بعد اشتعال الحرب في اليمن سنة 2015، وما رافقها من موجات نزوح وهجرة، اتسع حضور الجالية اليمنية في مصر وتركيا. وهو ما انعكس مباشرة على انتشار المطاعم اليمنية هناك، وبالتالي ازدياد رواج المأكولات اليمنية فيهما. ولم تكن هذه المطاعم مجرَّد أماكن لتلبية حاجة المهاجرين واللاجئين إلى نكهات الوطن، بل كانت أيضاً مشاريعاً اقتصادية واجتماعية، وتحولت إلى ما يشبه السفارات الثقافية غير الرسمية لتقدِّم صورةً مختلفة عن اليمن واليمنيين في المنفى. وهكذا أصبح المطبخ اليمني جزءاً من المشهد الحضري في قلب مدن كبرى في بلاد الاغتراب، مرآةً لثقافات اليمن وجسراً لنقل ذاكرته وهويته.
ويشير تقرير صادر عن المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة بعنوان "ميغرايشن، إنفايرومنت، آند كلايمت تشاينغ إن يمن" (الهجرة، البيئة، وتغيّر المناخ في اليمن) نُشر سنة 2025، إلى أن الصراع الذي بدأت بوادره منذ 2014 أدى إلى فرار نحو مئة وتسعين ألف يمني إلى دول مجاورة وأخرى بعيدة. وبينما شكَّلت الدول القريبة جغرافياً – مثل جيبوتي التي استقبلت حتى 2020 نحو سبع وثلاثين ألف يمني، والصومال التي استقبلت أربع عشرة ألفاً – ملاذاً رئيسياً للاجئين اليمنيين، سُجلت أعداد أقلّ لكنها مهمة من طلبات اللجوء في دول مثل مصر. إذ بلغ عدد الطلبات فيها 5032 طلباً سنة 2018، قبل أن يرتفع إلى 8255 سنة 2025، بحسب مفوضية الأمم المتحدة للاجئين. وهذه الأرقام تشمل فقط اللاجئين المسجلين، فكثيرون غيرهم لم يسجلوا أسمائهم عبر المفوضية.
وعلى إشارة تقرير المنظمة الدولية للهجرة إلى وجود صعوبات في تتبع هذه التحركات الخارجية التي شملت أيضاً دولاً مثل ألمانيا وماليزيا، بسبب نقص البيانات، فإنَّ هذه الأرقام قد تعطي مؤشراً على الامتداد الجغرافي للنزوح اليمني، وسعي الأفراد إلى الأمان والفرص في الخارج.
تقول السفارة اليمنية في القاهرة، رداً على استفسارات الفراتس، إن الحضور اليمني في مصر قبل الحرب كان محدوداً، موضحةً أن عدد اليمنيين المقيمين لم يكن يتجاوز نحو عشرة آلاف شخص، معظمهم من الطلاب. ارتفع هذا الرقم بعد الحرب إلى حدود مئة ألف شخص. وتضيف أن مصر شكَّلت على الدوام وجهة رئيسة لليمنيين لأغراض العلاج والسياحة، "ما أسهم في وجود حركة تنقّل ترددية كبيرة على مدار العام، مستفيدة من التسهيلات الممنوحة لليمنيين". ووفقاً للسفارة، يتراوح حجم هذه الحركة سنوياً منذ ما بعد الحرب، لأغراض السياحة والعلاج والزيارات العائلية، بين مئة وخمسين ومئتي ألف شخص.
وتخطى هذا الحضور بعد الحرب الجانب الإنساني إلى الجانب الاقتصادي، إذ اشترى عدد من القادمين شققاً سكنيةً ونقلوا استثماراتهم إلى مصر. كذلك اختار مستثمرون يمنيون كانوا يقيمون في دول الخليج التوجّه إلى القاهرة وجهةً جديدةً للاستثمار، خاصةً في قطاعات العطارة والعقارات والمطاعم.
أسهم هذا الحراك في توسيع حضور الجالية اليمنية، وفي الوقت نفسه لعب دوراً في التعريف بالثقافة اليمنية، خصوصاً بثقافة المطبخ اليمني الذي تجلى عبر الانتشار الواسع للمطاعم اليمنية. وتُظهر بيانات صادرة عن منصة "بويداتا" المختصة بجمع بيانات عن الأنشطة التجارية، وجود خمس وثمانين مطعماً يمنياً في مصر يتركز معظمها في القاهرة والجيزة. علماً أن هناك مطاعم إضافية غير مدرجة في بيانات هذه المنصة. وبحسب تصريح السفارة اليمنية للفِراتس: "كان هناك أربعة مطاعم يمنية فقط في القاهرة قبل اندلاع الحرب".
هذا الانتشار جاء نتيجة تفاعل بين الضرورة الاقتصادية التي فرضتها ظروف اللجوء والهجرة، وبين رأس المال الاجتماعي للجاليات. إضافةً إلى الحنين للهوية وإعادة إنتاجها في سياق المنفى، وفق ما يقول للفراتس الباحث في الفلكلور والتراث اليمني محمد سبأ.
ويشير سبأ إلى أنَّ الوجود اليمني في مصر ليس ظاهرة جديدة، إذ يمتدّ إلى سياقٍ تاريخيٍّ أوسع يعود إلى خمسينيات القرن العشرين، في إطار العلاقات السياسية التي نشأت خلال مرحلة المد القومي العربي، لاسيما في عهد الرئيس المصري جمال عبد الناصر. وتعزز هذا الوجود مع ثورة 26 سبتمبر 1962 في اليمن، التي أطاحت بالمملكة المتوكليَة وأعلنت قيام النظام الجمهوري بدعم سياسي وعسكري مصري. وقد أسهم هذا التحول في توثيق العلاقات بين البلدين، فأصبحت القاهرة مركزاً مهماً لاستقبال الطلاب والسياسيين اليمنيين. غير أنَّ جل هذا الحضور ظلَّ في تلك المرحلة ذا طابع سياسي وتعليمي، دون أن يترافق مع نشاط اقتصادي منظم.
يضيف سبأ أنّ "الاستثمارات بدأت تتبلور فعلياً بعد سنة 2000، مع دخول أفراد من الجالية اليمنية إلى مجالات تجارية محدودة [. . .] وذلك قبل أن يشهد القطاع توسّعاً ملحوظاً في العقود التالية، ومن ضمن ذلك الاستثمار في قطاع المطاعم خاصة بعد الحرب".
ويستعيد سبأ تجربته الشخصية حين وصل إلى القاهرة للدراسة سنة 2015، مشيراً إلى أنه حينها كانت ثقافة الطعام السوري الأكثر رواجاً في مصر، بينما ظلَّت المطاعم اليمنية محدودة الانتشار ومحصورة إلى حد كبير داخل نطاق الجالية اليمنية. يقول سبأ إنَّ هذا الواقع تغيَّر خلال السنوات اللاحقة بعدما بدأت المأكولات اليمنية تفرض حضورها في المشهد الغذائي المصري، مستقطبةً المصريين والأجانب معاً. ويرجِّح المتحدث أن تستقطب المطاعم اليمنية مزيداً من الزبائن إذا ما تطورت خدماتها وأصبحت أسعارها أكثر ملائمة لشريحة أوسع.
بدوره يشير عبد العظيم الصلوي، مدير مؤسسة أروقة للنشر، والذي وصل القاهرة من اليمن قبل أكثر من عقدين واستقر فيها، إلى أن المطبخ اليمني كان حاضراً في مصر قبل سنة 2011، لكنه ظلَّ محدود الانتشار وغير ظاهر في المجال العام. وقتها، حسبما يورد، "اقتصر [المطبخ اليمني] لحدٍّ كبير على نطاق الجالية اليمنية، مع ضعف في التسويق والتمثيل الثقافي". لكنه يستدرك بأن هذا الواقع تغيَّر تدريجياً في السنوات اللاحقة خاصةً بعد 2015 وتزايد أعداد اليمنيين في مصر، ما أسهم في انتقال هذا المطبخ إلى المجال الأوسع وانتشاره تجارياً وثقافياً.
وفي ما يتعلق بتلك المرحلة، يوضح الصلوي أن الجالية اليمنية نجحت في الحفاظ على مطبخها رغم محدودية توفر المنتجات اليمنية، بالتكيّف مع البيئة المحلية. استُبدلت بعض المكونات ببدائل مصرية، مع الحفاظ على جوهر النكهة عبر التوابل وتقنيات الطهي التقليدية. إلى جانب الاعتماد على الإنتاج المنزلي لبعض العناصر، وتبادل المكونات والوصفات ضمن الشبكات الاجتماعية للجالية.
يردف الصلوي، المتابع لمختلف النشاطات المتعلقة بالجالية اليمنية وعلى تماس مع العديد من مالكي المطاعم اليمنية، أنه بعد 2015، برز قطاع الطعام أحد أبرز مجالات الاستثمار لدى اليمنيين. فمن جهة، يتميز هذا القطاع بانخفاض الحاجة إلى رأس المال وسرعة تحصيل الربح، ما يجعله مناسباً للوافدين الجدد. ومن جهة أخرى، حسبما يقول، "شهدت مصر تزايداً في الطلب على التنوع الغذائي، بالتوازي مع انتشار ثقافة تناول الطعام خارج المنزل وتوسع تطبيقات التوصيل".
كذلك يشير إلى أن الجالية اليمنية امتلكت ميزة تنافسية تمثلت في المعرفة المتوارثة بالوصفات وتقنيات الطهي، وهو ما خفَّض تكاليف التدريب والتشغيل. ويلفت إلى أن شبكات الأقارب والجالية لعبت دوراً محورياً في توفير أشكال تمويل غير رسمية لا بنكية لمشاريع الطعام، خاصة في المراحل الأولى. فقد اعتمد كثير من المستثمرين على الاقتراض العائلي أو الشراكات الصغيرة أو الجمعيات. وقد ساهم رأس المال الاجتماعي، الذي شمل الثقة وتبادل الخبرات وتوفير العمالة، في خفض المخاطر وتسريع إطلاق المشاريع واستمراريتها.
لذا يرى جمال إسماعيل، صاحب مطعم "دار اليمن" في القاهرة، أنَّ المطاعم اليمنية في القاهرة تجاوزت كونها مجرَّد أماكن لتقديم الطعام، لتصبح فضاءً يعكس الهوية اليمنية ويعزز حضورها، ويمنح أبناء الجالية شعوراً بالانتماء. ويؤكد أن الإقبال على المطبخ اليمني في تزايد مستمر بالفعل.
وكان إسماعيل قد افتتح مطعمه سنة 2019. ومنذ ذلك الحين، حسبما يقول للفراتس، يحتل طبق المندي صدارة الأطباق التي يفضِّلها المصريون، إلى جانب أطباق أخرى تجذبهم بنكهتها وتوابلها.
وإذا كانت القاهرة تمثِّل نموذجاً بارزاً لهذا التحّول والإقبال نحو الأطباق اليمنية، فإنَّ التجربة اليمنية في تركيا تقدِّم امتداداً موازياً يعكس التفاعلات ذاتها في سياق مختلف. وكذا تقدم مثالاً آخراً على اقتصاد الجاليات، إذ تحوَّلت المبادرات الفردية للمهاجرين إلى نشاط اقتصادي يخدم المجتمع المضيف والجالية في آن.
يدير بلال العديني مطعم "البيت اليمني" في اسطنبول منذ 2016، ويقول للفراتس إنه اختار تركيا نظراً لما تتمتع به من استقرار سياسي واقتصادي مقارنة بالوضع في اليمن. ذلك إلى جانب سياسات التأشيرات والإقامة الميسَّرة نسبياً للعرب، ووجود جالية عربية كبيرة، "فضلاً عن كونها وجهة سياحية نشطة توفر فرصاً سريعة للاستثمار في قطاع المطاعم".
كذلك يشير إلى أنَّ الإجراءات التي فرضتها السعودية على اليمنيين بعد سنة 2015 دفعت كثيرين، وهو منهم، للانتقال إلى تركيا وبدء مشاريع جديدة، "وجهة آمنة وواعدة" لإعادة بناء الحياة.
ويبلغ عدد أفراد الجالية اليمنية في تركيا نحو عشرين ألف شخص، فيما يزداد عدد الوافدين باستمرار نتيجة الأوضاع التي يعيشها اليمن، بحسب الموقع الالكتروني للجالية اليمنية في تركيا مطلع 2026. وهو ما تبين في انتشار المطاعم اليمنية في إسطنبول بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، لتشمل مناطق عدة مثل شيرين إيفلر والفاتح وتقسيم وكايا شهير.
وعن أبرز الأطباق اليمنية التي يُقبل عليها الزبائن، يقول العديني إن المندي باللحم أو الدجاج يُعد "الطبق الأيقوني الأول" للمطبخ اليمني. وهو يجذب الزبائن ليس فقط بسبب مذاقه، بل أيضاً لأنه سهل المشاركة بطابعه العائلي.
ويوضح أنَّ قوائم الطعام في المطاعم اليمنية في تركيا لم تشهد تغييرات كبيرة، إذ يحرص أصحابها على الحفاظ على الأصالة، مع استيراد المكونات الأساس غالباً من اليمن رغم كلفتها. ومع ذلك، تطرأ بعض التعديلات البسيطة، مثل تخفيف حدة التوابل لتناسب الذائقة التركية، مع إضافة تنوع أكبر في الأطباق. لأن الفكرة الأساس تبقى "تقديم المطبخ اليمني كما هو".
ويلفت العديني إلى تنوّع المطبخ اليمني، إذ تختلف الأطباق بين حضرموت وعدن وصنعاء وتعز، "لكل منطقة بصمتها الخاصة". كذلك يتميز بطرق طهي تقليدية فريدة مثل الطهي بالتنور "الفرن الطيني"، والمندي بالبخار والدخان، والمضبي المشوي على حجارة ساخنة، ويركز المطبخ اليمني على الأرز واللحم والنكهات الغنية، إلى جانب الطابع العائلي والكرم في التقديم.
أخبرنا العديني أن كثيراً من اليمنيين في تركيا اكتشفوا قدرتهم على النجاح وريادة الأعمال رغم ظروف النزوح. فبعد أن كان وجود اليمنيين في تركيا يقتصر غالباً على طلاب وتجار قبل 2015، أصبح وجودهم أكثر تنوعاً ليشمل عائلات وشباباً باحثين عن فرص عمل، مع توجه واضح نحو إنشاء المشاريع الخاصة.
ويقول إن هذه المشاريع تساهم في تعزيز حضور الجالية اليمنية اقتصادياً عبر خلق فرص عمل وبناء شبكة من الأنشطة التي تشكِّل جزءاً من اقتصاد الجاليات في بلدان الاغتراب. ويختم بالتأكيد على أنَّ هذا الاستثمار اليمني في قطاع المطاعم يمثل قصة نجاح قابلة للتوسّع، وأنه افتتح فرعاً آخر لمطعمه في هولندا يحمل الاسم نفسه.
في هذا السياق، يقول الباحث والمحلل الاقتصادي اليمني عبد المجيد المساجدي للفراتس، إنَّ قطاع المطاعم يسهم في إدخال المهاجرين إلى تركيا بطريقة عملية وسريعة. ويضيف أنَّ التعامل اليومي لهذه المطاعم مع الزبائن الأتراك يعزز التفاعل الاجتماعي والاقتصادي، ويحوِّل المشروع من نشاط خاص بالجالية إلى جزء من المشهد الاقتصادي المحلي.
ويتابع أنه على المدى البعيد، يمكن لهذا القطاع أن يتجه نحو مزيد من التنظيم والتوسّع، إذا ما طُور. لأن المطبخ اليمني برأيه يمتلك هوية مميزة تؤهله للتحوّل إلى علامة تجارية إقليمية، خاصةً مع الانتشار الواسع بالفعل لأطباق مثل المندي والسلتة والزربيان. وهو ما قد يفتح المجال أمام استثمارات أوسع تربط بين المطاعم وقطاع السياحة الغذائية.
ولا يقتصر المطعم اليمني على كونه مساحة اقتصادية وغذائية فحسب، بل يتجاوز ذلك ليشكِّل فضاءً اجتماعياً وثقافياً أيضاً. ففي حالاتٍ تتحول المطاعم اليمنية نقطة التقاء لأفراد الجالية ومكان لتبادل الأخبار والفرص، وأحياناً منصة للنقاشات الاجتماعية والسياسية.
من هنا يغدو الطعام اليمني، حاله في هذا حال طعام كثير من الجاليات المغتربة، حاملاً للذاكرة والعادات والقيم، فيما تسهم الطقوس الغذائية في ترسيخ الانتماء، خصوصاً عندما يتشارك المهاجرون أطباقاً مرتبطة بمناسبات دينية أو وطنية. وقد يخفف ذلك من حدة الانقسامات السياسية، فما يجمع اليمنيين داخل هذه الأمكنة يرتبط غالباً بعوامل عاطفية وثقافية ربما تكون أعمق من تلك السياسية التي تفرقهم. ويسهم هذا التفاعل أيضاً في تعزيز حضور اليمنيين داخل المجتمعات المضيفة.
يقول عبد المجيد المساجدي إنَّ حضور المطبخ اليمني في القاهرة وإسطنبول لم يعد مجرَّد انعكاس لحنين الجاليات إلى الوطن، بل أصبح ظاهرة اقتصادية واجتماعية وثقافية متكاملة. فقد استطاع اليمنيون عبر أطباقهم التقليدية فتح نافذة للتعريف بهويتهم، وتقديم صورة مغايرة عن اليمني في المنفى: "صورة الإنسان المنتج، الحامل لتراثه، والقادر على تحويل تجربة النزوح القاسية إلى فرصة للتواصل والاندماج". وبهذا المعنى، بات الطعام اليمني أداة من أدوات القوة الناعمة، التي تجمع بين البُعد الاقتصادي والدبلوماسية الشعبية، وتعيد رسم ملامح العلاقة بين اليمنيين والمجتمعات المضيفة، بحسب المساجدي.
من جهته، يشير بلال العديني، صاحب مطعم "البيت اليمني" في اسطنبول، إلى أنَّ المطعم اليمني لا يُنظر إليه مشروعاً تجارياً فقط، إنما "سفارة يمنية صغيرة"، من خلال الديكور المستوحى من التراث، وتقديم القهوة اليمنية والشاي العدني، إلى جانب شرح تاريخ الأطباق للزبائن عندما يستفسرون عن الوصفات. ويضيف أن العاملين في هذا القطاع يشعرون بأنهم يسهمون في عرض صورة اليمن والتعريف بتراثه وكرم أهله.
يتقارب زكريا الدهوة، أستاذ اللسانيات في جامعة عين شمس بمصر وعضو هيئة التدريس في جامعة إب باليمن، في رصده للطعام اليمني من العديني. فيقول في حديث للفراتس إن حضور الطعام يبرز جلياً في حياة اليمنيين في الاغتراب، خاصة خلال تجمعاتهم في المناسبات وعروض التراث. إذ يسعى اليمني إلى تقديم صورة "الوطن الواحد" و"الوطن الكبير".
ويبرز الهودة البعد الدبلوماسي الشعبي لهذه الظاهرة، قائلاً: "إنّ المطاعم اليمنية تحوَّلت إلى أدوات للدبلوماسية الشعبية الناعمة غير الرسمية [. . .] تعكس قيم الضيافة اليمنية، وتفتح المجال أمام تعزيز التفاهم الثقافي والتواصل المجتمعي". ويتابع أنَّ اليمنيين نجحوا عبر الطعام في بناء جسور مع الآخرين وتقديم صورة إيجابية عن بلدهم، "رغم الظروف القاسية التي دفعتهم إلى المنفى".
في ذات السياق، يقول للفراتس نائب مدير المركز الثقافي اليمني في القاهرة نبيل سبيع، إنَّ المطبخ اليمني يتيح للآخرين التعرّف على ثقافة الإنسان اليمني عبر التاريخ، من خلال أطباق ونكهات توارثها اليمنيون عبر مئات السنين. ويضيف أنَّ هذا المطبخ يتميَّز بتنوّعه وثرائه الناتج عن التنوع الجغرافي والثقافي والحضاري لليمن.
ويلتقي مع هذه الآراء خالد المصباحي، رئيس هيئة شباب اليمن في المجلس العربي للإبداع والابتكار في العاصمة المصرية، وهو أحد المجالس التابعة للاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة.
يقول في حديث للفراتس إنَّ هذه المطاعم تحوَّلت أحياناً إلى مساحات لاحتضان أنشطة اجتماعية وثقافية بسيطة، مثل لقاءات الطلاب والشباب، والتجمعات في المناسبات. إضافة إلى أنها أسهمت في إبراز الهوية اليمنية من خلال الزي والصور واللوحات اليمنية المعلَّقة على الجدران، وهو ما يعزز حضور الثقافة اليمنية في الأوساط المصرية. ويشرح: "اليمنيين استطاعوا من خلال الأطباق التقليدية تقديم جزء من هويتهم الثقافية، ليغدو الطعام وسيلة ثقافية ناعمة للتعريف بالمجتمع اليمني".
وهذا ما خبرته الصحافية المصرية وفاء شعيرة. تقول للفراتس إنها تعرَّفت على المطبخ اليمني خلال دراستها الجامعية عبر صديقة يمينة، وانبهرت بمذاق المرق وطريقة طهي المندي ولحم الماعز.
وتضيف أنَّ اختلاف مذاق التوابل اليمنية عن المطبخ المصري يمنح الطعام نكهة جديدة ومميزة، مشيرةً إلى أنَّ تجربة الأكل في المطاعم اليمنية، إلى جانب التفاعل مع اليمنيين، منحها انطباعاً إيجابياً عن الشعب اليمني الذي تصفه بالطيب والجميل. ودفعها ذلك للبحث في تاريخ اليمن. وتقول شعيرة إنها وكثير من المصريين يعتبرون المندي الطبق الأول بين الأطباق اليمنية، إلى جانب الملوح أو الخبز اليمني والشوربة التي تُقدَّم عادة قبل الوجبة.
تلاحظ وفاء شعيرة كذلك ازدياد عدد المطاعم اليمنية بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، مشيرةً إلى أن بعضها بدأ يُدخل أطباقاً مصرية إلى قوائمه مثل اللحوم المشوية والفول والملوخية. وهو ما ترى أنه انعكس إيجاباً على الزبائن الباحثين عن المطعم الأكثر اتقاناً في الطهي والأقل سعراً في الوقت نفسه.
وبذلك، فإنَّ المطبخ اليمني لم يعد مجرد امتداد منزلي للجالية، بل ظاهرة تحمل معها الوطن الكبير في المنفى، وتفتح الباب أمام مستقبل يمكن أن يكون أكثر إشراقاً إذا استثمر فيه قطاعاً اقتصادياً وثقافياً منظماً، يربط بين الطعام والسياحة والاقتصاد والدبلوماسية الشعبية.

