مأساة مضاعفة للاجئين الإثيوبيين العائدين من السودان

دفعت الحرب السودانية اللاجئين الإثيوبيين في السودان إلى نزوح عكسي نحو بلدهم، ليواجهوا واقعاً معقداً من فقدان الروابط وصعوبات كبيرة في إعادة الاندماج.

Share
مأساة مضاعفة للاجئين الإثيوبيين العائدين من السودان
حالة الدوران في دوامة النزوح | خدمة غيتي للصور

في مدينة القضارف السودانية قرب الحدود مع إثيوبيا، نشأ أسرات حقوص من دون أن يعرف وطناً غير السودان، حيث وصل أهله قبل عقود هرباً من الحرب الأهلية في إثيوبيا. أكمل تعليمه الثانوي في المدارس السودانية، بينما كان والده يعمل حارساً لدى شركة خاصة، وكانت والدته تبيع الحلوى للأطفال في مدرسة قريبة من منزلهم. كان أسرات يعمل في صالون حلاقة لإعالة ثلاثة من أشقائه الصغار، بعدما فقد والديه اللذين عاشا سنوات طويلة في القضارف مثل آلاف الإثيوبيين الذين دفعتهم النزاعات والمجاعات إلى اللجوء إلى السودان. 

تتغيّر نبرة صوته وتترقرق عيناه بالدموع حين يتحدّث عن إثيوبيا، البلد الذي لم يعرفه إلا من روايات والديه قبل وفاتهما وأجبر أخيراً على العودة إليه على عجل. فهو لم يكن يملك وقتئذ أي صلة مباشرة بوطنه الأصلي، سوى ما كان يسمعه من الوافدين الجدد عبر الحدود وحكاياتهم عن الحروب والظروف القاسية التي أجبرتهم على الفرار إلى السودان.

أما اليوم، فقد أجبرت الحرب التي اندلعت في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023 أسرات حقوص، مثل عشرات الآلاف غيره من الإثيوبيين المقيمين في القضارف وكسلا والخرطوم ومدن سودانية أخرى على خوض رحلة نزوح ثانية. هذه المرة باتجاه بلدهم الأصلي الذي غابوا عنه أعواماً طويلة.

ظل السودان ملاذاً لكثير من اللاجئين الإثيوبيين الذين وصلوا إليه خلال عدة فترات من العقود الماضية هرباً من الحروب والمجاعات. لكن مع اتساع رقعة القتال في السودان، اضطر عشرات الآلاف منهم للمغادرة مجدداً من دون استعداد مادي أو قانوني، ودون وثائق ثبوتية تتيح لهم تسوية أوضاعهم عند الوصول. ولم يكن لدى كثيرين من العائدين منازل أو أماكن وعناوين يمكن الرجوع إليها أو روابط إجتماعية يُستند عليها ضامناً لهم في المدن والقرى التي غادروها منذ أعوام طويلة. لتبدو إثيوبيا لبعضهم محض بلد سمعوا عنه في الحكايات، لا وطناً يعرفون تفاصيله اليومية أو يمكنهم الاستقرار فيه. ولآخرين، لاسيما من الشباب ممن ولدوا وعاشوا جل حياتهم في السودان، مكاناً تتشكل فيه أزمة هوية وتُثار فيه أسئلة الانتماء. وعن دروب المعاناة تلك تحدث نازحون التقيناهم، بعضهم اختار أسماءً مستعارة لظروف خاصة.


في منطقة القرن الإفريقي ومحيطها لا تتخذ حركة اللجوء والاستقرار مساراً ثابتاً، إذ تنتقل باستمرار من أزمة إلى أخرى. وتمتد المنطقة بين إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي والصومال، بينما تتسع من زاوية سياسية واقتصادية لتشمل السودان وجنوب السودان وأوغندا وكينيا، وتحوي شعوباً تربطها علاقات تاريخية وعرقية متداخلة. اقتران هذه العوامل بواقع من الحروب الأهلية والتوترات السياسية والجفاف المتكرر جعل المنطقة واحدة من أكثر مناطق العالم إنتاجاً لحركات النزوح والتنقل الداخلي والخارجي.

لكن هذا التنقل الذي بدأ حلاً اضطرارياً، تحوَّل مع الوقت بالنسبة للبعض إلى واقع طويل الأمد نشأت فيه أجيال خارج أوطانها الأصلية من دون أن تستقر تماماً في أماكن إقامتها الجديدة. وفي هذا المشهد الإقليمي المعقَّد، تصبح قصص، مثل قصة أسرات حقوص، جزءاً طبيعياً من واقع أوسع، يمتد ويتكرر فيه النزوح عبر أكثر من جغرافيا.

فبحسب بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تقرير لها في يونيو 2025، استضافت منطقة القرن الإفريقي وشرق إفريقيا ومنطقة البحيرات الكبرى (تشمل بوروندي ورواندا وأوغندا والكونغو وتنزانيا) بحلول نهاية مارس 2025، نحو 5.7 ملايين لاجئ وطالب لجوء. إضافة إلى حوالي 19 مليون نازح داخلي، ليصل إجمالي عدد النازحين قسراً في المنطقة إلى ما يقارب 24.7 مليون شخص. ووفقاً للتقرير ذاته، تتركز أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء في أوغندا (1.9 مليون)، تليها إثيوبيا (1.1 مليون)، وكينيا (843 ألفاً)، ثم السودان (842 ألفاً).

أما على مستوى النزوح الداخلي، فيتصدَّر السودان القائمة بعدد 11.3 مليون نازح داخلياً، تليه الصومال بنحو 3.9 ملايين، ثم إثيوبيا بعدد 1.9 مليون، بينما يوجد في جنوب السودان ما لا يقل عن 1.8 مليوناً. وتشير بيانات المفوضية أيضاً إلى عودة نحو 125 ألف لاجئ إلى بلدانهم الأصلية خلال سنة 2025.

ووفقاً للمفوضية في تقريرها، فقد أضافت الحرب في السودان مستوىً جديداً من الضغط الإنساني إلى بيئة إقليمية تعاني أصلاً من نزاعات ممتدة وانعدام الأمن والنزوح المتكرر. كذلك تتحمل الدول المجاورة العبء الأكبر من تداعيات أزمة اللجوء المستمرة.

وهذا التقييم مرتكز على حقائق تاريخية. فقد عانت دول القرن الإفريقي طيلة عقود من موجات متكررة من الصراعات ذات الطابع العرقي والسياسي. تداخلت مطالب الجماعات المحلية بالتمثيل والحقوق مع سياسات الدول المركزية التي سعت إلى فرض السيطرة وبناء دول موحدة. 

ظلَّت إثيوبيا في مقدمة الدول المتأثرة بهذه التحوّلات. فقد ارتبط تاريخها الحديث بسلسلة من الاضطرابات الداخلية والحروب الأهلية التي نتجت عن تعقّد بنيتها العرقية – متمثلة بشعوب مختلفة كالأورومو والأمهرة والتيغراي والصوماليين – ومحاولات إعادة تنظيم السلطة بعد انهيار عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي سنة 1974، بعد عقود من الحكم الملكي. شكَّل الصراع الطويل في ما كان يسمى "إقليم إريتريا" أيضاً نقطة تحول حاسمة، حيث انتهت الحرب التي استمرت نحو ثلاثين عاماً إلى انفصال إريتريا سنة 1993 دولةً مستقلة، ما أعاد رسم الخريطة السياسية في المنطقة.

اعتمدت إثيوبيا النظام الفيدرالي رسمياً مع إقرار الدستور الجديد سنة 1995، بعد وصول الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية إلى السلطة عقب إسقاط نظام منغستو هيلا مريام سنة 1991. وكان أحد أهداف النظام الجديد إدارة التنوع العرقي. إلا أنَّ التوترات بقيت قائمة، وبرزت مجدداً في أقاليم مثل تيغراي وأمهرة شمالي البلاد، حيث تفجرت نزاعات مسلحة كان آخرها سنة 2020. وأدت هذه الظروف على مدى مراحل تاريخية متعاقبة خلال القرنين الماضي والحالي، إلى إنتاج بيئة غير مستقرة دفعت إلى موجات متتالية من النزوح داخل البلاد وخارجها.

شكَّل السودان وجهةً رئيسة لهذه التدفقات، بحكم الجوار الجغرافي والحدود المشتركة مع إثيوبيا بطول نحو 744 كيلومتراً مع إثيوبيا. ولاسيما مع إقليمي تيغراي وأمهرة شمال إثيوبيا، المتاخمين للمناطق السودانية في القلابات ودوكة والقضارف وكسلا وبني شنقول. فبحلول ديسمبر 2025 سُجِّل نحو 859,974 لاجئاً قاطناً في السودان، 8 بالمئة منهم إثيوبيون، وذلك وبحسب أرقام مفوضية اللاجئين المنشورة في يناير 2026.

وتُظهر بيانات المفوضية أن 72 بالمئة من هؤلاء اللاجئين الإثيوبيين يقيمون في مخيمات، بينما يعيش 28 بالمئة خارج هذه المرافق في تجمعات سكانية مختلفة. غير أن أرقام المفوضية لا تعكس الحجم الكامل للوجود الإثيوبي في السودان، والذي قد يتجاوز المسجَّل بمراحل. وقد يكون مردّ ذلك هو امتداد حركة اللجوء من إثيوبيا للسودان عبر محطات تاريخية متتابعة، وتغيّر أوضاع كثير من الوافدين بين اللجوء والإقامة والاستقرار.

ابتداءً من منتصف السبعينيات عقب اندلاع الحرب الأهلية التي استمرَّت بين 1974 و1991، بدأت موجات لجوء متزايدة من إثيوبيا بفعل الاضطرابات والتحولات السياسية التي أعقبت انهيار النظام الإمبراطوري. ثم في الثمانينيات، بلغ تدفق اللاجئين ذروته خلال المجاعة الكبرى بين سنتي 1984 و1985، التي أدت إلى نزوح نحو ثلاثمئة ألف إثيوبي إلى السودان، وفق تقرير صادر سنة 2021 عن معهد كريستيان ميكلسن بعنوان "إيسترن سودان: هوستينغ إثيوبيان ريفيوجيز [. . .]" (شرق السودان: استضافة اللاجئين الإثيوبيين في ظل ظروف صعبة).

ومع مرور الوقت، صار وجود جزء كبير من هؤلاء اللاجئين طويل الأمد. إذ يشير التقرير نفسه إلى أنَّ حوالي 40 بالمئة ممن وصلوا خلال تلك الفترة ظلوا في شرق السودان أكثر من عقدين، مع اندماج عديد منهم في المجتمعات المحلية، رغم عدم حصولهم على الجنسية. علاوةً على أن مدة الحرب في إقليم تيغراي سنة 2020 شهدت تدفّق عشرات الآلاف إلى السودان هرباً من أعمال العنف.

يقول نبيل الطيب، منسق شؤون اللاجئين في منظمة "كِنسيرن وورلد وايد"، للفراتس، إن منظمته استقبلت على مدى العقود الماضية مئات الآلاف من اللاجئين والنازحين الذين دفعتهم الحروب والمجاعات في إثيوبيا إلى اللجوء نحو السودان. يضيف أنَّ موجات اللجوء الإثيوبية تجددت باستمرار لأسباب متعددة، من بينها الحروب والأزمات المناخية، إلى جانب محاولات الهجرة نحو أوروبا وكندا والولايات المتحدة. وبأنَّ كثيراً من هذه الرحلات كانت تبدأ من السودان، سواءً عبر مصر أو من خلال إقليم دارفور باتجاه ليبيا، قبل محاولة عبور البحر.

إلى ذلك، لعب التشابه العرقي والثقافي بين المجتمعات الحدودية في السودان وإثيوبيا دوراً في تسهيل اندماج اللاجئين الإثيوبيين داخل المناطق التي استقروا فيها، خصوصاً في الولايات والمناطق الحدودية. وفي ظلِّ هشاشة الأطر القانونية المنظمة للهجرة والإقامة، تمتع كثير من هؤلاء اللاجئين بهامشٍ واسع من الحركة والعمل، حتى في غياب الوثائق الرسمية أو تصاريح الإقامة.

أيضاً ساهمت طبيعة العلاقات الاجتماعية الممتدة بين المجتمعات السودانية والإثيوبية في تعزيز أشكال من التعايش والاندماج، عبر تبادل العادات والتقاليد وتكوّن روابط أسرية من خلال الزواج والعمل المشترك. وأوجد ذلك حالة من الانسجام الاجتماعي النسبي، وظهور أجيال وُلدت ونشأت داخل السودان.

هذا ما يؤكده للفراتس المدير السابق لإدارة وسط وشرق إفريقيا في وزارة الخارجية السودانية والسفير السوداني السابق لدى جزر القمر، عصام محي الدين خليل. إذ يقول إنَّ السودان استقبل قديماً وحديثاً لاجئين من دول منطقة القرن الإفريقي وشرق إفريقيا نتيجة الأوضاع غير المستقرة التي تشهدها. ويشير إلى أنَّ التداخل القبلي والامتداد الحدودي بين السودان وكل من إثيوبيا وإريتريا سهَّل حركة العبور والاستقرار داخل الأراضي السودانية، لافتاً إلى أنَّ سياسة الاستضافة في السودان اتسمت في كثير من الحالات بطابع مفتوح وطويل الأمد.

هذا النمط تعكسه تصريحات بعض من التقتهم الفراتس من اللاجئين، ومنهم أداني نور، وهو شاب في بداية العشرينيات. أخبرنا أنه ولد في السودان وعاش وتربى في مدينة كسلا، حيث كان يعمل ميكانيكياً في سوق الميرغنية قبل أن تدفعه الحرب الأخيرة إلى العودة القسرية إلى بلده الأصلي إثيوبيا.

يضيف: "تزوَّجت من قوميتي هناك، فمدينة كسلا تضمّ عدداً كبيراً من الإثيوبيين". وعن حياته واندماجه في السودان، يقول: "السودانيون طيِّبون وكانت حياتنا معهم طبيعية، وتجمعنا بهم مناسبات وعلاقات اجتماعية كثيرة. ورغم أننا إثيوبيون في وسط سوداني، لم نشعر يوماً بأننا غرباء، سواءً في كسلا حيث تقيم أسرتنا الكبيرة أو في مدن سودانية أخرى".

هذا الوضع لم يستمر، فقد دفعت الحرب في السودان منذ 2023 كثيراً من اللاجئين والمهاجرين الإثيوبيين إلى العودة قسراً إلى بلدهم الأصلي. ووفقاً لبيانات المنظمة الدولية للهجرة، سُجِّل عبور 57,568 إثيوبياً الحدودَ حتى 7 أغسطس 2024، من بينهم 11,771 شخصاً كانوا مصنفين لاجئين في السودان بحسب ما نقلت المنظمة في تقريرها عن مفوضية اللاجئين التابعة الأمم المتحدة. وتشير المفوضية إلى أنَّ رحلة العودة كانت طويلة وخطيرة بالنسبة لعدد كبير من العائدين.

وعمَّا أحدثته الحرب يقول نبيل الطيب إنها "خلقت وضعاً مختلفاً وكان بمثابة كارثة عكسية، بعدما دفعت آلاف السودانيين للنزوح نحو إثيوبيا. وفي الوقت نفسه كانت فاجعة عكسية لآلاف الإثيوبيين الذين أجبروا على مغادرة السودان والعودة إلى بلد أنستهم الأيام معالمه، لتتجدد معاناتهم وتشردهم بين حدود البلدين". عادوا إلى إثيوبيا دون امتلاك مقومات تساعدهم على إعادة بناء حياة مستقرة هناك.


مع سنوات اللجوء الممتدة في السودان انقطعت صلة آلاف الإثيوبيين بالمناطق التي غادروها، خاصة مع عدم بقاء ممتلكات أو موارد يمكن الاعتماد عليها عند العودة. كذلك فإنِّ بعض العائدين لم يعودوا يملكون أوراقاً ثبوتية وروابط عائلية أو عناوين دقيقة داخل بلدهم الأصلي، ما زاد من تعقيد عملية إعادة الاندماج.

وما زاد الأمر تعقيداً لفئات واسعة منهم هو اشتراط السلطات الإثيوبية على العائدين تقديم عناوين أو كفلاء محليين لاستكمال إجراءات الحصول على الوثائق الثبوتية، بما في ذلك استخراج جوازات السفر. تحدثنا مع عدد من هؤلاء في العاصمة أديس أبابا، وتواصلنا مع آخرين عبر الهاتف من أماكن نزوحهم في مخيمات حدودية ومدن أخرى داخل إثيوبيا.

إحداهنّ سلام أبرها، التي تقول للفراتس: "زوجي سوداني وخرجت من السودان بينما لا يزال هو وأبنائي هناك". وتوضح، معللةً تشتت شمل عائلتها، أنَّ العائدين إلى إثيوبيا كانوا ينقسمون إلى فئات مختلفة، بعضهم يحمل جوازات سفر إثيوبية أو شهادات ميلاد، خاصة أولئك الذين ولدوا في السودان. في حين يحمل آخرون بطاقة سودانية تُعرف بِاسم "حصر أجانب"، تُمنح للَّاجئين الإثيوبيين المقيمين في السودان. وتشير سلام إلى أنَّ السلطات الإثيوبية تتعامل مع هؤلاء باعتبارهم مواطنين إثيوبيين، وتسمح لهم بالدخول لاستكمال إجراءات الحصول على الوثائق الرسمية أو بدء حياتهم مجدداً داخل البلاد.

ولم تكن قصة فتحية أمان مختلفة كثيراً عن عدة عائلات إثيوبية اضطرت فجأة لسلوك رحلة عودة قسرية إلى بلد لم تعد تعرف عنه سوى الاسم والذكريات البعيدة.

تقول فتحية، وهي شابة في الثلاثينات من عمرها، للفراتس: "عشت مع أسرتي في حي الجريف بالخرطوم وتوفي والدي سنة  2020 بفيروس كورونا. بعد ذلك تولَّت والدتي إعالتنا وكانت تبيع الإنجيرا (خبز إثيوبي) لبعض المطاعم في المنطقة". تضيف: "حتى اندلاع الحرب، كنَّا نعيش أنا ووالدتي وشقيقتاي وشقيقِي الصغار حياةً جيِّدة. لكن الحرب أجبرتنا على مغادرة منزلنا في الجريف. وعندما سافرنا [إلى إثيوبيا] ضمن رحلات نظمتها الأمم المتحدة، لم تكن لدى والدتي أي أموال، وتركنا منزلنا من دون أخذ أي شيء منه". وتتابع فتحية: "الآن نحن على الحدود تحت رحمة الله وما تمنّ به علينا المنظمات الدولية من طعام وشراب، وهناك أيضاً مساعدات تقدمها لنا إدارة اللاجئين الإثيوبية".

ومن ثم تنوِّه إلى أنَّ "المشكلة أننا لا نعرف ماذا نفعل، فإثيوبيا وطننا الأول، لكننا لا نملك فيها منزلاً أو مكاناً نذهب إليه. حتى والدتي لا تعرف أحداً من أقاربها هناك، إذ غادرت إثيوبيا مع والديها وهي طفلة صغيرة". تواصل فتحية حديثها قائلةً: "أنا أيضاً وُلدت في السودان، وعندما طلبت منا السلطات الإثيوبية أوراقنا، قدمت والدتي شهادات الميلاد، فسمحوا لنا بالدخول. لكن السؤال الذي يواجهنا الآن هو: إلى أين نذهب؟".

لهذا السبب فضَّلت العائلة البقاء في معسكر للاجئين على الحدود إلى حين توقف الحرب في السودان، وتعلل فتحية ذلك بأنهم "سيعودون حينها إلى منزلهم في الخرطوم".

وعن تجربة عودة متشابهة ولكن مختلفة ببعض تفاصيلها، يقول الستيني يارد تسفاي للفراتس، إنهم استُقبلوا بترحاب عند وصولهم إلى الحدود الإثيوبية، لكن السلطات الأمنية طلبت منهم إبراز أوراق ثبوتية مثل جوازات سفر أو شهادات ميلاد. يردف: "هناك قلة فقط ممن لديهم جوازات سفر، بينما يحمل آخرون شهادات ميلاد تثبت أصولهم الإثيوبية".

وتتكرر الرواية نفسها في شهادات كثير من العائدين، الذين واجهوا إجراءات معقدة لإثبات هويتهم والانتماء إلى بلد غابوا عنه أعواماً طويلة، ومنهم الأربعيني أسفا قيتاشوا. قال لنا: "كنت أعيش في الخرطوم وأعمل سائق ركشة [توكتوك] في منطقة جبرة، ثم عدت إلى إثيوبيا عبر القضارف".

ويشرح أنه عند وصولهم إلى الحدود استقبلتهم منظمات إنسانية، بينما طلبت السلطات الإثيوبية من العائدين إبراز أي وثائق تثبت هويتهم، "كل من كان يملك وثائق حصل على ورقة بيضاء تُستخدم إذن دخول رسمي، حتى يتمكن لاحقاً من استكمال إجراءاته والعمل باعتباره مواطناً إثيوبياً". لكنه يشير إلى أن بعض العائدين لم تكن لديهم أي وثائق إثيوبية، فطلبت منهم السلطات تقديم عناوين أو أرقام هواتف أشخاص يمكنهم تأكيد هوياتهم. 

وحسب قيتاشوا، من لم يتمكن من إثبات أصله الإثيوبي، أو لم يكن يملك شهادة ميلاد أو جهة تُزكيه، كان يُسمح له فقط بدخول معسكر اللاجئين في المتمة داخل إثيوبيا باعتباره لاجئاً. ليستدرك قائلاً أنَّ "هناك عدداً ممن دخلوا المعسكر لأنه لم يكن لديهم خيار آخر".

وبينما واجه كثير من العائدين صعوبات في إثبات هوياتهم أو العثور على مكان يستقرون فيه، كانت تجربة غيرهم أقل تعقيداً إجرائياً، لكن ليس دون ثمن. حواء نور واحدة من هؤلاء، وهي مواطنة إثيوبية كانت تعيش في القضارف. تقول للفراتس إنها لم تواجه صعوبة في دخول إثيوبيا بعد حصولها على إذن عبور من السلطات، وتمكنت لاحقاً من استخراج جواز سفر إثيوبي. لكن بالنسبة لها فالتحدي الحقيقي بدأ بعد الدخول، "الحياة صعبة في إثيوبيا بالنسبة لشخص لا يملك بيتاً أو مصدر رزق أو مالاً يبدأ به من جديد".

وحتى إن كان الانتقال لإثيوبيا من السودان سالكاً نسبياً لبعض النازحين، ولكن يبقى للنزوح أثرٌ عابرٌ للأجيال وليس مجرد انتقال جغرافي. إذ تتشابه في سياقه مصائر أجيال عاشت بين البلدين في أزمنة مختلفة. وهو التشابك التاريخي الذي تحكي عنه أسرة الثمانيني جمال نقوسي، ويحمل من بين ما يحمل تعقيدات متعلقة بالتشتت بين بلدين والانتماء لكل منهما.

يقول جمال للفراتس إنَّ والده جاء إلى السودان قبل عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي (تولّى الحكم سنة 1930)، وعمل عسكرياً في الجيش السوداني على عهد الحكم البريطاني مطلع القرن العشرين. لذا فإن حياته امتدت بالكامل داخل السودان، حيث أكمل تعليمه وحصل على الجنسية السودانية، وعمل موظفاً حكومياً. كذلك، فإنَّ زوجته سودانية من أصول إثيوبية، ولديهما أربعة أبناء غادروا لاحقاً إلى كندا وحصلوا على الجنسية الكندية، مع احتفاظ بعض أفراد العائلة بروابط في إقليم تيغراي.

بدورها تؤطر الزوجة بدرية مشكور للفراتس تجربة النزوح القسري ببُعده العابر للأجيال بما يتجاوز حدود الحرب فقط، ليمتد إلى تعقيدات الإجراءات القانونية بين البلدين. وتوضح قائلة: "جئنا إلى إثيوبيا خلال حرب السودان بجوازات سودانية، وحصلنا على تأشيرة دخول مثل غيرنا من الوافدين، لكننا نواجه مشكلة انتهاء صلاحية الإقامة". وتشير إلى أنَّ التأشيرة تُمنح عادة لمدة شهر قابل للتمديد إلى شهرين، لكن تجاوز هذه المدة يترتب عليه غرامات تصل إلى عشرة دولارات يومياً، مع رسوم شهرية للتمديد تبلغ نحو مئة دولار. وهو ما يشكل عبئاً كبيراً على كثير من اللاجئين الذين يعانون أصلاً من ضيق الموارد وصعوبة تأمين احتياجاتهم اليومية، وفق تعبيرها.

ومن أجل تنظيم العبور على طول الحدود البرية بين السودان وإثيوبيا، تعمل هيئة شؤون اللاجئين والعائدين التابعة للحكومة الإثيوبية بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فتفحص وتعدّ السودانيين وغير السودانيين الذين يسعون للحصول على الحماية الدولية في إثيوبيا. بالإضافة إلى اللاجئين الإثيوبيين العائدين إلى البلاد، بحسب بيان لمفوضية اللاجئين في أغسطس 2025.

ويأتي هذا الجهد مكملاً تشكيل الحكومة الإثيوبية عقب اندلاع الحرب السودانية، لجنة وطنية لإعادة اللاجئين الإثيوبيين من السودان. وقد أعادت بالفعل عشرات الآلاف منهم من المخيمات والمناطق السودانية المختلفة، وقدمت الخدمات اللازمة لهم في المناطق الحدودية، بحسب تصريح لوزيرة الدولة للشؤون الخارجية بيرتوكان أيانو في أكتوبر 2023.

في هذا السياق، تقول الحكومة الإثيوبية إن سياستها تقوم على استقبال النازحين واللاجئين من دول الجوار وتقديم الحماية لهم، باعتبار ذلك مسؤولية إنسانية وإقليمية، لكنها تحذر في الوقت نفسه من قدراتها المحدودة. 

وتعلق المديرة العامة لإدارة اللاجئين والعائدين الحكومية، طيبة حسن، في بيان في ديسمبر 2025 بأن إثيوبيا أوفت بالتزامها حماية اللاجئين، "لكن هذه المسؤولية الجسيمة لا يمكن للحكومة وحدها أن تتحملها". وتضيف أن "مواردنا مستنزفة إلى أقصى حد، والضغط على المجتمعات المستضيفة بات لا يطاق في هذا الوقت الحرج. ويعد الدعم الدولي الفوري لتقاسم هذا العبء وتجنّب كارثة إنسانية أمراً حتمياً".

لم تتوقف معاناة كثير من العائدين عند عبور الحدود، ودفعت البعض لمحاولة العودة للسودان.


بين من تعثرت إجراءات دخوله إلى إثيوبيا، ومن لم يكن يملك تكاليف السكن والمعيشة أو عنواناً يستند إليه، فضَّل كثيرون محاولة العودة سريعاً إلى السودان. وفي حين تمكَّن نفرٌ ممن كانوا يملكون أوراقاً ثبوتية أو ما يثبت إقامتهم السابقة من دخول السودان، فوجئ آخرون عند الحدود بمنع السلطات السودانية عدداً منهم من العودة بحجة الظروف الأمنية التي تشهدها البلاد.

يقول أداني كبدا إنَّ بعض الأفراد والعائلات حاولوا العودة إلى المدن التي كانوا يقيمون فيها داخل السودان، لكن السلطات السودانية منعتهم من الدخول بحجة عدم امتلاكهم وثائق رسمية أو تصاريح إقامة. حصل ذلك رغم أنَّ كثيرين من هؤلاء كانوا يعيشون في المدن السودانية اعتماداً على بطاقات لجوء. ويضيف أن السلطات طلبت من بعضهم استخراج جوازات سفر إثيوبية والحصول على تأشيرات دخول رسمية.

وحسبما أخبرنا كبدا، عرضت السلطات السودانية نقل العائدين إلى معسكرات اللجوء الواقعة على الحدود السودانية، إلا أنَّ عدداً منهم رفض وفضّل البقاء في معسكرات اللاجئين بمدينة المتمة داخل إثيوبيا.

بالمقابل، يقول هيلي ودميكائيل، وهو رجل إثيوبي في منتصف العمر، إنه كان يعمل في سوق العشرة بالخرطوم، وكان مسجَّلاً في السودان لاجئاً يحمل بطاقة لجوء. ويوضح أنه عند خروجه عبر الحدود سجَّل نفسه مواطناً إثيوبياً. وعندما عاد للسودان، منحته السلطات تصريح دخول مجدداً استناداً إلى وضعه المسجل سابقاً.

لكن هذا الإجراء الذي استفاد منه هيلي وعدد من اللاجئين، لم يسرِ على لاجئين آخرين لديهم الحالة نفسها، بحسب ما أخبر عدد منهم الفراتس مع تحفظهم على ذكر أسمائهم.

تعليقاً على هذا الوضع، يقول السفير السابق عصام محي الدين خليل إنَّ سياسة الحكومة السودانية تجاه اللاجئين تستند إلى اعتبارات إنسانية وإلى الالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية المنظمة لقضايا اللجوء. لكنه يشير في حديث مع الفراتس إلى أنَّ هذه الحرب "أثرت على النهج المتسامح الذي اتبعه السودان أعواماً في التعامل مع ملف اللجوء، بسبب مشاركة بعض الأجانب واللاجئين في النزاع. وهو ما دفع السلطات إلى تشديد إجراءات تنظيم وجود الأجانب وتفعيل القوانين المتعلقة بالهجرة غير الشرعية".

ويرى خليل أنَّ أعداد اللاجئين في السودان تفوق في كثير من الأحيان الإحصاءات الرسمية الصادرة عن المنظمات المعنية. فالبيانات ترصد غالباً اللاجئين المسجلين داخل مخيمات الإيواء، في حين يعيش عدد كبير منهم خارج المخيمات. وبالنسبة له فإن "طبيعة المجتمع السوداني سهل المعشر والكريم، أسهمت في اندماج كثير من اللاجئين داخل المجتمعات المحلية، حيث استفادوا من خدمات التعليم والصحة والعمل والسكن، ما وفَّر للبعض ظروفاً مناسبة للاستقرار داخل السودان أو العودة لاحقاً إلى بلدانهم أو العبور إلى دول أخرى".

لكنه يستدرك بأن هذا الاندماج الطويل الذي جعل السودان بالنسبة لكثيرين أكثر من مجرد بلد لجوء، تحوَّل مع اندلاع الحرب الأخيرة إلى مصدر جديد للقلق. خصوصاً بالنسبة للأجيال التي وُلدت ونشأت داخله ولم تعرف وطناً غيره.


يصف أنور إبراهيم، الكاتب والصحافي الإثيوبي المتخصص في العلاقات الإثيوبية السودانية، تجربة جيله من الشباب الإثيوبيين الذين وُلدوا ونشؤوا في السودان فعلقوا بين بلدين بعد اندلاع الحرب الأخيرة. يقول لنا إنَّ الحرب كان لها تأثير كبير ليس فقط على السودانيين، بل أيضاً على ما يصفهم بإثيوبيي السودان، وهم فئات متعددة تضم لاجئين هاجروا إلى السودان منذ عقود، إلى جانب أجيال وُلدت وترعرعت داخله، حتى باتوا بحسب تعبيره "إثيوبيين بالاسم وسودانيين بالثقافة".

يضيف: "هؤلاء هم الأكثر تضرراً، لأنهم سودانيون في كل شيء، في التعليم والتربية والعادات واللغة. حتى أنَّ كثيرين منهم لا يتحدثون لغات إثيوبيا الأصلية". ويوضح أن كثيراً من هؤلاء وجدوا أنفسهم بعد الحرب أمام حالة من الضياع، إذ لا يعرف بعضهم إلى أين يعود، بينما يفتقد آخرون أي روابط عائلية أو معرفة حقيقية بمناطق أصولهم داخل إثيوبيا. كذلك يواجهون تحديات تتعلق بالأوراق الرسمية والاندماج والتنقل، ويشعرون بالغربة في بلد تعود إليه جذور آبائهم وأجدادهم فقط.

ويعلل إبراهيم تفضيل عدداً من العائدين البقاء في معسكرات اللجوء القريبة من الحدود لغياب أي روابط اجتماعية أو موارد تساعدهم على بدء حياة مستقرة داخل إثيوبيا، مضيفاً أنّ كثيرين منهم ما يزالون يأملون بالعودة إلى السودان متى ما توقفت الحرب.

ويتحدث آسفاً عن معاناة فئة أخرى بقيت داخل السودان رغم ظروف الحرب، "بعض الإثيوبيين الذين اعتادوا العيش في المدن السودانية وفضلوا البقاء فيها، نُقلوا إلى معسكرات اللاجئين وعُومِلوا كأنهم غرباء [. . .] بعد سنوات طويلة من الاستقرار والاندماج داخل المجتمع السوداني".

ولا تتوقف تداعيات النزوح القسري عند فقدان الاستقرار المادي والاجتماعي، بل تمتد إلى آثار نفسية عميقة، خصوصاً لدى أولئك الذين نشؤوا بين هويتين ولم يعودوا يشعرون بانتماء كامل إلى أي منهما. فلا يواجه هؤلاء صدمة الاقتلاع فحسب، إنما أيضاً ارتباك الانتماء، وكأنهم معلَّقون بين هويتين. ففي السودان عاشوا "إثيوبيين"، وفي إثيوبيا قد يُنظر إليهم قادمين من الخارج، لهجتهم مختلفة وتجاربهم مغايرة. وفي جزء من ذلك امتداد للغبن العابر للأجيال الذي حدثنا عنه جمال نقوسي من مكان نزوحه، ولمسناه في أقوال نازحين آخرين.

تقول الأستاذة في علم النفس، منى الهادي بابكر، إنَّ "هجرة الإثيوبيين العكسية التي فرضتها الحرب في السودان من أكثر أشكال اللجوء تعقيداً وإيلاماً على المستوى النفسي". وتنسب ذلك لارتباط من عايشوها بما يُعرف بصدمة الهوية والانتماء. إذ يعيش الفرد حالة من الازدواجية القاسية، فلا يشعر بأنه سوداني بالكامل، ولا يجد نفسه مندمجاً بصورة طبيعية داخل المجتمع الإثيوبي الذي عاد إليه. وتضيف: "في مثل هذه الظروف تتزعزع صورة الإنسان عن نفسه، ويبدأ في طرح أسئلة وجودية مرتبطة بالهوية والانتماء: من أنا؟ وإلى أين أنتمي؟".

بعض الشباب والمراهقين في هذه الحالة قد يواجهون مشاعر الخجل أو الإقصاء الاجتماعي، إلى جانب الإحساس بفقدان الأمان والاستقرار. وهو ما توضحه بابكر بالقول إنّ "الانتقال القسري يعني بالنسبة لكثيرين فقدان المنزل والعمل والمدرسة والعلاقات الاجتماعية دفعة واحدة، وهو ما يترك أثراً نفسياً بالغاً على الفرد".

ولا ينتهي الأمر على ذلك، فغياب الروابط العائلية أو عدم وجود مكان واضح يمكن اللجوء إليه داخل إثيوبيا، على حد قولها، "يعمِّق الشعور بالتيه وفقدان الجذور، ويرفع مستويات القلق المزمن واضطرابات النوم وغيرها من الاضطرابات النفسية".

ولا تنتهي آثار النزوح القسري عند حدود الحرب أو الشعور بالاغتراب، فهذه التجارب تترك آثاراً نفسية عميقة قد تمتد أعواماً، فيما يُعرف بالصدمة النفسية "التروما". وهنا تعلق الأستاذة في علم النفس: "كثير من العائدين ما يزالون يحملون آثار التجارب القاسية التي عاشوها خلال الحرب في السودان، بما في ذلك مشاهد القصف والنزوح وفقدان الأقارب والمعارف، وهي آثار تظهر بصورة أكبر لدى النساء والأطفال من خلال نوبات الخوف والكوابيس واستعادة المشاهد المؤلمة". وترى أنَّ هذا الشعور المستمر بعدم الاستقرار قد يدفع بعضهم إلى التفكير في الهجرة مجدداً، حتى وإن كان ذلك عبر طرق غير آمنة.

وفي ما يتعلَّق بالمسؤولية الإنسانية تجاه هذه الفئات، تقول بابكر إن الأولوية يجب أن تنطلق من حماية المدنيين بغضِّ النظر عن جنسياتهم، مع توفير ممرات آمنة وخدمات إجلاء تحفظ الكرامة الإنسانية. ويشمل ذلك تعزيز التنسيق بين الحكومات (إثيوبيا والسودان بالذات) والمنظمات الدولية لضمان الحقوق القانونية للَّاجئين وحماية ممتلكاتهم، إلى جانب توفير مراكز استقبال وسكن ملائم وبرامج تساعد على التعليم والاندماج داخل المجتمعات الجديدة.

كذلك تشدد المتحدثة على ضرورة تقديم دعم نفسي واجتماعي، خصوصاً للأطفال والنساء، بالتوازي مع تسهيل استخراج الوثائق الرسمية للذين فقدوا أوراقهم الثبوتية، بما يسمح لهم بالعمل والاستقرار والاندماج بصورة طبيعية.

ومن التقييم النفسي للأزمة إلى الجانب العملياتي، لاسيما مع تزايد أعداد العالقين بين السودان وإثيوبيا، تتصاعد الدعوات إلى إيجاد معالجات إنسانية وقانونية تراعي خصوصية أوضاع اللاجئين الذين فقدوا القدرة على الاستقرار في أي من البلدين.

في هذا الصدد، يقول الخبير في شؤون القرن الإفريقي عمار العركي للفراتس، إنَّ وضع اللاجئين الإثيوبيين الذين استقروا في السودان منذ الثمانينيات، ثم تأثروا بالحرب الأخيرة "بالغ التعقيد ويمثِّل أزمة طارئة تتطلب تدخلاً عاجلاً". ومن منظوره فهؤلاء اللاجئون وجدوا أنفسهم أمام مأزق مزدوج، غير قادرين على الاستقرار في إثيوبيا ويواجهون عراقيل تحول دون عودتهم إلى السودان.

ويرى العركي أنَّ التعامل مع هذه الحالات "يتطلب منح المتضررين وضعاً استثنائياً من خلال إصدار تصاريح أو إقامات مؤقتة، مع تجاوز العقوبات المرتبطة بفقدان الأوراق الرسمية. إلى جانب إطلاق برامج دعم مادي مؤقت داخل إثيوبيا لمساعدة العائدين الذين لم يتمكنوا من التأقلم هناك".

بالنسبة له فالحل "يتطلب تنسيقاً مباشراً بين السودان وإثيوبيا، عبر فتح قنوات تعاون بين الجهات المختصة، خاصة المؤسسات المعنية باللاجئين والهجرة". ويرى أنه لا يمكن تجاهل الدور الإعلامي والسياسي في التعاطي مع هذه الأزمة، فمن الضروري "تسليط الضوء على قصص اللاجئين لإظهار حجم المعاناة وتحفيز المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية على التدخل والمساعدة في إيجاد حلول عملية".

من جهته، يرى الأستاذ الجامعي والكاتب المتخصص في القضايا الإفريقية، محمد حسب الرسول، أنَّ الحرب في السودان تمثِّل اختباراً حقيقياً لعلاقات الجوار في المنطقة. ويؤكد للفراتس أنَّ السودان وإثيوبيا تجمعهما تداخلات اجتماعية وشعبية عميقة لا يمكن فصلها، ما يجعل من القضايا الإنسانية عاملاً مباشراً في تشكيل العلاقات بين الدول.

هذا، بحسب تعبيره، يستدعي تنسيقاً وتعاوناً مشتركاً للتخفيف من آثار الكوارث التي تتقاسمها الشعوب الإفريقية في ظل التوترات وعدم الاستقرار. مردّ ذلك برأيه إلى أن "الأوضاع غير الطبيعية الناتجة عن الحروب والكوارث تتطلب قدراً أكبر من التضامن بين الدول المتأثرة، إلى جانب دعم المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية". ويشدد على أنّ معالجة الخلافات السياسية بين الدول والشعوب عنصراً أساساً لضمان الاستقرار والأمن في المنطقة. 


تظل مدينة القضارف، الواقعة على مسافة لا تتجاوز مئة وستين كيلومتراً من مدينة المتمة الإثيوبية، رمزاً متكرراً لعدم الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي، بما تحتضنه من مخيمات لجوء دائمة تنشط كلما تجددت دوافع النزوح الإنسانية. فبقدر ما شكَّلت القضارف في العقود الماضية ملاذاً لملايين اللاجئين الإثيوبيين الفارين من الحروب والمجاعات، تحوَّلت أيضاً إلى محطة عبور معاكسة عند اندلاع الحرب في السودان سنة 2023. فقد نزح من خلالها لاجئون مثل أسرات حقوص وأسرته، إلى جانب سكان محليين وأجانب.

وفي هذه الصورة المعقدة ما بين إثيوبيا والسودان انعكاس أوسع لاستمرار حالة الدوران في دوامة النزوح داخل منطقة القرن الإفريقي، حيث تتداخل العوامل السياسية والاقتصادية والأمنية مع النزاعات المحلية والتدخلات الإقليمية والدولية. وهو ما يبقي الاستقرار هشاً ويجعل من حركة السكان حالة دائمة. وبين هذا وذاك، تتجدد مآسي التهجير وفقدان الاستقرار، لتبقى قصص النازحين باختلاف فئاتهم شاهدةً على ذلك الواقع العابر للحدود، وتتشكل فيه ومن خلاله الهوية والذاكرة في مساحة قد تكون دائمة من الغربة والبحث عن مأوى آمن.

اشترك في نشرتنا البريدية