من الاستعمار البريطاني إلى الاعتراف الإسرائيلي.. كيف تحوّل ميناء بربرة من ميناء إلى معترك للسيادة؟

من يسيطر على ميناء بربرة في الصومال يمتلك أداةً سياسيةً واقتصاديةً قويةً، لكنّها لا تكفي لضمان الاعتراف الدولي.

Share
من الاستعمار البريطاني إلى الاعتراف الإسرائيلي.. كيف تحوّل ميناء بربرة من ميناء إلى معترك للسيادة؟
الصراع على ميناء بربرة كان صراعاً على السيادة | تصميم خاص بالفراتس

"يجب أن يرى جميع أبناء أرض الصومال في تطوير ميناء بربرة جزءاً من أصولهم الوطنية، وأن يدعموا الجهود الرامية إلى جعله بوابةً للتجارة والسفر والاستثمار لشعوب المنطقة". بهذه الكلمات، قدّم رئيس إقليم أرض الصومال السابق موسى بيهي عبدي الميناء خلال افتتاح ثلاث رافعاتٍ متنقلةٍ في أبريل 2019.

تقع مدينة بربرة على خليج عدن، قرب الممر المؤدي إلى باب المندب والبحر الأحمر، في موقعٍ منحها أهميةً اقتصاديةً وعسكريةً منذ الحقبة الاستعمارية. وتظهر مكانتها في موارد حكومة أرض الصومال المعلَنة ذاتياً. فقد قدّرت موازنة سنة 2025 إيرادات الحكومة المركزية بنحو 367.99 مليون دولار أمريكي، شكّلت الرسوم الجمركية منها 76 بالمئة، أي نحو 279.86 مليون دولار. وجاء نحو 176 مليون دولار من جمارك بربرة وحدها، بما يعادل 63 بالمئة من إجمالي الإيرادات الجمركية. فصار ميناء بربرة، ميناء المدينة الرسميّ، أحد أهمّ مواردها الاقتصادية بعد استعادة الحكومة السيطرة عليه وتأسيس هيئة الموانئ سنة 1993.

يكشف تاريخ ميناء بربرة أنّ الصراع عليه كان صراعاً على السيادة. فقد أسهمت السيطرة على الميناء في تمويل الإدارة والجيش والشرطة، وفي تعزيز قدرة الحكومة المعلنة ذاتياً على احتواء الانقسامات العشائرية وترسيخ نفوذها الداخلي. ثم صار الميناء قاعدةً لعلاقات إقليم أرض الصومال الخارجية، من اتفاق شركة موانئ دبي العالمية سنة 2016 إلى مذكرة إثيوبيا سنة 2024 ثمّ الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال دولةً لا إقليماً ذا حكمٍ ذاتيٍ سنة 2025. وكانت بربرة أحد أهم الموارد المادية وأدوات التفاوض في بناء سلطة إقليم أرض الصومال، إلى جانب المصالحات المحلية وتسويات النخب، فيما ظلّ الاعتراف الدولي معدوماً قياساً إلى السلطة التي تمارسها على الأرض.


تنبع أهمية مدينة بربرة من امتلاكها ميناءً تجارياً ومن الوظيفة الاستراتيجية التي أدّتها عبر قرون. فقد رأت فيها القوى الاستعمارية حلقةً حيويةً لحماية خطوط إمداد عدن، وتأمين حركة التجارة عبر البحر الأحمر. 

في منتصف القرن التاسع عشر، وصف المستكشف البريطاني ريتشارد بيرتون بربرة في كتابه "فيرست فوت ستيبس إن إيست أفريكا" (أولى الخطوات في شرق إفريقيا) المنشور سنة 1856 بأنها "مفتاح البحر الأحمر الحقيقي ومركز حركة الملاحة في شرق إفريقيا والملاذ الآمن الوحيد للشحن على الساحل الغربي للبحر الأحمر، من السويس إلى غواردافوي". وأضاف: "بفضل أراضيها الخصبة وتلالها المكسوّة بأشجار الصنوبر، كان ميناء بربرة مطمعاً للعديد من الغزاة الأجانب".

جاء ذلك بعد أن أنشأ التاج البريطاني حاميةً عسكريةً في عدن سنة 1839، زوّدت بربرة بالجنود البريطانيين المتمركزين بالمؤن والماشية. وفي سبتمبر 1840، وقّعت بريطانيا اتفاقيةً مع حاكم زيلع (مدينة ساحلية صومالية تقع ضمن نطاق إقليم أرض الصومال) في إطار اهتمام بريطانيا بالصومال عقب احتلال عدن.

خريطة للقرن الإفريفي ويظهر ميناء بربرة | تصميم خاص بالفراتس

آنذاك، سعت بريطانيا إلى فرض سيطرتها على القرن الإفريقي في سبيل بناء إمبراطوريتها الاستعمارية. والقرن الإفريقي جغرافياً هو الجزء الممتد على اليابسة غرب البحر الأحمر وخليج عدن على شكل قرن. وهو بهذا المفهوم يشمل اليوم أربع دول، الصومال وجيبوتي وإريتريا وإثيوبيا، بينما تتسع المنطقة أكثر عند النظر إليها من زاويةٍ سياسيةٍ واقتصادية. وعندما سعت بريطانيا لفرض سيطرتها عليه، استطاعت القوى الأوروبية التقليدية — لاسيما فرنسا وإيطاليا — تقاسم النفوذ مع بريطانيا عبر السيطرة على مناطق لم تقلّ أهميةً عمّا سيطرت عليه الأخيرة. فقد سيطرت فرنسا سنة 1883 على ما سُمّي "الصومال الفرنسي" المعروف حالياً بجيبوتي، في حين استحوذت إيطاليا سنة 1889 على أراضٍ في شمال شرق الصومال ووسطه وجنوبه لتكوين ما سُمّي "الصومال الإيطالي". ومن جهتها، سيطرت بريطانيا سنة 1884 على مساحةٍ تقدَّر بنحو 176 ألف كيلومتر مربّعٍ من الأراضي الصومالية، وأقامت عليها محميةً سمّيت "الصومال البريطاني" متخذةً من مدينة بربرة عاصمةً إداريةً لها.

كانت لبربرة أهميةٌ استراتيجيةٌ لتأمين خطوط الإمداد في تلك المنطقة. فقد أعادت بريطانيا تصميم الميناء لتوجيه إمدادات الماشية إلى مستعمرتها في عدن، التي كانت محطةً مركزيةً للتجارة البحرية مع الهند، وساعدت بربرة في تأمين طرق الإمداد والعبور بين أوروبا والشرق الأقصى والهند البريطانية. ومع أنّ الاهتمام البريطاني ببربرة سبق افتتاح قناة السويس سنة 1869، إلا أن هذا الافتتاح كان من أسباب سيطرة بريطانيا على بربرة، بغية السيطرة على البحر الأحمر. وتجلّت أهمية بربرة في أنّ بريطانيا، مع اضطرارها إلى تقليص التزاماتها العسكرية تجاه محمية الصومال البريطاني عقب الحرب العالمية الأولى، لم تتخلَّ عنها. فظلّ ميناء بربرة نقطة إمدادٍ حيويةً تربط بين الضفتين الآسيوية والإفريقية من البحر الأحمر.

خريطة إقليم الصومال | تصميم خاص بالفراتس

واجهت بريطانيا إبان احتلالها شمال الصومال حركاتِ مقاومةٍ مسلّحة. من هذه الحركات جيش الدراويش الصوماليين، بقيادة محمد عبدالله حسن، ويتبع الطريقة الصالحية الصوفية. استمرّت المقاومة قرابة عقدين، حتى شنّت بريطانيا هجوماً أوائل سنة 1920 نجحت بعده في هزيمة جيش الدراويش وتدمير معاقله، قبل أن يفرّ محمد عبدالله حسن إلى إثيوبيا حيث توفي سنة 1920. 

في خضم الحرب العالمية الثانية، كانت مدينة بربرة مسرحاً لصراعٍ إنجليزيٍّ إيطاليّ. فسنة 1939، خصصت بريطانيا نحو تسعمئة جنيهٍ إسترليني لتعزيز دفاعات المدينة. وأنشأت منصاتٍ للمدفعية وهدمت الطرق المؤدية إلى بربرة. وكان هناك طريقان رئيسان يصلان إلى بربرة، أحدهما عبر هرجيسا وآخر عبر ممرّ الشيخ وفجوة توغ أرغان. هاجمت القوات الإيطالية محمية الصومال البريطاني في أغسطس 1940. ودارت معركة توغ أرغان، التي تراجعت على أثرها القوات البريطانية المتمركزة في هرجيسا وبربرة وبرعو. وأجْلَت بريطانيا قوّاتها عبر ميناء بربرة إلى مدينة عدن في جنوب اليمن، تاركةً الصومال البريطاني للإيطاليين. غير أن هذا الاحتلال لم يدُم طويلاً.

شنّت بريطانيا هجوماً في مارس 1941 ضمن حملتها على شرق إفريقيا، استعادت به السيطرة على محمية الصومال البريطاني، ووضعت الصومال الإيطالي تحت إدارتها العسكرية. فأصبحت معظم الأراضي الصومالية، باستثناء الصومال الفرنسي، خاضعةً للإدارة البريطانية. وسنة 1950، أُعيد الصومال الإيطالي إلى الإدارة الإيطالية مدة عشرة أعوامٍ تحت وصاية الأمم المتحدة، تمهيداً لاستقلاله.

بدأ الاستعمار البريطاني منذ سنة 1946 يعوّل على الحكم غير المباشر عبر العشائر، وعمل على بناء مؤسساتٍ سياسيةٍ حديثةٍ تستند إلى المؤسسات التقليدية. أنشأ مجلساً استشارياً للمحمية ومجالس بلديةً في مدينتَي هرجيسا وبربرة، ومجلساً تشريعياً سنة 1957، ومن ثم مجلساً حكومياً تنفيذياً سنة 1959. هنا يشير الباحث في المركز العربي لدراسة السياسات، صهيب محمود، في دراسةٍ بعنوان "فهم انفصال صوماليلاند: تأريخ تشكل الدولة الصومالية وإخفاقها (1960–1991)"، إلى أنّ الاحتلال البريطاني بنى هذه المؤسسات على العشائرية بحجة المساواة بين القبائل. وهو ما أسهم في إنتاج القبلية التي قامت عليها الصومال ما بعد الاستعمار، وحتى الآن. كان الخطاب السائد في الخمسينيات ينادي بدولةٍ صوماليةٍ موحّدةٍ للشعب الصومالي. وقد ساهم في ظهور هذا الخطاب قيام حزب عصبة الشباب الصومالية في منطقة "الصومال الإيطالي"، والحركة الوطنية الصومالية في منطقة "الصومال البريطاني"، بتكثيف حملاتهما الداعية للوحدة الصومالية والتي كانت تؤيدها بريطانيا آنذاك.


مع نهاية الحقبة الاستعمارية، انتقلت فكرة الوحدة الصومالية من مشروعٍ سياسيٍّ تتبنّاه النخب والأحزاب إلى خطوةٍ تجسّدت في استقلال الإقليمين واتحادهما.

استقلّت محمية الصومال البريطاني في 26 يونيو 1960 بِاسم دولة أرض الصومال، ثم اتحدت بعد خمسة أيامٍ مع الصومال الإيطالي لتأسيس جمهورية الصومال. جاء الاتحاد ضمن مشروع "الصومال الكبير" الذي سعى إلى جمع الأقاليم الصومالية الخمسة: الصومال الإيطالي، والصومال البريطاني، والصومال الفرنسي، والمقاطعة الحدودية الشمالية في كينيا، والصومال الغربي الذي ضمّته إثيوبيا.

أنهى الانقلاب العسكري الذي قاده محمد سياد بري سنة 1969 مرحلة الحكم المدني في الصومال، وأدخل البلاد في حكمٍ عسكريّ. اتجه بري إلى بناء نظامٍ شديد المركزية تركّزت سلطته في مقديشو، واعتمد على التحالفات القبلية في إدارة الدولة. وعقب هزيمة الصومال في حرب الأوغادين سنة 1978، تأسست الحركة الوطنية الصومالية سنة 1981 وتمركزت في شمال الصومال. خاضت الحركة صراعاً طويلاً ضدّ نظام بري، واستندت أساساً إلى أبناء عشائر إسحاق المتمركزة في شمال الصومال، التي نالها تهميشٌ واستهدافٌ متزايدٌ من النظام، لاسيما في ثمانينيات القرن العشرين مع انضمام عناصر من عشائر أخرى إليها، من بينها غادبروسي وورسنغلي ودولبهنتي. في بدايتها، لم تسعَ الحركة الوطنية الصومالية إلى الانفصال. فقد أكدت في بيانٍ لها سنة 1981 أنها "تقترح نظاماً سياسياً جديداً قائماً على القيم الثقافية الصومالية للتعاون بدلاً من الإكراه. نظامٌ يرتقي بالمفهوم الصومالي للخير أو العقد الاجتماعي بين الأسر، الذي لا يمارس فيه أيّ فردٍ سلطةً سياسيةً على آخر إلا وفقاً للقانون والعرف السائدين، إلى المستوى الوطني".

شهد النزاع بين الحركة الوطنية الصومالية ونظام محمد سياد بري تحوّلاً سنة 1988. فقد شنّت الحركة هجوماً واسعاً تمكّنت خلاله من دخول مدينتَي هرجيسا وبرعو والسيطرة على أجزاءٍ واسعةٍ منهما، مهددةً بذلك سلطة الحكومة في شمال الصومال. جاء ردّ بري بحملةٍ عسكريةٍ عنيفةٍ استُخدمت فيها الطائرات والمدفعية لقصف المدن، مما أدّى إلى تدمير أجزاءٍ واسعةٍ من شمال البلاد ونزوح نحو 300 ألف من السكّان إلى مخيمات اللاجئين في إثيوبيا. جاءت هذه التطورات بعد توقيع اتفاق السلام بين الصومال وإثيوبيا سنة 1988، الذي أنهى الدعم الإثيوبي للحركة الوطنية الصومالية. وتُظهر هذه المواجهات أهمية شمال الصومال الاستراتيجية بالنسبة إلى النظام، ليس فقط معقلاً للحركة وحسب، وإنما لاحتضانه ميناء بربرة.


تخطّى النزاع على ميناء بربرة حدود الصراع الداخلي. صار الميناء محوراً للتنافس بين القوى الكبرى خلال الحرب الباردة، ما أثّر في تطويره وتوسعة بنيته التحتية.

خلال الفترة ما بين 1960 و1991، بدأت عملية تطوير ميناء بربرة الفعلية، وإن كانت عملية التطوير وإنشاء الأرصفة جاءت لخدمة طرفَي الحرب الباردة، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. ففي سنة 1969، ومع تزايد نشاط البحرية السوفييتية في المناطق الواقعة شرق قناة السويس وجنوبها، بدأ السوفييت توسيع وجودهم في بربرة بإنشاء الرصيف السوفييتي. وخلال الحرب بين إثيوبيا والصومال سنتَي 1977 و1978، غيّر الاتحاد السوفييتي موقفه وانحاز إلى جانب إثيوبيا. وهو ما أدّى إلى انهيار علاقاته مع الصومال، وفقدانه استخدام منشآته العسكرية في ميناء بربرة.

في المقابل، اتجهت الصومال إلى تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة. فرغم القلق الأمريكي من سياد بري، الذي تبنى الفكر الشيوعي وتحالف مع المعسكر السوفييتي، سعت الولايات المتحدة التموضع في ميناء بربرة بعد غزو السوفييت أفغانستان سنة 1979. ولذلك وقّعت اتفاقيةً مع سياد بري في أغسطس 1980، منحتها حق الوصول إلى المطارات والمرافق المينائية في بربرة ومقديشو. وبهذه الاتفاقية، خضعت مرافق بربرة لمزيدٍ من التحسين ضمن برنامج إنشاءاتٍ عسكريةٍ أمريكيٍّ اكتمل سنة 1985. وفي السنة نفسها، بدأت الولايات المتحدة تقديم مساعداتٍ عسكريةٍ للصومال. فقدّمت مساعداتٍ بقيمة 133.5 مليون دولار، بالإضافة إلى تدريبٍ عسكريّ. مع انتهاء الحرب الباردة، تراجعت أهمية ميناء بربرة الاستراتيجية. وبعد انهيار الدولة الصومالية سنة 1991، انسحبت الولايات المتحدة من الصومال عقب حادثة "سقوط الصقر الأسود" سنة 1993، التي أسفرت عن مقتل ثمانية عشر جندياً أمريكياً.

يَذكر عدن يوسف أباكور، الممثل القُطري لمنظمة "بروغريسيو" البريطانية غير الحكومية في إقليم أرض الصومال أن الحركة الوطنية الصومالية لم تكن مستعدةً للحكم. جاء ذلك في دراسةٍ نُشرت سنة 2019 بعنوان "نافيغيتنغ إ بروكِن ترانزيشن تو سيفيليَن رول [. . .]" (التعامل مع انتقال متعثر إلى الحكم المدني: أرض الصومال 1991–2001). ويتابع أباكور قائلاً: "وجدوا أنفسهم فجأة ينتقلون من حركة تحريرٍ إلى حكومةٍ، إلى إدارةٍ كان من المفترض أن تحكم بلداً وشعباً [. . .]. أصبح رئيس الحركة الوطنية الصومالية رئيساً للبلاد، وتحولت اللجنة المركزية إلى برلمان. ثم فجأةً عمّت الفوضى".

كان هذا بعدما فرّ محمد سياد بري من مقديشو في 26 يناير 1991، بعدما أطاح به تحالفٌ من فصائل المعارضة المسلّحة ضمّ الحركة الوطنية الصومالية. سيطرت الحركة الوطنية على معظم شمال الصومال في 27 من الشهر نفسه. ودخل المؤتمر الصومالي الموحّد مقديشو، معلناً تنصيب علي مهدي محمد رئيساً مؤقتاً دون التوصّل إلى توافقٍ مع بقية فصائل المعارضة حول تشكيل حكومةٍ وطنية. الأمر الذي سرّع انهيار مؤسسات الدولة المركزية، ودفع إقليم أرض الصومال إلى إعلان استقلاله من جانبٍ واحدٍ عن الصومال.

بعدما سيطرت الحركة الوطنية على شمال الصومال، ورثت أرض الصومال في 1991 ميناءً يدرّ لها الأموال، لكنها لم ترِث دولةً قادرةً على تحصيله. لذلك أصبح سؤال "من يسيطر على بربرة" سؤالاً عمّن بيده الحكم نفسه. وفي ظلّ انتشار الميليشيات المسلّحة وأعمال النهب والانقسامات العشائرية، نقلت الحركة عاصمة الإقليم مؤقتاً إلى مدينة بربرة. وبذلك وضعت السيطرة على الأصول العامة، وفي مقدّمتها ميناء بربرة، في صدارة أولوياتها باعتباره أهمّ موردٍ اقتصاديٍ للإقليم. وتبنّت قيادة الحركة سياسةً حذرةً في التعامل مع القبائل غير الإسحاقية، (وهي تكتلات قبلية لا تنتسب إلى عشيرة إسحاق لكنها تعيش بجوارها مثل قبائل الغادابورسي والعيسى والدولبهنتي والورسنجلي) قائمةً على الحوار والمصالحة بدلاً من المواجهة، وهو ما مهّد لانطلاق سلسلةٍ من المؤتمرات العشائرية التي هدفت لاحتواء الصراعات وبناء السلام.


في 18 مايو 1991، أعلن إقليم أرض الصومال استقلاله من جانبٍ واحدٍ عن جمهورية الصومال خلال مؤتمر برعو. وأعلن عن تعيين رئيس الحركة الوطنية الصومالية عبدالرحمن أحمد علي تور أول رئيسٍ للدولة المعلنة ذاتياً لفترةٍ انتقاليةٍ مدّتها سنتان. استمرّت هذه الجولة من المؤتمر أياماً عديدةً، وكان المؤتمر قد بدأ فعلاً منذ 27 أبريل 1991. فقد كان هناك انقسامٌ بين قادة العشائر بشأن مستقبل الإقليم، بين مؤيدٍ للاستقلال وآخر يفضّل الإبقاء على وحدة الصومال.

سبقت مؤتمرَ برعو سلسلةٌ من جهود المصالحة التي بادرت إليها الحركة الوطنية الصومالية بعد انهيار نظام سياد بري، بهدف إنهاء الصراعات المحلية وتوحيد موقف العشائر. فبعض عشائر شمال الصومال كانت تقاتل إلى جانب قوات الحكومة المركزية ضدّ الحركة الوطنية الصومالية إبان الحرب الأهلية. ونتحدث هنا عن عشيرة ورسنغلي في منطقة إريغافو بمحافظة سناج، وعشيرة دولبهنتي (أو الدلبهانتة) في مدينة لاسعانود عاصمة محافظة سول، إضافةً إلى عشيرة غادبروسي التي تتمركز في إقليم أودال.

جرت عملية المصالحة في مدينة بربرة وعُقد مؤتمر سلامٍ في المدينة من 15 إلى 21 فبراير 1991، جمع قيادة الحركة الوطنية الصومالية وممثلي عشائر أرض الصومال. نصّ المؤتمر على وقف إطلاق النار بين القبائل، وكان خطوةً تمهيديةً نحو تطبيق مبدأ الحركة الوطنية الصومالية بشأن التعايش السلميّ بين جميع قبائل إقليم أرض الصومال.

سعياً إلى بناء حكومةٍ مركزيةٍ في أرض الصومال، الدولة المعلَنة من طرفٍ واحدٍ، حاول الرئيس عبدالرحمن أحمد تور السيطرة على ميناء بربرة سنة 1992. كان الميناء آنذاك تحت سيطرةٍ مشتركةٍ بين ميليشياتٍ عشائرية، منها عشيرة هبر يونس وهي إحدى العشائر الرئيسة في تحالف غارهاجيس المنتمي إلى الأسرة العشائرية الكبرى إسحاق، تشكّل نحو 70 بالمئة من سكّان أرض الصومال. وهي العشيرة التي ينتمي إليها الرئيس، إلى جانب قواتٍ يقودها إبراهيم ديغاوين، أحد قادة الميليشيات المنتمي إلى تحالف آلان آس الذي ضمّ عشيرتَي هبر عوال وهبر جلو، وهما أيضاً من فروع أسرة إسحاق. فعمل تور على تنظيم قوةٍ عسكريةٍ وطنيةٍ لنزع سلاح ميليشيات القبائل المتمركزة في الميناء.

كان تنفيذ هذه الخطة يتطلب موارد ماليةً كبيرةً لتمويل برامج دمج وتسريح المقاتلين، ما جعل السيطرة على الأصول العامة — وفي مقدّمتها ميناء بربرة الأصل الأكثر ربحية — أولويةً للحكومة الناشئة. فقد قدّر وزير التخطيط والتنمية السابق في حكومة أرض الصومال محمد عبدي دينبيل غالبيدي، في النصف الثاني من سنة 1991، قيمة الثروة الحيوانية المصدَّرة إلى دول الخليج العربي عبر ميناء بربرة بحوالي ستة ملايين دولار أمريكي. تلك كانت أول ميزانيةٍ لحكومة أرض الصومال، التي قدّمها وزير المالية الأسبق إسماعيل حرّي، والذي تولى المنصب بين سنتَي 1991 و1993، نحو 250 مليون شلن صومالي (قرابة 3.4 مليون دولار أمريكي). يوضّح هذا التفاوت بين إيرادات الميناء وإجمالي موارد الحكومة حجم الأهمية التي اكتسبها ميناء بربرة. ويفسّر إصرار الرئيس تور على إخضاعه لسيطرة حكومة الإقليم لأنه المصدر الرئيس لتمويل مشروع بناء الجيش وترسيخ مؤسسات دولةٍ معلنةٍ ذاتياً.

قاد سعي تور للسيطرة على الميناء إلى مواجهةٍ مع ميليشيات إبراهيم ديغاوين، التي استعادته في سبتمبر 1992 وحرمت الحكومة من عائداته. وقد تزامن فقدان الميناء مع اتساع الانقسامات داخل الحكومة وتدهور الأمن، حتى تولى شيوخ العشائر إدارة كثيرٍ من النزاعات المحلية. وكشف عجز الحكومة، خلال سنتَي 1991 و1993، السيطرة على موردها الأساس ارتباط بناء السلطة بامتلاك الميناء. فدفع تور إلى التفاوض مع المعارضة عبر مؤتمرات السلام.

نجح مؤتمر الشيخ، الذي عُقد في أكتوبر 1992 وضمّ قادةً من مختلف عشائر أرض الصومال، في التوصّل إلى تسويةٍ بين المتحاربين في بربرة. ونصّت وثيقته الختامية على أنّ المرافق العامة والممتلكات الموجودة في بربرة، مثل الميناء ومستودعات الوقود والمطار، هي ممتلكاتٌ عامةٌ ولا يجوز حرمان شعب أرض الصومال من الوصول إليها. وتقع مسؤولية إدارتها والسيطرة عليها على عاتق السلطة المركزية.

لم توافق قبيلة هبر عوال على هذا النصّ، فاستُبدلت بكلمة "بربرة" عبارة "أرض الصومال". وبذلك امتدّ مبدأ خضوع الموارد العامة لسلطة الحكومة المركزية ليشمل جميع ممتلكات أرض الصومال، وليس ميناء بربرة وحده. "كان مؤتمر الشيخ بالغ الأهمية لأنه حسم النزاع حول ميناء بربرة وأكد مكانته كموردٍ عامٍّ، مما ضَمِنَ للحكومات المستقبلية في أرض الصومال مصدراً للدخل لبناء إدارتها". هذا ما ذكره عدن يوسف أباكور في دراسةٍ بعنوان "صومالي لاند: شوزينغ بوليتيكس أوفر فَيولنس" (أرض الصومال: تغليب السياسة على العنف) المنشورة سنة 2003.

جاء مؤتمر بوراما الذي استمر خمسة أشهرٍ، من يناير إلى مايو 1993، استكمالاً لمسيرة المصالحة الوطنية، وضمّ أكثر من مئةٍ وخمسين مندوباً يمثلون معظم عشائر أرض الصومال. أرسى المؤتمرُ إطارَ أرض الصومال المؤسسيَّ الجديدَ عبر الميثاق الوطني، والذي ظلّ بمثابة دستورٍ إلى حين اعتماد الدستور المؤقت في مؤتمر هرجيسا سنة 1997. وساهم الميثاق في الانتقال السلميّ للسلطة من الحركة الوطنية الصومالية إلى حكومةٍ مدنيةٍ حين انتُخب محمد حاجي إبراهيم عقال ثانيَ رئيسٍ للدولة المعلنة ذاتياً، خلفاً للرئيس عبدالرحمن تور.

شكّل الميثاق الوطني أساساً لتأسيس نظام الحكم العشائري بتبنّي نظام "بيل"، وهو أسلوب إدارةٍ سياسيةٍ يقسِّم السلطة والمناصب بناءً على صلة القرابة ونَسَب العشائر لضمان السِلم ومشاركة الجميع. نصّ الاتفاق على أن تتكوّن الحكومة من سلطةٍ تنفيذيةٍ مؤلفةٍ من رئيسٍ ونائبِ رئيسٍ ومجلسٍ للوزراء، وسلطةٍ قضائيةٍ مستقلّة. وتتكوّن أيضاً من سلطةٍ تشريعيةٍ هي عبارةٌ عن برلمانٍ من مجلسين، مجلس نوابٍ منتخَبٍ ومجلس شيوخٍ غير منتخَبٍ "الغورتي". أضفى مجلسُ الغورتي الطابعَ الرسميَّ على دور شيوخ القبائل في إدارة الشؤون السياسية وحلّ النزاعات. وبموجب ميثاق السلام، اتُّفق على حلّ الميليشيات العشائرية ودمج أفرادها تدريجياً في المؤسسات الحكومية.

ورغم انعقاد تسوياتٍ قبليةٍ هدفت لترسيخ السلام خلال المؤتمرات السابقة، إلّا أن عهد حكم محمد حاجي إبراهيم عقال لم يخلُ من الصراعات العشائرية. تصاعدت التوترات بين الحكومة وبعض فروع عشيرة الإسحاق إثر سعي عقال لبسط سلطة دولته المعلَنة ذاتياً على الموارد الاستراتيجية، بعدما أنشأ هيئة ميناء بربرة سنة 1993 وسعى للسيطرة على مطار هرجيسا. أدّى ذلك إلى اندلاع حربٍ أهليةٍ استمرت من نوفمبر 1994 حتى أكتوبر 1996، ونزح بسببها أكثر من مئةٍ وثمانين ألف شخصٍ، وألحقت أضراراً بالغةً بمدينتَي برعو وهرجيسا. هنا اتضحت هشاشة عملية المصالحة وحدود الإجماع على مشروع استقلال أرض الصومال عندما أعلنت فروع الجركساجي، أقارب الرئيس السابق عبدالرحمن تور، دعمهم صومالاً فيدرالياً ورفضهم استقلال أرض الصومال.

انتهت الحرب الأهلية عقب انعقاد مؤتمر هرجيسا للمصالحة بين أكتوبر 1996 وفبراير 1997، الذي نجح في تثبيت اتفاق السلام ومدّد ولاية الرئيس محمد حاجي عقال أربعة أعوامٍ إضافية. انتهت ولايته سنة 2002 وأقرّ دستوراً انتقالياً مؤقتاً لأرض الصومال، طُوِّر لاحقاً وصُدِّق عليه باستفتاءٍ شعبيٍّ سنة 2001.

ربط عقال ركائز الاقتصاد بمشروع بناء "الدولة". لذا سعى إلى إحكام سيطرة الحكومة على ميناء بربرة، بعد أن أخفقت الحكومة السابقة بقيادة عبدالرحمن أحمد علي تور في فرض سيطرتها الكاملة عليه. بعد انتخابه، عقد عقال تحالفاً مع عددٍ من رجال الأعمال المرتبطين بالتجارة عبر بربرة. حصلت حكومته على قروضٍ استخدمت في طباعة العملة، وتمويل أجهزة السلطة، ومشروع نزع السلاح، مقابل إعفاءاتٍ ضريبيةٍ وامتيازاتٍ تجارية. ساعدت عائدات الميناء على استيعاب بعض المقاتلين في مؤسسات الحكم والأجهزة الأمنية.  

عمل عقال على تهميش نفوذ شيوخ القبائل في الحياة السياسية، لكنه لم يمانع في الاعتماد على أفراد قبيلته — هبر عوال — لتأمين الموارد اللازمة لإحكام سيطرته على ميناء بربرة. فقد حصل على قروضٍ تُقدَّر بنحو ستة ملايين دولار أمريكي من ثمانية تجّارٍ، ستةٌ منهم من قبيلة هبر عوال. وكان أبرزهم إبراهيم عبدي كاهين الذي يُعدّ أكبر المساهمين في دعم الرئيس عقال، بعدما أقرضه نحو 70 بالمئة من إجماليّ المبلغ الذي حصل عليه، وبدأ دفع تكاليف التأمين على السفن الكبيرة التي كانت ترسو في ميناء بربرة محمّلةً بالمواد الغذائية الأساس، في حين لم يكن أحدٌ آخر يؤمّن عليها.

بعد أن أحكمت الحكومة سيطرتها على ميناء بربرة، خصّص عقال منذ سنة 1993 جزءاً من إيرادات الميناء لمكتب الرئاسة، ما وفّر له بين عشرة وخمسة عشر مليون دولار سنوياً أنفقها على تعزيز مركزية الدولة في هرجيسا. فقد انتهج سياسةً هدفت إلى توسيع نفوذ السياسيين في هرجيسا على حساب زعماء القبائل. وعلى خلاف مؤتمرات المصالحة السابقة التي كانت تنظّمها وتموّلها المجتمعات المحلية، تولّت حكومة عقال تنظيم وتمويل مؤتمر هرجيسا سنة 1997. عطّل عقال مفاوضات السلام المحلية ومشاريع المساعدة الذاتية، مؤكدًا أنّ هذه المهام تقع ضمن مسؤولية الحكومة المركزية لا القيادات القبلية. وبذلك، انتقلت أرض الصومال تدريجياً من نموذج حكمٍ تهيمن عليه الترتيبات القبلية والاستجابات الأمنية إلى نموذجٍ أكثر مركزيةً استطاعت فيه الدولة المعلَنة ذاتياً توظيف السيطرة على ميناء بربرة في توفير الخدمات العامة وتطوير البنى التحتية وتيسير التجارة مقابل الولاء السياسي.

اعتمد بناء مؤسسات أرض الصومال على تسوياتٍ محليةٍ وشبكاتٍ من التجّار، في ظلّ غياب القروض الدولية بسبب انعدام الاعتراف، وامتدّ هذا الاعتماد إلى العلاقات الاقتصادية الخارجية. فقد وقّعت هرجيسا تفاهماتٍ مع إثيوبيا سنة 2000، ثم اتفاقاً مع إثيوبيا وشركة "بتروترانس" الصينية سنة 2011 لتطوير بربرة. لكن هذه المشروعات لم تنفَّذ، وظلّ الميناء محدود التطوير حتى اتفاق موانئ دبي العالمية سنة 2016.


حسمت هرجيسا السيطرة الداخلية على ميناء بربرة، وانتقل الصراع من تحصيل إيراداته إلى حق التعاقد باسمه. فبعد أن نجحت الحكومة في احتكار استخدام القوة داخل الإقليم وأخضعت الميناء لسلطة مؤسساتها المالية والإدارية، لم يعد النزاع عشائرياً على من يسيطر على الميناء أو يجبي رسومه، بل أصبح يدور على الجهة التي تمتلك الصفة القانونية والسياسية لإبرام الاتفاقيات الدولية. ومن ثم بدأت أرض الصومال تمثّل نفسها دولياً، طرفاً يملك أهلية التصرّف في أهم أصوله. لذلك، أصبحت الاتفاقيات المتعلّقة بميناء بربرة — سواء أُبرِمت مع شركاتٍ دوليةٍ أو دول، تحمل بُعداً يكرّس ممارسة وظائف الدولة حتى في ظلّ استمرار غياب الاعتراف الدولي بها.

سنة 2016، وقّعت حكومة أرض الصومال اتفاقية امتيازٍ مع شركة موانئ دبي العالمية لمدة ثلاثين عاماً لتطوير وإدارة ميناء بربرة. وبموجب الاتفاقية، تعهدت موانئ دبي باستثماراتٍ بقيمة 442 مليون دولار أمريكي. سنة 2018، أُعيدت هيكلة المشروع بانضمام إثيوبيا شريكاً بحصّةٍ قدرها 19 بالمئة (لكن حصتها فقدت سنة 2022)، في حين احتفظت حكومة أرض الصومال بنسبة 30 بالمئة، واستحوذت موانئ دبي العالمية على 51 بالمئة من المشروع. واعتباراً من سنة 2020، حصلت حكومة أرض الصومال على خمسة ملايين دولار أمريكي سنوياً، إضافةً إلى 10 بالمئة من إيرادات خدمات المناولة في الميناء. وخضعت إيرادات الميناء لسيطرة وزارة المالية في أرض الصومال، بعد أن كانت تحوَّل مباشرةً إلى خزينة رئاسة الإقليم.

لم يعد الميناء متصلاً بالجمارك. إذ تولّت موانئ دبي العالمية مسؤولية عمليات الميناء، في حين تولّت جمارك بربرة مسؤولية توليد الإيرادات. وبذلك، تحوّل ميناء بربرة من ميناءٍ للخدمة العامة تتولى فيه الحكومة ملكية الميناء، وإدارته وتشغيله بالكامل، إلى نموذج ميناء المالك "لاند لورد بورت"، وهو نموذجٌ تحتفظ فيه حكومة أرض الصومال بملكية الأرض والبنية التحتية. بالمقابل، تولّت شركة موانئ دبي إدارة العمليات التشغيلية والتجارية للميناء بموجب عقد الامتياز. 

عزّزت اتفاقية موانئ دبي مركزية الدولة المعلنة ذاتياً ووسّعت حضورها الخارجي، وأعادت في الوقت نفسه توزيع الوظائف والأراضي والعوائد. لذلك، انتقل الخلاف المحليّ من الصراع المسلَّح على إيرادات الميناء إلى التفاوض حول الشفافية والتمثيل وتقاسم منافع الاستثمار. وأدخلت الاتفاقية أرض الصومال في التنافس الإقليمي على البحر الأحمر والقرن الإفريقي.


في الأول من يناير 2024، وقّع رئيس أرض الصومال السابق موسى بيهي عبدي مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مذكرة تفاهمٍ مشتركةً تمنح إثيوبيا الحبيسةَ حقَّ الوصول إلى البحر الأحمر، مقابل اعترافٍ محتملٍ بسيادة أرض الصومال. وبحسب موقع " ذا ريبورتر" الإثيوبي، نصّ التفاهم على استئجار عشرين كيلومتراً من الساحل وإنشاء قاعدةٍ بحريةٍ لإثيوبيا في ميناء بربرة بالقرب من البحر الأحمر. أثار ذلك معارضةً شديدةً من الصومال، التي ندّدت بمذكرة التفاهم وعدّتها انتهاكاً لسيادتها، على اعتبار أنّ أرض الصومال إقليمٌ يتبع الصومال الاتحادية. ولم ينقضِ العام حتى فقدت المذكرة زخمها، بعدما توصّلت إثيوبيا والصومال — بوساطةٍ تركيةٍ — إلى إعلان أنقرة في 11 ديسمبر سنة 2024. أكّد الإعلان احترام سيادة الصومال ووحدة أراضيه، ونصّ على بدء مفاوضاتٍ ثنائيةٍ تتيح لإثيوبيا الوصول إلى البحر عبر ترتيباتٍ تُبرَم مع الحكومة الفيدرالية الصومالية، الأمر الذي همّش عملياً مذكرة التفاهم مع إقليم أرض الصومال. تشير مجموعة الأزمات الدولية إلى أنّ مذكرة التفاهم عُدَّت مغامرةً سياسيةً حفّزت سعي أرض الصومال الطويل لنيل الاعتراف الدوليّ. هذه الاتفاقية، وما تلاها من اعترافٍ إسرائيليٍّ بالإقليم إلى جانب الاتفاق الموقَّع مع موانئ دبي سنة 2016، تمحورت جميعها حول ميناء بربرة. وهو ما يعكس الدور الذي أدّاه الميناء في تعزيز قدرة الحكومة على التفاوض وإبرام اتفاقياتٍ مستقلةٍ مع أطرافٍ خارجيةٍ، من دون أن يترجَم ذلك إلى اعترافٍ دوليٍّ واسعٍ بسيادتها.

في أواخر سنة 2025، حصلت أرض الصومال على أول اعترافٍ بها من إسرائيل. وربطت صحيفة "جيروزاليم بوست" القرار بموقع بربرة، المقابل لليمن والقريب من باب المندب، في ظلّ مخاوف إسرائيل من الملاحة بعد استهدافات الحوثيين. أثار الاعتراف رفض الصومال وإداناتٍ إفريقيةً وإقليمية. ولم يفتح الوضع القانوني المتنازَع عليه باباً لاعترافٍ دوليٍّ أوسع حتى الآن.


أسهمت السيطرة على ميناء بربرة في تمويل الإدارة والجيش والشرطة في إقليم أرض الصومال، إضافةً إلى احتواء الميليشيات وتعزيز قدرة هرجيسا على ممارسة وظائف مؤسسات الدولة. ونقلت الاتفاقيات الخارجية دور الميناء من تثبيت السلطة داخلياً إلى تمثيل أرض الصومال والتعاقد باسمها. ومع ذلك، لم يتحول هذا الواقع إلى اعترافٍ دوليٍّ واسعٍ وقد ولّد توسّعُ الميناء خلافاتٍ جديدةً حول التمثيل وتقاسم العوائد. لذلك، ظلّ بناء المؤسسات عمليةً تفاوضيةً متواصلةً تجمع بين الموارد والقوة والتوافق الداخليّ والشرعية الخارجية.

اشترك في نشرتنا البريدية