محمد النعاس محرِّر منشِئ في مجلّة الفِراتْس
مرّ يوم 23 مارس 2026 كأيّ يومٍ عاديٍّ آخر في طرابلس الليبية. عاد كثيرون من إجازة العيد إلى مزاولة أعمالهم، وأصبحت الشوارع التي تفرغ كل عيدٍ تمتلئ مجدداً بالسيارات. في أيام العيد تلك تنتشر منذ زمنٍ نكاتٌ وتلميحاتٌ عن تنفّس طرابلس بخلوِّها من كثيرٍ من سكَّانِها، وبقاءِ سكّانها "الأصليين" فقط. تجد الليبيين يهمزون بالقول إنّ "الدواخل"، أي من يعود أصله إلى القرى الداخلية، رجعوا إلى قراهم.
قبل خمسين عاماً بالضبط، أي يوم 23 مارس 1976، احتفلت ليبيا بإزالة آخر كوخ صفيحٍ في مدينة طرابلس. التهمت الجرارات الأكواخ المزروعة في منطقة بوسليم، الضاحية الجنوبية من المدينة، بالقرب من طريق المطار. أرّخت السلطات الليبية لهذا اليوم وجعلته عيداً وطنياً يذكّر الليبيين بماضٍ عاشوه أيام المملكة الليبية "البائدة" التي انتشر فيها الخراب والمحسوبية والتفاوت الطبقي، حسب رؤية السلطات الثورية بقيادة معمر القذافي حينها. وأرّخت الذاكرة لوجود تلك الأكواخ بإطلاق اسم "حي الأكواخ" على آخر تلك الأحياء الشعبية في بوسليم. وقد أرّخت أيضاً تلك اللحظة علامةً على تبدّل التركيبة السكّانية في مدينة طرابلس بجعلها أكثر ريفيةً وبداوة.
هكذا يرى من تعود أصولهم إلى المدينة القديمة بطرابلس، ويسمون في ليبيا "الطرابلسية الحقانيين"، إنّ طرابلس فسدت بوفود "الدواخل" إليها. وازداد هذا الصوت حدّةً واستقطاباً بعد أن تبنّته شخصياتٌ إعلاميةٌ وعامةٌ مؤثّرة. وتُلقى لائمة دخول هؤلاء "الدواخل المفسدين" إلى طرابلس وبقائهم فيها على نظام القذّافي كلّياً، حتى إنّ كثيرين يتجاهلون السياقات التاريخية، وطبيعة الترابط الجغرافي لمدينة طرابلس وضواحيها، فقط لخدمة فكرة أنّ طرابلس كانت عروساً للبحر الأبيض المتوسط قبل أن يفسدها أبناء القبائل.
هذه السردية تبسِّط تاريخ المدينة الاجتماعي، وتجعلها أسيرةً لهُويةٍ حضريةٍ تعادي هُوياتٍ قبليةً وبدويةً وريفيةً، لأنّ هذا التاريخ لا يزال يُقرأ بعدسةٍ لا تهتم بالتعقيدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. إذ بُنيت طرابلس على طبقاتٍ، وكبرت مع بدايات القرن العشرين، لكنها لم تتجاوز ما يُعرف اليوم بوسطِها الأوروبي إلا في الخمسينيات.
شهدت المدينة انفجاراً سكانياً منذ منتصف الخمسينيات بسبب الهجرة الداخلية، لكن المدينة نفسها كان أغلب سكّانها من المهاجرين منذ بدايات القرن التاسع عشر. ولأنّ المهاجرين إلى المدينة كانوا في العادة من أبناءِ قبائل الداخل الليبية ومن تربطهم روابط دمٍ وقربى فقد شكّلوا أحياءً تاريخيةً داخل المدينة القديمة وخارج أسوارها عبر الزمن.
والفرق بين ابن طرابلس "الحقاني" وساكنها من "الدواخل"، ليس نَبت الأول دون الثاني في المدينة، بل في الزمن الذي استوطنت فيه عشيرته أو قبيلته المدينة وتطبَّعت بطباعها.
ما يزيد في الطنبور نغماً هو أنَّ الدولة المركزية، منذ أن بدأت في فرضِ سيطرتها على الفضاءِ الليبي، قضت على التركيبات التقليدية القائمة شيئاً فشيئاً.
وهكذا تعدَّت مدينة طرابلس، بسبب تضخّم مساحتها عبر الزمن، على مساحاتٍ وأراضٍ تتنازع عليها قبائل الدواخل الليبية. وبهذا عندما أراد أهالي الدواخل القرب من المدينة، نقلوا معهم قراهم وعاداتهم وتقاليدهم، حتى التصقت القرى الليبية بالعاصمة.
وهكذا ساهمَت الدولة المركزية، بمحاولة فرض سيطرتها الاقتصادية والسياسية على الداخل، منذ منتصف القرن التاسع عشر في أن يصبح عدد سكّان طرابلس اليوم ما يقارب ثلاثة ملايين نسمةٍ، أي تركّز أكثر من ثلثِ سكَّان ليبيا في مساحةٍ جغرافيةٍ تقلّ عن 0.3 بالمئة من مساحة ليبيا.
تتألف مدينة طرابلس من خمس بلدياتٍ رئيسةٍ، هي طرابلس المركز، وسوق الجمعة شرقاً، وحيِّ الأندلس غرباً، وبوسليم في الجنوب الغربي، وعين زارة في الجنوب الشرقي. وتتوسع المدينة لتكون جزءاً من محافظة طرابلس الكبرى التي تشمل ضواحيها المتكونة من بلدية تاجوراء ثم القرابولي، شرقاً، وقصر بن غشّير جنوباً وعين زارة في الجنوب الشرقي، وجنزور غرباً، والسواني في الجنوب الغربي.
وبينما يتَّضحُ العامل الاقتصادي في تقسيمِ التركيبة السكَّانية في المحافظة والمدينة في بعض مناطقها، إلا أنّه ليس عاملاً وحيداً في توزيع السكَّان. إذ تختلف طبائع أهل البلديات الاجتماعية وحتى تكتّلاتهم السياسية وخرائط المجموعات المسلحة التي تسيطر عليها.
وبهذا تعدّ تاجوراء، التي تبعد عن وسط المدينة أقلّ من خمسة عشر كيلومتراً، بلدةَ تقدِّم العصبة العشائرية والعائلية على أيِّ عاملٍ آخر في توزيع سكّانها. وحتى أحياؤها التاريخية التي تشكِّل مركز البلدة مسماةٌ على أسماء العائلات الساكنة في المنطقة، كشارع النعاعسة نسبةً إلى عائلة النعاس. وهو نمطٌ يكرّره الأهالي حتى عند انتقالهم من حيِّ العشيرة أو العائلة، وقد حدثَ أن كرَّر النعاعسة هذا الأمر مرّتَيْن بتكتّلهم في أحياءٍ أخرى داخل البلدة.
هنا ينتفي العامل الاقتصادي في التوزيع، فتجدُ أبناء العمومة من سويَّاتٍ اقتصاديةٍ مختلفةٍ بين الفقير والثريِّ يعيشون في الحيِّ نفسه، ويفضِّلون البقاء في المكان نفسه. وهو أمرٌ يتكرر أيضاً في بلدية سوق الجمعة ويتجاوزه، إذ يميل كثيرٌ من أهالي البلدية دينياً إلى التيَّار المدخلي، وهو ما يمكن تبيّنه من سيطرة قوة الردع الخاصة، إحدى أهم المجموعات المسلحة في مدينة طرابلس، والتي يتبنى قادتها الفكر المدخلي، على البلدية وتكوّنها من عناصر يعيشون بالمنطقة.
وبينما لا يشكِّل العامل الاقتصادي في بلديّتَيْ سوق الجمعة وتاجوراء عاملاً مهماً في التوزيع السكّاني، فإنه يكون جوهرياً في بلدية حيِّ الأندلس. فالبلدية مقسِّمة إلى محلّاتٍ أهمّ مناطقها حيّ الأندلس المركز وقرقارش وقرجي والشارع الغربي والسياحية، وهي محلاتٌ يمكن تبيّن الاختلاف في سويِّة سكَّانها الاقتصادية.
يبدو سكَّان حي الأندلس المركز والسياحية أكثر رفاهاً من غيرهما، حتى إنّ أهل البلد يتندَّرون بهما في وسائل التواصل الاجتماعي بتسميتِها "تريبولي" أو "لبيا"، كما تُنطق المدينة والبلاد بالإنجليزية. وتبدو محلات قرقارش والشارع الغربي الملاصقة لهما والمتداخلة معهما شعبية. وعلى ذلك تجتمع مناطق بلدية حيّ الأندلس في أن كثيراً من سكَّانها يعودون في أصولهم إلى مناطق غرب طرابلس وجنوب غربها.
ومع أنّ هذه العصبة القبلية أو العشائرية تكاد تختفي في أغلب بلديات طرابلس، إلا أنَّها تتبدَّل وتُستعاد حسب الظرف. وتعدّ بلديةُ بوسليم، أكثرُ بلديات العاصمة سكاناً، حالةً نموذجيةً لهذا. فمع أنّ كثيراً من سكَّانها تجمعهم أصولٌ نازحةٌ ومهاجرةٌ من قبائل الدواخل المحاذية البلديةَ، أي ترهونة والجزء الشرقي من جبل نفوسة، إلا أنَّهم يدينون بولائهم للبلدية والمنطقة التي تتحوَّل في الذهن الجمعي إلى حالةٍ أشبه بالقبيلة.
وليس أدلَّ على ذلك من ولاء كثيرٍ من أهل البلدية إلى عبد الغني الككلي، رئيس جهاز دعم الاستقرار السابق، قبل اغتياله سنة 2025. وتعصّبَ الككلي نفسُه بأهالي قريته "كِكْلَة"، في جبل نفوسة جنوب غرب طرابلس، حتى إنّه أسكنهم موقعَ آخِرِ حيِّ أكواخٍ تاريخيٍّ في العاصمة، وسُمِّيَ بِاسمهم "عمارات ككِْلَة".
هكذا فإن الأصول العائلية والقبلية في طرابلس، على مدنيّتِها، تفعل فعلها ولا تختلف كثيراً في هذه العصبية عن جلِّ المدن والقرى الليبية. فيرى من تعود أصولهم إلى المدينة القديمة أنّهم هم أبناء المدينة الحقيقيون الممتازون عن بقية أهل المدينة المزيفين، ويسعون في أحيانٍ كثيرةٍ ألّا يخرجوا في علاقات التناسب والقربى من هذا الحيّز. وحالة "الطرابلسية الحقانيين" هذه، لا تنطبق على سكَّان أهل المدينة القديمة اليوم، الذين يتكوَّن كثيرٌ منهم من المهاجرين الأفارقة، بل هو "حقٌّ" يُنال بتتبّع شجرة العائلة قبل استقلال البلاد سنة 1951 وقبل خروج كثيرٍ من عائلات المدينة التاريخية منها بدءاً من السبعينيات. ولي أصدقاء كثيرون منهم لم يعيشوا في المدينة القديمة، إنَّما نالوا هذا اللقب، الذي يعدّونه شرفاً، من اسم العائلة وسلسلة العادات والتقاليد الطرابلسية التي تتبناها عائلته، والتي تُسمى "سِبْر". ولا يحبِّذ أهل تاجوراء وسوق الجمعة، لاسيما من يسكنون الأحياء التاريخية، سُكنى الغرباء في مناطقهم، ويسمونه "البُرّاني" حتى إن وُلِد وتزوّج وأنجب فيهما.
وهكذا تصبح العصبة العشائرية والقبلية مقدَّمةً على قوانين الدولة في بيع الأرض والمساكن وشرائها. ومثالٌ على ذلك، صديقٌ لي من "البرّانية" الذين يعيشون في تاجوراء، حاول بيع أرضٍ له فلَمْ يرضَ أهالي الحيّ بأن يشتريها أحدٌ غيرهم، مع أنّهم لا يملكون حقَّها. لكنهم يحتمون بعصبيتهم العائلية وحقهم التاريخي في المنطقة والأعراف الاجتماعية لمنعه من بيع الأرض.
خريطة لطرابلس في القرن السابع عشر | ويكيميديا
خريطة لطرابلس في القرن السابع عشر | ويكيميديا
القذافي في سنة 1970 | ويكيميديا
القذافي في سنة 1970 | ويكيميديا
الأسطول العثماني يسيطر على طرابلس سنة 1551 | ويكيميديا
الأسطول العثماني يسيطر على طرابلس سنة 1551 | ويكيميديا
السفينة الأمريكية يو إس إس فيلادلفيا تحترق قبالة شواطئ طرابلس زمن حكم القرمانليين، إبان حربهم مع الولايات المتحدة | ويكيميديا
السفينة الأمريكية يو إس إس فيلادلفيا تحترق قبالة شواطئ طرابلس زمن حكم القرمانليين، إبان حربهم مع الولايات المتحدة | ويكيميديا
من هذا المنطلق تبدو طرابلس أقرب إلى مدينةٍ صغيرةٍ لا تتجاوز حدود المدينة الإيطالية يتحلَّق بها تجمع من القرى. وهو أمرٌ يسجِّله بدقّةٍ عالم الإناسة روبرت هاريسون في دراستِه "مايغرانتس إن ذا سيتي أوف تريبولي" (المهاجرون في مدينة طرابلس)، المنشورة سنة 1967، والتي تعدّ أهمّ مرجعٍ عن التركيب السكّاني في طرابلس ما قبل ثورة النفط الليبي التي بدأت سنة 1963. إذ يغطّي جغرافيا الهجرة الداخلية وتاريخها منذ نهايات العهد العثماني وحتى سنة 1964، وكيف تشكّلت طرابلس في جُلِّها من أبناء الدواخل الليبية.
هنا يأتي مصطلح "الدواخل" التاريخي ليعيد الجدل داخل فضاء مواقع التواصل الاجتماعي في ماهية مدينة طرابلس. فالمصطلح الذي نُسب تاريخياً إلى قبائل وقرى داخل طرابلس، أي المناطق المحيطة بمدينة طرابلس التاريخية والتي تشكِّل عمق الوطن الليبي، أصبح اليوم في الخطاب العام أقربَ إلى نعتٍ بالتخلف والبداوة والجاهلية، يفسدُ فيها "الدواخلُ" عاداتِ المدينة وتقاليدَها وطباعَ أهلها. وقد اشتُهِر في وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً كثيرٌ من المؤثرين الذين يقودون حملاتٍ إعلاميةً ضد الدواخل، أهمّهم الإعلامي محمد امحيسن الذي عُرف بالسخرية من عاداتهم في الأكل والمشرب والمسكن وحتى الحديث والتواصل البشري.
وترى شخصياتٌ ثقافيةٌ ليبيةٌ تحدّثتُ إليها أنَّ السبب في ذلك كان صعود معمر القذافي، وحقده على مدينة طرابلس، وسعيه لتدميرها بزرعه العادات البدوية فيها. وهو ما يقوله مصطفى عمر التير، أستاذ علم الاجتماع في الأكاديمية الليبية للدراسات العليا، في كتابه "صراع الخيمة والقصر"، المنشور سنة 2014، وإن بطريقةٍ تبتعد عن العصبية، بطرحِ سؤال: "هل كان القذافي حاقداً على سكان المدينة للظروف الحياتية الأفضل نسبياً عند المقارنة بتلك الفئة من سكان البادية الذين لا يملكون من متاع الدنيا شيئاً يُذكر؟". ومع أنّ إجابة التير لا تقول إنَّ القذافي كان حاقداً حقاً على المدينة، لكنه يقول إنَّ تصرفاته مع رغبة "قوية لديه لفرض نمط حياة البادية والريف على المدينة" كانت عاملاً مهماً في سيطرة "الدواخل" من البدو والريفيين على أسلوب الحياة في المدينة. وقد عرض التير أمثلةً منها أنَّ القذَّافي أصدر "قراراً عجيباً فرض فيه على كلّ موظفٍ في المدينة شراء قفصٍ وعددٍ من الدجاجات ليقوم بتربيتها في شقته أو منزله".
ومع مساهمة سياسات القذافي وأفكاره ونمط حياته بالفعلِ في زعزعةِ السلم الأهلي والتجانس الاجتماعي وربما حتى عرقلة مسيرة التحديث، لا في المدينةِ فقط وإنما في القرى والبوادي الليبية، إلا أنّه لم يكن سبباً جوهرياً في تكوّنِ هذه العصبيات أو حتى تشكّل مدينة طرابلس بهذا الشكل. إنّما هو تراكم تاريخي واضح اجتمعت فيه ظروف تكوّن الدولة المركزية والتحولات الاقتصادية التي تتلوها، منذ أن سقطت الدول المحلية فيما يُسمى الفضاء الليبي اليوم، ومحاولة الدولة العثمانية فرضَ هيمنتها على مناطق نفوذها كافةً ابتداءً من القرن التاسع عشر.
دخلت إيالةُ طرابلس الغرب العثمانيةُ (الاسم القديم لجزءٍ مهمٍّ من المعمورة الليبية) القرن التاسع عشر مدينةً محصّنةً بأسوارٍ أربعةٍ، تشبهُ في تكوينها مدنَ القرون الوسطى. وكانت الإيالة تعادي كلّ ما حولها، سواءً القوى الغربية على البحر أو قبائل الداخل التي كانت تعيش بدءاً من ريفِ المنشية الذي تطلُ عليه أسوارها. لم تتمدد المدينة خارج أسوارها إلا قليلاً قبل سنة 1835 عندما سقطتْ الأسرة القرمانلية التي كانت تحكمها، بسبب حربٍ أهليةٍ بين رأس الدولة يوسف باشا القرمانلي، وابنه علي باشا الذي قاد ما عُرِفَ بثورة المنشية للإطاحة بوالده سنة 1832. استعادتْ الدولة العثمانية المدينةَ والإيالةَ عازمةً على إصلاحاتٍ جذريةٍ، فيما عُرِفَ عثمانياً بالتنظيمات، التي استهدفت منذ سنة 1843 تحديث كل الولايات وتعزيز مركزية الدولة. لاحقاً عُرفت تلك المرحلة في التاريخ الليبي الحديث بالعهد العثماني الثاني.
لم تكن طرابلس مدينةً كبيرةً يصعبُ السيطرة عليها، إذ لا تتجاوز مساحة المدينة المسوَّرة ثمانيةً وأربعين هكتاراً (الهكتار يساوي عشرة آلاف متر مربع). لكن عندما تنتهي أسوار المدينة المعزولة عن محيطها، تبدأ المقاومة الحقيقية على الجهات الثلاث شرقاً وغرباً وجنوباً. إذ تمتد من المنشية مضارب قبائل الغرب الليبي، التي كانت تتمتعُ باستقلالٍ نسبيٍ في تنظيم أمورها واختيار شيوخها وتحالفاتها القبلية بعيداً عن الدولة القرمانلية وباشاواتها، مقابل دفع الضريبة للباشا. بل إنَّ بعض تلك القبائل كقبائل المحاميد كانت تتمتع بإعفاءٍ ضريبيّ. في كتابه "الأصوات المهمشة" المترجم سنة 2009، يشبّه علي عبد اللطيف حميده، رئيسُ قسم العلوم السياسية في جامعة نيوإنغلاند، طبيعةَ العلاقات السياسية بين المدينة ودواخلها قبل العهد العثماني الثاني، بكونها علاقاتٍ أقرب إلى الكونفدرالية. إذ تدين القبائل بالولاء السياسي للباشا القرمانلي، ممثلاً للخلافة الإسلامية في إسطنبول، لكنها تتمتع بحرِّية تصريف أمورها وخوض حروبها وغزواتها وسلمها القبلي وفق ما تراه مناسباً. يقول حميده إنّ التنظيمات جاءت بالضبط لتهدم هذه العلاقة، وتعيد بناء علاقات القوى في طرابلس الغرب.
يشرح حميده بقوله إنّ السياسة العثمانية انصبّت على "بناء دولةٍ مركزيةٍ قويةٍ من خلال العائدات الضريبية، بغية مواجهة التوسع الأوروبي". وليتمَّ هذا وجب إخضاع الصفوف القبلية في الداخل وإلغاء الإعفاءات الضريبية. سعى العثمانيون في طرابلس لبناء جيشٍ قويٍ يمكنه مواجهة صفوف القبائل ومنظومةٍ إداريةٍ وتوطين القبائل البدوية وحماية التجارة. ورَأَوا ضرورة استحداث نظامٍ تعليميٍ متكاملٍ في الولاية. ومع أنّ هذه القرارات لقيت مقاومةً قبليةً قويةً في صفوف قبائل المحاميد، فيما يعرف تاريخياً بثورة غومة المحمودي، قائد قبيلة المحاميد، وقبيلة أولاد سليمان، إلا أنّ الدولة المركزية كان لها ما أرادت في النهاية.
تزامنت هزيمة قبائل الدواخل مع إقرار العثمانيين قانون الأرض سنة 1858. هدف القانون إلى إحكام سيطرة الدولة على كلّ الأراضي الواقعة في ولاياتها وإضعاف ما تبقى من حظوة الزعامات المحلية. فمثلاً أقرَّت ضرورة تسجيل الأراضي تسجيلاً فردياً، ممّا عنى في الدواخل الليبية أن ينتزع الشيوخ والزعامات حقوق ملكية أرضٍ كانت ملكاً مشاعاً للعشيرة أو القبيلة.
تزامنت خطة التحديث هذه مع تحوّلٍ في اقتصاد طرابلس، التي أصبحت تحت الحكم العثماني ولايةً من ولايات الإمبراطورية. اعتمدت طرابلس قبل ذلك في جزءٍ كبيرٍ من اقتصادها على تجارة الصحراء الكبرى، بالإضافة إلى اقتصاد قبائل الدواخل الرعويّ. بدأ هذا الاقتصاد يضعف منذ بدايات القرن التاسع عشر، مع دخول الرأسمال التجاري الأوروبي عبر بريطانيا وإيطاليا، فشهدت المدينة تشكّل طبقة عمَّالٍ جديدةٍ وبداية تطوير قطاع الزراعة. وفي ثمانينيات القرن التاسع عشر تراجعت تجارة الصحراء الكبرى مع التوسع الأوروبي في إفريقيا. هكذا اضطرَّ كثيرٌ من أبناء قبائل دواخل الولاية إلى الهجرة إما إلى طرابلس، كما حدث مع تجَّار غدامس الذين نقلوا تجارتهم إلى مدينة طرابلس، أو إلى تونس، حيث عمل كثيرٌ منهم في مناجم الفوسفات.
تتفق أغلبُ التقديرات على أنّ عدد سكّان طرابلس قبل هجرة أبناء القبائل منتصف القرن التاسع عشر لم يتجاوز عشرة آلاف نسمةٍ، إذا لم يُحسب سكّان المنشية الذين لا يُعدّون وقتها من سكان المدينة. بعض تلك التقديرات تقول إنّ عدد سكّان المدينة وصل إلى عشرين ألفاً، كما يقول روبرت هاريسون في دراسته المذكورة آنفاً. وتعدّ "حومة غريان"، أي حيّ غريان، أحد أكبر تجمعات سكَّان المدينة العرب. ويُنسب كثيرٌ من سكان الحومة إلى غريان في جبل نفوسة، جنوب طرابلس. وهو ما يثبته أيضاً هاريسون في دراسته، عندما يقول إنّ ما يقارب نصف سكان المدينة القديمة في خمسينيات القرن العشرين من مهاجري جبل نفوسة أو أصولهم ترجع إليه، وهو نمطٌ تكرر مستقبلاً مع جلِّ الهجرات الجماعية إلى المدينة.
وأيّاً كان الأمر، يقول هاريسون إن عدد سكان المدينة شهد تزايداً متسارعاً حتى 1911، سنةِ آخِر إحصاءٍ عثمانيٍ، ليصل ثلاثين ألف نسمة. وينوِّه حميده بأنِّ القبائل الكبرى غرب طرابلس بدأت تستقر، عندما شرع شيوخها وأعيان الحضر في تسجيل الأراضي بأسمائهم، وهكذا بدأت المدينة تفرض هيمنتها على الريف. ويقول حميده إن المدن الليبية الكبرى جهة طرابلس، كالزاوية وزليطن والعزيزية ومصراتة، تضخّم عدد سكَّانها إثر ما حدث، وبدأت تتضح معالم الأحياء الشعبية في أحزمة تلك المدن، لاسيما طرابلس.
يبدو أوّل توثيقٍ لتكوّن أولى الأحياء الشعبية العشوائية (أو أحياء الأكواخ) خارج المدينة في الفترة ما بين 1858 و1911، كما يقول هاريسون. إذ يؤكد أن القبائل البدوية وشبه البدوية كانت تعسكر، حسب المواسم الفلاحية والاقتصادية، بالقرب من أسوار القلعة ثم تهجر معسكراتها للانتقال فيما تبقى مما كانت تسمِّيه وقتئذٍ "وطن القبيلة". ويشير هاريسون إلى وجود حيٍّ للسود تحت أسوار المدينة مباشرةً سنة 1902 يقول إنهم جاؤوا من فزّان في الجنوب، والتي كانت أكبر المتضررين من ضعف تجارة الصحراء وإلغاء العبودية.
هناك أيضاً حيٌّ آخر تشكّل من البدو والريفيين، جنوب المدينة في المنطقة التي سُمِّيت بعد ذلك بباب بن غشّير. أيضاً تتفق المصادر التي اطلعتُ عليها وتحدثتُ معها على أنّ منطقة الظهرة، أقلّ من كيلومترَيْن جنوب شرق المدينة القديمة، تكوَّنت من حيٍّ شعبيٍّ من المهاجرين الليبيين الذين جاؤوا بحثاً عن سبل العيش في المدينة. هذا ما يشرحه الكاتب محمد العالم الراجحي في كتابه "محلة الظهرة، ملتقى الخصوصية والعمومية" المنشور سنة 2004 بقولِه إن القادمين "إلى المحلة بمفردهم أو بعائلاتهم من مختلف أوطانهم الصغيرة البعيدة والقريبة كانوا لا يجدون صعوبةً في الحصول على مأوى". ويقول الراجحي إن كثيرين من سكان الظهرة جاؤوا من ترهونة ومسلاتة وزوارة وفزّان وسرت ومصراتة وورفلة وحتى برقة، بل وذوي أصولٍ تعود إلى السودان والنيجر وتشاد.
على ذلك، لم يكن كلّ التوسّع شعبياً فقط، بل كان هناك توسّعٌ رسميٌ أو شبه رسميٍ، كما حدث مع ميزران، جهة جنوب شرق المدينة المسوّرة، الذي يعدّ أقدم الأحياء العثمانية التي أسّسها أعيان المدينة خارج أسوارها، وهو الحاجّ رمضان ميزران.
ولم يكن تشكّل هذه الأحياء عبثاً، إنّما نتيجةً لفروقاتٍ طبقيةٍ واجتماعيةٍ بدأت تظهر مع مسارِ التحديث العثماني. يؤكد حميده حالة الشدِّ والجذب بين طبقات المدينة الاجتماعية الجديدة بقوله إنّ التوترات والصراع الطبقي كانت بين المرفهين من الأعيان الحضريين والتجّار، الذين يتاجرون مع الأوروبيين، وبين طبقات العمال المُياومين والفلاحين، الذين كان أغلبهم بدواً يشتغلون خمّاسين، أي يعملون على أرضٍ صغيرةٍ تعود ملكيتها إلى غيرهم على أن يدفعوا خُمس ما يجنون. وعلى هذه الأشكال الاقتصادية، يرى حميده أنّ روابط القربى والعقائد الدينية كانت الغالبة في تحديد الحياة الاجتماعية داخل المدينة وضواحيها كمنطقة سوق الجمعة. أي إنّ العلاقات القبلية والجهوية تعقّدت أكثر بسبب تشكّل التفاوت الاقتصادي. ويؤكد الراجحي أنّ الظهرة كانت أحد بقع التوتر الشعبي مع السلطات الحاكمة.
هكذا بقيت طرابلس شبه منعزلةٍ عن محيطها لا تعترف بالأحياء التي تُفتح جديداً خارج أسوارها، وأبقت على التوزيع السكَّاني داخلها في توازنٍ عدديٍ بين مسلميها ويهودها. ولم تتغيّر التركيبة السكَّانية كثيراً إلا عندما دخلها الإيطاليون في أكتوبر 1911، وبدؤوا فصلاً جديداً من تاريخها يقوم اقتصاده على الزراعة والاستيطان.
لم يتجاوز الإيطاليون عند احتلالهم طرابلس سنة 1911 الضواحي الملتصقة بالمدينة. فقد واجهتهم مقاومةٌ شعبيةٌ، كانت أهم معاركها معركة الهاني شارع الشطّ في أكتوبر من تلك السنة. مُنِيَ الإيطاليون بهزيمةٍ نكراء جعلتهم في حالة صدمة. على ذلك، فقد تمكنوا من السيطرة على المدينة القديمة. وما لبثوا أن تقدمت قواتهم وانتشرت حتى توقفت عند شارع الشط شرقاً، وعند حدود الفرناج في الجنوب الشرقي وسيدي المصري جنوباً وباب العزيزية في الجنوب الغربي وما يُعرف اليوم بمنطقة سوق الثلاث غرباً. وهي مناطق أبعدُها الفرناج التي تفصل بينها والمدينة القديمة مسافة تسعة كيلومترات.
عندما سيطر الإيطاليون على هذه المساحة الصغيرة، بدؤوا في بناء سورٍ جديدٍ سنة 1912 يحمي المدينة من هجمات قبائل الدواخل، لتثبيت المصالح الإيطالية. عُرِف هذا السور في الثقافة الليبية الشعبية لاحقاً بالكردون، بل عُدّ في الثقافة الشفهية الطرابلسية فاصلاً بين من يستحقون لقب أبناء المدينة الحقيقيين ومن جاؤوا من أماكن أخرى، وذلك بقولهم إنّ فُلاناً إمّا "برّا الكردون" أو "داخل الكردون"، بل وسخريتهم بأنّ أبواب هذا الكردون كانت تُغلق أمام البدو والريفيين عند غروب الشمس.
بعد ذلك، انتقل الإيطاليون إلى تعرية المدينة القديمة من أسوارها الأولى التي لم يتبقَّ منها إلا أجزاءٌ بسيطةٌ أُبقيَ عليها بفضل جهود علماء آثارٍ إيطاليين. كان الهدف من تدمير الأسوار القديمة مزدوجاً، وهو أولاً إزالة التحصين عن المدينة القديمة كي لا تكون وكراً للمقاومة الأهلية أو لأيّ ثورةٍ، وثانياً لدمج المدينة مع المدينة الأوروبية الحديثة التي ستُبنى على ضفافها. ومع أنّ الإيطاليين كانوا يعتقدون أنّ طرابلس مدينةٌ ذات أصولٍ رومانيةٍ، إلا أنّهم لم يروا سكانها "متحضرين"، كما تقول ميا فولر، مديرة معهد الدراسات الأوروبية التابع لجامعة بيركلي، في دراستها "بريزيرفيشن آند سيلف أبزوربشن [. . .]" (بين المحافظة والانعزال: الاستعمار الإيطالي ومدينة طرابلس المسورة"، المنشور سنة 2000 في مجلة الدراسات الشمال إفريقية.
وعلى نظرةِ الإيطاليين الدونية لسكّان طرابلس، إلا أنّه لا توجد دلائل موثّقةٌ ومباشرةٌ في سنوات الاحتلال الأولى على رغبةٍ في عزلهم عن فضاء المدينة الأوروبية. كانت السياسة الإيطالية بعدم التدخّل في حياة المحليين واضحةً وتختلف عن سياسات الفرنسيين في الدول المغربية. وهذا ما تشرحه فولر بقولِها إنّ الإيطاليين عاملوا المدينة القديمة كما يعاملون مدنهم الأثرية، وبذا لم يتدخلوا في إعادة تخطيطها إلا ضمن مجالٍ صغيرٍ بالقرب من قوس ماركوس أوريليوس. حتى تسمية الإيطاليين المدينةَ القديمةَ تختلف عن تسمية الفرنسيين مدنَ تونس والجزائر. فبينما كان الفرنسيون يستخدمون اسم "مدينة" للدلالة على اختلافها عن مدنهم، كان الإيطاليون يسمون المدينة العربية بطرابلس "لا تشيتّا فِكيا"، أي المدينة القديمة، أو "إي فيكّي كوارتييري"، أي الأحياء القديمة، وهي الأسماء نفسها التي يستخدمونها مع مدنهم الإيطالية.
لم تمنع هذه الفلسفة من انتهاج الإيطاليين سياسةً استعماريةً واضحةً، وذلك بالبدء في إنشاء المدينة الأوروبية على ضفاف المدينة العربية الشرقية والجنوبية. كانت المدينة الإيطالية الجديدة مخصصةً للمستوطنين الإيطاليين من موظفين وإداريين وعمّالٍ ورجال أعمالٍ، لا بفعل سياسة عزلٍ مباشرٍ لكن وفق طبيعة الأمور الاستعمارية التي تدعم فيها حكومات الاستعمار المستوطنين. وهكذا أصبح في طرابلس نموذجان اجتماعيان واقتصاديان للعيْش. نموذجٌ محلّيٌ يعيشُ جُلّ أهله داخل المدينة القديمة ويعتمدون فيه على أنفسهم، ونموذجٌ إيطاليٌ مستوطنٌ يعيشُ جلّ أهله في المدينة الإيطالية ويتحصلون على دعمٍ اقتصادي من سلطات الاستعمار. وهو ما تصفه مولر بالعزل الطبيعي بين المجتمعَيْن.
السراي الحمراء | ويكيميديا
السراي الحمراء | ويكيميديا
طرابلس سنة 1910، وتظهر في الصورة سفارتا اليونان وأمريكا | ويكيميديا
طرابلس سنة 1910، وتظهر في الصورة سفارتا اليونان وأمريكا | ويكيميديا
صورة تخيلية لطائرة نيوبورت الإيطالية خلال غزو الإيطاليين ليبيا سنة 1911 | ويكيميديا
صورة تخيلية لطائرة نيوبورت الإيطالية خلال غزو الإيطاليين ليبيا سنة 1911 | ويكيميديا
إنزال القوات البحرية الإيطالية في طرابلس | ويكيميديا
إنزال القوات البحرية الإيطالية في طرابلس | ويكيميديا
طرابلس 1911 | مِن كتاب طرابلس الإيطالية، الحرب الإيطالية التركية
طرابلس 1911 | مِن كتاب طرابلس الإيطالية، الحرب الإيطالية التركية
أما الضواحي والدواخل فانتهجت فيها سلطات الاستعمار سياسةً مختلفةً تعتمد على مصادرة الأراضي وتوزيعها على المستوطنين الإيطاليين، وأيضاً على التدخّل المباشر في التخطيط والهدم والبناء. أدّت سياسات المصادرة هذه إلى مزيدٍ من التهجير، وفقدان كثيرٍ من الأهالي أراضيهم في الضواحي والدواخل، والتجمّع أكثر في الأحياء العربية خارج المدينة كشارع ميزران أو الظهرة أو بن عاشور. ينقل العقيد الإيطالي إنريكو دي أوغستينو في كتابه "سكّان ليبيا"، الذي ترجمه المؤرخ خليفة التلّيسي سنة 1974، إنّ كثيراً من سكان هذه الأحياء جاؤوا من مدينة مصراتة.
وُجدت هذه التطورات الطبيعية في أحياءٍ ومناطق سكنيةٍ قبل الاحتلال الإيطالي سنة 1911. ولكن ظهرت أحياء صفيحٍ جديدةٌ منذ الانتهاء من بناء الكردون. تركّزت هذه الأحياء عند بوابات الكردون الخارجية، فيما يُعرف اليوم بمناطق باب بن غشّير وباب عكّارة وباب العزيزية وباب عين زارة وباب الفرناج وباب تاجوراء وحتى باب قرقارش. يرسم هاريسون في دراسته كيفية تشكّل هذه الأحياء الشعبية في العهد الإيطالي بقولِه إنّ تلك الحقبة شهدت بداية انتشار أحياء الصفيح في نمطٍ شبه دائريٍّ تبعد من كيلومترَيْن ونصف إلى أربعة كيلومترات عن مركز المدينة الإيطالية، وكلّها كانت خارج الكردون. وهذا يعني أنّ مدينة طرابلس عندما توسّعت من مركزها، وجدت الأحياءَ الشعبيةَ هذه ناشئةً بالفعل، وهو عكس القول الغالب بأنّ أحياء المهاجرين غزت جغرافيا طرابلس القديمة.
حي صفيح في ضواحي طرابلس- فترة الاستعمار الإيطالي
حي صفيح في ضواحي طرابلس- فترة الاستعمار الإيطالي
تكرر نمط الهجرة نفسه. يزداد توسع سلطات الاستعمار وحيازتها على أراضي المدن والقرى الداخلية، وتبدأ في حيازة الأراضي الخصبة وتوزيعها على المستوطنين الجدد في مستوطناتٍ زراعيةٍ كمستوطنة الدافنية بالقرب من مصراتة، التي كانت تُسمى فيلاتجو غاريبالدي "قرية غاريبالدي". عندها يجد الأهالي أنفسهم بين حلّين، إما الموت فقراً وخدمةً للسيد الإيطالي الجديد أو الهجرة إلى مدينة طرابلس والبحث عن لقمة العيش هناك. إذ استمرّ نظام الإدارة المركزية بفرض سيطرته على الدواخل مع الإيطاليين، وبذا أصبحت طرابلس تكبر أكثر وأكثر، وكبرت معها أحياء الصفيح هذه. وهذا ما يوضحه هاريسون في كتابه بقوله إنّ حيّ باب تاجوراء اتسع واكتظ حتى أصبح خطراً على صحة سكّانه، مما يعني خطراً على صحة سكّان كلّ المدينة، مما دفع الإيطاليين سنة 1935 لإنشاء "كامبو دي بيدويني" (أي معسكر للبدو) لنقل كلّ "البدو الذين كانوا يعيشون في خيامٍ قذرةٍ خارج المدينة" إلى حيٍّ من الأكواخ الحجرية. وقد ظلّ كثيرون من أهله يعيشون فيه في ظلِّ دولة الاستقلال الليبية.
لم تكن هذه المستوطنات أو الأحياء البدوية خارج أسوار المدينة إلا امتداداً لنقلٍ جغرافيٍ للقبائل الليبية، بسبب سياسات الاستعمار الإيطالي التي ازدادت حدّةً مع صعود الفاشية سنة 1922 بقيادة بينيتو موسوليني. واجهت سلطات الاستعمار بعد الحرب العالمية الأولى تجدد المقاومة الشعبية، لاسيما في مناطق الدواخل. وقد أرادت السلطات الفاشية إخضاع المستعمرات الليبية في طرابلس وبرقة وفزان إلى الأبد، ومهما كلّف الأمر بدءاً من القضاء على التحالفات القبلية كافةً في طرابلس، والسيطرة على ترهونة جنوب شرق طرابلس، إحدى أكبر المناطق الخصبة في الريف الطرابلسي. وهكذا بدأت موجات هجرةٍ جديدةٍ للفلاحين الليبيين بعائلاتهم بعد الاستيلاء على مناطقهم. يوضح هاريسون هذا بقولِه إنّ "البدو" كانوا ينشئون مستوطناتٍ عائليةً أو عشائريةً خارج أسوار المدينة، لاسيما عند باب قرقارش وباب عكّارة وباب بن غشّير، في نقلٍ واضحٍ للتركيبة الاجتماعية العشائرية من أرض الأصل إلى طرابلس، وبهذا يكون إزاحةً رمزيةً لأرض القبيلة. فحتى بعد أن أجبرت السياسة الاستعمارية هؤلاء أن يهاجروا مواطن قبائلهم، أخذوا معهم هذه المواطن.
مع هذا، بقيت التركيبة السكانية في ليبيا في صالح الأرياف والبدو. إذ لم تتجاوز نسبة السكان الحضر 30 بالمئة قبل سنة 1954، في حين كانت نسبة سكّان الأرياف وقرى الدواخل 45 بالمئة والبدو الرحل والبدو شبه المستقرين 25 بالمئة، حسب إحصاءٍ سكانيٍ حكوميٍ سجّله الباحث فيصل شابة في أطروحته للدكتوراه "أوربان إكسبانشن، لاند مانجمنت أند ديفيلوبمنت إن تريبولي" (التوسّع الحضري وإدارة وتطوير الأرض في طرابلس) سنة 2019، في جامعة شيفيلد هالام. لكن بدايةً من الخمسينيات ستُرجّح الكفّة إلى السكّان الحضر، نظراً لثلاثة عوامل، أوّلها استقلال ليبيا سنة 1951 الذي تبعته تركز القوة السياسية في طرابلس وبنغازي، وثانيها انحدار الزراعة، وثالثها بدء عمليات التنقيب عن النفط سنة 1955.
دخلت ليبيا منتصف القرن العشرين مملكةً متحدةً مستقلةً فقيرة. فاعتمدتْ في بداياتها على المساعدات الدولية، وتأجير جزءٍ من أراضيها لبريطانيا والولايات المتحدة مقابل مساعداتٍ ماديةٍ ومدّها بالخبرات والمستشارين لبناء دولة الاستقلال. ومع أنّ الدولة الليبية لم تخصص لهؤلاء مساكن يعيشون فيها، إلا أنّ كثيرين منهم، لاسيما عائلات الجنود الأمريكيين، بدؤوا بالتوافد على حيٍّ جديدٍ أخذ يتشكّل غرب مدينةٍ طرابلس. كان الحي أرضاً لمستوطنٍ إيطاليٍ قيل إنّه قسٌّ يُدعى "جورجو"، وسُمّيت الأرض بِاسمه "جورجمبوبلي"، أي "حي جورجو"، وعُرِفت لاحقاً بحيّ الأندلس، أحد أرقى أحياء طرابلس اليوم.
من بين هؤلاء المتوافدين كانت السيدة الأمريكية أغنس نيوتون كيث، التي اكترت "فيلّا" في الحيّ الجديد سنة 1955، ورسمت في كتابِها "أهل الله"، المترجم سنة 2022، صوراً حيةً لسكّان مدينتَيْ طرابلس وبنغازي. إذ عاشت وسط الليبيين وتعرّفتْ إليهم، وسجّلت ملاحظاتٍ مهمةً عن طرق عيشهم وعاداتهم وتقاليدهم، وبتفاصيل حياتيةٍ يوميةٍ غير موجودةٍ في أيّ مصدرٍ آخر عن حقبة المملكة الليبية.
من بين تلك التفاصيل التي حفظتُها حال قراءتها ثلاث معلوماتٍ مرتبطةٌ بالتحولات السكّانية لمدينة طرابلس. أوّلها كيفية تطوّر حيّ الأندلس من أراضٍ صغيرةٍ مقسّمةٍ يستثمرُ فيها رجال أعمالٍ ليبيين ببناء بيوتٍ سكنيةٍ تليق بسكن الأمريكيين، وكيف كانت هذه المنطقة الجديدة شبه محظورةٍ على المواطنين الليبيين، باستثناء علية القوم أو العاملين فيها. التفصيلة الثانية، استئجار السيدة أغنس عاملاً ليبياً يُدعى محمد، من سوق الجمعة، كان يؤدي كلّ أعمال المنزل حتى تنظيف الحمامات. والحقيقة أن هذه التفصيلة بالذات صدمتني، لأنني نظرتُ إليها من سياقٍ مختلف. إذ لا يعمل الليبيون في أعمال التنظيف، بل يترفّعون عنها بعد ما عاشوه من رفاه النفط. يشرح هاريسون أنّ هذا النوع من الأعمال المرتبطة بالجاليات الأجنبية من بريطانيين وإنجليز جذبتْ كثيراً من الليبيين المهاجرين إلى المدينة، إذ كانوا يعملون في التنظيف أو حراسة هذه المنازل أو الاعتناء بالحدائق.
أما التفصيلة الثالثة، فتسردها أغنس بعد أن تاهت في طريقها لتجدَ نفسها في حيّ أكواخٍ مليءٍ بالفقراء الليبيين، على مرمى مصلحة الغابات بسيدي المصري، وهو الحيّ المعروف اليوم بباب بن غِشّير. وهكذا تتشابك مع التفصيلة الأولى. إذ يعدّ باب بن غشّير نموذجاً مهماً لفهم ظاهرة أحياء الصفيح الليبية، فهو من أوائل الأحياءِ التي ظهرت عند الاحتلال الإيطالي، وهو أيضاً من أوائل الأحياءِ التي أزيل جزءٌ منها وبدأت حكومة المملكة منذ 1952 فيها بإنشاء مساكن شعبية. فأزيلت بعض أحياء الأكواخ في باب قرقارش وباب عكارة وباب العزيزية وباب بن غشّير، وهي كلها أحياءٌ تطوّق العاصمة من الغرب إلى الجنوب الغربي. أحد تلك الأحياء، أي حيّ الأكواخ بباب قرقارش، كان قريباً من جورجمبوبلي، بل يقعُ تماماً في الطريق التي تربطها بالعاصمة، وقد أزيل سنة 1954، أي قبل سنةٍ من وصول كيث إلى ليبيا وإعلان بداية التنقيب عن النفط وصدور "قانون البترول" سنة 1955.
ما عناه هذا الإعلان الحكومي أنّ ليبيا ستكون على موعدٍ مع الثراء، بعد عقودٍ من الفقر، مما زاد من حمّى الهجرة إلى المدن لاستباق حدث الاكتشاف. وهكذا بدأت تتضخم أحياء الأكواخ ويتزايد عدد سكّانها المهاجرين سنةً بعد سنة. أدركت حكومة المملكة ضرورة التعامل مع ظاهرة أحياء الأكواخ في المدن الكبرى. ويرصد هاريسون في دراسته المذكورة سكن المهاجرين من مناطق الدواخل والمدن الساحلية في كلّ أنحاء المدينة، وانتشار أحياء الأكواخ في كلّ مكانٍ خارج المدينتَيْن العربية والأوروبية، حتى إنّ حيّ أكواخٍ جديداً استُحدِث بين سنتَيْ 1963 و1964 بين حيّ باب عكّارة ومشروع 1952 الشعبي.
ويبدو أنَّ أزمة هذه الأحياء، مما تحمله من الاكتظاظ الذي يفضي إلى انتشار الأمراض، قد أرّقت الحكومة فأعادت كثيرين من ساكنيها إلى قراهم أو نقلتهم إلى مشروع باب العزيزية السكني الذي يحملُ 464 منزلاً. وقد اتخذت بلدية طرابلس قراراً سنة 1960 بمنع بناء الأكواخ والأكشاك، بل وهدم ما تبقى منها أيضاً في جادة عمر المختار والظهرة وباب قرقارش وباب الجديد وباب العزيزية وشارع الصريم، وهي مناطق تُعدّ اليوم جزءاً من وسط المدينة.
تتفقُ مراجع كثيرةٌ على وجود علاقةٍ بين تحوّل التركيبة السكّانية لمدينة طرابلس مع مطلع الستينيات وبدء إنتاج النفط سنة 1961 وتصديره سنة 1963. يقول المؤرخ السوفييتي نيكولاي إيليتش بروشين في كتابه "تاريخ ليبيا، من نهاية القرن التاسع عشر حتى عام 1969"، المترجم سنة 1999، إنّ دخول ليبيا اقتصاد النفط أثّر تأثيراً كبيراً في قطاع الزراعة، الذي كان يزاوله الليبيون. فبعد أن كانت الصادرات الليبية تعتمد حتى سنة 1961 بنسبة 100 بالمئة على منتَجات الزراعة، هَوَت سنة 1966 إلى ما يقارب 0.3 بالمئة، في حين قفز نصيب النفط إلى 99.7 بالمئة.
يربط بروشين بين صعود اقتصاد النفط وانهيار اقتصاد الزراعة، ومنه هجرة الفلاحين إلى المدن الكبرى كطرابلس وبنغازي. يقول إنّ الانفجار النفطي كان "دافعاً هاماً للهجرة والانتعاش العام للحياة الاقتصادية [. . .] فإذا كان الفائض من السكان الزراعيين لم يجد قبل ذلك متنفساً في صورة الصناعة في المدن فإن الشركات النفطية الأجنبية والمؤسسات القائمة على خدمتها صارت، ببداية العمليات النفطية، بحاجةٍ إلى أعدادٍ كبيرةٍ من القوى العاملة". وهكذا تخلّى الفلاحون عن قطع الأراضي التي استأجروها، أو تلك القطع الصغيرة التي امتلكها بعضهم. ومع الإحصاء العام سنة 1964 شكّل السكّان الحضر ما يقارب 78.1 بالمئة من سكان ليبيا، حسبما يطرح بروشين. وينقل فيصل شابة أنّ معدّل النمو السنوي لسكّان مدينة طرابلس تضاعف من 3.42 بالمئة بين 1911 و1931، إلى 6.1 بالمئة بين 1954 و1963.
هذا الأمر لا يمكن تفسيره بنموٍ طبيعيٍ في السكّان، بل بحركات نزوحٍ جماعيةٍ، يتفق على وجودها البحّاث والمؤرخون عن حمّى الهجرة إلى طرابلس منذ منتصف الخمسينيات. يشير شابة هنا إلى إحصاءاتٍ داخليةٍ قامت بها بعض المؤسسات الليبية حينئذٍ، أهمها إحصاء مصرف ليبيا المركزي سنة 1959 لعددٍ من العاملين في إحدى المؤسسات الصناعية في المدينة. كشف الإحصاء أنّ نصف عدد العمّال، المتكونين مما يقارب ثمانمئة عاملٍ، وُلدوا خارج المدينة. بل ويُظهر إحصاءٌ لهاريسون أنّ عدد سكّان طرابلس قفز من ما يقارب 99 ألفاً سنة 1954 إلى 212 ألفاً سنة 1963، مشيراً إلى أنّ نسبة المهاجرين إلى المدينة بين سكّانها تقعُ بين 50 بالمئة و60 بالمئة، وهذا إحصاءٌ يجمعُ سكان أحياء الأكواخ الشعبية أو غيرهم.
أياً كانت أماكن سكنِ هؤلاء النازحين والمهاجرين، أو ذوي الأصول المهاجرة، فإنّ كثيرين منهم يتشاركون نمط السكن الجماعي. بمعنى أنّ من نجح في الاستيطان في المدينة ووجد فيها عملاً، أتى بعائلته ومن ثمّ أقاربه كإخوته وأبناء عمومته ليقيموا جميعاً في المربع السكني نفسه، وهكذا دواليك حتى نشأ داخل المدينة حيٌّ يمارس تقاليد وعادات أهل القرية أو النجع أو الضاحية التي جاء منها أهله، تكراراً لعادات الاستيطان القديمة داخل المدينة كما حدث مع "حومة غريان" في المدينة القديمة، أو في معسكرات البدو الموسمية قبل الاحتلال. وهو أمرٌ يؤكد عليه مصطفى عمر التير في كتابه "صراع الخيمة والقصر" بالقول إنّ "كلّ حيٍّ [من أحياء الصفيح] تخصّص لإيواء السكان الوافدين إلى المدينة من اتجاهٍ معيّن. فالوافدون من القرى والمدن التي تقع في الجزء الغربي من البلاد أقاموا في الحيّ الذي يقع في المدخل الغربي للمدينة، وهكذا. كما يحاول المنتمون إلى الأسرة نفسها الإقامة متجاورين، والأمر نفسه ينسحب على أفراد القبيلة، ثم أبناء القرية".
يشرح هاريسون بالتفصيل هذه الظاهرة بتعميمها على جُلِّ المهاجرين الذين يعيشون في طرابلس، سواءً من يعيشون في المدينة القديمة أو المدينة الجديدة على أعتاب المدينة الأوروبية، أو حتى أحياء الصفيح. فمثلاً يذكر أنه في الستينيات كانت الغالبية العظمى من سكّان أحياء أكواخ باب عين زارة وباب الفرناج وباب بن غشير، تعود أصولهم إلى ترهونة، جنوب شرق العاصمة، وهو ما يتفق اليوم مع مواقع سكّان طرابلس من الأصول الترهونية، الذين يعيش أغلبهم في المناطق جنوب سيدي المصري، أي في بوسليم والهضبة الشرقية والهضبة الخضراء وحتى الحدود الجنوبية بين العاصمة ومدينة ترهونة. وإذا ما أخذنا أنّ ترهونة، إحدى أكثر المناطق خصوبةً في سهل الجفارة، قد صادر الإيطاليون جُلّ أراضيها الزراعية وهُجّر أهلها، وبذلك تضررت من سياسات استعادة الأراضي الليبية بعد الاتفاقية الليبية الإيطالية سنة 1958 والسياسات الاقتصادية الجديدة وتركّز الاقتصاد في المدن الكبرى، يمكننا فهم ظاهرة الهجرة الجماعية منها آنذاك إلى طرابلس.
فشلت حكومة المملكة في استيعاب أزمة التكدس السكّاني على أعتاب طرابلس وبنغازي. يقول التير إنّ الظاهرة توسّعت وأصبحت هذه الأحياء تمثّل قرىً فيها الورش والمتاجر والمطاعم والمقاهي، وأصبحت ظاهرة بنائها وإعدادها نفسها اقتصاداً قائماً، إذ قد يقيم شخصٌ واحدٌ مجموعةً من الأكشاك ويشغّل بعضَها ويؤجّر الآخر. وقد تمرّ شهورٌ أو سنواتٌ قبل "أن يستيقظ صاحب الأرض [الأصلي] ويطالب بها، ويمضي وقتٌ ليس بالقصير قبل أن تتمكن إدارة المدينة من إزالة الحي"، ويضيف بالقول: "وصلت مساحات بعضها [يقصد الأحياء] درجةً أصبحت فيها السلطة المحلية عاجزةً عن عمل أيّ شيءٍ حيالها، بل تتجنب الدخول في مصادماتٍ مع سكانها لأنها تخاف من [عواقبها]".
حاولت حكومة المملكة بعد أن بدأ النفط يدرّ أرباحاً إدارة الأزمة بتوطين سكّان أحياء الأكواخ في مشاريع سكنيةٍ، أهمها مشروع إدريس للإسكان الذي بدأ العمل عليه سنة 1965. ليس هنالك تفاصيل كثيرةٌ عن المشروع، إنّما المعلومات المتناثرة حوله في الشبكة تقول إنّه بدأ بقرار إنشاء مئة ألف وحدةٍ سكنيةٍ، من المفترض أن تنتهي في 1970، غير محددة الأماكن، ومن ثم تبدأ المرحلة الثانية حتى 1975. ويشير أحمد شكري الريماوي، الأستاذ في جامعة القدس المفتوحة، في مقالته "صفحات من تاريخ العهد الوطني الملكي في ليبيا"، المنشورة سنة 2020، إن الحكومة الليبية خصصت ما يقارب 530 مليون دولار للمشروع لتوفير "مساكن مناسبة مزودة بالمياه والكهرباء والمجاري عوضاً عن الأكواخ المزرية التي كانت على أطراف المدن".
لم يكتمل مشروع إدريس كما كان مخططاً، أو بالأحرى تحوّل اسمه والجهة الراعية له منذ 1969. إذ في صباح الاثنين الفاتح من سبتمبر، سرى صوت الملازم أول معمر القذافي عبر أثير إذاعة بنغازي معلناً البيان الأول لثورة الفاتح، الذي بشّر فيه الليبيين بسقوط الأصنام وتحطّم الأوثان، وانقشاع ظلام العصور، "من حكم الأتراك إلى جور الطليان إلى عهد الرجعية والرشوة والوساطة والمحسوبية والخيانة والغدر". سيحتفل ليبيون كثرٌ بهذه "الثورة"، أهمهم المهاجرون وأبناؤهم الذين ظلّ كثيرٌ منهم يعيش في أكواخ الصفيح في انتظار أن يصل الخلاص.
جاء معمر القذافي من قبائل القحوص التي عُرِفت بطابعها البدوي المُعتمِد على الرعي. تربّى الرجل على قيم البداوة، لكنه وجيله أوّل جيلٍ ليبيٍ يدرس في جماعاتٍ في مدارس حديثةٍ عقب الاستقلال. وهكذا انتقل للدراسة في مدينة سبها، أكبر مدن الجنوب الليبي، ليُطرد منها بسبب حراكه الناصري الوحدوي ويجد نفسه في مدينة مصراتة طالباً في المدرسة الثانوية. ثم دخل الكلية العسكرية الملكية في بنغازي، ومن ثم بدأ العمل على التحضير لانقلاب الفاتح من سبتمبر، وكان وقتها يطّلعُ على الأدبيات الاشتراكية والثورية.
عندما سيطر القذافي ورفاقه على البلاد، بدؤوا بتطبيق أفكارهم الثورية. ففتحوا المفاوضات لإجلاء القواعد الأجنبية منذ استيلائهم على السلطة. وأعلنوا عن إجلاء المستوطنين الإيطاليين في 7 أكتوبر 1970 واسترداد كامل الأراضي الليبية منهم. وأمّموا صناعة النفطِ بالقانون رقم 66 سنة 1973. وهكذا كان مجلس قيادة الثورة، الذي كان القذافي وجهه وواجهته، يكتسب شعبيةً يوماً بعد يومٍ عند الجماهير الليبية.
يشككُ كثيرون من معارضي القذّافي ونظامه في أهمية هذه الإنجازات، وهو أمرٌ استخدمه قادة ثورة 17 فبراير 2011 ضد نظام القذافي في الحرب الدعائية ضده. وحجّتهم في ذلك أنّ كثيراً من إنجازات مجلس قيادة ثورة الفاتح كانت مشاريع وخططاً ومساراً تراكمياً بدأ منذ عهد المملكة الليبية، لاسيما في سنواتها الأخيرة، أي بعد إنتاج النفط. وهو أمرٌ صحيحٌ، خاصةً في مسارات استرداد الأراضي التي استولى عليها الإيطاليون، وأيضاً في مفاوضات إجلاء القواعد الأمريكية والبريطانية. وهو أيضاً أمرٌ يصحّ على مشاريع توطين البدو في قرىً ومدنٍ تقع على أراضيهم التاريخية، ويصحّ حتى على الاستيلاء على مشروع إدريس للإسكان وجعله إنجازاً ثورياً عندما أُزيل آخر حيّ صفيحٍ في 23 مارس 1976.
ما يختلف في مشاريع توطين سكَّان الدواخل في المدن الكبرى كطرابلس هي أنَّ معارضي القذافي لا يتفقون فيها. فبينما ينسب بعضهم الفضل إلى سلطات المملكة، لنزع هذا الإنجاز الذي يعدّونه وطنياً عن القذافي ورفاقه، يذهب آخرون لاتهام القذافي بتَرْيِيف المدينة وبَدْوَنَتِها بسبب مشاريع وسياساتٍ كهذه شرعنت بقاء سكّان الدواخل في طرابلس. المشكلة هنا أنّ الفريقيْن يقعان في الفخ نفسه، أي النظر إلى الأمور بعدسة العداء السياسي.
ما يتجاهله هؤلاء أنّ هجرة سكَّان الدواخل المستمرة والمتصاعدة في عهد السبعينيات كانت لأربعة أسباب. أولّها أنَّ الدولة الليبية بدأت منذ سنة 1963 بالتخلّي عن النظام الاتحادي، الذي أتاح بعض الحركة على المستوى المحلي في الأقاليم الليبية الثلاثة، واتجهت إلى نظامٍ مركزيٍ متكاملٍ بعاصمةٍ واحدةٍ هي مدينة البيضاء، مركز القيادة الدينية السنوسية. ومع أنّ البيضاء كانت العاصمة السياسية، لكنّ طرابلس وبنغازي لم تفقدا مكانتَيْهما السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
السبب الثاني هو أنَّ عائدات النفط بدأت تزيدُ منذ بداية السبعينيات، لاسيما بعدما ضغط القذافي على الشركات الأجنبية في ليبيا لترفع أسعار النفط سنة 1970، والضغوط العربية التي أدت لأزمة النفط العالمية سنة 1973، وأيضاً زيادة الإنتاج حتى وصل إلى أكثر من مليوني برميل يومياً بين 1970 و1973. خلقت ثورة النفط هذه فرصَ عملٍ أكثر داخل المدن الكبرى، لاسيما طرابلس.
وهذا يأخذنا إلى السبب الثالث، وهو أنّ ليبيا شهدت منذ نهاية الستينيات نموّ طبقةٍ جديدةٍ من الشباب المتعلّم والمتخرج في الجامعات الليبية والعربية، والذي انجذب إلى فرص العمل داخل المدن.
والسبب الرابع، هو أنّ سلطات الثورة الليبية حجزت على كثيرٍ من أراضي القبائل غير المسجّلة بالقانون 142 لسنة 1970، على حدّ وصف المبروك الأكحل في أطروحته للدكتوراه في جامعة بيرمنغهام "شينجينغ أوربان أدينتيتي [. . .]" (الهُوية والشخصية الحضرية المتغيّرة في المدن التاريخية الليبية) سنة 2024.
هكذا شهدت السبعينيات ارتفاع حمّى الهجرة إلى المدن حتى وصلت إلى أرقامٍ تاريخية. فصار عدد سكّان طرابلس أكثر من ستمئة ألفٍ سنة 1973، وقد كان عدد سكّان ليبيا لا يتجاوز مليونيْن وثلاثمئة ألف. ويشير علي أبوبريق، أستاذ الجغرافيا بجامعة الزيتونة في ترهونة، في دراسته "أوربان غروث آند سستينابيلتي إن تريبولي" (النمو السكاني والاستدامة في طرابلس)، المنشورة سنة 2016، إلى أنَّ عدد النازحين (أو المهاجرين من الدواخل) إلى طرابلس وصل سنة 1980 أكثر من ثلاثمئة ألف.
يدعم هذه الأرقامَ التحوّل الكامل في الاقتصاد الليبي، مما يعني تحولاً من سكنى الريف إلى سكنى المدينة. إذ يذكر فيصل شابة في دراسته المذكورة أنّ نسبة العاملين في الزراعة سنة 1984 وصلت إلى أقل من 11.6 بالمئة، في حين كان يشتغل 63.2 بالمئة من الليبيين في قطاع الخدمات والذي تركّز معظمه في المدن الكبرى. ويقول شابة إنّ نسبة سكّان الدواخل من البدو والريفيين أصبح سنة 1984 أقلّ من ربع سكان البلد. وهكذا ستظلّ هذه الأرقام في المَيَلان أكثر لصالح سكنى المدن الكبرى والأعمال الخدمية والتجارية، حتى باتت نسبة العاملين في قطاع الزراعة أقل من 5 بالمئة سنة 2003، وأصبحت ليبيا أعلى دول شمال إفريقيا والبحر المتوسط في معدل نموّ سكان المدن، لتكون سنة 2012 ما يقارب 80 بالمئة بالمقارنة مع 67 بالمئة في تونس و66.3 بالجزائر. بل إنّ مساحة مدينة طرابلس نفسها توضح هذا الفرق، إذ أصبحت مساحة المدينة ألفاً وخمسمئة كيلومتر مربع.
بالطبع لا يعدّ هذا تبريراً للقذَّافي وسياسات نظامه التي خرَّبت التركيبة المدنية والسلم الأهلي. فقد سنَّ النظامُ قوانين كانت تُرى حلّاً من حلول مشكلة السكن في البلاد، مثل قانون رقم 4 لسنة 1978 الذي نزع ملكية كثيرٍ من المساكن والشقق من أصحابها إلى مستأجريها بحجّة أنّ "البيت لساكنه"، المقولة المُسجّلة في كتاب القذافي "الكتاب الأخضر"، الذي بدأ نشره سنة 1975. أيضاً ومع أنّ النظام، حسب الكتاب الأخضر، كان يروِّج لأنظمة الحكم المحلية، إلا أنَّ تجربة "الجماهيرية" أثبتت فشلها بتقوية مركزية الدولة سياسياً واقتصادياً، مما ساهم في تهميش الضواحي والقرى والمدن الصغيرة لصالح طرابلس، حتى إنَّ مدينةً بحجم سبها، التي كانت عاصمة إقليم فزَّان في عهد المملكة، هُمِّشت تماماً.
حتى بعد سقوط نظام القذَّافي، لم تتوقف الهجرة الجماعية إلى طرابلس حتى اليوم. وما زالت أنماط الهجرة وأسبابها على حالها منذ منتصف القرن التاسع عشر، مع بعض التغيرات الطفيفة كتهجير أهالي مدينة تاورغاء سنة 2011 من وسط ليبيا إلى طرابلس وبنغازي، بسبب موقفهم من الثورة الليبية، وأيضاً هجرة كثيرٍ من أهالي مدينة بنغازي بسبب موقفهم السياسي من خليفة حفتر، آمِر ما يُعرف بالقوات المسلحة الليبية في الشرق.
كان التحوّل العثماني إلى نظامٍ مركزيٍ حداثيٍ أوّل هذه الأسباب. فقد همّشت المركزيةُ السياسية والاقتصادية الأطرافَ وجعلت سكناها غير صالحة. ومع ذلك، لم يذُب الليبيون من الدواخل في نمط حياة المدن الكبرى، بل جعلوا من أطراف طرابلس انعكاساً لقراهم التي تركوها، فعاشوا فيها بعصبيّةٍ تشابه العصبية التي عاشَ بها أجدادهم في قراهم. وما زال كثيرٌ منهم يملكون بيوتاً وأراضي في قراهم شبه الخالية، يعودون إليها أحياناً نهاية الأسبوع كما يحدث مع بعض أصدقائي.
اليوم ما زالت تتكون أحياء مهاجرين جديدةٌ على أرياف جنوب شرق العاصمة مثل "مشروع الهضبة". فبعد أن كان قبل سنة 2002 منطقةً زراعيةً بالكامل، تحوّل إلى منطقةٍ تجذب المهاجرين الليبيين. وليبدأ منذ سنة 2010 بالتحول إلى منطقةٍ حضريةٍ، وليكون نصف سكّانه سنة 2016 من المهاجرين من زليتن وترهونة وبني وليد.
الهجرة هنا ليست اقتصاديةً، وإنَّما هي هجرةٌ صحيةٌ وتعليميةٌ وتربوية. هي هجرةٌ تُخلِي القرى والمدن الصغرى من أهاليها لأنَّ أبسط مقوِّمات الحياة فيها لم تعُد موجودة. وهي هجرةٌ أيضاً تكشفُ عن خللٍ بينيويٍ في إدارة الدولة الليبية بزيادة تثبيت دعائم المركزية السياسية والاقتصادية، وانعدام الرغبة أو القدرة في إيجاد حلولٍ تكسر هذا النمط الإداري المركزي.
