتها سنة 1968، فهي العمل على توحيد علاقتها القانونية بالشركات الكبرى. فآنذاك كانت اتفاقيات الامتياز الموقعة بين الدول المنتجة للنفط والشركات النفطية تختلف من دولة لأخرى.
وقتئذ اقترح وزير النفط السعودي أحمد زكي يماني – الذي خلف الطريقي في المنصب بعد عزل الأخير وانتقاله للمنفى الاختياري بعد أن أحبط فيصل بن عبدالعزيز محاولة الانتقال لملكية دستورية سنة 1962 – أن تقدم المنظمة توصيات لأعضائها لتعديل اتفاقياتها لتكون متشابهة ومتجانسة. ومع أن هذا الموضوع غير مرتبط بالإنتاج والتسعير، إلا أن مكمن النجاح فيه حسب كتاب "منظمة أوبك في القرن العشرين [. . .] للمؤلف جوليانو غارافياني المترجم للعربية سنة 2023، هو أن المنظمة بدأت تشجع الدول الأعضاء على استخدام سلطاتها التشريعية في إعادة صياغة اتفاق الامتياز الذي يربطها بالشركات الكبرى، وهو أمرٌ كان غاية في الصعوبة قبل عقد.
لكن هذا المسار التنظيمي لم يُخفِ حجم الإحباط الذي راكمته السنوات الأولى من عمل المنظمة لدى عدد من أبرز المتحمسين لها، بمن فيهم مؤسسوها من أمثال الطريقي وألفونسو. ففي سبتمبر 1967، نشر عبدالله الطريقي في مجلته "البترول والغاز العربي" مقالة بعنوان "منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك): ماذا فعلت لأصحاب البترول؟"، وذكر في المقالة أن الشركات نجحت في "إثارة الغيرة بين الحكومات الأعضاء وبذر بذور الاختلافات بينها". أضاف بأنه هكذا "أضعفت المنظمة واستطاعت أن تتسلل إلى داخل صفوفها وبالتالي توجيه سياساتها بحيث أصبحت وللأسف اسماً على غير مسمى" لا يعرف عنها العالم شيئاً و"تحطم الحلم الكبير الذي كان يطمح أن يصل إليه منشئوها".
بيد أن التغيّر الأهم لسوق النفط العالمي حدث في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، وكان دور أوبك فيه ثانوياً. فحينئذ أسهمت عوامل متعددة في إحداث تغيّر كبير في العرض والطلب. أما تغيّر العرض فناجم عن تأثير حرب 1967 على تدفق النفط من الخليج إلى أوروبا. وذلك بسبب إغلاق قناة السويس وقرار السعودية وقف نقله عبر أنابيب التابلاين التي تربط رأس تنورة في السعودية بميناء صيدا في لبنان بعد أن احتلت إسرائيل مناطق يمرّ عبرها مثل هضبة الجولان. ولما استأنفت السعودية الضخ، تعرضت الأنابيب لهجمة شنتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين سببت تعطيلها لفترة مؤقتة.
خريطة خط أنابيب تابلاين الممتد من القيصومة في السعودية إلى صيدا في لبنان | ويكيميديا
خريطة خط أنابيب تابلاين الممتد من القيصومة في السعودية إلى صيدا في لبنان | ويكيميديا
لكن الضغط الأكبر على أسواق النفط العالمية جاء من الزيادة الكبيرة في مستويات الطلب العالمي. إذ زاد استهلاك النفط في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية واليابان من حوالي سبعة عشر مليون برميل في اليوم مطلع الستينيات إلى قرابة واحد وثلاثين مليون برميل مطلع السبعينيات. وقاد هذا الارتفاعَ التوسعُ في التصنيع والتخلي عن الفحم، بالإضافة إلى قرارات وسياسات حضرية جعلت السيارةَ وسيلةَ نقل رئيسة، وطريقةَ بناء الأحياء والبيوت بمثابة تجمعات تستهلك الطاقة بشراهة.
ومع اتساع الفجوة بين الطلب المتزايد والعرض المحدود، بدأ اختلال التوازن يظهر عملياً في الأسعار وفي سلوك الدول المنتجة، وهو ما مهّد لسلسلة تحولات بدأت في ليبيا، التي صارت جمهورية بعد إسقاط مجموعة من الضباط بقيادة العقيد معمر القذافي نظامها الملكي سنة 1969. فخلافاً لكثير من الدول المنتجة للنفط، تمتعت ليبيا بميزتين. الأولى أنها بحكم موقعها الجغرافي لا تحتاج إلى قناة السويس لإيصال نفطها للمستهلكين الأوروبيين. والأهم، أنها منحت امتيازات لأكثر من أربعين شركة على مساحات صغيرة، ولم تقتصر على شركة واحدة أو اثنتين على مساحات كبيرة. والسبب في هذا يعود إلى أن نفطها اكتُشف متأخراً ما أتاح لمجموعة من النخب العربية، مثل الفلسطيني القانوني أنيس مصطفى القاسم، التعلّم من دروس الماضي وتصميم قانون يحمي حقوق الدولة الليبية في ثرواتها النفطية.
بهذا استغلَّت الحكومة الليبية قوتها التفاوضية الكبيرة إزاء الشركات الكثيرة العاملة على أراضيها للضغط من أجل رفع السعر المعلن. وقد وقع اختيارها على شركة أمريكية مستقلة اسمها "أوكسدنتال"، وكانت من أكثر الشركات العاملة على أراضيها ضعفاً كونها لا تملك نفطاً خارج ليبيا. طالب الليبيون رفع السعر المعلن لبرميل النفط أربعين سنتاً وتطبيقه بأثر رجعي على كل المبيعات منذ سنة 1965. وفي صيف 1970، بعد مفاوضات شاقة، وافقت شركة أوكسيدنتال على رفع السعر المعلن للبرميل ثلاثين سنتاً، على أن تزداد القيمة سنتين إضافيتين كل سنة في السنوات الخمس التالية، ويدفع المبلغ بأثر رجعي منذ سنة 1965. بهذه الطريقة زادت ليبيا حصتها من النفط إلى 55 بالمئة، وكسرت رسمياً معادلة المناصفة التي حكمت العلاقة بين الدول النفطية والشركات المنتجة.
على هذا، لم تكن السابقة الليبية بإشراف أو تنسيق مع أوبك، لكنها حفزت المنظمة للبدء باتخاذ إجراءات جماعية في علاقتها مع الشركات المنتجة. إذ اجتمع أعضاء المنظمة في كراكاس في فنزويلا في ديسمبر 1970 واتخذوا قراراً بالتفاوض مع الشركات على عدة أمور، أهمها رفع نسبة الأرباح إلى 55 بالمئة وزيادة السعر المعلن للنفط. ومن ثم اجتمع ممثلو الشركات مع ممثلي أوبك من دول الخليج في طهران في فبراير 1971. وبعد عدة جولات من المفاوضات، توصل الطرفان إلى ما يعرف باتفاق طهران الذي رُفع بموجبه السعر المعلن للبرميل إلى 2.3 دولار وتعهد بزيادة سنوية للأسعار لتغطية التضخم. وبعد اتفاق طهران، وتحديداً في ديسمبر من العام نفسه، اجتمعت الشركات مع ممثلي أوبك من دول البحر المتوسط في طرابلس وتوصلوا لاتفاق مقارب ذي سعرٍ أعلى للبرميل. هذا كان أول نجاح لأوبك في رفع السعر المعلن للبرميل منذ تأسيسها.
في هذه الأثناء، اتخذت الولايات المتحدة عدة إجراءات أثَّرت في سوق النفط العالمي. أحدها تخفيف العمل بنظام محاصصة الواردات النفطية الذي أقرَّه آيزنهاور سنة 1959، وذلك من أجل السماح باستيراد مزيد من النفط من الخارج لمواجهة الطلب المتزايد. ومن ثم في أبريل سنة 1973 عُلِّق النظام بأكمله واستبدلت به تعرفة جمركية تضاف للنفط المستورد.
أما الإجراء الآخر فهو فك الربط بين الدولار والذهب ما أدى لتقلص قيمة الدولار تدريجياً من 35 دولاراً لأونصة الذهب في أغسطس 1971 إلى 186 دولاراً للأونصة في ديسمبر 1974. وسنة 1973، أصبحت الولايات المتحدة تستهلك سبعة عشر مليون برميل في اليوم (مقارنة بثلاثة عشر مليون برميل في 1967)، ستة ملايين منها تأتي من الخارج.
وقد دفعت هذه الإجراءات أوبك نحو مزيدٍ من رفع سعر النفط المُعلَن. ذلك أن تهاوي قيمة الدولار الذي يسعَّر به النفط تُرجم إلى انخفاض القيمة الفعلية لإيرادات هذه الدول من النفط، وارتفاع ما ستدفعه من مبالغ على ما تحتاجه من وارداتها الصناعية القادمة من الدول الغربية. لذا كانت النتيجة أن أعلنت أوبك في سبتمبر 1973 نيّتَها التفاوض مع الشركات على رفع السعر المعلن لبرميل النفط حتى يتماشى مع التضخّم وارتفاع السعر الفعلي. لكن هذه المرة رفضت الشركات التفاوض.
كانت النتيجة أنه في 16 أكتوبر 1973، ولأول مرة في تاريخ أوبك، قررت مجموعة من أعضاء أوبك في اجتماع مجدول بالكويت رفع السعر المعلن من 3.3 دولاراً للبرميل إلى 5.1 دولار من جانب واحد دون اتفاق مع الشركات. ثم في ديسمبر، وبضغط من شاه إيران حليف الولايات المتحدة، قررت دول أوبك رفع السعر المعلن مرة أخرى إلى 11.65 دولاراً.
وتزامن نجاح أوبك في زيادة السعر المعلن لبرميل النفط مع بدء الدول النفطية تأميم الشركات العاملة على أراضيها. إلا أن هذا التزامن لم يعنِ أن لأوبك دور في عمليات التأميم التي حصلت، بل كل واحدة منها حدثت فردياً وبطريقة مختلفة بين الدولة النفطية والشركات العاملة على أراضيها. كانت الجزائر أول من أمَّم النفط سنة 1971، وتلاها العراق. وبوتيرة أبطأ أممت ليبيا سنة 1972 أغلب الشركات العاملة لديها. بعد ذلك بدأت الدول الأخرى بالاستحواذ على حصص أغلبية في الشركات العاملة لديها، ولم ينتهِ عقد السبعينيات إلا والشركات العاملة في الدول النفطية قد تحولت لشركات مملوكة بالكامل للحكومات النفطية.
غير أن نجاح أوبك في رفع السعر المعلن لبرميل النفط لا يعني أنها تصرفت مثل تكتل احتكاري ذي سلطة على الأسعار الفعلية وسيطرة على مستويات الإنتاج. إذ إنه كما يقترح أستاذ العلوم السياسية السابق في جامعة بنسلفانيا روبرت فيتاليس في كتابه "أويلكرافت [. . .]" (أوهام النفط [. . .]) المنشور سنة 2020، إن تضافر هذا النجاح في السعر المعلن للنفط مع بدء كل دولة على حدة تأميم نفطها أنهى نفوذ الشركات النفطية الكبرى على سوق النفط العالمي وساهم في تحرير سوق النفط ووثب به وثبة كبرى نحو جعله سوقاً عالمية موحدة. يضيف الكاتب أن قيام أوبك بكل هذا حقق الغرض الرئيس الذي من أجله وجدت في المقام الأول. أي إن هذا التحول لم يكن لحظة تحكم احتكاري بقدر كونه مرحلة انتقالية أعادت توزيع القوة داخل سوق النفط.
هذا المسار لم يعنِ بالضرورة أن أوبك بقيت بعيدة عن محاولة اختبار دورٍ أقرب إلى نموذج التكتل الاحتكاري. فقد سعت بعد عشرين سنة من تأسيسها، وبعد القضاء على منظومة امتياز الشركات النفطية الكبرى، في هذا الاتجاه، إلا أن محاولتها باءت بالفشل.
لقي سوق النفط بداية الثمانينيات ما تلقاه السلع عادةً عندما يزداد سعرها. فعندما يزداد سعر سلعة ما، يبدأ المستهلك من جهة بالاقتصاد في استهلاكها والبحث عن بدائل أرخص. ومن جهة أخرى يتشجع المنتج في إنتاج المزيد منها حصداً لمزيد من الأرباح. إلا أن هذين السلوكين، تضاؤل الطلب وزيادة العرض، يقودان بدورهما إلى انخفاض الأسعار بعد أن يتجاوز العرض الطلب.
تقلبات صافي إيرادات صادرات النفط لمنظمة أوبك منذ عام 1972 | ويكيميديا
تقلبات صافي إيرادات صادرات النفط لمنظمة أوبك منذ عام 1972 | ويكيميديا
وهذا الظرف الذي أحاط بأوبك مطلع الثمانينيات. فبعد أن تبنت الدول المستهلكة للنفط في السبعينيات سياسات متعددة لخفض الاعتماد على النفط والبحث عن مصادر طاقة بديلة بدأ الطلب على النفط بالهبوط. فاستهلاك النفط في الولايات المتحدة كان 17.3 مليون برميل يومياً سنة 1973، ثم تصاعد ليصل 18.85 مليون برميل يومياً في 1978، وليبدأ بعدها بالهبوط حتى وصل إلى 15.23 مليون برميل يومياً سنة 1983. وفي أوروبا الغربية، انخفض الاعتماد على النفط من 62 بالمئة من مجمل استهلاكها الطاقة سنة 1973 إلى 45 بالمئة في سنة 1985.
بالتوازي مع انخفاض الطلب، أغرت أسعار النفط المرتفعة مُصدِّرين جدداً من خارج منظمة أوبك للمنافسة على العرض. فبعد أن كان أكثر من 90 بالمئة من النفط المصدَّر في الستينيات يأتي من الدول الأعضاء في أوبك، أصبحت النسبة في الثمانينيات في حدود 60 بالمئة. وحسب غارافياني في كتابه "منظمة أوبك في القرن العشرين" فإن "ربع الزيادة من خارج أوبك جاءت من المكسيك والربع الآخر من بريطانيا و15 بالمئة من الاتحاد السوفييتي، والبقية من كندا والنرويج ومصر". وقد دفع هذه الزيادات إلى اكتشاف حقول نفطية جديدة في المكسيك وبحر الشمال المشترك بين بريطانيا والنرويج ومنطقة سيبيريا الروسية.
وأمام هذا التراجع في الطلب وتزايد المعروض من خارج أوبك وما رافقه من هبوط السعر في سوق النفط العالمية، اضطر وزير النفط السعودي أحمد زكي يماني لأن يتعامل مع الأمر. فبين سنتي 1982 و1986، جرَّب يماني ثلاث طرق للسيطرة على أسعار النفط العالمية، لم ينجح أيٌّ منها. وهو ما أدى في النهاية إلى عزله عن منصبه بعد أربعة وعشرين سنة وزيراً للنفط. والتركيز هنا على السعودية ووزيرها لأنها أصبحت في الثمانينيات أكثر منتجي النفط تأثيراً داخل منظومة أوبك بحجم إنتاج قارب عشرة ملايين برميل في اليوم يصدَّر أغلبه للخارج، إنتاجاً يعادل تقريباً ما تنتجه بقية دول أوبك الأخرى مجتمعة.
كانت المحاولة الأولى دعوة يماني لتخلي بلاده عن معارضتها لأن تتصرف أوبك تصرّف تكتل احتكاري يحدد أسعار النفط ومستويات الإنتاج. وابتداءً من أواخر سنة 1981 عقد يماني عدة مباحثات لوضع نظام محاصصة لإنتاج النفط بين دول أوبك. وعندما اجتمعت المنظمة في اجتماعها الثالث والستين في مارس 1982 برئاسة وزير النفط الإماراتي مانع العتيبة، اتخذت قراراً تاريخياً بوضع سقف أعلى لإنتاج أعضاء المنظمة مقداره ثمانية عشر مليون برميل في اليوم. كذلك تبنت نظام محاصصة وحددت سعر بيع البرميل بأربعة وثلاثين دولاراً.
استمرت هذه المحاولة ثلاث سنوات ونصف، وخلالها لم يلتزم أغلب أعضاء أوبك تماماً بسقوف السعر المحدد والحصَّة الإنتاجية المخصصة لهم والمتفق عليها. فبعضهم بات ينتج أكثر ليأخذ حصة سوقية من أعضاء آخرين، وبعضهم الآخر بدأ يقدِّم نفطه بسعر "مخفض" عن السعر المحدد. وكان العبء الأكبر يقع على عاتق السعودية، التي خفضت إنتاجها من قرابة عشرة ملايين برميل سنة 1981 إلى 2.5 مليون برميل منتصف 1985.
وأمام الفشل في كبح جماح السعر من الهبوط، عدل يماني عن محاولة التكتل الاحتكاري في سبتمبر 1985. فبعد أن كان السعر أربعين دولاراً في 1981، أصبح في حدود سبعة وعشرين دولاراً منتصف 1985. كذلك أدى استمرار خفض إنتاج السعودية إلى تقلّص إيرادات الدولة من 110 مليار في 1980 إلى 23.5 مليار في 1985.
على الأثر، أعلن يماني في الشهر ذاته عن محاولة بديلة لمحاولة التكتل الاحتكاري وهي الاستحواذ على السوق. والفكرة أن تزيد السعودية من إنتاجها والدفع بالأسعار للهبوط أكثر بحيث يصبح صعباً على المصدرين الجدد جني أرباح فيخرجون من السوق.
ولم يكتفِ يماني بزيادة الإنتاج، بل قرر بيعه بطريقة جديدة لاستعادة حصة المملكة من السوق. تتلخص هذه الطريقة في أنه عوضاً عن بيع النفط بسعر ثابت للمستهلكين، قررت السعودية أن تحصل على نسبة من ريع المنتج النهائي الذي سيُستخدم فيه نفطها مع حفظ هامش ربح ثابت للعميل. أي إن كلَّ تغيّر في سعر المنتج النهائي ستتحمله السعودية ولن يتحمله المستهلك الذي ضمن هامش ربحه الثابت. لذا بدأت السعودية رفع إنتاجها من 2.5 مليون برميل إلى حدود أربعة ملايين برميل في بداية 1986 لتصل به إلى ستة ملايين برميل في منتصف سنة 1986.
ومثل محاولة التكتل الاحتكاري، لم تنجح هذه المحاولة أيضاً. فقد أدى زيادة الإنتاج وطريقة البيع الجديدة إلى انخفاض حاد في أسعار النفط لكنها لم تنجح بإخراج المنافسين من خارج أوبك من السوق. بل أدت إلى حرب أسعار بين أعضاء أوبك أنفسهم هبطت بسعر النفط من سبعة وعشرين دولاراً إلى 8.5 دولاراً في شهر يوليو من سنة 1986.
ولمّا لم تنجح محاولته، سعى يماني للعودة لنظام التكتل الاحتكاري مع التنسيق مع مُصدرين من خارج أوبك مثل المكسيك والنرويج وبريطانيا. ذلك أنه تبيّن أن المصدرين من خارج أوبك يمثلون تغيّراً هيكلياً في السوق وأنهم لا يمكن إخراجهم من السوق. وكغيرها، لم تفلح هذه الطريقة أيضاً، ما دعا الملك فهد لإقالة أحمد زكي يماني في أكتوبر 1986.
ولم يقتصر فشل أوبك في تبني نموذج التكتل الاحتكاري على هذه المحاولات في الثمانينيات، بل استمر تأثيرها محدوداً. ومنذئذ، مرّت أسعار النفط بثلاث مراحل رئيسة لعبت فيها قوى العرض والطلب دوراً حاسماً في تحديد الاتجاهات العامة للأسعار.
اتسمت المرحلة الأولى خلال المدة من نهاية الثمانينيات حتى الألفية باستقرار أسعار النفط بحدود متدنية تقدّر بثمانية عشر دولاراً طيلة هذه المدة. وباستثناء فترة غزو العراق الكويت سنة 1990، لم تشهد هذه المرحلة تغيّراً ملموساً في الأسعار بسبب ضعف الطلب العالمي وكثرة العرض. غير أن هذا الاستقرار النسبي بدأ يتغير مع دخول الألفية، إذ ارتفعت الأسعار بسبب صعود الصين الاقتصادي، وتجاوزت الأسعار حاجز مئة دولار للمرة الأولى في تاريخ النفط سنة 2008.
وتاريخياً، كان أغلب الطلب العالمي على النفط طيلة القرن العشرين يأتي من الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تضم دول أوروبا وشمال أمريكا واليابان وكوريا الجنوبية من شرق آسيا. لكن الطلب من الصين بدأ يتصاعد مع مطلع القرن الواحد والعشرين بتسارع حتى تجاوز الطلب القادم من خارج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الطلب من داخلها أول مرة سنة 2012.
أما في المرحلة الثالثة التي تبدأ من سنة 2015، فقد بدأت أسعار النفط بالهبوط. والسبب هو دخول لاعبين جدد للسوق النفطية أغراهم ارتفاع أسعارها. وكانت شركات النفط الصخري في الولايات المتحدة اللاعب الأهم في هذه المرحلة. فبعد أن بلغت طاقة الولايات المتحدة الإنتاجية من النفط قمتها في السبعينيات، بدأ إنتاجها يتقلص تدريجياً حتى وصل لحدود خمسة ملايين برميل في اليوم سنة 2008. وتغيّر هذا التوجه مع دخول شركات النفط الصخري على الخط، فبدأ يرتفع الإنتاج الأمريكي حتى أصبحت الولايات المتحدة سنة 2020 دولة مصدرة للنفط ومنتجاتها، ووصلت طاقتها الإنتاجية إلى ما يقارب 13.7 مليون برميل يومياً.
البيّن أنه لم يكن لأوبك أي دور يذكر في أيّ من هذه المراحل الثلاث. فبقاء سعر النفط في مستويات منخفضة في المرحلة الأولى كان رهينة العرض والطلب، وصعوده في الثانية كان مرتبطاً بصعود الصين، وهبوطه في الثالثة مرتبط بالنفط الصخري. وقد يتعزز هذا الاستنتاج عند الانتقال من تحليل حركة الأسعار إلى فحص قدرة أوبك الفعلية على ضبط سلوك أعضائها.
ففي هذا السياق، نشر جيف كولغن، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة براون، سنة 2014 بحثاً بعنوان "ذي إمبرور هاز نو كلوذز [. . .]" (الإمبراطور العاري: حدود أوبك في سوق النفط العالمي). وفيه لم يأبه كولغن في إجابته عن سؤال هل أوبك تكتل احتكاري بدرجة تأثيرها على الأسعار، بل ركز على قدرتها على التحكم بإنتاج أعضائها في المدة من سنة 1982 حتى سنة 2009. بحث الكاتب هذه المسألة من عدة جوانب، مثل مدى التزام أعضاء أوبك بالحصص المخصصة لهم وتغيّر إنتاج الأعضاء الجدد بعد انضمامهم واقتران مستويات الإنتاج مع حجم الحصص المخصصة. وجاءت النتيجة أن أعضاء أوبك لا يتلزمون بالحصص، بل إن متوسط إنتاجهم أكثر 10 بالمئة من الحصة المخصصة لهم. ووجد أن 98 بالمئة من تغيّر مستويات إنتاج الأعضاء يفسَّر بأمور أخرى غير حصص أوبك.
حتى عندما حاولت أوبك أن تفعل شيئاً لوقف هبوط الأسعار بعد دخول شركات النفط الصخري السوق، لم تستطع أن تفعل ذلك وحدها. ففي سنة 2016 هبطت أسعار النفط لما دون ثلاثين دولاراً للبرميل، فلجأت أوبك بقيادة السعودية لعقد اتفاق خفض إنتاج ومحاصصة مع عشر دول من خارجها على رأسها روسيا ثالث أكبر منتج للنفط في العالم وثاني أكبر مصدر، في إطار ما عُرف باسم "أوبك بلس". وقد عانى هذا الاتفاق من نفس مشكلة عدم التزام أطرافه بالحصص الموضوعة لهم، لكنه نجح بمنع الأسعار من الهبوط أكثر بل وأدى جزئياً إلى رفعها.
إلا أن هناك أمرين وجب الإشارة لهما عند الحديث عن "أوبك بلس". أولهما أن هذا الاتفاق، خلافاً لما يوحي به اسمه، هو في جوهره اتفاق بين أكبر مصدري النفط في العالم، السعودية وروسيا. وبدون التزام هذين البلدين بالحصص الموضوعة لهما فإن الاتفاق يفقد جزءاً كبيراً من أهميته. وهذا لأن أوبك ليست كافية للسيطرة على أسعار النفط، احتاجت السعودية لعقد اتفاق أوسع مع منتجين خارج أوبك، على رأسهم روسيا. الأمر الآخر هو أن نجاحه الجزئي دليل على تأثير هذين البلدين في أسواق النفط أكثر من كونه دليلاً على تأثير أوبك.
يبقى السؤال، إذا كانت أوبك ليست بذلك النفوذ الذي يُروج له، فلماذا ما زالت مستمرة بالعمل لهذا اليوم؟ وهنا يقترح كولغن أن الإجابة تكمن في أن هذه السمعة، حتى وإن كانت خاطئة، إلا أنها تمنح المنظمة منافع دبلوماسية وسياسية تجعلها تتمسك بها. من هذه المنافع تصوير حكومات الأعضاء أنفسهم أمام شعوبهم بأنهم ذوو نفوذ وقدرة على تحريك أسعار النفط العالمية. ومنها أيضاً منح أعضاء أوبك وجاهة دبلوماسية تجعل من احتمالية الاعتراف بهم دبلوماسياً أكثر من غيرهم.
وهذا لعله ما يفسر خروج الإمارات من المنظمة. فلأن الرئيس الأمريكي ترامب لا زال مؤمناً بقدرة أوبك وخطورتها على السوق الأمريكي، فإن خروجها من المنظمة يتيح لها أن تنال حظوة عند ترامب. وإن كانت أوبك ليست تكتلاً احتكارياً، فهذا لا يقتضي أن الدول ذات القدرة التصديرية الكبيرة مثل السعودية أو روسيا ليس لها تأثير.
بالمحصلة فإن سوق النفط العالمي اليوم مختلف كثيراً عما كان عليه في القرن الماضي. فبعد أن كان أكثر الإنتاج متركزاً في دول أوبك، أصبح أكثره اليوم يأتي من خارج أوبك. وبعد أن كانت دول أوروبا وشمال أمريكا أكثر من يستهلك النفط في العالم، أصبح حجم الاستهلاك من خارج هذه المنطقتين أكبر. وهذه التغيرات البنيوية تعني أننا سنستمر برؤية تحالفات من الدول المنتجة للنفط داخل أوبك وخارجها لتنسيق جهودها. ولكن هذه الجهود ربما ستكون محدودة التأثير نظراً لأن الطلب سيتراجع متسارعاً، آخذاً معه الأسعار الفعلية للأسفل.
