ظهر هذا اللقاء بين المسلمين وكتب أهل الكتاب منذ بواكير تاريخ الإسلام، إذ بدأ من عصر الدعوة النبوية، خصوصاً مع إسلام بعض أهل الكتاب. وأدّى دخول المسلمين لأراضي المسيحيين واليهود لاحقاً إلى تفاعلٍ أكبر وأكثر تعقيداً بين المسلمين والمسيحيين واليهود حول الكتاب والنبوة والتوحيد. ظهر هذا في الكتابات الجدالية، مثل الرسائل المتبادلة بين الخليفة عمر بن عبد العزيز والإمبراطور البيزنطي ليو الثالث في القرن الهجري الأول.
كذلك شهدت كتب التفسير حضوراً واسعاً لمرويات أهل الكتاب أو ما عُرف بالإسرائيليات، إذ استخدمت هذه المرويات لتفسير الآيات التي تتقاطع مع أحداثٍ وشخصياتٍ ومفاهيم كتابية. إلا أن التعرف المباشر على الكتاب المقدس كاملاً ومترجماً لم يكن متاحاً دائماً وبكثافةٍ في السياق الإسلامي الوسيط. ويظهر هذا مثلاً في بعض الإحالات التفسيرية للكتاب المقدس في تفاسير الطبري والقاضي عبد الجبار المعتزلي.
لم يحدث التلاقي مع الكتاب المقدس الكامل بالعربية إلا في القرن التاسع عشر، مع ظهور البعثات التبشيرية التي ترجمت الكتاب المقدس، إذ ظهرت نسخة "فان دايك" البروتستانتية في مصر، المنسوبة إلى المبشرَين الأمريكيَّين إيلي سميث وكورنيليوس فان دايك، ونسخة اليسوعيين في لبنان، التي أشرف عليها المبشر أوغسطين روديه. ومنذئذٍ مرّ الاهتمام الموسع بالكتاب المقدس وموقعه في الصلة بالقرآن بمرحلتين. الأولى في عصر النهضة والإصلاح، وخلالها تأثرت نظرة النهضويين والإصلاحيين إلى الكتاب المقدس بالكتابات الاستشراقية والهجومية تجاه القرآن والإسلام. أما المرحلة الثانية، فامتدت خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وشهدت بروز منهجياتٍ جديدةٍ في قراءة النصوص الدينية، وحِسّاً أكثر تعاونيةً وتعاطفاً في دراسة الأديان. وقد وفَّرت هذه المنهجيات الجديدة سياقاً لقراءة علاقة القرآن بالكتاب المقدس بعيداً عن أسئلة الهمينة الثقافية والنصية، وأضحت بعض الدراسات تقرؤها حواراً متشابكاً حول قضايا التوحيد والنبوة والتقوى.
وقد تناول عددٌ من الباحثين هذه المحدودية، ومن بينهم وليد صالح، من جامعة تورنتو الكندية، وصامويل روس، أستاذ الدراسات الدينية بجامعة تكساس كريستيان، مشيرين إلى استثناءاتٍ معدودةٍ على امتداد تاريخ التفسير. ففي كتابه "تفسير القرآن والمنعطف الكتابي" المترجم للعربية سنة 2024، يحدد روس، ضمن هذه الاستثناءات، شمس الدين الديلمي، المفسر الشيعي من القرن الرابع الهجري، ثم البقاعي، المفسر والفقيه من القرن التاسع الهجري.
بدوره، يفرد وليد صالح في تحقيقه رسالة البقاعي "الأقوال القويمة في حكم النقل عن الكتب القديمة" المنشورة سنة 2008 تحت عنوان "إن ديفينس أوف ذا بايبل [. . .]" (في الدفاع عن الإنجيل [. . .])، دراسةً للبقاعي واهتمامه باستدعاء الكتاب المقدس في تفسير القرآن وحجاجه دفاعاً عن هذا الاستدعاء ضد منتقديه.
يفسر روس استثنائية البقاعي هذه ضمن تاريخ التفسير بالسياقات المخصوصة السياسية والثقافية التي كتب فيها تفسيره، مثل شيوع الكتاب المقدس المترجم والنقاشات الدينية ضمن النخبة المثقفة في عصر مصر المملوكية، وصلة ذلك بمماليك تلك الحقبة الذين تحولوا للإسلام من اليهودية والمسيحية، والصلة الوثيقة بين البقاعي وبين البلاط المملوكي.
وقد أثار استناد البقاعي إلى الكتاب المقدس في تفسيره نقداً من العلماء والمفسرين في عصره وبعده، منهم السخاوي والقلقشندي، فضلاً عن غياب تأثير طريقته في التعاطي مع الكتاب المقدس على التفاسير اللاحقة. ويوضح روس غياب هذا التأثير حتى على تلك التفاسير التي أُعجبت بتفسيره "نظم الدرر" وتأثرت بكثيرٍ من ملامحه، مثل تفاسير الخطيب الشربيني من القرن العاشر الهجري وإسماعيل حقي من القرن الثاني عشر الهجري والشوكاني من القرن الثالث عشر.
ربما يبدو هذا الإهمال للكتاب المقدس في التفسير غريباً. خصوصاً مع تقاطع كثيرٍ من مساحات القرآن مع الكتاب المقدس، فضلاً عن تسجيل اهتمامٍ إسلاميٍ مبكرٍ بالكتاب المقدس في كتب الجدل الإسلامي المسيحي واليهودي، مثل كتاب "الدين والدولة" لابن رَبَّن الطبري الفقيه من القرن الثالث الهجري، واستمرار هذا في بعض كتب الملل والنحل مثل كتب ابن حزم الفقيه الأندلسي من القرن الخامس الهجري ثم الشهرستاني من القرن السادس الهجري.
ولكن قد تفسر هذا الغيابَ جملةٌ من الأسباب، وأولها مرتبطٌ بطبيعة التفسير وعلاقته بالتراث الكتابي. فنقل المرويات سمةٌ أساسٌ من سمات التفسير الكلاسيكي، مثلما حددها المؤرخ البريطاني نورمان كالدر في مقالته " التفسير فروم الطبري تو ابن كثير" (التفسير من الطبري إلى ابن كثير) المنشورة سنة 1993. وقد شكلت الإسرائيليات جزءاً أساساً من هذه المرويات، وأتاحت للمفسرين الاستعانة بأخبار أهل الكتاب في تفسير الآيات المتصلة بهم، دون الرجوع المباشر إلى نصوص الكتاب المقدس. وفي المقابل، نُظِر للكتاب المقدس بعين الريبة بسبب الاعتقاد بوقوعه في التحريف اللفظي، استناداً إلى ما ورد في القرآن عن تحريف أهل الكتاب نصوصَهم. كذلك فإن ترجمات الكتاب المقدس كانت جزئيةً وموزعةً على فتراتٍ وأمصارٍ مختلفةٍ مرتبطةٍ بالوجود المسيحي واليهودي، ولم تكن مركزةً ومستمرةً ومتاحةً للجميع.
ثاني هذه الأسباب طبيعة حضور الكتاب المقدس في الفضائين اليهودي والمسيحي. فالكتاب المقدس، وخصوصاً الأسفار الخمسة "التوراة"، لم يكن حاضراً في ترجمةٍ كاملةٍ إلى العربية إلا في حقبٍ متأخرةٍ أو في مناطق محددةٍ مأهولةٍ بيهود. ومن أمثلتها ترجمة سعديا الفيومي، التي انتشرت في مصر والأندلس في القرن الخامس، وترجمة القرّائين في القدس، التي لم يُكتب لها الاستمرار طويلاً بعد غزو الفرنجة بيتَ المقدس سنة 1099.
كذلك، لم يوجد الكتاب المقدس المسيحي بعهديه القديم والجديد كاملاً ومستقلاً على غرار القرآن في معظم الأحيان، وهذا يعود للطبيعة الطقسية للكتاب المقدس المسيحي، والتي تقوم على القراءة اليومية والموسمية الانتقائية منه. لذا وُجِد الكتاب المقدس في الكنائس مجزّءاً ضمن الكتابات الطقسية العامة، مثل "القطمارسات"، وهو كتابٌ يحوي القراءات اليومية المختارة من العهدين الجديد والقديم، و"الخولاجيات"، وهي كتبٌ تتضمن القداسات والصلوات.
يلفت روس النظر أيضاً لنقطتين أُخريَيْن تتعلقان بتطور النظرة الإسلامية للكتاب المقدس، وكان لهما أثرٌ في هذا الغياب. الأولى أنه في حين توفرت ترجماتٌ موسعةٌ للكتاب المقدس قبل العصر الحديث، كانت الثقافة الإسلامية قد أضحت ثقافةً ثريةً ومتنوعةً، مما قلّل من إعجابها أو اهتمامها الفضولي الأول بالكتب السابقة. والثانية انتشار آراء فقهيةٍ تحرّم زيارة الكنائس والأديرة، ما يقف عائقاً أمام الوصول لهذه الترجمات حال وُجدت والاقتباس منها بدقة.
تمثلت المساحة الأولى في الصراع على الهيمنة الثقافية والنصية، وهو صراعٌ فرضته طبيعة القراءة الاستشراقية للقرآن وعلاقته بالكتاب المقدس، وبحكم طبيعة نشأة الدراسات القرآنية بين يهود ألمانيا. وقد ارتبط هذا السياق بتاريخ انتقال القرآن إلى اللغات الأوروبية وطبيعة النصوص التي اعتمدتها الدراسات الغربية في تناوله. فلم تتعرف الكتابات الاستشراقية إلى القرآن كاملاً ومترجماً مباشرةً من العربية، ومقسماً ومرتباً في سُوَرِه المئة وأربع عشرة، إلا مع ترجماتٍ مثل ترجمة الراهب الإيطالي لوديفكيو ماراتشي في القرن الثامن عشر.
في هذا السياق، ترى الباحثة الأمريكية سوزانا هيشيل في كتابها "أبراهام غايغر آند جويش جيزس" (أبراهام غايغر ويسوع اليهودي) الصادر سنة 1998، أن صراع اليهود الإصلاحيين في أوروبا على موقعهم الثقافي والديني جعل تعاطيهم مع الكتب الأخرى منصبّاً على رسم خطاطةٍ لشجرة الأديان، تجعل اليهودية جذرها الراسخ. لذا فقد نظرت الكتابات المركزية وقتئذٍ إلى صلة القرآن بالكتاب المقدس صلةَ انتحالٍ للقصص الكتابي، ونقلاً مليئاً بالأخطاء الناتجة عن قصدٍ أو عن سهوٍ وخلطٍ مرتبطين بسياقات التلقي الشفهي. فصدر في القرن التاسع عشر بعض الكتابات التي حددت مهمتها باستكشاف هذه العلاقة وإبراز أثر الأدب الكتابي وما بعد الكتابي في القرآن. منها كتاب الحبر اليهودي أبراهام غايغر "ماذا اقتبس محمد عن اليهودية" المترجم للعربية بعنوان "اليهودية والإسلام" سنة 2017، وكتاب المستشرق الألماني هاينريش شباير "قصص أهل الكتاب في القرآن" المترجم للعربية سنة 2018. وكتاب "مصادر وأصول القرآن" للقسّ والمستشرق البريطاني سانت كلير تسدال، المترجم للعربية سنة 2019.
تشابكت هذه الكتابات مع بعض الآراء حول طبيعة النبوة المحمدية، والتي رسمتها نبوةً نفسيةً داخليةً قائمةً على التشبع بالمعارف الكتابية، فيما عرَّفه العالم والمصلح الإسلامي السوري رشيد رضا بمقولة "الوحي النفسي" في مقالات مجلة المنار، التي جُمعت في كتاب "الوحي المحمدي" سنة 1935. وقد حفزت هذه الكتابات المشككة في سلامة النبوة وأصالة القرآن روحاً جدليةً تنافح عن النبوة المحمدية وعن سلامة النص القرآني من الأخطاء، وتثبت في المقابل أن الكتاب المقدس هو المليء بالأخطاء، وفقاً للبحوث العلمية الحديثة والاكتشافات التاريخية.
نجد هذه المنافحة عن القرآن في مقابل الكتاب المقدس في بعض الكتابات آنذاك. منها "إظهار الحق" للمتكلم الهندي رحمت الله الكيرانوي، المتوفى سنة 1891، الذي رأى رشيد رضا قراءته ضروريةً للوقوف على تناقضات الكتاب المقدس. وقد كتب رضا في مقالةٍ نُشرت في المنار سنة 1910، تتناول شبهات بعثات التبشير بين المسلمين، أن الكتاب المقدس الأصلي ليس سوى بعض الأحكام المنزلة إلى موسى، التي زاد عليها اليهود كثيراً من القصص. واعتبر في المقالة أن كثيراً من التحريف وقع حتى في الأسفار الخمسة الأولى، ومنها سفر التكوين، الذي رآه كتاباً متأثراً بأساطير الآشوريين والكلدانيين. ويفصِّل رضا في بيان تناقض سفر التكوين مع نتائج علماء الآثار والجيولوجيا والأحياء، مثل ثبوت أن الحيّات لا تأكل التراب، على عكس ما يَرِد في السفر.
اعتمد بعض المثقفين كذلك على ترجمات كتب النقد الكتابي في بيان تناقضات الكتاب المقدس. مثل كتاب اللاهوتي النرويجي هيرمان يانسن "ذخيرة الألباب في بيان الكتاب" المترجم للعربية 1884، إذ ذكره المصلح الإسلامي السوري جمال الدين القاسمي عند تفسير الآية التاسعة والسبعين من سورة البقرة "يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ". وجاء ذلك كتابه "محاسن التأويل" المطبوع غير مرّةٍ، معتمداً في إثبات التحريف على ما أظهره علماء النقد الكتابي من تناقضات نسخ الكتاب المقدس.
ومن هذا المنطلق، وفرت هذه الاكتشافات الحديثة والآراء النقدية لتاريخ الكتاب المقدس في كتب النقد التاريخي، تفعيلاً لمقولة التحريف القرآنية والتفسيرية، التي تصف الكتاب المقدس بأنه كتابٌ إلهيٌّ مُنزلٌ لكن طال معظمَه التحريفُ المعنوي واللفظي على يد اليهود والمسيحيين، ما يُبرز مغايرة القرآن المحفوظ له.
أما المساحة الثانية، التي أطَّرت الصلة بين المسلمين والكتاب المقدس حينئذٍ، فكانت الإصلاح الداخلي للتفسير القرآني. فقد عدّ النهضويون والإصلاحيون، مثل محمد عبده ورضا وجمال الدين الأفغاني، كتب التفسير مليئةً بالمرويات الضعيفة التي تحجب وضوح القرآن وهدايته. وبنوا تفسيراتهم الجديدة للقرآن على أساس إبراز معنى القرآن الهدائي بعيداً عن التفريعات والنقاشات اللغوية والبلاغية، وبعيداً عن التفصيلات القصصية المأخوذة من قصص أهل الكتاب ومن المرويات الضعيفة.
انتقد رضا وعبده إصرار المفسرين على الإسناد للإسرائيليات الواهية غير الموثوقة حتى عند أهل الكتاب. يقول رضا في مقدمة تفسير المنار، الذي نشره سنة 1927، "وقد سلك في هذا المسلك أقوام زادوا في قصص القرآن ما شاءوا من كتب التاريخ والإسرائيليات، ولم يعتمدوا على التوراة والإنجيل والكتب المعتمدة عند أهل الكتاب وغيرهم، بل أخذوا جميع ما سمعوه عنهم من غير ترفيق بين غث وسمين، ولا تنقيح لما يخالف الشرع ولا يطابق العقل".
بهذا، فإن اعتماد المفسرين على الكتاب المقدس العربي في تفسيرهم بعض الآيات قد ساعد في مقاومة أثر حضور الإسرائيليات الواسع. وقد توسَّع هذا الاستخدام حتى رأى روس في كتابه أن العصر الحديث منعطفٌ غير مسبوقٍ كمّاً وكيفاً في الاستناد التفسيري على الكتاب المقدس.
ومن الآيات التي يظهر فيها هذا الأثر لوضع الكتاب المقدس بديلاً عن الإسرائيليات ضمن متن التفسير، آيات الخروج من الجنة. فقد ذكرت كثيرٌ من كتب التفسير التراثية القصص الإسرائيلي الذي يحمِّل حواء وحدها مسؤولية الخروج، وأنها أغوت آدم للأكل من الشجرة. في المقابل، خلت التفاسير المعاصرة مثل "التحرير والتنوير" و"محاسن التأويل" من ذكر هذه القصة الإسرائيلية. ويبدي رشيد رضا في تفسيره الآية الرابعة والعشرين من سورة الأعراف، "قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ"، اعتراضه على هذه الحكاية، إذ يعدّها حكايةً إسرائيليةً لا أصل لها في سفر التكوين المعتمد عند أهل الكتاب.
حينها أسهمت بعض الاكتشافات العلمية والتطورات المنهجية في دراسات النصوص في خلخلة النموذج التفسيري القديم القائم على ردّ الصلة بين النصين إلى الاقتباس والانتحال. وقد فتح هذا الباب أمام رؤىً توضِّح أصالة النص القرآني، وحواره مع الكتب المقدسة السابقة حول قضايا التوحيد والقداسة والكتاب، هموماً مشتركةً بين الكتب الثلاثة ومجتمعاتها الدينية.
كان لاكتشاف مخطوطات قمران ما بين سنتي 1947 و1956، شمال البحر الميت، أثرٌ كبيرٌ في هذا المسار. وتعود هذه المخطوطات للأسينيين، المجموعة اليهودية التي عاشت قبل المسيحية وأثّرت فيها، وفق فرضية المستشرق وعالم اللغات الفرنسي أندريه دوبون سومر في كتابه "ذي جويش سيكت أوف كمران آند ذي إسينيس" (طائفة قمران اليهودية والأسينيون) المنشور سنة 1956، المقبولة لدى معظم الدارسين.
غيَّر اكتشاف هذه المخطوطات النظرة السائدة عن الكتاب المقدس وعلاقته بالمجتمعات الدينية في اليهودية المتأخرة وعشيّة المسيحية. فقد أبرزت المخطوطات تنوعاً وتفاعلاً معقداً ما بين النصوص الكتابية اليهودية، بل تداولتها الجماعات الدينية في نسخٍ متعددةٍ خضعت لعملياتٍ من التفسير وإعادة الصياغة والتطوير النصي. كذلك أظهرت المخطوطات وجود أسفارٍ كانت تحظى بقداسةٍ خاصةٍ قبل مرحلة "الكتاب المقدس المعتمد" في القرن التاسع الميلادي، والذي يضم اللائحة المعتمدة من الأسفار المقدسة. وكشف هذا عن تداخل صلة الكتب المقدسة ببعضها، وعن تعقيد صلة المجتمعات الدينية بها.
وفّرت هذه الاكتشافات والدراسات حولها سياقاً جديداً للنظر للمرحلة اللاحقة من تاريخ اليهودية المتأخرة والمسيحية. وقد ترك ذلك أثراً كبيراً على تصور الدارسين الغربيين لعلاقة القرآن الظاهر في القرن السابع الميلادي بالكتاب المقدس وتفاعلاته المعقدة في القرون السابقة.
فمثلاً في كتابه "ذا وورلد أوف لايت أنتيكيتي" (عالم العصور القديمة المتأخرة) المنشور سنة 1971، قدّم المؤرخ البريطاني بيتر براون فهماً جديداً لهذا العصر الممتد من القرن الثاني الميلادي وإلى القرن الثامن. إذ لا يمثل، في نظره، عصرَ انحدارٍ تالياً للعصور القديمة وسابقاً على العصور الوسطى، بل نظر إليه عصراً من الإبداع والبناء ذي التأثير الحاسم في تطور الأديان الكتابية. وهو ما درسه عالم الأديان جاي سترومسا في كتابه "ذا ميكِنغ أوف أبراهاميك ريليجِنز [. . .]" (نشأة الديانات الإبراهيمية [. . .]) المنشور سنة 2015 مركزية مفاهيم "الكتاب" و"الذبيحة" و"التفسير" ضمن هذا العصر، وأثرها في اليهودية والمسيحية المتأخرة.
بدورها، ركزت المختصة في الدراسات القرآنية أنغيليكا نويفرت، في كتابها "ذا كوران آند ليت أنتيكيتي" (القرآن والعصور القديمة المتأخرة) المترجم للإنجليزية سنة 2019، على إبراز التفاعل المعرفي بين القرآن والنصوص المقدسة والفلسفية الكبرى، وبيّنت كيف استعاد القرآن موضوعاتٍ وتقاليد سابقةً، وأعاد تفسيرها وصياغتها في ضوء قضايا عصره وسياقه الديني. في ظل هذا الفهم الجديد، لم يعد مناسباً تفسير العلاقة بين النصوص عمليةَ اقتباسٍ ونقلٍ وانتحالٍ، بل بات ضرورياً البحث عن خططٍ أعمق تناسب تعقّد صلة نصوص هذه المرحلة وتعقّد صلة المتدينين بها. تزامن هذا مع تطور الدراسات الأدبية والبنيوية تحديداً، والتي أعطت مركزيةً لدراسة البنية الداخلية للنصوص في مقابل الوقوف عند دراسة تاريخها. وفي الوقت نفسه، شهدت الدراسات القرآنية بعد الحرب العالمية الثانية فترةً من الركود، مثلما يصفها المستعرب الألماني شتيفان فيلد في محاضرته "تاريخ القرآن؟ لماذا لا نحرز تقدماً؟" المترجمة العربية سنة 2018. وقد استمر هذا الركود إلى عقد السبعينيات، وبدا الحقل حينها وكأنه عاجزٌ عن التطور المنهجي أو تقديم أيّ جديد.
لذا، حاولت دراسات القرآن منذ السبعينيات كسر جمودها المنهجي بالانفتاح على المناهج الأدبية والكتابية الجديدة، مثلما توضح أنغيليكا نويفرت في دراستها "الاستشراق والدراسات القرآنية" المترجمة للعربية سنة 2019. مثّلت مناهج التناصّ أو التداخل النصي، التي تدرس العلاقات المعقدة بين النصوص، أدواتٍ مناسبةً لإعادة تفسير علاقة القرآن بالكتاب المقدس. إلى جانب ذلك برزت مفاهيم مثل "النص الضمني" أي استحضار نصٍ سابقٍ وإعادة إنتاجه في نصٍ لاحقٍ دون إشارةٍ مباشرةٍ إليه، و"التناص السلبي" أي إعادة توظيف نصٍ سابقٍ في نصٍ لاحقٍ مع عكس دلالته، و"التفسير النمطي" أي قراءة القصص الكتابي باعتبارها أنماطاً تتحقق دلالاتها في أحداثٍ تاريخيةٍ لاحقة.
ولم يقتصر تحول الدراسات القرآنية على مسألة المناهج والأدوات، بل تعدّاها للتغير في تركيبة الدارسين، ما ضاعف الأثر في طبيعة دراسة علاقة القرآن بالكتب السابقة. وفي هذا السياق، يشير المستعرب الإيطالي روبرت توتولي في كتابه "القرآن: دليل أكاديمي" المترجم للعربية سنة 2026، إلى ازدياد حضور الدارسين المسلمين في السياق الغربي في العقود الأخيرة، وأثر ذلك في الحقل. ويشير ديفين ستيوارت، أستاذ دراسات الشرق الأوسط بجامعة إيموري، في دراسته "أسباب تجاهل دراسة العلاقة بين القرآن والكتاب المقدس" المترجمة للعربية سنة 2025، إلى أن ازدياد حضور المسلمين وتزامنه مع اتجاه الدراسات الغربية نحو مساراتٍ أكثر تعاونيةً وأقل صداميةً – تأثراً بالنظرة التعاطفية لدراسة الأديان التي بلورها الكندي ويلفرد كانتويل سميث – أدّى إلى تراجع الاهتمام بدراسة علاقة القرآن بالكتاب المقدس.
إلا أن أعمال دارسين مثل أنغيليكا نويفرت وجون سي ريفز ونيفين رضا، تبرز أن دراسة هذه العلاقة لم تتراجع جراء هذه العوامل مثلما يُصوِّر ستيوارت، بل ربما توسعت، لكن بعد خضوعها للتعديل في ضوء تحولات المناهج والأدوات وبروز أدواتٍ تستطيع إبراز أصالة النص القرآني. لترسم بهذا بعضُ الدراسات المعاصرة علاقةَ هذا النص بالكتب السابقة علاقةَ حوارٍ وتفاعلٍ لا نقلٍ وانتحال.
وتتضح ملامح هذا النموذج في دراساتٍ تُبرز فاعلية القرآن الدينية في مجتمع الشرق الأدنى، من خلال حواره مع توقعات المتدينين حينئذٍ وانتظاراتهم، ثم طرحه مفاهيم جديدة.
يشير أستاذ الدراسات الإسلامية الألماني بجامعة أكسفورد نيكولاي سيناي في دراسته "كورانيك سيلف ريفرينشيالتي" (مرجعية القرآن الذاتية) المنشورة سنة 2006، إلى الخلاف القرآني اليهودي المسيحي في معنى الكتاب المقدس، إذ يوضح أن آية "لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً" تعبِّر عن نقدٍ كتابيٍ للقرآن. إذ إن المتكلمين المُفترَضين هنا يؤكدون شرط كون الكتاب مُنزلاً جملةً واحدةً كي يكون مقدساً، مثل كتاب موسى، لذا فإنهم ينتقدون القرآن لادعائه ذات السلطة المعطاة للكتب المقدسة السابقة رغم نزوله مفرّقاً.
يأتي الجواب القرآني بأن هذه الصيغة من التنزيل لها هدفٌ وهو تثبيت قلب النبيّ. ويمثل هذا، وفق سيناي ونويفرت، خلقاً قرآنياً لنمطٍ من الشفهية الكتابية لم يكن معهوداً لدى متديني الشرق الأدنى القديم. واستمر هذا البعد الشفهي في تلقّي القرآن حتى بعد تدوينه وجمعه في مصحفٍ معتمدٍ، إذ ظلت تلاوته الشفهية ممارسةً أساساً في حضوره الديني. وبهذا منح القرآنُ الشفهيةَ بعداً قدسياً ضمن تصوره لذاته ولطبيعة الكتاب المقدس، مقدماً ذلك معطىً جديداً للتدين الكتابي في العصور القديمة المتأخرة، مثلما وصفه سترومسا وبراون.
تتناول نيفين رضا هذا الحوار والتفاعل القرآني مع الكتاب المقدس بأشكالٍ أكثر تفصيليةً في "طالوت [شاول] في القرآن [. . .]" المترجمة للعربية سنة 2019. وتقرأ شخصية طالوت في القرآن من منظور المجتمعات الدينية المتلقية للنص، سواءً المتلقين الأوائل أو المعاصرين، ومن منظور وظيفة النص في بناء المجتمع الديني.
ترفض نيفين رضا من البدايةِ المنهجيةَ الاستشراقيةَ التقليديةَ التي تنظر لاختلاف القصة القرآنية عن الكتابية نتاجاً للخطأ، مثلما ترفض الرؤيةَ الإسلاميةَ التي تتجاهل القصة الكتابية ناظرةً لتفاصيلها استطراداتٍ غير مهمة. لكنها في المقابل، تنظر لطالوت القرآني شخصيةً مركّبةً في حوارٍ مع عددٍ من الأسفار الكتابية، بما يسهم في إبراز صورة النبيّ محمد نبيّاً وقائداً سياسياً.
تعتمد رضا بالأساس على التناصّ القائم على أولوية القارئ، بمعنى أنها لا تقتصر على سؤال كيف وظف القرآنُ القصصَ الكتابيَّ فحسب، بل تبدأ من تجربة القارئ المعاصر الذي يقرأ القرآن والكتاب المقدس معاً، ويستحضر رواياتهما المتوازية لفهم قصة طالوت. بمعنى أنها تركز على كيفية تفاعل النصين في ذهن القارئ المعاصر الذي يعرفهما معاً. وتوظف رضا في هذا السياق مفهوم "النصوص المتوازية" أو "الإزائية" المستعار من دراسات الأناجيل الإزائية الأربعة "مرقص، لوقا، متى، يوحنا"، وتحاول تشكيل قصة طالوت عبر تتبع هذه التوازيات والاختلافات بين نسخ القصة المختلفة.
وتبرز نيفين رضا عبر هذا المنهج تعقُّد شخصية طالوت القرآنية، والتي تشبه أن تكون تركيباً من أكثر من شخصيةٍ، شاؤول وصمويل وجدعون ويشوع. وتكشف المقارنة عن تداخل التقاليد الكتابية نفسها، وتبادل الشخصيات والملامح بين أسفارها المختلفة.
تنتقل رضا بعد ذلك لتوضح وظيفة القصة في السياق المدني، إذ يوفِّر تعقيد هذه الشخصية، وجمعها بين مهام الملك والقضاء والنبوءة، ونفي القرآن كلّ الدلالات السلبية الكتابية عنها، سياقاً قصصياً "نمطياً" لدور النبيّ محمد في المجتمع الإسلامي الناشئ. فكأن طالوت أول ملكٍ نبيٍّ لبني إسرائيل يصبح رمزاً أولياً لمحمد، النبيّ والقائد السياسي لهذا المجتمع الديني الجديد.
هنالك أيضاً كتبٌ مفردةٌ تبرز الحوار والتفاعل القرآني مع القصص الكتابي وإعادة بنائه في ضوء مشاغله. منها كتاب "كوران آند ذا بايبل" (القرآن والكتاب المقدس) للمتخصصين في الدراسات الإسلامية يونس ميرزا وجون كالتنر، المنشور سنة 2018. يتناول الكتاب الشخصيات المشتركة بين القرآن والكتاب المقدس، ويقدم أثناء عرض القصص القرآني عنهم الخلافات بين هذا القصص وبين القصص الكتابي، ويحاول تفسير أسباب هذا الاختلاف بعيداً عن مقولات تحريف الكتاب المقدس أو أخطاء النص القرآني.
مثلاً في قصة يعقوب في سورة يوسف، يعرض الكتاب كيف أن القرآن، خلافاً للكتاب المقدس، لا يختم القصة بمشهد يعقوب حزيناً متعباً، بل بصورته مرفوعاً على العرش، رمزاً للصبر ونيل جزاء التوكل على الله. كذلك، يبرز الكتاب تفرّد القرآن بمشهد دعوة يوسف صاحبيه في السجن للتوحيد، وهو ما يعكس مركزية التوحيد في كل قصص الأنبياء القرآنية، وحرص القرآن على إظهار الأنبياء سلسلةً واحدةً مشتركةً في الدعوة إلى التوحيد.
في السياق نفسه، ينطلق كتاب "أندرستاندنغ ذا كوران [. . .]" (فهم القرآن: الموضوعات والشكل) للباحث المصري المتخصص في الدراسات الإسلامية محمد عبد الحليم، والذي يرفض فيه فكرة التأثر القرآني والأخطاء في النقل من الكتاب المقدس، عبر إبراز التفاعل القرآني مع هذه النصوص وإعادة إنتاجها. يتناول عبد الحليم قصة الإغواء الشيطاني لآدم وحواء في الجنة، فيتوقف عند اختلافٍ محددٍ بين القصة الكتابية والقصة القرآنية، وهو الخلاف في الوعد الشيطاني. فبينما يعدهما في الكتاب المقدس بأن يصيرا إلهين، يعدهما في القرآن بالخلود أو أن يصبحا مَلَكَيْن. يرى عبد الحليم أن القرآن يبرز بهذا ارتباط الوسوسة بالضعف البشري الأصلي أمام الفناء ورغبته في الخلود، ليوجه الفعل الأخلاقي البشري لإدراك نقصه لا إنكاره، وليبرز إمكان التوبة.
كذلك يحاول بعض الدارسين استكشاف الحوار القرآني مع النصوص الكتابية وما بعد الكتابية. ففي دراسته "ذا مني فيسيس أوف سورت الإخلاص" (الوجوه المتعددة لسورة الإخلاص) المنشورة سنة 2024، يحاول أستاذ تفسير القرآن واللاهوت المقارن في جامعة بادربورن الألمانية، زيشان غفار، قراءة سورة الإخلاص في ضوء النقاشات المسيحية حول طبيعة المسيح والتوحيد. يرى غفار أن السورة تحاور بعض الكتابات المسيحية السريانية، مثل كتابات الشاعر واللاهوتي من القرن السادس الميلادي يعقوب السروجي الموجهة إلى نصارى نجران.
يحلل غفار صيغة الإيمان التي صاغها السروجي في وصف عقيدة مسيحيي نجران، والتي تؤكد على وحدانية الابن وتفرده، إذ تقول: "واحد هو الابن... واحد الذي يشبه أباه... لا يقبل معه ترتيباً آخر ولا عدداً آخر". كذا يركز على "عدم الانقسام" مفهوماً أساساً في صيغة السروجي التي هي تعديلٌ وتكييفٌ لقانون الإيمان النيقاوي. وهذا بيانٌ موجزٌ للعقيدة المسيحية أقرّه مجمع نيقية الأول سنة 325 ميلادية، وجاء في سياق خلافٍ لاهوتي حول طبيعة المسيح وعلاقته بالله الآب. ويعتبر غفار أن هذا المفهوم شبيهٌ بمفهوم "الصمد" القرآني، الذي من معانيه عدم القابلية للانقسام.
يبرز غفار أيضاً أن هذا الارتباط بين سورة الإخلاص وبين نصارى نجران ورد في بعض التفاسير التراثية. إذ يورد الزمخشري، المفسر والأصولي والمتكلم من القرن السابع الهجري، في تفسيره "الكشاف" لقاء وفد نصارى نجران ضمن أسباب نزول السورة. في هذا السياق، تبدو سورة الإخلاص إعادة إنتاجٍ لقانون الإيمان السروجي النجراني يفكك تمركزه حول المسيح الابن المولد إلهاً من العذراء، ويبرز في المقابل وحدانية الله المطلقة.
مع ذلك، لا يحسم غفار ما إذا كانت صيغة السروجي متداولةً في الجزيرة العربية أو المناطق المحيطة بها. لكنه يرى أن نقاش الوحدانية كان جزءاً أساساً من نقاشات المسيحيين اللاهوتية في هذه المرحلة، وأن القرآن يشتبك مع الصيغ "الكريستولوجية"، أي المتعلقة بطبيعة المسيح الإلهية والبشرية، المنتشرة في هذا السياق، ويعيد بناءها تناصياً ليطرح تصوره التوحيدي عن الإله الواحد الصمد.

