حين يصبح الماء امتيازاً.. خطر العطش في تونس

أصبح الماء المُعبأ خياراً مرتبطاً بالقدرة الشرائية، بينما ظل الاعتماد على الشبكة العمومية التونسية رغم هشاشتها خياراً مفروضاً على الفئات الأقل دخلاً.

Share
حين يصبح الماء امتيازاً.. خطر العطش في تونس
أزمة القطاع تتجاوز مجرد نقص في الموارد | خدمة غيتي للصور

في قرية الحوش من معتمدية نفزة في محافظة باجة شمال غرب تونس، تبدأ رحلة البحث عن الماء قبل أن تبدأ تفاصيل اليوم الأخرى. تقطع النساء مسافات طويلة مع أوعيتهنَّ البلاستيكية لتأمين حاجات أسرهن من المياه التي تصل بانتظام إلى منازلهن. تحولت هذه الرحلة إلى جزءٍ من إيقاع الحياة اليومي في القرية: انتظار وحمل متكرر للأوعية وتدبير مستمر لكمية الماء المتاحة بين حاجات الشرب والطهي وبقية الاستخدامات.

ومع كل عودة إلى المنزل بعد يوم طويل وشاق بحثاً عن ما يطفئ الظمأ، تستعيد هذه العائلات حساباتها المعيشية بانتظار اليوم التالي. فخلف الأبواب يتحول هذا المورد الذي يبدو بسيطاً إلى عامل يفرض على أهل القرية تطوير طرقهم في التكيف، مع غياب خدمة منتظمة. فالقلق لا يرتبط بالوصول إلى الماء فحسب، بل يمتد إلى معرفة مدى صلاحيته للاستهلاك الآمن. خصوصاً وأن شراء المياه المعبأة في القوارير البلاستيكية يبقى خياراً بعيداً المنال عن كثيرٍ من العائلات التي تعيش من زراعة الأرض ولا تستطيع تحمّل كلفة الماء. 

تبدو هذه الصورة متناقضة مع الأرقام الرسمية التي تشير إلى مستويات مرتفعة من التغطية بشبكات التزويد بالماء الصالح للشراب في تونس. غير أن هذه المؤشرات العامة تخفي تفاوتات عميقة بين المناطق، إذ لا تعني التغطية وصول خدمة مستقرة وآمنة للجميع بالدرجة نفسها. ففي المناطق الريفية والجبلية، تواجه عائلات تعاني انقطاعات عديدة ومتكررة وبعداً عن الشبكات ومشاكل مرتبطة بجودة المياه. غير أن هذه الفجوات تعود إلى مسار طويل من بناء المنظومة المائية التي راهنت تونس منذ الاستقلال سنة 1956 على توسيعها وضمان وصول ماء الشرب لكل المواطنين. غير أنّ هذا المسعى، الذي شكّل أحد أعمدة العقد الاجتماعي للدولة الحديثة في تونس، بدأ يتآكل تدريجياً تحت ضغط تحديات متراكمة، في ظل صعوبات في تطوير بنية تحتية قادرة على تغطية كامل البلاد، وتزايد الضغط السكاني، وتسارع آثار التغيرات المناخية منذ أواخر القرن العشرين. وقد تعمّقت هذه التحديات بفعل سياسات فشلت في مواكبة هذه التحولات المتسارعة.


تقع تونس ضمن منطقة ذات مناخ شبه جاف وهو ما جعل مواردها المائية محدودة وغير منتظمة. ففي أجزاء واسعة من البلاد تتراوح التساقطات المطرية السنوية بين 230 و250 ملم، وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة. غير أن هذا الرقم يخفي وراءه تبايناً جغرافياً حاداً، إذ يتميز الشمال بغزارة نسبية في الأمطار قد تؤدي أحياناً إلى جريان المياه نحو البحر بلا استغلالٍ فعّالٍ لها، في حين يعاني الوسط والجنوب من شحٍّ لا تكفي معه الأمطار لدعم النشاط الزراعي.

في مواجهة هذا التفاوت البنيوي، بدا أن السياسات العامة منذ مرحلة ما بعد الاستقلال تعاملت مع هذا التحدي عادةً على أنه تقنيّ، لا مسألةً وجوديةً تتطلب تخطيطاً استباقياً وشاملاً. ويشير عالم الاجتماع الفرنسي بيار-روبير بادويل في كتابه "لا بوليتيك أيدرو ليك [. . .]" (السياسة الهيدروليكية والتنمية الفلاحية في تونس) المنشور سنة 1987، إلى أن الدولة التونسية ورثت منظومة مائية تشكلت جزئياً خلال فترة الحماية الفرنسية، حين أُرسيت أُسس سياسة مائية مركزية ارتبطت أساساً بتطوير الفلاحة الموجهة للسوق بمشاريع الري الزراعي.

جعل هذا الإرث، وفق بادويل، إعادة تنظيم قطاع المياه وتوسيع دور الدولة في إعادة التحكم وإدارة الموارد المائية إحدى أولويات مرحلة بناء الدولة الوطنية.  وقد تُرجم هذا التصور تدريجياً إلى محاولات متواصلة للتوسّع في شبكات الربط المنزلي، خصوصاً في المجال الحضري، إذ بلغت نسب التغطية مستويات شبه شاملة، في مقابل مسار أكثر تدرجاً وأقل تجانساً في المناطق الريفية.

جاءت هذه التحولات ضمن مسار أوسع لبناء سياسة مائية وطنية. وكان المخطط العشري للتنمية بين سنتي 1962 و1971 إحدى أبرز محطاتها التأسيسية. إذ أدرج في قلب مشروعه التنموي مسألة تعبئة الموارد المائية وجعل تعبئة الموارد المائية شرطاً للتحديث الاقتصادي والاجتماعي، عبر الدفع نحو بناء السدود وتوسيع شبكات الري وتطوير البنية التحتية للتزويد بالماء. وهو ما حوّل المياه من مجرد مورد طبيعي إلى عنصر استراتيجي في هندسة الدولة ما بعد الاستقلال.

والجدير ذكره أنه قبل إحداث الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، المعروفة اختصاراً  "الصوناد"، سنة 1968،كان السكان يزوَّدون بالماء الصالح للشراب عبر متدخلين متعددين، من بينهم البلديات وبعض المصالح العمومية المحلية. وهو ما جعل الدولة تتجه نحو توحيد إدارة القطاع مع توسع المدن وارتفاع الطلب على المياه خلال مرحلة بناء الدولة الوطنية. من هنا،  لم يكن إنشاء الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه مجرد قرار إداري لتنظيم وتوحيد قطاع قائم مَرفقاً عمومياً وطنياً، واندرج ضمن مشروع أوسع لإعادة تعريف دور الدولة في إدارة الموارد الحيوية. 

غير أن توسيع دور الدولة في قطاع الماء لم يتوقف عند إنشاء مؤسسة التوزيع. تبع ذلك خلال السبعينيات والثمانينيات انخراط الدولة في ترسيخ نموذج تعبئة الموارد المائية، بتشييد السدود وشبكات التوزيع وتوسيع الربط بالماء الصالح للشراب تدريجياً نحو الأرياف والمناطق النائية. كانت النتيجة ارتفاع نسب التغطية تدريجياً مع توسع شبكات الربط المنزلي وتطوير البنية التحتية المائية. وبحلول سنة 2000، كانت نسبة التغطية الوطنية لمياه الشرب قد وصلت بين 85 و90 بالمئة، مع شبه اكتمال في المدن مقابل تفاوت واضح في الأرياف. ثم ارتفعت هذه النسبة لتصل سنة 2022 إلى مستويات تناهز 96 إلى 98 بالمئة، مع اقتراب التغطية الحضرية من الاكتمال، وتحسن نسبي في تغطية المناطق الريفية التي باتت بدورها تتجاوز عتبة 90 بالمئة في أغلب الحالات.

وقد منحت الدولة لاحقاً الأولوية للتزود بمياه الشرب مقارنة بالاستعمالات الأخرى. فقد بلغ إنتاج مياه الشرب في تونس سنة 2024 حوالي ثمانمئة مليون متر مكعب. ويعتمد أكثر من نصف هذا الإنتاج على المياه السطحية، خاصة الموارد المعبأة عبر السدود.


رغم التوسع الكبير في شبكات التزويد بالماء الصالح للشراب، وبالتالي ارتفاع مؤشرات التغطية، فإن ذلك لا يعكس وحده طبيعة النفاذ إلى الخدمة أو درجة انتظامها بين مختلف الجهات. فقد اعتمدت السياسة المائية التونسية منذ الاستقلال تعبئة الموارد المتاحة وزيادة العرض المائي، أكثر من إعادة توزيعها بتوازن بين المحافظات. إذ ركزت الاستثمارات المائية تاريخياً على المناطق ذات الكثافة السكانية والطلب المرتفع، خاصة المناطق الحضرية والساحلية. وهو ما جعل التوسع في المناطق الريفية أكثر بطئاً وتعقيداً، وصار البحث عن صيغ جديدة لإدارة الموارد والخدمات المائية محلياً.

فمع مطلع السبعينيات، أعادت الدولة التونسية رسم علاقتها بالريف على إيقاع التحولات التي أعقبت "تجربة التعاضد"، وهي التجربة التي سعت إلى إدماج الفلاحين ضمن تنظيمات تعاونية تحت إشراف الدولة. وقد دفع تعثر هذا النموذج إلى البحث عن صيغ جديدة للتدخل في المجال الريفي، انتقلت فيها الدولة من إدارة مباشرة للإنتاج الفلاحي إلى توفير البنية التحتية والخدمات الجماعية، ومن بينها خدمات الماء المرتبطة بالنشاط الزراعي والحياة اليومية للسكان. وفي هذا السياق، بدأت منذ الثمانينيات تجربة التنظيم الجماعي لإدارة الموارد المائية عبر جمعيات المصالح المشتركة للمياه، قبل أن تتطور لاحقاً إلى مجامع التنمية الفلاحية التي كُرّس إطارها القانوني سنة 1999. لكنها على أرض الواقع ظلت هذه الأطر شكلية، إذ لم يُشرك المستفيدون في تحديد الأولويات وطرق التدخل. 

ويجد هذا التباين بين الخطاب الإصلاحي والنتائج الفعلية تفسيره في عدد من الدراسات القطاعية. من بينها تقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة سنة 2015، الذي أشار إلى محدودية نجاعة أنماط التسيير اللامركزي في غياب دعم مؤسساتي وتقني مستدام. سبقه سنة 2014 تقرير البنك الدولي حول قطاع المياه في تونس الذي نوه إلى استمرار هشاشة الحوكمة المحلية وتفاوت الأداء بين المحافظات.

وفي تفسير يبدو مشابهاً ما عرضه بيار-روبير بادويل في كتابه، يربط خالد الطبابي، الباحث في علم الاجتماع، للفراتس هذه الاختلالات بالمسار التاريخي الذي تشكلت ضمنه السياسة المائية في تونس. يقول إن المسار المائي مرّ بعدة مراحل مفصلية، بدأت مع الدولة الوطنية التي تبنّت، منذ الاستقلال إلى حدود السبعينيات، سياسة تعبئة قصوى للموارد المائية عبر بناء السدود وتوسيع البنية التحتية المائية. ثم جاءت مرحلة الثمانينيات، حين أصبحت مياه الشمال تُدار ضمن منظومة أكثر مركزية وترابطاً، تقوم على تعبئة الموارد وتوجيهها نحو الاستهلاك المتزايد.

أما المرحلة الثالثة، وفقاً للمتحدث، وهي الممتدة من التسعينيات إلى اليوم، فقد تميزت بالتحول نحو التحكم في العرض المائي وتعبئة ما تبقى من الموارد، بالتوازي مع دخول تونس في مسارات الإصلاحات الهيكلية، وما رافق ذلك من نزوع نحو سَلْعَنة المياه، خاصة في علاقتها بالأنشطة الصناعية والاستخراجية.

يضيف الطبابي بأن النموذج المعتمد في تونس يُبدد الثروة المائية أكثر مما يحميها. فقد أسهمت السياسات العمومية والتشريعات في إضعاف العديد من الممارسات المحلية التقليدية التي كانت تمثل أشكالاً من التكيّف والابتكار في إدارة الماء. ويذهب إلى أن هذا المسار أنتج نموذجاً اقتصادياً قائماً على الهيمنة وإعادة توزيع غير متكافئ للموارد.


بين الثمانينيات  وبداية عقد الألفية الثاني، بدأت ملامح الضغط على المنظومة المائية في تونس تتشكّل ببطء، لتتسلّل إلى البنية التحتية التي بُنيت على افتراضات مائية أكثر استقراراً مما ستعرفه البلاد لاحقاً. فقد جاء النمو السكاني المتواصل، مترافقاً مع تسارع نسق التمدّن، ليعيد صياغة علاقة المدن والقرى بالماء ويضاعف الطلب على شبكات لم تكن قد صُممت لاستيعاب هذا الامتداد العمراني المتسارع. غير أنّ هذا الضغط، رغم بداياته المبكرة، لم يكشف عن حدّته الكاملة إلا مع تعاقب العقود اللاحقة. ليتحوّل الأمر تدريجياً من أحداث مناخية ظرفية إلى مؤشرات على تحوّل بنيوي في المناخ المائي للبلاد. 

في هذا السياق، أُدرجت تونس سنة 1995 ضمن المناطق التي تعيش تحت عتبة الضغط المائي وفق تصنيفات الأمم المتحدة، في إشارة إلى انتقالها من وضعية الندرة النسبية إلى وضعية الشح المائي المزمن. وتبين ذلك جلياً في الموارد السطحية، خصوصاً في مؤشرات مخزون السدود الكبرى. فقد سُجّلت موجات انخفاض متعاقبة خلال سنة 1995 ثم بين سنوات 2000 و2002، قبل أن تتسع حدتها خاصة خلال سنتي 2016 و2017، وصولاً إلى سنوات 2021 و2023. وإن سجل منسوب المياه  في السدود تحسناً نسبياً خلال سنة 2025 بفعل التساقطات، لم يغيّر ذلك من استمرار الضغوط البنيوية التي تواجه الموارد المائية.

وإلى جانب تراجع الموارد السطحية، تعمق في هذه الفترة الضغط على الموارد الجوفية، مع توسع الري الفلاحي وتنامي الاعتماد على الآبار العميقة. أخذ الضغط على الموارد الجوفية بعداً أشد بين سنوات 2000 و2010، ليستمر خلال العقود اللاحقة. إذ تجاوزت وتيرة السحب، خاصة مع امتداد الاستغلال من القطاع الفلاحي إلى الاستخدامات الصناعية والسياحية، قدرة هذه الطبقات على التجدد الطبيعي. ويُعرف هذا الوضع في الأدبيات العلمية بـالعجز المائي الهيكلي، أي الحالة التي يصبح فيها الاستهلاك قائماً على استنزاف المخزون بدل تجددّه، ما يجعل الندرة مرشحة للتفاقم على المدى المتوسط والبعيد.

ولم تقتصر الضغوط التي واجهها قطاع المياه على تراجع الموارد، إذ امتدت إلى قدرة المؤسسات المسؤولة عن إدارة هذا القطاع على الاستجابة لهذه التحولات. فبعد سنة 2011، وفي سياق انتقال سياسي واقتصادي معقد أعقب الثورة التونسية، دخل القطاع مرحلة اتسمت بتراكم الضغوط المالية والمؤسساتية. وقد أظهر تقرير البنك الدولي سنة 2014 حول إصلاح قطاع المياه، أن الصوناد واجهت تحديات مرتبطة بالتوازن المالي، واستدامة الاستثمار، والحاجة إلى إصلاحات مؤسساتية لتحسين أداء القطاع.

يضاف لهذا استمرار تراكم العجز في حسابات الشركة التي باتت مثقلة بفواتير الضخ والمعالجة وصيانة الشبكات. سنة 2016 مثلاً لم تتلقَ الشركة أي دعم تشغيلي من الدولة، في ظل تعريفات مدعومة للمياه لا تغطي الكلفة الفعلية لتوفيرها وسبل معالجتها وتوزيعها. انعكس ذلك تدريجياً على انتظام الخدمة، حتى باتت الانقطاعات الدورية في المياه ظاهرة "طبيعية" تدار عادةً عبر آليات التكيف الفردي.

هُنا يقول الطبابي للفراتس إن "تفاقم التغيرات المناخية جعل الفئات الهشة الأكثر عرضة لتبعات هذا الوضع، في ظل سياسات معالجة لا تزال تعيد إنتاج نفس التفاوتات". وهو ما ساهم في رأيه في ترسيخ سردية هيمنة تستفيد منها أقلية، مقابل مزيد من تهميش وتفقير شرائح واسعة من المجتمع.

وفق هذا الطرح، وما تدعمه الوقائع على الأرض، فما كان يمثل هشاشة يمكن احتواؤها في ظل استقرار مناخي نسبي، أصبح بفعل ارتفاع درجات الحرارة وتزايد تواتر موجات الجفاف واضطراب أنماط التساقطات، أكثر صعوبة على الإدارة والمعالجة. ولا غرابة ربما أن أُدرجت تونس سنة 2020 ضمن قائمة البلدان التي تعاني من الإجهاد المائي، وهو الحالة التي تصبح فيها الموارد المائية المتاحة غير كافية لتلبية الطلب المتزايد عليها نتيجة تراجع الموارد أو ارتفاع معدلات الاستهلاك.

هذه التحولات المناخية لا ترتبط فقط بندرة المياه، وإنما أيضاً باضطراب نمط التساقطات وسبل توزيعها والاستفادة منها. وتُعدّ فيضانات محافظة نابل سنة 2018، والتي أودت بحياة عدة أشخاص، واحدة من مظاهر هذا التحول. فقد شهدت البلاد خلال العقدين الأخيرين تزايداً في الأحداث المطرية الشديدة والفيضانات المفاجئة. إلا أن هذا الارتفاع في شدة التساقطات لم يترجَم بالضرورة إلى تحسن في مخزون السدود أو تعزيز الموارد المائية.

ففي سنتي 2023 و2024 تركزت الأمطار في كثير من الحالات خارج الأحواض المغذّية للسدود أو تهاطلت بعد فترات جفاف طويلة، وهو ما حدَّ من فاعلية الجريان السطحي الضروري لتغذية الخزانات. كذلك جاء جزء من هذه الأمطار خارج التوقيت الزراعي الملائم، الأمر الذي قلّص من أثرها الإيجابي على الدورة الزراعية والمحاصيل.

ويطرح الاضطراب في نمط التساقط إشكاليةً جديدةً في إدارة الموارد المائية في تونس. إذ باتت البلاد مطالبة بالتكيّف مع أنماط أمطار أكثر حدّة وتركيزاً خلال فترات زمنية قصيرة، في حين لم تُصمّم البنية التحتية المائية لاستيعاب هذا التقلب المناخي.

ويشير المهندس في الموارد المائية محمد الصالح قلايد في تصريح للفراتس إلى أن منشآت تخزين المياه، وخاصة السدود، صُمّمت تاريخياً استناداً إلى معطيات مائية محددة. تشمل هذه معدل الإيرادات المائية وخصائص "الأحواض الساكبة"، وهي المنطقة الجغرافية التي تتجمع فيها مياه الأمطار طبيعياً وتتدفق نحو نقطة واحدة، إضافة إلى طبيعة التربة والجيولوجيا المحلية. غير أن التحولات المناخية، وفق المتحدث، تفرض اليوم مراجعة هذه الفرضيات.

يضيف قلايد أن التحدي لا يكمن في التخلي عن البنية التحتية الحالية وإنما في تطويرها لتتلاءم مع الظروف المناخية الجديدة. ويقترح حلولاً مثل الخزن الاصطناعي للمياه الجوفية، أو ما يعرف بالسدود الجوفية، بهدف الحد من خسائر التبخر المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة. ويلفت إلى أن تزايد ظواهر الأمطار الغزيرة والمركزة خلال فترات زمنية قصيرة يفرض التفكير في آليات جديدة لاستغلال هذه الموارد، عبر تجميعها وضخها أو إعادة تغذية الموائد الجوفية اصطناعياً، وهي تقنيات تمتلك تونس فيها بعض التجارب.

وبرأيه فإن التكيف مع أزمة المياه يستوجب أيضاً مراجعة أنماط الاستهلاك الحالية، خاصة في القطاع الفلاحي المروي الذي يستهلك حوالي 80 بالمئة من الموارد المائية السطحية والجوفية، رغم محدودية مردوديته المائية في بعض المناطق.

تنسجم هذه القراءة مع ما خلص إليه  تقرير البنك الدولي حول المناخ والتنمية في تونس الصادر سنة 2023. إذ أكد أن تغير المناخ يزيد في الوقت نفسه من مخاطر الجفاف والفيضانات، بما يفرض مراجعة شاملة للنموذج التقليدي لإدارة المياه الذي بُني أساساً على التعامل مع الندرة أكثر من التعامل مع التقلبات المناخية الحادة.


تتجاوز أزمة المياه في تونس مسألة تراجع الموارد أو تغير الظروف المناخية وحدهما، لتطال الحوكمة المائية نفسها. وهو ما يطرح سؤالاً يتعلق بقدرة منظومة وضعت في الخمسينيات والستينيات، واستندت إلى معطيات جغرافية ومناخية مختلفة، على مواكبة تحديات القرن الحادي والعشرين.

وتظهر انعكاسات هذه الاختلالات المؤسسية في التحولات التي طرأت على داخل أنماط العيش اليومية للتونسيين وعلاقتهم بالماء. ومن أبرزها التوسع الملفت في استهلاك المياه المعبأة خلال العقدين الأخيرين. إذ ارتفع متوسط الاستهلاك السنوي منها للفرد في تونس من نحو تسعة عشر لتراً سنة 1990 إلى حوالي 241 لتراً سنة 2024، وفق تقرير الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه الصادر نهاية مايو سنة 2025. وهو ما يضع تونس في المرتبة الرابعة ضمن أكثر الدول استهلاكاً للمياه المعلبة في العالم، وفق التقرير. 

لم يكن هذا النمو بمجمله نتيجة تحوّل ثقافي في أنماط الاستهلاك بقدر ما كان استجابة عملية لتراجع الثقة في الشبكة العمومية، سواء تجاه جودة المياه في بعض المناطق، أو بسبب الانقطاعات شبه الدائمة من الخدمة. أنتج هذا الوضع تفاوتاً اجتماعياً، إذ أصبح الماء المعبأ خياراً مرتبطاً بالقدرة الشرائية للفئات القادرة على تحمّل كلفته، بينما ظل الاعتماد على الشبكة العمومية، رغم هشاشتها في الجودة والاستمرارية، خياراً مفروضاً على الفئات الأقل دخلاً.

في المناطق الريفية النائية التي لا تصلها الشبكة أو تصلها متقطعة، أفضى ذلك إلى انتشار واسع لشاحنات الماء التي تبيع الماء بأثمان توصف بالباهظة قياساً بما يدفعه سكان المدن. وهنا تتجلى الاستراتيجيات الفردية للتكيف بوضوح، إذ يلجأ السكان إلى حلول ذاتية مثل إنشاء صهاريج لتجميع المياه، أو حفر آبار غير منظمة وغير قانونية للتخفيف من وطأة الانقطاعات. وهو ما يعني انتقال عبء تدبير أزمة الماء تدريجياً من الخدمة العمومية إلى الأسر والأفراد.

وفي ظل اتساع محاولات التكيف الفردية، ظل الإطار القانوني المنظم للموارد المائية مقصراً. فخلال العقدين الأخيرين، ورغم تعدد محاولات مراجعة مجلة المياه، وهي الإطار القانوني الأساسي المنظِّم لاستغلال الموارد المائية وإدارتها في تونس والصادر بموجب القانون 16 لسنة 1975، لم تنجح تونس في إقرار إصلاح تشريعي شامل يواكب التحولات التي عرفها قطاع المياه.

تجدد النقاش حول مراجعة هذا الإطار في مراحل مختلفة، خاصة بعد سنة 2011، ثم خلال سنتي  2016 و2019، وصولاً إلى تجديد النقاش حول إصلاح الإطار القانوني المنظم للموارد المائية مع اشتداد أزمة الشح المائي منذ سنة 2023. فمع تصاعد الاستغلال المفرط وغير المنظم للموائد المائية الجوفية، وتفاقم الضغط على الموارد المحدودة، تبدو النصوص القانونية أقرب إلى إطار قديم صُمّم لواقع مختلف. ويزداد هذا القصور وضوحاً عند مقارنته بالتحولات التشريعية التي كرّسها دستور 2014 و2022، والتي أقرت الماء حقاً أساساً. إلا أن هذا الاعتراف المبدئي لم يرافقه تحول مماثل في المنظومة القانونية ولا في آليات تطبيقها، وظل الطابع التقني هو الغالب على مقاربة قطاع المياه.

كذلك يفتقر النظام إلى آليات مؤسسية تضمن تفعيل مبدأ العدالة المائية حقاً قابلاً للتقاضي والمساءلة. وتزيد محدودية المعطيات الدقيقة المتعلقة بتوزيع الموارد المائية بين الجهات والفئات الاجتماعية من تعقيد ترجمة هذا المبدأ إلى سياسات قائمة على التخطيط والبيانات الموثوقة. إذ تتحول عملية صياغة الإصلاحات أحياناً إلى ممارسة أقرب إلى التقدير والاستنتاج. وفي هذا الإطار، دأبت منظمات المجتمع المدني وعلى رأسها المرصد التونسي للمياه، على انتقاد محدودية إشراك الفاعلين المحليين والمجتمعات المتأثرة في صياغة السياسات المائية واتخاذ القرارات المتعلقة بتدبير الموارد. واعتبرت أن غياب المقاربة التشاركية يضعف شفافية الحوكمة ويحد من قدرة السياسات العمومية على الاستجابة للحاجيات الفعلية.

لم تبقَ هذه الاختلالات محصورة في الإطارين التشريعي والمؤسسي، وإنما انعكست مباشرةً على قدرة السياسات العمومية في وضع الخطط والبرامج في قطاع المياه. رسخ هذا مقاربة يغلب عليها منطق الاستجابة للأزمات، إذ تميل التدخلات الحكومية إلى معالجة الضغوط الظرفية أكثر من اعتماد رؤية استباقية ومستدامة لإدارة الموارد المائية. فعلى سبيل المثال، لم تتصدر مشاريع تحلية مياه البحر سلم الأولويات إلا في مراحل متأخرة من تفاقم الإجهاد المائي، حين بدأت المؤشرات المناخية والسكانية تفرض ضغوطاً متزايدة على منظومة التزويد.

وقد بدأت تونس أولى تجارب تحلية مياه البحر منذ سنة 1983 بمحطة قرقنة، ولاحقاً محطة قابس سنة 1995. غير أن هذا المسار ظل محدوداً من حيث التوسع والتأثير لعقود لاحقة، وكانت تكلفة التحلية المرتفعة، مقارنة بتعبئة الموارد التقليدية، أحد العوامل التي حدّت من انتشارها. إضافة إلى اعتماد تونس تاريخياً على منظومة تعتمد أساساً على السدود والمياه الجوفية. ناهيك عن أن اللجوء إلى التحلية ظل مرتبطاً أساساً بالمناطق الساحلية التي تعاني من ملوحة المياه الجوفية أو صعوبة تعبئة الموارد التقليدية. لكن لم يتحول الاعتماد على التحلية إلى خيار استراتيجي إلا مع دخول محطة جربة لتحلية مياه البحر حيّز الاستغلال سنة 2018، واحدةً من أبرز المحطات التي وسّعت نطاق إدماج الموارد غير التقليدية في تأمين مياه الشرب، في سياق تصاعد حدة الإجهاد المائي.

بالتوازي، ظل إصلاح شبكات التوزيع وتحديثها يواجه بطئاً بنيوياً مقارنة بحجم الطلب، في حين استمرت أنظمة الري في تسجيل مستويات استهلاك مرتفعة نسبياً. وذلك رغم إدخال تقنيات أكثر نجاعة مثل الري بالتنقيط.

بهذا قد لا يمكن اختزال التفاوت في التزويد بالمياه في عوامل الجغرافيا أو المناخ وحدها، لأنه يتجاوز ذلك ليعكس اختيارات تنموية وسياسات توزيع غير متوازنة بين الجهات. وتتكشف هذه المفارقة جليةً في عدد من المناطق التي تعيش انقطاعات متكررة وصعوبات مزمنة في التزود، كما هو الحال في بعض مناطق محافظة القيروان، حيث تؤدي أعطاب متكررة في القنوات الرئيسية إلى اضطرابات واسعة في الإمداد.

تتعمق هذه الهشاشة أكثر كلما اتجهنا نحو الجنوب الشرقي، الذي يزداد فيها الاعتماد على المياه الجوفية ومحطات التحلية، وهو ما يجعل المنظومة أكثر حساسية لأي خلل تقني أو أشغال صيانة. إذ يمكن لاضطراب محدود أن يتحول سريعاً إلى أزمة تزويد، خاصة خلال فترات الذروة الصيفية التي يتضاعف فيها الطلب وتشتد فيها الضغوط على الموارد.


تذكر الصعوبات اليومية التي يعيشها كثير من التونسيين للتزوّد بالمياه بأن أزمة القطاع تتجاوز مجرد نقص في الموارد. فالتحولات المناخية لم تصنع الأزمة وحدها، لكنها عمّقت اختلالات كانت قائمة داخل منظومة بُنيت في سياق مائي وسكاني مختلف. فقد اجتمعت ندرة الموارد مع اضطراب أنماط التساقطات، وتهالك شبكات التوزيع، والاستغلال المفرط للمياه الجوفية، لتضع نموذج إدارة المياه أمام تحديات جديدة. وفي ظل محدودية الإصلاحات المؤسسية وضعف آليات العدالة المائية، بقيت كلفة هذه الاختلالات موزعة بصورة غير متكافئة، حيث تتحمل الأسر الأضعف أعباء إضافية عبر شراء المياه أو نقلها وتخزينها، فيما تتحول الانقطاعات المتكررة إلى جزء من الحياة اليومية.

اشترك في نشرتنا البريدية