التفاسير والقراءات المعاصرة للقرآن.. بين رغبة التيسير وضرورة التماسك المنهجي

طمحت التفاسير النهضوية والإصلاحية في إنتاج تفاسير ميسرة، بينما حاول أصحاب القراءات المعاصرة تغليب هدف التأسيس المنهجي، وقد ظهرت بعض المحاولات للجمع بين الهدفين.

Share
التفاسير والقراءات المعاصرة للقرآن.. بين رغبة التيسير وضرورة التماسك المنهجي
تفسير القرآن للمسلم العادي | خدمة غيتي للصور

القرآن محورٌ رئيسٌ للجدالات الفكرية العربية والإسلامية المعاصرة، منذ عصر النهضة والإصلاح في القرن التاسع عشر وإلى الآن. ولا يتوقف الاهتمام بالقرآن وتفسيره على تيارٍ فكريٍ دون آخَر، بل هو اهتمامٌ عابرٌ للتوجهات الفكرية. يظهر هذا في العدد الكبير من التفاسير والقراءات القرآنية التي ظهرت في القرن ونصف الماضيَّيْن، على تنوعها. إذ وصل عدد التفاسير إلى خمسةٍ وأربعين تفسيراً، وفق التقرير المسلسل "تفاسير القرن الرابع عشر الهجري" الصادر عن مرصد "تفسير" على مدار سنتَيْ 2024 و2025. يُضاف إلى هذا الرقم ما أُنتِج من تفاسير في العالم الإسلامي غير العربي، وكذلك القراءات وتفاسير السور المفردة.

قصدت التفاسير الحديثة منذ ظهور تفسير المنار لمحمد عبده ورشيد رضا الوصولَ لفئةٍ أوسع من القراء المحتملين، ومحاولة ربطهم بالقرآن دون وساطةٍ منهجيةٍ أو شكليةٍ معقدة. وطرحت في تفاسيرها رؤىً فكريةً متعدّدةً، وإن لم تقتحم "التجديد المنهجي بأدواتٍ جديدةٍ أو مفاهيم مختلفة" مثلما يصف التونسي احميده النيفر في كتابه "الإنسان والقرآن وجهاً لوجه" المنشور سنة 2000.

مع ظهور قراءات القرآن المعاصرة منذ ثمانينيات القرن العشرين زاد الاهتمام بسؤال المنهج، وتراجع الاهتمام بالقارئ العادي. فالرغبة في تأسيس منهجياتٍ متماسكةٍ لقراءة القرآن أدّت لامتلاء كتابات القراءات المعاصرة بتفاصيل منهجيةٍ كثيفةٍ، ما بين شرح المنهجيات الحديثة في قراءة النصوص، واقتراح التوليفات المنهجية بين المناهج اللسانية والسردية والآثارية، والدخول في نقاشاتٍ مع المنهجيات التراثية. وهو ما صعّب متابعة هذه الكتابات من قارئٍ عاديٍ بعيدٍ عن التعمق في هذه الحقول المعرفيّة.

يتجسّد التفاعل الحديث مع القرآن في هذا النتاج المتنوع والمتباين. ما بين تفاسير تحاول الوصول برسالة القرآن إلى كل القراء، نابذةً التقنيات والنقاشات المنهجية المعقدة. وبين قراءاتٍ تحاول العودة خطوةً للوراء نحو تأسيس منهجيات القراءة، حتى لو أدّى هذا لقراءاتٍ كثيفةٍ لا تختلف في تعقيدها المنهجي عن التفاسير التراثية. لهذا ظهرت في العقدين الأخيرين بعض الكتابات التي تحاول الجمع بين الأمرين، أي الهدف النهضوي في تفسيرٍ مُيسّرٍ، والرغبة المعاصرة في التأسيس المنهجي المتماسك. 


اتسمت الجهود النهضوية الإسلامية والعربية في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بأنها جهودٌ تأويلية. إذ كانت العودة إلى القرآن محوراً أساساً لعملها. هدفت هذه العودة إلى الإصلاح من جهةٍ، وإلى تعميم هذا الإصلاح من جهةٍ أخرى. فالعودة للقرآن تعني العودة للنصّ نفسه بعيداً عن شبكة التفسيرات التقليدية، التي كانت تمثِّل أساس تعامل المسلم التقليدي مع القرآن في التراث الإسلامي، مثلما يرى وليد صالح في دراسته "تفسير البيضاوي" المترجمة للعربية سنة 2023. ثم محاولة إنتاج تفسيراتٍ جديدةٍ متناسبةٍ مع روح العصر الحديث، التي يوافقها القرآن نفسه. فالقرآن هو أساس المدنية مثلما رأى محمد عبده في كتابه "الإسلام بين العلم والمدنية" الصادر سنة 1923. 

تعني هذه العودة كذلك محاولة إنتاج تفاسير بسيطةٍ يسهل تعميمها بين القراء العاديين، خاليةٍ من كل الطرق المنهجية التقليدية في إنتاج المعنى وتعديده، ومتجاوزةٍ الأساليبَ الشكلية الموروثة في كتابة التفاسير. نتج عن هذا طائفةٌ كبيرةٌ من كتب التفسير التي تُعبّر عن الهدي القرآني الحضاري والمدني بوضوحٍ، وتخلو من المرويات الحديثية والإسرائيليات والإحالة إلى المرجعيات التفسيرية السابقة، وترتبط مباشرةً بهموم المسلم الحديث. هذه التفاسير موجهَّةٌ بالأساس إلى قارئٍ لا يحمل بالضرورة أيّ رسوخٍ علميٍ في أيٍّ من التخصصات العملية التراثية.

بدأ نشر تفسير المنار لمحمد عبده ورشيد رضا على صفحات مجلة المنار سنة 1898. ويُمثِّل هذا التفسير أبرز الأمثلة على التفسير الإصلاحي المعمَّم والبداية الحقيقية لانطلاقه. فهو واضحٌ في هدفه الهدائي، وهو استلهام القرآن في السياق الاجتماعي والحضاري الحديث عبر تطبيقه "على ما في الكون من سنن الاجتماع ونظم العمران". مما مكنه من تجاوز الطابع الجافّ للتفسير التراثي "الذي يصرف الناس عن هداية القرآن"، بتعبير محمد الذهبي في كتابه "التفسير والمفسرون" المنشور سنة 1961. 

تختلف بنية تفسير المنار المنهجية والشكلية عن التفسير التقليدي. فلا نجد في المنار المرويات الطويلة، ولا الإحالات للمرجعيات التفسيرية السابقة، التي شكَّلت في نظر يوهانا بينك في دراستها "التفسير خطاباً" المترجمة للعربية سنة 2022، أساسَ اندراج أيّ مدونةٍ تفسيريةٍ في تاريخ التقليد التفسيري. يُدين رشيد رضا في مقدمته للتفسير هذا التوسُّعَ، الذي يَعُدّه إبرازاً للتفنن والبراعة، ويرى الأولى بأهل العلم انتقاءَ معنىً وبثَّه في الناس، وهو ما يفعله تفسير المنار. كذلك يبعد تفسير المنار عن كلّ هذه التفريعات اللغوية والبلاغية والعلمية والتقويّة التي عُرف بها التفسير التقليدي خصوصاً في مرحلته ما بعد التأسيسية في القرنين الخامس والسادس الهجريين، مع تفاسير الثعلبي والزمخشري والرازي. يوضِّح رضا في مقدمة التفسير حِرصَ المنار على عدم التبحّر في أيٍّ من هذه المساحات على عادة التفاسير التقليدية، لأن في هذا مظنّة الخروج عن "المقصود من الكتاب الإلهي". ولأن الخروج عن المقصد الإلهي وهداية القرآن هو وفق رضا سبب ضعف المسلمين وزوال ملكهم الواسع، فإن العودة للقوة غيرُ ممكنةٍ إلا باستكشاف الهدي القرآني بتفسيرٍ جديد. 

مثَّل تفسيرُ المنار الأساسَ للتفاسير اللاحقة بتنوعاتها. إذ استمرت في النأي عن المنهجيات التقليدية في إنتاج المعنى، وعن الطرق التقليدية في كتابة التفسير، ووجهت خطابها للقارئ العادي. تعميم هذا الإصلاح عبر التفسير القرآني لم يتوقف على القارئ فحسب، بل شمل مُنتِج التفسير نفسه. فنتيجة هذه الرؤى أن اتسعت رقعة كُتّاب التفاسير، فلم تعد تقتصر على الراسخين في العلوم التقليدية، بل تعدّتها إلى المثقفين والأدباء وأرباب العلوم الطبيعية والفلاسفة. هذا جعل التفاسير المعاصرة مساحةً ينعكس فيها الفكر العربي المعاصر بكلّ تنوعاته وتموجاته. إذ نجد من هذه التفاسير ما هو تجديديٌّ مثل تفسير أمين الخولي الذي بُثّ على الراديو في أربعينيات القرن العشرين. وبعضها حركيٌّ مثل تفسير السوري سعيد حوّى الذي صدر سنة 1985. أو حداثيٌّ أو عقلانيٌّ مثل تفسير الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري الذي صدر مدخله سنة 2006. هذا على مستوى هدف التفسير. أما على مستوى الاهتمام الغالب، فثمة تفاسير علميةٌ مثل تفسير "الجواهر" لطنطاوي جوهري، الذي بدأ صدوره سنة 1930، وأخرى أدبيةٌ مثل تفسير الظلال لسيد قطب، الذي بدأ ظهوره سنة 1952.

وعلى ما حقّقه هذا الابتعاد عن التفاسير التقليدية من انتشار القرآن مفسَّراً بين القرّاء، ومن ربط القرآن بفئاتٍ أوسع انتاجاً وتلقّياً، إلا أنه أنتج معضلةً وهي إشكال المنهج المتّبَع في تفسير القرآن. فهذه التفاسير على تنوّعها لم تهتمّ ببناء منهجٍ جديدٍ في قراءة القرآن بقدر ما اهتمت بالوقوف على مسافةٍ من المنهجيات التقليدية. وكان هذا الغياب لبناء منهجٍ متماسكٍ سبباً فيما وُصفت به هذه المحاولات من تلفيقيةٍ وعدم منهجية. في كتابه "إسلام المجددين" المنشور سنة 2007 يصف محمد حمزة المحاولاتِ الإصلاحيةَ بأنها دعوةٌ محتشمةٌ تميل للتلفيق. ويحدِّد إسلام المجددين بالخروج من هذه السمات وبالوعي بقضية المنهج. الأمر ذاته عند الباكستاني فضل الرحمن مالك، ففي كتابه "الإسلام وضرورة التحديث" المترجم للعربية سنة 1992، فسَّر مالك فشلَ التحديث الإسلامي بغياب المنهج عن المحاولات النهضوية والإصلاحية. لم يقتصر هذا النقد على الحداثيين، بل نجده كذلك عند رواد الإسلام الحضاري. يرى عبد الوهاب المسيري في مقالته "معالم الخطاب الإسلامي الجديد" المنشورة في مجلة "المسلم المعاصر" سنة 1998، أن ما يميِّز الخطاب الإسلامي الجديد عن الخطاب الإسلامي القديم مع الإصلاحيين الأوائل، هو بعده عن سمات المقاربات والتوفيق التي طبعت الخطاب القديم. أيضاً في كتابه "إصلاح الفكر الإسلامي" المنشور سنة 2001 يصف الأصولي العراقي طه جابر العلواني المقاربات التجديدية الأولى بعدم القدرة على تبيُّن جوهر أزمة النهوض، وعدم استطاعتها تقديم منهجٍ لقراءة القرآن، وسيطرة فكر المقاربة والمقارنة عليها.

بالأساس زاد الإلحاح على قضية غياب المنهج بعد هزيمة يونيو 1967، وظهور المشاريع الكبرى في إعادة قراءة التراث في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين. فهذه المشاريع نظرت للهزيمة تتويجاً لفشل مشروع التحديث، الذي اقتصر على محاولات تحديثٍ خارجيٍ عبر استيراد أفكار الحداثة ومنتجاتها، وإسقاطها على الواقع، دون تحديث "العقل العربي". يقول الجابري في مقدمة كتابه "تكوين العقل العربي" الصادر سنة 1984 "أن نقد العقل جزءٌ أساسٌ وأوليٌّ من كلّ مشروعٍ للنهضة، لكن نهضتنا العربية الحديثة جرت فيها الأمور على غير هذا"، ويَعُدّ هذا أهمَّ أسباب تعثّرها. ويعتبر السوري جورج طرابيشي في كتابه "نقد نقد العقل العربي" الصادر سنة 1994، أن الهزيمة كشفت خواء الإيديولوجيات العربية وأعادت الاعتبار لنقد العقل.

ليس المقصود بالعقل العربي مجموعة المعارف والرؤى التي أنتجها العقل الإسلامي طوال تاريخه. بل المقصود مجموعة البنى والآليات المعرفية الناظمة الفكرَ العربي والإسلامي، والمسؤولة عن إنتاج كلّ المعارف الإسلامية التفصيلية، وعن استراتيجيات التفكير في المعضلات الكبرى مثل معضلة التراث والحداثة. هذا الاتجاه في النظر للتراث عقلاً وليسَ نتاجاتٍ معرفيةً أو طرقاً في العرض والكتابة، والنظر للتحديث تغييراً للعقل وخلقاً لعقلٍ جديدٍ بمنهجياتٍ جديدةٍ، دفع الدارسين لإعادة السؤال عن تفسير القرآن. لم تعد القضية هنا كيفية بلورة تفسيرٍ يسهل تعميمه، أو كيفية إيجاد بعض تفسيراتٍ جديدةٍ في قضايا نهضويةٍ ملحّة. بل باتت القضية بناء منهجٍ واضح المعالم في قراءة القرآن، يحلّ محلّ المنهجيات التقليدية، ويصبح أساساً معرفياً لعقلٍ عربيٍ جديد.


أدّى الانفصال عن المنهجيات التقليدية في قراءة القرآن إلى فراغٍ منهجي. وأصبح السؤال المطروح على المعاصرين: من أين يمكن استلهام منهجٍ لقراءة القرآن. ظهر اتجاهان أساسان للإجابة عن هذا السؤال، أوّلهما "الاتجاه الحداثي" الذي عدّ المنهجيات الغربية المعاصرة في قراءة النصوص مصدراً لبناء هذا المنهج. في المقابل نشأ اتجاه "قراءات المنهجية القرآنية" الذي شكَّك في المنهجيات الغربية كذلك، بسبب تناقضها مع المنظور التوحيدي للكون، على ما يرى عالم الأديان الفلسطيني ومؤسس المعهد العالمي للفكر الإسلامي إسماعيل الفاروقي في كتابه "أسلمة المعرفة" المترجم للعربية سنة 1983. لذا رأى هذا الاتجاه أن منهجية قراءة القرآن لا بدّ أن تُستخرج من القرآن نفسه، فالقرآن هو منهج الفهم. ما اتفق عليه الطرفان ووافقَتْهما عليه الاتجاهات التي نشأت لاحقاً، مثل "التأويلية النسوية للقرآن" بكلّ تنوعاتها، هو أن الطريق لقراءة القرآن يبدأ من بلورة منهجيةٍ جديدةٍ واضحةٍ للقراءة، حتى لو لم تؤدِّ هذه المنهجية لتفسيرٍ كامل. لذا نجد أنفسنا ومنذ ثمانينيات القرن العشرين أمام قراءاتٍ وطروحاتٍ أكثر مما نجدنا أمام تفاسير طويلةٍ مسلسلة. اتسمت هذه القراءات بتفصيلٍ منهجيٍ يصعب على القارئ العادي متابعته.

نرى هذا على سبيل المثال في تأويلية أستاذ الفلسفة بجامعة السوربون، التونسي يوسف الصدّيق. فالصدّيق أحد روّاد المدرسة الحداثية في قراءة القرآن، وأحد الداعين لحداثةٍ لا تقوم على التلفيق، بل على استعادة الأسس الفلسفية اليونانية التي مثَّلت في نظره منطلق العقل الغربي الحديث نحو الأنوار. في كتابه "هل قرأنا القرآن" المكتوب بالفرنسية والمترجم للعربية سنة 2006، يشارك الصديق الاتجاهات المعاصرة في النعي على النهضويين غيابَ منهجٍ واضحٍ في قراءة القرآن. ويبرز ضرورة الاعتماد على المنهجيات اللغوية الحديثة وعلى النتاجات الآثارية والفلسفية في بناء تأويلٍ جديدٍ للقرآن. لا نجد في كتاب الصديق تفسيراً للقرآن بالمعنى التقليدي أو بالمعنى النهضوي. ما نجده بناءٌ للمنطلقات التأويلية التي سيعتمد عليها في قراءته، ومحاولاتٌ لتوضيح ما تعنيه "القراءة" بالمعنى الفلسفي، والتي تعني "التفكيك والتركيب المتجدِّد للوحدات المعنوية، ثم وصلها مع غيرها من المعاني في ذات النص، مع تحديد المواقع والشخصيات والإشارات التي احتواها هذا النص"، ثم محاولة تطبيق منهجياته على بعض سور القرآن. 

تقوم تأويلية الصدّيق على افتراض وجود مساحةٍ يونانيةٍ غير مكتشَفةٍ داخل القرآن. فالقرآن وفق الصدّيق لا يحتوي على بعض المفردات اليونانية فحسب، بل هو نصٌّ ينتمي للسياق اليوناني الفلسفي والحضاري أكثر من انتمائه للسياقين الوثني العربي والكتابي اليهودي المسيحي. إلّا أن هذه المساحة شُوِّش عليها بعددٍ من الخطوات. أوّلُها يقع في مرحلةٍ مبكرةٍ جداً من تاريخ القرآن والإسلام، وهي مرحلة جمع المصحف، الذي لم يكن مجرد نسخٍ وتدوينٍ ونشرٍ بل هي عملية إعادة إنتاجٍ كاملةٌ قام بها الخليفة الأموي عثمان بن عفان. إذ نقل القرآن مما يسميه "اقتصاد الشذرة"، والذي يعني أن الآيات عبارةٌ عن اندفاعاتٍ حُرّةٍ في فجوةٍ مفتوحةٍ بين النبيّ والسماء، إلى "المصحف" وهو نصٌّ مرتّبٌ في تسلسلٍ آليٍّ، على غرار حركة الإبل البطيئة في الصحراء. فعملية الجمع سياسية الطابع، أضاعت بنية القرآن الأصلية المنفتحة، التي تشبه شذرات الفلاسفة اليونان السابقين على سقراط، لتضعه في محبس "المصحف". 

الخطوة الثانية للتشويش على المساحة اليونانية هي بناء التأويلية القرآنية التراثية منذ كتاب "الرسالة" للإمام الشافعي في القرن الثاني الهجري. إذ أعلى الشافعي من سمة "عروبة" القرآن. ودفع هذا المفسرين إلى محاولة تمحُّل اشتقاقاتٍ عربيةٍ للكلمات غير العربية الموجودة داخل القرآن، ما أدّى لتغييب المساحات غير العربية وخصوصاً المساحة اليونانية، التي يصل معجمها داخل القرآن حدّ ثمانمئة كلمةٍ وفق الصدّيق.

يحاول الصدِّيق إعادة استكشاف هذه المساحة اليونانية بعدّة استراتيجيات. أولها الاستراتيجية اللغوية القائمة على الربط بين بعض المفردات القرآنية وبعض المفردات اليونانية عبر التشابه الصوتي، خصوصاً تلك المفردات التي ترد في سياقاتٍ طقسيةٍ وحضاريةٍ وفلسفيةٍ واضحةٍ، مثل "الكوثر" التي يقاربها "كاثاريا" اليونانية والتي تعني التطهير الروحي، وهي ممارسةٌ طقسيةٌ يونانية. الاستراتيجية الثانية والأهم هي مقارنة الصدّيق القصصَ القرآنيَّ، أيْ أكبر مساحات النص وأوسعها، بالقصص اليوناني، ومحاولة إيجاد صلةٍ بين القرآن وهذا القصص. والمثال على هذا تعاملُ الصدّيق مع قصص سورة الكهف، وتحديداً قصة موسى وفتاه، ثم قصة موسى والعبد الصالح. يَفترض الصدّيق أن قصة موسى وفتاه هي تكرارٌ لقصة الإسكندر وأحد جنوده والمذكورة في المصادر التاريخية اليونانية، مثل كتابات المؤرخ كاليستينيس. ويعدّ هذه القصة توطئةً لقصة الإسكندر ذي القرنين اللاحقة في السورة. تأتي أهمية الإسكندر في قراءة الصدّيق من موقعه في الحضارة اليونانية، فهو تلميذ أرسطو فيلسوف اليونان وتلميذ الأب فيليب القائد والملك المقدوني. فهو ملك فيلسوف. لذا فإن حضوره في سورة الكهف تعبيرٌ عن منطعفٍ يُكرِّسه القرآن في الفكر البشري، وهو منعطف انسحاب النبوة لصالح العقلانية. فالإسكندر بلغ القمة في المعرفة والسياسة دون أيّ مصدرٍ متعالٍ على العقل البشري. تحقِّق هذه السورة بهذا ما يعدّه الصدّيق مراجعة القرآن للتاريخ الإبراهيمي، للتذكير بمعالم نبوّةٍ جاء لختمها. وتمثِّل سيطرة الإسكندر على الفضاء القصصي القرآني في النصف الثاني من السورة، وحلوله محلّ أهمّ نبيٍّ عبرانيٍّ والأكثر ذكراً في القرآن، أيْ موسى، إعلاناً عن كون القرآن يونانياً أكثر منه كتابياً، وأن كلّ صور الأنبياء تأتي في القرآن رموزاً مُراجعةً على طريق خطابٍ عقلاني.

في سنة 2024  تُرجم للعربية كتاب منذر يونس "العاديات ضبحاً" المكتوب بالإنجليزية، ليستعرض منهجيةً في قراءة القرآن تقترب من منهجية الصدّيق. وجه التشابه الأساس هو الإعلان في الكتابين عن عدم ممارسة فعل قراءةٍ صحيحٍ للقرآن سابقاً، وفي افتراض منهجيةٍ مركَّبةٍ في سبيل هذا الفعل. تبدو المسألة أكثر جذريةً في كتاب يونس، الذي لا يفترض أن عمليتي الجمع والإعلاء من العروبة أثَّرتا على فهم مساحةٍ معينةٍ داخل القرآن أو تغييبها، بل يفترض أن الجمع والعربية أثّرتا في كتابة النصّ ذاته. فعملية نقط القرآن المجرَّد وتشكيله ثبّتت قراءةً واحدةً للنص. وهذه القراءة ليست بالضرورة سليمةً، بل ربما خضعت للوهم والنسيان والخلط. يقترح يونس في مقابل هذا إعادة قراءة النصّ مرّةً أخرى، عبر إحياء ممكناتٍ أخرى لكتابة حروفه المجردة من النقط والشكل. على سبيل المثال يرى يونس النقط في  الآية العاشرة من سورة البلد "وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ" خاطئاً، والأقرب للصحة وفق سياق السورة "وهديناه النهدين". فالسورة تتحدث في الآيات السابقة عن اللسان والشفتين. مثالٌ آخَر هو سورة قريش، فالآية الأولى "لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ"، يقرؤها "لإيلف قريش" وهي لفظةٌ سريانيةٌ تعني السفينة. أما الآية الثانية "إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ" فيقرؤها "ألَّفهم". لتعني الآيتان تعجّبوا من سفن قريش، علّمهم الله رحلة الشتاء والصيف. ويحاول يونس تأكيد تخميناته عن الشكل الأصلي لنصّ القرآن بالتأكيد أن قراءته تدعم تماسك السور أدبياً بما لا تفعله الكتابة التقليدية في "النص المستلَم" أو المصحف العثماني. ففي سورة العاديات يقرأ يونس الآية الأولى "الغاديات صبحاً" بدلاً من"وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا". والآية السادسة "إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ" يقرؤها "كبود"، وهي لفظةٌ عبريةٌ تعني محترم. والآية الأخيرة "إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ"، يقرؤها "حبير" أيْ رفيقٌ في السريانية والعبرية. ثم يؤكِّد أن هذا يجعل نصف السورة الأول متماشياً مع نصفها الثاني. فالنصف الأول حديثٌ عن النساء في فعلهن أعمال التقوى، والنصف الثاني يتحدث عن الإنسان في تعبُّدِه اللهَ وسعيِه للخير. وهذا يختلف عن السورة في شكلها في المصحف وفي تفسير المفسرين لها، إذ يكون نصفها الأول عن الخيل التي تسير في المعارك أو الإبل حاملة الحجيج، والنصف الثاني عن جشع الإنسان وجحوده.

تحتاج عملية قراءة النص بهذه الطريقة لمصادر معرفيةٍ ومنهجيةٍ كثيرة. إذ تحتاج لمعرفةٍ بالمخطوطات القرآنية القديمة، وبعلم النقد النصّي، وبافتراضات هذا العلم عن عمليات الخطأ في النسخ والكتابة. فضلاً عن ضرورة حيازة القارئ افتراضاتٍ مؤسَّسةً علمياً حول بنية النصوص الأدبية، والعلاقات بين المقاطع والخطابات المفردة داخلها، إذ تستند على هذه الافتراضات العمليةُ التخمينيةُ في تحديد البديل المفترض للآيات المكتوبة في المصحف المستلَم.

يمثِّل هذا التعقيد الذي تشمله هاتان التأويليتان رأس جبل الجليد فقط في قراءات القرآن المعاصرة. إذ نجد التقنيات المعقدة نفسها في تأويلياتِ آخَرين، مثل المفكر الباكستاني فضل الرحمن مالك ومنهجياته المعتمدة على اللسانيات الحديثة من أجل تحديد مفاهيم القرآن الكبرى، ومن أجل صياغةٍ تأويليةٍ جماعيةٍ تحتاج لتعاون الفلاسفة وعلماء الاجتماع والفلاسفة والأخلاقيين. ومثل المصري نصر أبو زيد، وتطبيقه منهجيات الفيلسوف الألماني فريدريك شلايرماخر لتحديد موقع القرآن في التاريخ، ومنهجيات الهرمنيوطيقي الأمريكي إريك دونالد هيرش للتفريق بين معاني القرآن ومغازيه. وأبو القاسم حاج حمد الذي يجمع في تأويليته بين الاعتماد على المدارس اللغوية والمنطقية الحديثة مثل حلقة فيينا وبين النظرات الصوفية، فضلاً عن المنهجيات الجدلية المستقاة من المادية الجدلية، لرسم صورةٍ للقرآن كاشفاً عن تطور الوعي البشري في علاقته بالغيب والواقع.

يقف هذا التعقيد المنهجي سدّاً أمام الحلم النهضوي القديم بتيسير المعرفة بالقرآن. فعلى اتفاق المعاصرين مع النهضويين في مركزية القرآن في معضلة النهوض، إلا أنهم يَبدون مختلفين عنهم في تصور إمكان إنتاج معرفةٍ بالقرآن ميسَّرة. إذ يبدو اهتمامهم بالتماسك المنهجي والابتعاد عن التلفيق أكبر من الاهتمام بإنتاجٍ مباشرٍ لتأويلاتٍ يسهل تعميمها. لذا فإن قراءة القرآن عادت مرّةً أخرى لتصبح في إنتاجها وتلقّيها قضية متخصصين. إلا أنه قد حلّ محلّ متخصصي العلوم التقليدية المتخصصون المعاصرون في اللسانيات ومناهج قراءة النصوص والفلسفة. وأصبح القارئ النموذجي لمثل هذه النصوص هو المثقف ذو التكوين الحديث تحديداً. هذا التباين بين الحلم النهضوي القديم والمتجدِّد بتفسيرٍ ميسَّرٍ، والرغبة المعاصرة في عدم التضحية بالتماسك المنهجي، أدَّى لظهور نمطٍ جديدٍ من القراءات، تحاول الجمع بين الاتساق المنهجي وبين الارتباط بالقارئ المعاصر العادي.


ظهر نمطان معاصران من القراءة، يحاولان جمع القراءة المنهجية المتماسكة للقرآن مع الارتباط بالقارئ العادي. أوّلهما قراءة القرآن التدبُّرية، القائمة على قراءته قراءةً شخصيةً مباشرة. وثانيهما القراءة التي تتموضع في أفقِ توقُّع القارئ، عبر وصل القرآن بموضوعاتٍ راهنة.

ويُعَدّ المثال الأبرز على النمط الأول القراءةُ التدبُّريةُ عند طه العلواني، والتي توجد مطبَّقةً في كتابات رقية العلواني أستاذة الدراسات الإسلامية بجامعة البحرين. تقوم هذه القراءة على عددٍ من المبادئ المنهجية التي أسّسها طه العلواني في كتاباته، مثل "وحدة القرآن البنائية"، أي الانطلاق من أن القرآن وحدةٌ واحدةٌ على مستوى سوره وآياته. وضرورة انتهاج "تفسير القرآن بالقرآن"، أي النظر للقرآن كتاباً يفسّر بعضُه بعضاً، وحاكماً ومهيمناً على كلّ النصوص، ولا يحتاج لمصادر خارجةٍ عنه لتفسيره. وأن تفسير القرآن لا بدّ من أن ينطلق من المقاصد العليا التي حكم بها القرآن مسار الإنسان في الكون، وهي "التوحيد" الذي يحكم علاقة الإنسان بالله، و"التزكية" التي تحكم علاقته بنفسه، و"العمران" الذي يحكم علاقته بالعالم. على موقعها الرسمي تعرض رقية العلواني هذه المبادئ مبسَّطةً، بعيداً عن محاولات التأسيس المنهجي والجدل مع التفاسير التراثية، والذي نجده في كتابات العلواني مثل "نحو موقفٍ قرآنيٍ من إشكالية المحكم والمتشابه" الصادر سنة 2010 و"الجمع بين القراءتين" الصادر سنة 2014.

 تبرز رقية العلواني عدداً من القواعد المنهجية التي تُحدِّد فعل قراءة القرآن فعلاً مباشراً، مرتبطاً بالمسلم المعاصر في حياته اليومية. من هذه القواعد قاعدة "التفاعل الحيّ"، التي تُلزم القارئ بالإصغاء للقرآن، إذ يُحاوِر الإنسانَ في كلّ زمانٍ ومكان. وقاعدة "التطبيق والتنزيل"، التي تعني أن قراءة القرآن علميةُ استلهامٍ لحضور القرآن في الواقع اليومي، إذ على المسلم أن يحوِّل قواعد القرآن إلى سلوكٍ وممارساتٍ يوميةٍ فرديةٍ وجماعيةٍ وحضارية. وتعدّ رقية العلواني هذه المبادئ والقواعد، خصوصاً "هيمنة القرآن على جميع الأفهام والتأويلات"، ضمانَ بقاء عملية التدبُّر الميسَّرة ضمن دائرة الانضباط العلمي، إذ تمنع هذه القاعدة عملية الإسقاط على القرآن دون ضوابط.

تطبِّق رقية العلواني منهجيتها على عددٍ من السور وأوّلها الفاتحة. تصحِّح السورةُ العلاقةَ بين العبد وربِّه، قائمةً على التوحيد والعبودية. وتترقّى بالإنسان إذ تُربّيه عبر رحمة الله لتصل به إلى صراط الله المستقيم. وتكسر السورة في الإنسان أمراض هوى النفس وحبّ الذات والدنيا، بتذكيره بالآخرة وبطلب الهداية لجميع عباده. يلفت النظر في أسلوب التدبُّر هنا الاعتماد على ضمير المتكلم، إذ تتحدث رقية العلواني بصيغٍ مثل "ربّي"، "أَحمدُ الله"، "أُخاطِب الله". ما يجعل هذه التدبرات تمريناً عامّاً للتدبر، يتضمن مجموعةً من المبادئ المنهجية، ويسهّل استخدامَه من أيّ إنسان. كذلك يستمر التدبر في عرض تعاملٍ يوميٍ مع ما تتحدث عنه سورة الفاتحة، مثل التعامل مع نعم الله ومواجهة المشتّتات عن طريقه المستقيم، ما يجعل السورة تنغرس في الوجود اليومي للمتدبِّر.

حاولت بعض الكتابات المعاصرة سلوك نهجٍ مختلفٍ في الربط بين القراءة المنهجية والقارئ. يتمثل هذا النهج في الاشتباك مع أفق تلقّي القارئ، وفتح القرآن على هذا الأفق. يمكن التمثيل لهذا بقراءات سارة تليلي الباحثة بجامعة فلوريدا. تهتمّ تليلي بالأساس ببعض القضايا المعاصرة المرتبطة بأفق القارئ الحديث، مثل الاهتمام بالحيوانات والبيئة والطبيعة البشرية. وتُقدِّم قراءتها للقرآن معتمدةً على المنهجيات المعاصرة التي راكمتها الدراسات الغربية المعاصرة القرآنية.

في كتابها "أنيمالز إن ذا كوران" (الحيوانات في القرآن) الصادر سنة 2012، تبرز تليلي أن القرآن يقدِّم تصوراً عن علاقة الإنسان بالطبيعة، يتجاوز الرؤية الحداثية عن إنسانٍ متسيِّدٍ عليها.  توضح تليلي أن تصوّر الإنسان متسلِّطاً على كونٍ لم يُخلق إلا لخدمته، لا تُمثّل فهماً دقيقاً للتصور القرآني عن الكائنات غير البشرية. فالتفاسير التقليدية لم تنطلق كلّها من هذه الرؤية، بل بعضها تحدَّث عن رؤيةٍ مغايرةٍ، تظهر فيها الطبيعة حيّةً ومعقدةً وخاضعةً للّه، ما يعني أن القرآن لا يدفع بالضرورة في اتجاه هذا التصور. تستعرض تليلي الآيات القرآنية التي تتناول الكائنات غير البشرية، وتبرز كيف أن هذه الآيات تعرض الكون كوناً حيّاً عابداً للّه وخاضعاً له، ما يعني أن الإنسان الصالح العابد للّه سيندرج بصلاحه ضمن هذه العبادة الكونية الشاملة، ويعود إليها بعد انفصاله عنها بالطلاح. لهذا يظهر أن الغاية من عمل الكون جميعه عبادة الله، وليس خدمة الإنسان. تؤدِّي هذه الرؤية بالإنسان للنظر إلى العالم نعمةً إلهيةً، تشترك معه في عبادة الله، وعلى الإنسان الامتنان تجاهها، واحتذاء سمات الله مثل الرحمة والعدل في معاملتها. 

في دراسةٍ أخرى بعنوان "آ موتيف بيزد ستادي أوف سورة الحجر"  (دراسة في سورة الحجر وفق الموضوع المكرَّر) تتناول تليلي قضية الطبيعة البشرية. وتبحث في كونها طبيعةً قاسيةً وعنيدةً وغير ممكنة التغيُّر، أَم ليِّنةً يؤمَّل لها اتّباع الهدى. يرى الأستاذ بجامعة تورنتو المتخصص بالتفسير وليد صالح أن السورة كانت بدايةً لنهاية الدعوة السِلمية، وإيذاناً بالحرب وسيلةً وحيدةً للتعامل مع مشركي قريش، فالسورة تؤكد صلابة الإنسان وتكرس صورةً متشائمةً عنه. تعارض تليلي في دراستها هذه الرؤية، إذ تبُرِز بتتبّع صور الحجارة والماء والصيحة في سورة الحجر، أن السورة مواساةٌ للنبيّ عبر إعلان الله عن الطبيعة البشرية. وعلى قسوة وعناد البشر، فإن طبيعتهم لا تقتصر على هذه الشدّة المتأصلة في خلقهم من ترابٍ، بل يوازيها اللين والاستعداد للسماع المتأصِّل كذلك في طبيعتهم الطينية. بهذا تعرض السورة وفق تليلي موقفاً قرآنياً متفائلاً تجاه البشر، على إقراره بقسوتهم، ما يجعلها تعبيراً عن إسلامٍ منفتحٍ على الضعف البشري ومؤمنٍ بالبشر وقدرتهم على الاهتداء.


مثَّل ربط القرآن بالقارئ العادي غير المتخصص هدفاً للتفاسير النهضوية، الطامحة لإبراز قوة القرآن الهدائية، وقدرته على توجيه المسلم في الواقع الحديث نحو المدنية والحضارة. إلا أن ما شاب هذه المحاولات من عدم اهتمامٍ بالتماسك المنهجي، حفَّز الدارسين في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين للاهتمام بالمنهج ولو على حساب القارئ. نتج عن هذا مجموعةٌ من القراءات التي تغرق في تحديد المبادئ المنهجية والمنهجيات المستخدمة، دون أن تقدِّم بالضرورة تفاسير كاملةً، ودون أن تكون في متناول قارئٍ غير متخصص. يقف القارئ المعاصر أمام هذا النتاج بتنوعه وتباينه، متسائلاً عن إمكانية الجمع بين التماسك المنهجي وبين تفسيرٍ ميسَّرٍ يدمج القارئ فاعلاً إيجابياً في الصلة بالقرآن.

تمثل بعض المحاولات المعاصرة في الجمع بين الهدفين، فتحاً لأفقٍ جديدٍ في التعامل مع القرآن، يتناسب مع طبيعة القراء المعاصرين المتنوعة. ففي عصر تتعدَّد فيه المرجعيات ويزداد الواقع الحقيقي والافتراضي كثافةً، ويرتفع فيه شعور القارئ بالقدرة على إنتاج النصوص وتوليدها. يحتاج المسلم المعاصر لمساحةٍ رحبةٍ في التفاعل مع القرآن، تجمع بين البيِّنة المؤسَّسة والتموضع في أفق توقعاته.

اشترك في نشرتنا البريدية