لم يدرس مبارك علمَ الفلك أو الأجرام في الجامعات، إلّا أنه يتحدث بلسان عالِمٍ يدرك ما يقوله. فقد راكم معرفته عن عالم النيازك من خبرته في التنقيب عنها في جهة دَرْعَة تافيلالت في الصحراء شرق المغرب، التي يعدّ إقليم زاكورة جزءاً منها. إذ أصبح العثور على النيازك في مخيال كثيرٍ من سكان الجنوب الشرقي في المغرب حلماً وسط مناخٍ معيشيٍ قاسٍ، منذ تحوّلت الصحراء أواخر الثمانينيات إلى وجهةٍ عالميةٍ للمنقبين والعلماء وتجار النيازك فخلقت اقتصاداً جديداً. وبهذا تجاوزت أحجارُ السماء موضوعَها العلمي، لتصبح لكثيرٍ من أبناء المنطقة أملاً ومصدراً محتملاً للخروج من دائرة الفقر التي طُبِعَ بها "المغرب غير النافع"، كما يُعرف جنوب شرق المغرب في الأدبيات والذاكرة الشعبية المغربية.
وعلى حصيلة مقتنيات مبارك من النيازك، وآماله في بيع بعضها بأسعارٍ تزيد على عشرات آلاف الدولارات، يبقى واقعه وواقع سكّان منطقته مختلفاً. فرغم بعض القصص الاستثنائية لأشخاصٍ حسّنوا أوضاعهم بفضل اكتشافاتٍ نادرةٍ ساهمت في تغذية هذا التصور، يكشف واقع الحال أن أغلب المنقبين يقضون أشهراً وسنواتٍ بحثاً دون مكاسب كثيرةٍ، حتى أصبح التنقيب عن النيازك أشبه بمطاردة سرابٍ في الصحراء. وبهذا يتحول إلى أملٍ يتجدد مع كلّ شائعةٍ عن اكتشافٍ جديدٍ، لكنه نادراً ما يتحول لمَخرجٍ من الضائقة الاقتصاديةِ، دافعِهم الرئيسِ للبحث عن كنوز السماء فوق أرضٍ قاحلة. وهي المفارقة اللافتة التي وقفتُ عليها أثناء حديثي مع مبارك ورفاق حلمه. فبقدر ما تتضاعف قيمة النيازك عبر سلسلة الوسطاء والتجار والمقتنين النهائيين في الخارج، يبقى نصيب المُنقب محدوداً، وهو الأدنى في أغلب الأحيان، وتبقى مهنة تعدين النيازك عَرَضاً من أعراض غياب التنمية في هذه المنطقة المهمّشة من المغرب.
يرجع تصنيف "المغرب غير النافع" للسياسة الاستعمارية الفرنسية في عهد الحماية بين 1912 و1956. إذ قسمت الإدارة الاستعمارية البلاد إلى مغربٍ "نافع" يحظى بالاستثمارات لوفرة موارده الزراعية وموقعه الاقتصادي، وآخر "غير نافع" يضم المناطق الجبلية والصحراوية، ومنها منطقة الجنوب الشرقي التي عُدّت ذات مردوديةٍ اقتصاديةٍ محدودةٍ، كما يروي محمد بنيدير الأستاذ في المعهد الوطني للتنمية والتعمير، في دراسته "كوي سون لي ميليتان دو غاوش دوفونو دان لو 'ماغوك إنوتيل'" (ما الذي حدث لليسار في "المغرب غير النافع")، المنشورة سنة 2021. إذ تقترح دراسةٌ استند إليها بنيدير إلى أنّ هذا التصنيف أبرز رؤيةً استعماريةً هدفت إلى تركيز الاستغلال والاستثمار في المناطق الأكثر ربحيةً، مما أسهم في تكريس التفاوتات المجالية التي استمرت آثارها بعد الاستقلال. وهو ما تؤكده دراساتٌ أخرى بينها كتاب"يوزليس موروكو تو موواكو إن ديكلاين [. . .]" (المغرب غير النافع إلى مغرب في تراجع [. . .]) الصادر سنة 2023 للباحثين طارق حرّود وماكس روسو.

يمتد هذا المغرب "غير النافع" في جهة درعة تافيلالت، التي تضم أقاليم الرشيدية وتنغير وميدلت وورزازات وزاكورة، على مساحةٍ تقارب ثمانية وثمانين ألف كيلومتر مربع، ويقطنها أكثر من مليون وستمئة وخمسون ألف نسمة حسب إحصاء سنة 2024 للمندوبية السامية للتخطيط في تقريرها الصادر في يناير 2025. وعلى اتساع المنطقة، فالمؤشرات الاجتماعية والاقتصادية تكشف وجهاً مختلفاً للصورة السياحية التي تسوّق بها الواحات والقصبات فيها. ففي حين تستقطب هذه المناظر الزوار بجمالها الطبيعي والتراثي، يواجه السكان المحليون أوضاعاً اجتماعيةً واقتصاديةً صعبةً، تتسم بضعف فرص التنمية. ووفقاً لنتائج البحث الوطني حول مستوى معيشة الأسر لسنة 2022، تحتل جهة درعة تافيلالت المرتبة الرابعة وطنياً (من أصل اثني عشر جهة) في الضعف الاقتصادي بنسبةٍ بلغت 17.3 بالمئة. وتتصدر ترتيب الجهات في مؤشر "الفقر متعدد الأبعاد" بنسبةٍ تصل إلى 78.9 بالمئة، وهو مؤشرٌ يقيس مستوى المعيشة وتعلّم الأطفال في المدارس والولوج للماء الصالح للشرب والكهرباء وخدمات التطهير.
خلف هذه الأرقام تختبئ الحياة اليومية المثقلة بالتحديات لمبارك المزروعي، الفلاح والتاجر ومنقب النيازك، الذي ولد ونشأ ضمن عائلةٍ ممتدةٍ مكونةٍ من الجد الكبير وخمسة أعمامٍ، ويتجاوز عدد أفرادها الخمسين. عاش مبارك في هذه المنطقة، التي يعتمد اقتصادها المحلي على الفلاحة الواحية المهددة بالجفاف عاماً بعد آخر، وتتلقى استثماراتٍ إنتاجيةً محدودةً، وبنيتها التحتية لا تواكب حاجيات المجال.
طيلة عقودٍ عانت المنطقة من هجرة أبنائها نحو المدن الكبرى أو للخارج بحثاً عن فرصٍ أفضل، حتى أن عدد سكان إقليم زاكورة انخفض من نحو ثلاثمئة وسبعة آلاف إلى نحو 286 ألف نسمة ما بين سنتي 2014 و2024، مع أن الجهة تعد الأعلى في معدل الخصوبة وطنياً.
يظهر أثر هذه الضغوط الاقتصادية في حياة مبارك وسعيه الدائم وراء الرزق لتوفير حياةٍ كريمةٍ لأهله. ففي أحد الأحياء البسيطة بمدينة زاكورة، استقبلني بمنزله المتواضع، بجلبابه الصحراوي الأزرق المطرز بخيوطٍ فاتحةٍ ووشاحٍ أبيض ملفوفٍ حول العنق، وقبعةٍ تقليديةٍ تعلو رأسه. بدت على وجهه آثار أعوامٍ طويلةٍ من العمل والتجربة، وهو أبٌ لستة أطفالٍ ويعيش معه والداه في المنزل. شهدَ مبارك في أعوام عمره الثمانية والخمسين التحولات العميقة التي عرفتها المنطقة. فقبل أن يرتبط اسمه بعالَم النيازك، ورثَ عن والده محلاً لبيع الخضراوات والفواكه والتمور، إلا أنه غيّر نشاطه سنة 2003 إلى بيع التحف والمنتجات التقليدية للسياح، وكان دخله بالكاد يكفي لتغطية مصاريف الأسرة، لكن مردودية النشاط أخذت تتراجع تدريجياً مع تراجع الحركة الاقتصادية.
يتحدث مبارك عن تلك السنوات مستعيداً سيرة منطقةٍ بأكملها. فقد رأى فلاحين يبيعون قطعانهم بعدما اختفت المراعي، وارتفعت أسعار الأعلاف لمستوياتٍ لم يعودوا قادرين على تحملها. ورأى واحاتٍ كانت رمزاً للحياة والخضرة تنكمش حدودها بصمتٍ سنةً بعد أخرى. وعايش أجيالاً من الشباب تغادر نحو الشمال بحقائب خفيفةٍ وأحلامٍ ثقيلةٍ، بحثاً عن فرصٍ لم تعد المنطقة قادرةً على توفيرها. وعايش تحولاتٍ اجتماعيةً وثقافيةً في نمط العائلات وبنيتها، إذ انتقل معظمها من العائلة الممتدة للعائلة الصغيرة، شأنه شأن الأسرة المغربية عامة. ويجد نفسه مجبراً على التكيف مع الوضع الجديد، فهو معيل الأسرة، وما يجنيه من الفلاحة بالكاد يكفي لسدّ بعض الحاجيات.
يتوقف مبارك عند اسم المنقّب الفرنسي آلان كاريون، الذي يعد من أوائل من أدركوا الإمكانات الاستثنائية للمنطقة. وفي حوارٍ له مع صحيفة "في إس دي" الفرنسية سنة 2014 يقول كاريون: "أجمل وأندر النيازك اكتشفت هناك وتباع هناك أيضاً. ولا يوجد مكانٌ آخر في العالم يجد فيه الباحثون احتمالاتٍ أكبر للعثور عليها". فمنذ أواخر الثمانينيات، بدأ كاريون يجوب مناطق الجنوب بحثاً عن النيازك، وأشرف على تدريب عشرات البدو الرحّل للتعرف عليها وجمعها، قبل أن يقتنيها منهم بأثمانٍ متواضعة. غير أن تأثير كاريون تجاوز البحث العلمي أو التجارة، إذ أسهم في إحداث ما يشبه الثورة الهادئة في عالم النيازك بالمغرب. فما بين 1990 و1992 كان أول من تعرّف على نيزكَيْ "زاكورة" و"ألنيف"، وهما من أوائل الاكتشافات التي فتحت الباب أمام آلافٍ غيرهما في الجنوب المغربي.
هكذا انتشرت حمّى البحث عن النيازك. ومع نهاية التسعينيات، بدأ عددٌ متزايدٌ من الأهالي ينظرون لها مورداً اقتصادياً جديداً. إذ يذكر الصحفي المغربي عادل فوزي في تقريره "هاو موروكز ديزرت نومادز بِلت آ غلوبال متريوت إمباير" (كيف بنى بدو المغرب إمبراطورية نيازك عالمية)، المنشور سنة 2025، أنّه منذ سنة 1999 وُثِّق اكتشاف أكثر من ألف نيزكٍ، وهو رقمٌ يقول عنه فوزي: "يعتبره عددٌ من الباحثين أقلّ بكثيرٍ من الواقع"، بالنظر للطابع السري الذي ما زال يغلف جزءاً معتبراً من هذه التجارة.
مع مرور الوقت بدأت الحكايات تنتقل من مجلسٍ لآخر، ومن سوقٍ أسبوعيٍ لآخر، وبدأت عبارة "حجارة السماء" تجد لها مكاناً في ذاكرة السكان الجمعية. وما كان فضولاً صار نشاطاً اقتصادياً فتح الباب أمام موردٍ غير متوقعٍ في منطقةٍ اعتادت البحث عن مصادر رزقٍ بديلة.
يتذكر مبارك تلك المرحلة جيداً. يقول إنّ جمع الأحجار من الصحراء كان يبدو للكثيرين سلوكاً غريباً يدعو للسخرية أكثر مما يدعو للاهتمام. كان الناس ينظرون باستغرابٍ لأولئك الذين يقضون ساعاتٍ طويلةً في التجوال بين الحمادات (المناطق الصخرية) والسهول الحجرية بحثاً عن صخورٍ سوداء أو مختلفة الشكل. لكن ما بدا هوايةً غريبةً تحوّل إلى نشاطٍ يجذب أعداداً متزايدةً من المهتمين، فكل اكتشافٍ يضيف لبنةً أخرى لقصةٍ أخذت تكبر عاماً بعد آخر، حتى أصبحت النيازك أكثر من مجرد أحجارٍ من الفضاء. بل صارت رمزاً لأملٍ جماعيٍ في كسر دائرة الفقر، ولو من فرصةٍ نادرةٍ قد تسقط من السماء فوق أرضٍ أنهكها الانتظار.

يعدّ المغربُ اليوم البلدَ الذي سُجِّلت فيه أعلى معدلات اكتشافات النيازك في العالم، خصوصاً الأنواع النادرة منها، ما جعل هذه الأحجار محطّ اهتمام العلماء وجامعي النيازك والمؤسسات البحثية الدولية. ويفسر الباحثون في مختبر التراث الجيولوجي وعلوم المواد الجيولوجية بجامعة ابن زهر، عبدالرحمن إبهي والحسين عبية وحسن نشيط في مقالهم "تيسينت ميترويت: نيو مارس ميترويت فال إن موروكّو" (نيزك تيسينت: سقوط نيزك مريخي جديد في المغرب) المنشور سنة 2012 مكانة المغرب الاستثنائية هذه. رصدت الورقة احتواء المغرب على عشرين نيزكاً مريخياً من أصل نحو خمسين معروفةٍ عالمياً وقتئذٍ، منها عينةٌ نادرةٌ للغاية تعد ثاني نيزكٍ من نوع "شاسينييت"، والذي سُمي بهذا الاسم نسبةً إلى بلدة شاسيني الفرنسية، التي عُثِر على أوّل عينةٍ منه فيها سنة 1815. وفي حديثٍ له مع موقع "العرب" سنة 2021، في تقرير "مغاربة يجوبون الصحراء بحثاً عن الجسيمات الفضائية"، يقول إبهي إنّ أكثر من نصف الأبحاث العلمية المنشورة عالمياً حول النيازك أنجزت اعتماداً على عيناتٍ مغربيةٍ، ما يعود لعوامل طبيعيةٍ استثنائيةٍ أبرزها المناخُ الصحراوي الجاف الذي يحافظ على النيازك أعواماً مديدةً وطبيعةُ الأراضي المكشوفة التي تُسهّل العثور عليها. وبهذا أصبحت مناطق مثل أرفود والرشيدية وزاكورة وميدلت وطاطا وجهاتٍ يقصدها الباحثون والمنقبون والتجار من مختلف أنحاء العالم.
أنتجت هذه الحركية جيلاً من الخبراء المحليين. فالرعاة والمنقبون الذين كانوا يكتفون في الماضي بالتمييز بين الصخور العادية والأحجار الغريبة أصبحوا يتحدثون اليوم بلغةٍ أقرب للغة المختبرات. لم يعد الأمر يقتصر على معرفة الحجر النيزكي، بل امتد إلى تمييز وفهم خصائصه العلمية والتجارية. ومبارك واحدٌ من هؤلاء، إذ يمكنه أن يصف بدقةٍ لحظة اختراق النيزك الغلاف الجوي بسرعاتٍ هائلةٍ، والحرارة الناتجة عن الاحتكاك، وكيف تتشكل على سطحه تلك القشرة السوداء الداكنة التي تعد إحدى أهم العلامات التي يعتمد عليها المنقبون لتحديد أصله السماوي.
مضى مبارك أبعد من معظم أبناء جيله. فبعد أعوامٍ من محاولة التوفيق بين متجره وشغفه المتزايد بالبحث عن النيازك، اتخذ قراراً صعباً في منطقةٍ تعاني من قلة الفرص الاقتصادية، فأغلق متجره سنة 2013 وقرر التفرغ للتنقيب وبيع النيازك، وبرَّر ذلك أن ما يتحصل عليه من بيع النيازك أكبر من تجارته البائرة، خاصةً وأنه طوّر علاقاتٍ مع تجارٍ ومنقبين آخرين، لاسيما من البدو الرحل.
استغللتُ فرصة علاقات مبارك هذه لتتبّع مزيدٍ من خيوط هذه التجارة. بعد ثلاثة أيامٍ من لقائي الأول به، ضربنا موعداً مع أحد أصدقائه من البدو الرحّل اسمه الحسين. اختير التوقيت ليتزامن مع السوق الأسبوعي الذي يتخذه البدو أكثر من فضاءٍ للتبادل التجاري. هناك يبيع الرعاة الماشية، ويتزودون بالمؤونة اللازمة لأسابيع الترحال، ويحملون معهم أيضاً ما عثروا عليه من أحجارٍ ونيازك أثناء تنقلاتهم في الصحراء. بعد الانتهاء من جولته في السوق، وصل الحسين من بعيدٍ بلباسه الصحراوي التقليدي وعمامته المميزة، يحملُ قُفّةً ممتلئةً بمشتريات الأسبوع، فيما بدت على ملامحه آثار حياةٍ قضاها متنقلاً بين المراعي والوديان الجافة.
الحسين ربّ أسرةٍ من ستة أفرادٍ، وعلى غرار آلاف البدو الرحل في المنطقة، ظل الرعي مصدر رزقه الأول عقوداً. غير أن سنوات الجفاف المتتالية وتراجع الموارد المائية وارتفاع أسعار الأعلاف أضعفت هذا النشاط، فتقلصت أعداد القطعان وتراجعت المداخيل التي كانت تؤمِّن الحد الأدنى من متطلبات العيش. مع هذا الفراغ الاقتصادي، بدأ البحث عن النيازك يشق طريقه لحياة الرعاة. تعلم الحسين الحرفة عن بدوٍ مثله كانوا على علاقةٍ بتجارٍ وسيّاح. إذ لم يعد الرعي وحده كافياً، فصارت الأسر البدوية تبحث عن موارد إضافيةٍ تساعدها على مواجهة هشاشة الحياة في الصحراء.
تعاملات مبارك لا تنتهي عند الحسين. فعلى بعد نحو ثلاثمئة وخمسين كيلومتراً من زاكورة، في مدينة الرشيدية، تتواصل الحكاية مع صديقٍ آخر اسمه رشيد، وهو الوسيط الذي يعتمد عليه مبارك أحياناً لتصريف بعض أحجاره. رشيد، الأربعيني وأستاذ التعليم الابتدائي، يجمع بين مهنتين مختلفتين، إذ دخل عالم النيازك صدفةً عندما كان وسيطاً لبعض الرحّل مع السياح الأجانب بفضل إتقانه اللغة الفرنسية، لكن ما بدأ خدمةً عابرةً سرعان ما تحول لشغفٍ حقيقي.
نسج رشيد شبكةً واسعةً من العلاقات مع المنقبين والرحّل والتجار والباحثين، ليصبح حلقة وصلٍ بين عالم الصحراء ومشترين سواءً في المدن الكبرى ومنها الرباط وأكادير والدار البيضاء، أو في عواصم خارج المغرب. وتشكلت بينه وبين مبارك والحسين علاقةٌ تتجاوز حدود التجارة. فمبارك يمثل المنقب المتفرغ الذي راهن بكلّ شيءٍ على النيازك، والثاني يجسد الرحّل الذين وجدوا في حجارة السماء مورداً مكملاً للرعي. أما رشيد فيمثل الوجه الوسيط لشبكةٍ معقدةٍ تربط الصحراء بالمختبرات والمتاحف والمزادات العالمية.
بهذا خرج التنقيب تدريجياً من نطاق الفضول الفردي والهواية، ليتحول لظاهرةٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ واسعة الانتشار استقطبت فئاتٍ مختلفةً من المجتمع، من الرعاة والبدو للتجار والباحثين. وغدا انتشار الظاهرة أملاً مشتركاً ونشاطاً يومياً ومصدراً محتملاً للرزق.
منذئذٍ استَعَرَت حمّى ذهب السماء. بدا الأمر لأهالي الجهة وكأنه اكتشاف ثروةٍ كامنةٍ تحت أقدامهم، أو بالأحرى جاءت فوق رؤوسهم. فالأخبار القادمة من الأسواق الدولية كافيةٌ لتغذية الأحلام، فأشيع أن بعض النيازك بيعت ما بين ألفين وأربعة آلاف درهمٍ للغرام الواحد (تقريباً مئتان إلى أربعمئة دولار). فيما بيعت أجزاءٌ من النيزك المريخي "بلاك بيوتي" (الجمال الأسود)، الذي عُثر عليه سنة 2011 بضواحي طاطا بوزنٍ إجماليٍ يقارب سبعة كيلوغرامات، بين خمسمئةٍ وألف دولار للغرام. أما العينات القمرية والمريخية النادرة فقد تصل قيمتها ملايين الدولارات. ويؤكد آلان كاريون في الحوار المذكور آنفاً أن "الأسعار وصلت مبالغ قياسية تفوق سعر الذهب".

بالنسبة إلى مبارك، كانت هذه الأرقام قصصاً يسمعها في الأسواق، ثم أصبحت دافعاً للاستمرار في البحث. يروي تفاصيل رحلاته، وهو يركبُ دراجةً ناريةً قديمةً أنهكتها المسالك الصحراوية، لكنها ما تزال قادرةً على حمله لأماكن بعيدةٍ لا تصلها الطرق المعبدة. ينطلق مع أولى خيوط الفجر، قاطعاً عشرات الكيلومترات بين الحمادات والكثبان والوديان الجافة، مزوداً بمؤونةٍ محدودةٍ من الماء والطعام، وأدواتٍ بسيطةٍ لا تتجاوز مغناطيساً صغيراً ومنظاراً يدوياً. غير أن الأداة الأهم ليست ما يحمله في حقيبته، بل الخبرة التي راكمها عبر سنواتٍ من مراقبة الأرض وقراءة تفاصيلها الدقيقة. ويصف هذه الوسائل مازحاً بأنها "مختبره المتنقل".
هذه الدعابة تخفي واقعاً قاسياً، إذ إن التنقيب في الصحراء مواجهةٌ يوميةٌ مع العزلة والمجهول. ففي تلك الفضاءات الشاسعة يصبح المنقب وحيداً أمام الطبيعة بكل قسوتها. فدرجات الحرارة المرتفعة، وبعد المسافات، واحتمال تعطل الدراجة أو نفاد الماء والوقود، إضافةً إلى العواصف الرملية والعقارب والثعابين، تجعل من كل رحلةٍ مغامرةً محفوفةً بالمخاطر. وقد روى لي أنه خاطَرَ مرةً بالتوغل بدراجته في أعماق الصحراء، ثم تركها في مكانٍ ظنّه أنه سيعرفه، وواصل البحث على قدميه، وعندما أراد العودة لم يستطع تحديد موقعها، فظلّ طوال الليل يبحث عنها بين الكثبان الرملية، مدركاً أنّ العثور عليها كان شرطاً أساساً للنجاة من الصحراء والانتهاء من مهمته.
مع نهاية الرحلة الميدانية، يبدأ نوعٌ آخر من البحث. يقضي مبارك ساعاتٍ طويلةً أمام هاتفه المحمول، يتابع مجموعات المنقبين والباحثين وهواة جمع النيازك عبر منصات التواصل الاجتماعي ومنها حساب التاجر "باعطي للنيازك" على فيسبوك الذي يتابعه أكثر من ستمئة ألف متابع. يتابع مبارك أخبار الاكتشافات الجديدة، ويرصد أسعار العينات في الأسواق الدولية. ويؤكد أن الإنترنت أحدث تحولاً جذرياً في عالم النيازك بالمغرب، إذ لم يعد المنقبون معزولين عن المعلومات كما كان الحال في السابق، حين كانوا يبيعون اكتشافاتهم بأثمانٍ زهيدةٍ لجهلهم بقيمتها الحقيقية.
وعلى أهمية وسائل الاتصال الحديثة، تبقى مقاهي المدينة أهمّ مكانٍ لعمل مبارك. يحدّثني أنّ تلك المقاهي تنوب عن بورصةٍ محليةٍ لعالم النيازك، إذ صارت فضاءاتٍ لتبادل الأخبار وتحديد الأسعار وعقد الصفقات الصغيرة. هناك تنتقل الأحجار من يدٍ لأخرى، وتتراوح قيمتها بين درهمٍ واحد للغرام ومئة درهم أو أكثر حسب نوعيتها وندرتها. وقد حدّثني مبارك أنه كاد يبيع إحدى قطعه بثمنٍ بخسٍ لولا أن أحد رواد المقهى نبّهه إلى قيمتها الحقيقة، مما يبرز الدور الذي يلعبه هذا الفضاء في تداول الخبرة والمعلومات داخل اقتصاد النيازك.
لكن اتساع دائرة المعرفة لم ينهِ الاختلالات التي تحكم هذا النشاط. فبحسب مبارك، ما يزال الوسطاء، أو "الشنّاقة" كما يعرفون محلياً، يسيطرون على جزءٍ كبيرٍ من السوق. تتغيّر ملامح وجهه إلى شيءٍ من التقزز وهو يصفهم بقوله "مافيا حقيقية تتحكم في منافذ البيع، وتعرف معظم المنقبين وتجمعاتهم، وتتصل بشبكةٍ واسعةٍ من المشترين والمحلات داخل المغرب وخارجه، إضافةً لارتباطاتٍ بمختبراتٍ ومؤسساتٍ ومتاجر دوليةٍ متخصصةٍ في النيازك". وقد استحضر مبارك قصته مع سائحٍ من أصولٍ مغربيةٍ يعيش في إيطاليا، طلب منه عيناتٍ لفحصها في مختبرٍ بريطانيٍ، لكنه تلاعب به فهرّب العينات دون أن يمكّنه من أيّ مقابل بحسب مبارك. ويذكرُ مبارك أيضاً قصة حجرٍ نيزكيٍ عثر عليه في منطقة "إيمين تانوت" سنة 2021. يقول إن القطعة بِيعت لوسيطٍ ألمانيٍ بنحو ثمانية عشر ألف دولار، قبل أن يعاد بيعها بأكثر من ثلاثة ملايين دولار.
عند مبارك لا تكمن المشكلة في تحقيق الأرباح، بل في الفجوة الهائلة بين ما يحصل عليه المنقب الذي أمضى أسابيع في الصحراء وما يجنيه الوسطاء في المراحل اللاحقة. ويضيف وهو يشير لإحدى العينات التي وضعها أمامي: "في أغلب الأحيان يكون المنقب أول من يعثر على الحجر، لكنه آخر من يستفيد منه".
وعكس موقف مبارك، يرى عبدالرحمن إبهي، في تصريحٍ للقناة المغربية الأولى سنة 2025، أن تحديد الثمن يخضع لقانون العرض والطلب، "فليست كل النيازك غالية الثمن فالنيازك العادية يتراوح سعرها بين 20 إلى 200 درهم للغرام، بينما تنخفض قيمة القديمة 'المصدية' لتُباع بالكيلو بسعر ألفين إلى ثلاثة آلاف درهم أما النوادر فقد تصل قيمتها إلى ملايين الدولارات". ما يتقاطع مع ما عبر عنه عبد الله آدم أرونسون، مدير شركةٍ متخصصةٍ في تصدير الأحجار المستحثات والنيازك في تصريحٍ لموقع هسبريس في ديسمبر 2021، بالقول إنّه "لا يوجد معيار موحد ومحدد، ويمكن أن تبدأ من درهم للغرام لآلاف الدراهم فالقيمة يحددها العرض والطلب".
بعض من مجموعة مبارك من النيازك، تصوير إبراهيم حياني
في جانبٍ آخر، أظهرَ لي الحديثُ مع مبارك أن التنقيب عن النيازك لا يقتصر على البحث عن أحجارٍ نادرةٍ، بل يرتبط أيضاً بمنظومةٍ من الحذر والسرّية ضمن ثقافة هذا النشاط. فعلى حديثه المطول والعفوي عن تاريخ التنقيب وتجارب المنقبين وقصص الاكتشافات، بدا مبارك أكثر تحفظاً عندما تعلق الأمر بمجموعته الشخصية. وقد عكس هذا التحفظ المكانة الخاصة التي تحتلها النيازك في نظره، إذ لا تمثل مجرد مقتنياتٍ ذات قيمةٍ ماديةٍ، بل حصيلة سنواتٍ من البحث والمغامرة والخبرة الميدانية. وكشفت لي طريقة تعامله مع مجموعته، من تقييد الوصول إليها والحد من تصويرها، عن وعيٍ بالمخاطر المرتبطة بامتلاك النيازك. إذ تتداخل قيمتها الاقتصادية مع هواجس السرقة والاحتيال والمنافسة، ما يجعل السرية آليةً لحماية رأسمالٍ ماديٍ ورمزيٍ راكمه المنقب عبر سنواتٍ مديدةٍ من العمل.
جلس مبارك على الأرض وبدأ يحلّ عقد كيسٍ من الخيش على مهلٍ، فظهرت تباعاً أحجارٌ بألوانٍ وأحجامٍ مختلفةٍ، بعضها أسود داكنٌ وبعضها رماديٌّ معدنيٌّ، وأخرى تحمل آثار انصهارٍ واضحةً على سطحها. من بين تلك الأحجار أمسك بعينةٍ داكنة اللون وقلّبها بين أصابعه كما لو أنه يستحضر رحلتها الطويلة عبر الفضاء، وحدّثني أنّها غاليةٌ عنده. في تلك اللحظة بدا لي المشهد كله أقرب لمفارقةٍ نادرةٍ، فها أنا ضيفٌ عند رجلٍ يعيش في منزلٍ متواضعٍ على هامش واحدةٍ من أكثر مناطق المغرب هشاشةً، لكنه ربما يملك "ثروة" قد تغيّر حياته بالكامل.
خارج منزل مبارك، تتقاطع قصته مع قصة صديقه الحسين. يقول الحسين وهو يحتسي الشاي: "النيازك تتناثر فوق مساحاتٍ شاسعةٍ من الصحراء، وأحياناً نقضي أياماً طويلةً في البحث دون أن نعثر على شيء". ثم يضيف بابتسامةٍ خفيفة: "دكشي فيه الزهر [الأمر متروك للحظّ]. تقدر تلقى وتقدر ما تلقاش". يرى العثورَ على نيزكٍ فرصةً اقتصاديةً استثنائيةً، فبيعُ قطعةٍ صغيرةٍ قد يدرّ عليه دخلاً يفوق ما يجنيه من بيع عدة رؤوسٍ من الأغنام، ومع ذلك لا يرى في التنقيب بديلاً عن الرعي، بل نشاطاً مكملاً له.
خلال حديث الحسين اتضحتْ لي حقيقة أنّ التنقيب أصبح اقتصاداً عائلياً متكاملاً. إذ أخبرني أنّ نساء العائلة وأفرادها بالكامل يشاركون في عمليات البحث والفرز. بدا لي الأمر كأنّه أملٌ جماعيٌّ في الخلاص من دائرة الفقر والتهميش، وكأنّ الأهالي اجتمعوا على أن ينتفعوا من "المغرب غير النافع"، الذي ظلّ عقوداً أقلّ جهات المغرب تنمية.
تبلغ قيمة المعاملات التجارية المرتبطة بالنيازك عدة ملايين من الدولارات سنوياً، وتعدّ التشريعاتُ المغربيةُ النيازكَ جزءاً من التراث الجيولوجي والوطني. ومع تزايد أهمية القطاع، حاولت الدولة المغربية تنظيمه من خلال إصدار المرسوم التطبيقي للقانون 33.13 المتعلق بالمناجم سنة 2019، والذي أخضع استخراج وجمع وتسويق الأحجار النيزكية والمستحاثات لنظام الترخيص والمراقبة. وبحسب حديث عبد الرحمن إبهي لموقع الدار في مارس 2026، جاء هذا القانون أساساً "لمحاربة الفوضى في القطاع"، و"حماية التراث الجيولوجي الوطني والحدّ من تهريب عيناتٍ ذات قيمةٍ علميةٍ وماديةٍ كبيرة". ولذلك فإن تجارتها وتصديرها مقنّنان لحمايتها من التهريب وضمان توجيهها للبحث العلمي والمتاحف. إذ تعي الدولة المغربية أنّ حياة سكّان المنطقة مرتبطةٌ كثيراً بتجارة النيازك. فبحسب الصحفيين كوينتن مولر وسيبستيان كاستليي في تقريرهما "موركوز ستون رَشْ [. . .]" (حمّى حجارة المغرب: التنقيب عن النيازك اقتصاد كبير للبدو)، المنشور سنة 2017، يقدّر أن 70 بالمئة من السكان يعيشون في مدينة أرفود من استخراج التراث الجيولوجي وبيعه.

حياة مبارك ليست بعيدةً عن هذه الأرقام والتفاصيل، فهو الآخر يراهن على التنقيب أملاً بإنقاذ أسرته وتحقيق حلمه ببناء بيتٍ عصريٍ كبيرٍ يؤويه مع أبنائه المقبلين على الزواج. وهو مؤمنٌ بأن بيع بعض القطع كفيلٌ بتغيير حياته وضمان مستقبلٍ رغيدٍ لأبنائه، وهو نفس طموح وآمال المنقبين الآخرين. ومع أن الحسين يقرّ بأن النيازك غيرت حياة بعض أسر الرحّل ومكّنتها من تحسين أوضاعها المعيشية، بل والاستقرار في المدن بعد جني عائداتٍ قيّمةٍ من بيع عيناتٍ نادرةٍ، فإنه لا ينظر إلى هذه التجارب نموذجاً يسعى إلى تقليده. بدا الرجل متمسكاً بحياة الترحال جزءاً من هويته الثقافية والاجتماعية الموروثة. ومن ثم، لم يكن حلمه في الثراء مرتبطاً بمغادرة الصحراء أو التخلي عن الرعي، بل بتعزيز مكانته داخل هذا العالم، ورغبته في زيادة عدد رؤوس قطيعه.
يقدّم رشيد قراءةً أكثر نقديةً لعالم النيازك، إذ يرى أن قدرته على إحداث تنميةٍ حقيقيةٍ في المنطقة تبقى محدودة. بالنسبة إليه، لا ينظر كثيرٌ من المنقبين إلى النيازك وسيلةً للاستثمار المحلي، بل فرصةً نادرةً للهروب الفردي. ومن منظوره لا تمثل النيازك رافعةً تنمويةً بقدر ما تعكس غياب البدائل الاقتصادية، إذ تبقى فرصاً فرديةً عابرةً لا يمكن أن تعوض دور الدولة في توفير شروط العيش الكريم والتنمية المستدامة.
حديث رشيد يؤكّده الحسن الغرافي، الأستاذ الزائر بجامعة ابن طفيل في جغرافية التنمية والبيئة وأحد المنحدرين من المنطقة، عندما التقيته. فيقول: "من منظور التنمية المجالية، لا يمكن اعتبار تجارة النيازك بديلاً عن السياسات العمومية أو حلاً لمشكلات التفاوتات الترابية المتجذرة، فالتنمية المستدامة تتطلب تنويع الأنشطة الاقتصادية والاعتماد على موارد مستقرةٍ وقابلةٍ للتخطيط، في حين أن تجارة النيازك تظل نشاطاً ظرفياً ومحدود الأثر مقارنةً بحجم الحاجيات التنموية للمنطقة".

تبدو هذه الخلاصة أكثر وضوحاً عندما توضع في سياق الأرقام والمؤشرات التنموية للجهة. فعلى كل ما أثارته "حمى النيازك" من أحلام الثراء الفردي، لم تتمكن الأحجار القادمة من السماء من فتح الأبواب التي ظلت موصدةً عقوداً أمام التنمية. فلا تزال جهة درعة تافيلالت تصنف ضمن أكثر جهات المغرب هشاشةً، إذ لم تتجاوز مساهمة الجهة في الناتج الداخلي الإجمالي الوطني 2.8 بالمئة سنة 2024، وهي أضعف نسبةٍ على الصعيد الوطني. وسجلت الجهة في السنة نفسها أدنى معدلٍ للناتج الداخلي الخام للفرد، الذي لا يتجاوز 18.429 درهما سنوياً، مقارنةً بمتوسطٍ وطنيٍ يبلغ 32.759 درهماً.
تزداد المفارقة حدةً عندما نعلم أن الجهة تحتضن ما يقارب 40 بالمئة من مناجم المملكة دون احتساب مناجم الفوسفات، التي تعدّ المورد المنجمي الرئيس في المملكة، وتقع في جهاتٍ أخرى، كما جاء في دراسة "الموارد الترابية بجهة درعة تافيلالت ومسألة التنمية"، نُشِرت سنة 2019 لمجموعة باحثين يقودهم مصطفى أعفير، الأستاذ في جامعة سيدي محمد بن عبد الله. ومع هذا الغنى الطبيعي، لا تزال الجهة تعاني من عزلةٍ مجاليةٍ وضعفٍ في البنية التحتية الأساس.
ويشير الباحثون إلى أنّ الوصول إلى المرافق العامة والبنية التحتية والخدمات مثل المستشفيات والمدارس والطرق السريعة في جهة درعة تافيلالت لا يتجاوز 49.97 بالمئة مقابل متوسطٍ وطنيٍ يصل إلى 67.45 بالمئة سنة 2015. بل تواصل شساعة المجال وتموقعه خلف السلسلة الأطلسية وعلى الهوامش الحدودية، تكريس صعوبة الربط بين مختلف مناطقه وباقي جهات المغرب. وبهذا يرى الغرافي أنّ الأنشطة القادرة على إحداث أثرٍ تنمويٍ ملموسٍ هي التي تتمتع بقاعدة طلبٍ واسعةٍ واستمراريةٍ زمنيةٍ، وهو ما لا يتوفر حالياً في تجارة النيازك، لذلك يمكن اتخاذها عاملاً مساعداً لتنشيط الاقتصاد المحلي، لكنها لا ترقى إلى مستوى محركٍ رئيسٍ للسياحة أو للتنمية الاقتصادية بالمنطقة.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن النيازك خلقت حركةً اقتصاديةً ملحوظةً في بعض مدن وقرى الجنوب الشرقي. فمع كل اكتشافٍ جديدٍ، تتوافد أعدادٌ من المنقبين والتجار والباحثين من داخل المغرب وخارجه، ما ينعكس على أنشطة الإيواء والمطاعم والنقل والأسواق المحلية. ولهذا اعتبر رشيد عدنان، رئيس المجلس الجماعي لمدينة "ميدلت"، في تصريحٍ لموقع "إيكو بيديا" في نوفمبر 2025، أن هذا النشاط "يجلب السياح وتجار العملات الأجنبية ويُنشّط الأسواق". لكن الأستاذ الغرافي أقلّ تفاؤلاً، إذ قال لي: "يمكن لتجارة النيازك أن تشكل نشاطاً اقتصادياً مكملاً، يساهم في خلق بعض المداخيل وفرص الشغل، لكنها لا تمتلك الخصائص المؤسسية أو المالية التي تمكنها من تعويض تدخل الدولة أو الاضطلاع بوظائفها الأساسية".
غير أن قصة مبارك وقصص الآلاف من المنقبين تكشف عن حقيقةٍ أعمق من البحث عن النيازك. فالمنقبون المحليون باختلاف مواقعهم يشغلون جميعاً الموقع الأضعف داخل شبكةٍ اقتصاديةٍ عالميةٍ تبدأ في صحراء الجنوب الشرقي، وتنتهي في مختبراتٍ ومجموعاتٍ خاصةٍ وأسواقٍ بعيدة. هم من يتحملون مخاطر البحث والترحال والوساطة، في حين تتركز القدرة على تحديد القيمة وجني الأرباح الكبرى في أماكن أخرى. ولذلك، تمثّل النيازك لهم وعداً دائماً أكثر منها واقعاً مستقراً.
ومع نهاية كل رحلةٍ، لا يكون السؤال الحقيقي متعلقاً بأمل مبارك في العثور على نيزكٍ جديدٍ، بل بما إذا كانت زاكورة، أو غيرها من مناطق الجنوب الشرقي، ستظل رهينة انتظار كنوزٍ تأتي من السماء أو تنميةٍ طال انتظارها من الأرض. فخلف كل رحلة تنقيبٍ، وكل حجرٍ يُعثر عليه، وكل حلمٍ بالثراء المفاجئ، تختبئ أمنيةٌ أكبر في أن يصبح هذا الجزء من المغرب يوماً ما "مغرباً نافعاً" لأبنائه، لا يحتاج سكانه إلى انتظار سقوط نيزكٍ كي يفتح لهم باب الأمل، بل يجدون في أرضهم ومؤسساتهم وفرصهم ما يكفي لصناعة مستقبلهم بأيديهم.

