من الموت إلى الهوية والاختلاف.. هكذا تقدّم سينما الأطفال الأسئلة الفلسفية

خلف الرسوم الملونة في سينما الأطفال مختبر فلسفي مبكر يدمج بين الصورة والموسيقى والحركة ليعيد تشكيل وعي الطفل نحو العالم ونظرته حول الآخر ويثير فضوله حول عوالم ما وراء الطبيعة وما بعد الموت.

Share
من الموت إلى الهوية والاختلاف.. هكذا تقدّم سينما الأطفال الأسئلة الفلسفية
تصبح الحكاية نفسها طريقاً إلى التفلسف | تصميم خاص بالفراتس

اعتصر قلبي ألماً أثناء مشاهدتي "ميغيل" وهو يبكي في فيلم الرسوم المتحركة "كوكو" الذي أخرجه لي أدوارد أنريخ وأدريان مولينا سنة 2017. حطّمت جدتُه غيتاره أمام أفراد العائلة لاعتقادها أن الموسيقى ملعونة، فبكى. تمنيتُ لو كانت يدي جسراً يمتد من موطني مصر إلى المكسيك حيث تدور أحداث الفيلم، فأسير إليه لأواسيه، ثم أضع بين يديه غيتاراً جديداً ليعزف ألحانه في ساحة الفنانين. 

شغلني حرمان ميغيل من حقه في الحلم والاختيار خوفاً من اللعنة. ولم يبدُ لي ذلك بعيداً عن اللعنة التي يُرهَّب بها الأطفال عندما يطرحون الأسئلة الوجودية: من أين جئنا وإلى أين نمضي وكيف خُلق الكون. ثم إن سألوا كيف جاء الله ومن خَلَقه، يصير السؤال تهمةً، بعدما كان نصيبهم الشرعي من الحكمة والفلسفة. 

يطرح فيلم "كوكو" بعض هذه الأسئلة الفلسفية داخل حكاية طفل يبحث عن الموسيقى. يقوده بحثه إلى عالم الموتى، حيث تلتقي أرواح الراحلين بأحبتهم ويجد نفسه في مواجهة أسئلة الموت والفقد والذاكرة واستمرار الإنسان بعد رحيله. لكن ميغيل ليس الطفل الوحيد الذي تقوده المغامرة إلى سؤال فلسفي. ففي فيلم "تُرنينغ رِد" (التحول إلى الأحمر)، الذي كتبته وأخرجته دومي شي سنة 2022، تواجه ميلين مي سؤالاً يتعلق بالهوية والاختيار: من أنا، ومن يحدد ما ينبغي أن أكونه؟ أما فيلم "لوكا"، الذي أخرجه إنريكو كاساروسا سنة 2021، فينقل السؤال من الذات إلى الآخر، عبر عالمين يخشى كل منهما الآخر، وطفلين يكتشفان قدرة المعرفة على هدم الصور التي صنعها الخوف.

تقدم الأفلام الثلاثة، على اختلاف حكاياتها وعوالمها، معالجات مختلفة لأسئلة فلسفية كبرى يواجهها الطفل: الموت والوجود في "كوكو"، والذات والهوية في "تُرنينغ ريد"، والاختلاف والعلاقة بالآخر في "لوكا". وتحول الأسئلة المجردة إلى حكايات وصور وشخصيات يستطيع الطفل أن يعيش معها السؤال قبل أن يبحث عن إجابته. فالسينما هنا تخلق مساحةً للتفكير والدهشة، وتشارك الأسرة والمدرسة في تشكيل وعي الطفل بالعالم وبذاته وبالآخرين.


سبق توظيف الحكاية في طرح الأسئلة الفلسفية على الأطفال حضور هذه الأسئلة في الأفلام الموجهة إليهم. ففي سنة 1969، طوّر الفيلسوف الأمريكي ماثيو ليبمان رواية "هاري ستوتلماير ديسكوفري" (اكتشاف هاري ستوتلماير)  أداةً لتعليم الأطفال التفكير الفلسفي، واختبرها في صف ابتدائي سنة 1970، قبل صدور طبعتها الأولى سنة 1974. وتوسعت تجربة ليبمان لاحقاً إلى مشروع تربوي عُرف باسم "الفلسفة للأطفال"، يقوم على إثارة الأسئلة من خلال الحكاية بدل تقديم الفلسفة في صورة أفكار مجردة.

تؤدي السينما وظيفةً قريبةً بأدوات مختلفة، إذ تحوِّل الأسئلةَ الفلسفية إلى شخصيات وحكايات ومواقف يراها الطفل ويعيش صراعاتها، ثم تترك له مساحةً للتأمل والنقاش. وبهذا تجاوز حضور سينما الأطفال مجال الترفيه في كثير من التجارب، لتصبح وسيطاً تربوياً يشارك في تشكيل وعي الطفل. ويشير فاضل الكعبي، في كتابه "المداخل التربوية ومرتكزات التجانس المعرفي في ثقافة الأطفال" الصادر سنة 2020، إلى أن الاهتمام بهذا الدور صاحبه الاستثمار في إنتاج أفلام مخصصة للأطفال، وإنشاء استوديوهات ومؤسسات تعمل على تطويرها، فضلاً عن المهرجانات والجوائز المتخصصة التي أسهمت في ترسيخ مكانة سينما الطفل ثقافياً وتربوياً.

يفترض طرح هذه الأسئلة في سينما الأطفال قدرة الطفل على مواجهتها والتفكير فيها، وهو ما يلتقي مع اتجاهٍ فلسفي يرى أن رحلة الطفل مع الفلسفة تبدأ منذ دهشته الأولى بالعالم. ويرى أستاذ المنطق وفلسفة العلوم بجامعة عين شمس الدكتور حسين علي، في حديث للفراتس، أن الطفل يولد وفي داخله رغبة دائمة في السؤال والاكتشاف والدهشة، ويعد الأخيرة جوهر الفلسفة ذاتها. ويقول: "الفلسفة لا تحجر على الدهشة، والإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يندهش، حتى الملائكة لا تندهش". ومن هذا المنظور، لا ينبغي حظر الأسئلة الفلسفية أو كبتها، بل إفساح المجال للطفل كي يطرحها ويفكر فيها.

ولا يعني ذلك أن سينما الأطفال تحمل منظومةً واحدةً من القيم أو تقود إلى الإجابات نفسها، فهي تعكس أيضاً تصورات المجتمعات التي تنتجها وما يسود فيها من قيم وصراعات. ويقرأ عبد الفتاح نجله، في كتابه "الدراما علاج نفسي فعال للأطفال" الصادر سنة 2010، سلسلة الرسوم المتحركة "توم وجيري" نموذجاً لهذا التأثير، إذ يرى في المطاردات والصراع المتواصلين اللذين تقوم عليهما السلسلة تعبيراً عن رؤية اجتماعية وثقافية ترتبط بالمنافسة في المجتمع الأمريكي، ويعيد جذورها إلى المراحل الأولى من تاريخ الاستيطان الأوروبي في أمريكا. وبذلك لا يقتصر السؤال على قدرة السينما على دفع الطفل إلى التفكير، بل يمتد إلى طبيعة الأسئلة التي تضعها أمامه، والقيم والتصورات التي تقترحها لمعالجتها.


يحوّل فيلم "كوكو" الموت من حقيقةٍ يخشاها الطفل إلى سؤالٍ عن معنى الحياة وما يبقى من الإنسان بعد رحيله. فبدل أن يقدم إجابةً عما يحدث بعد الموت، يبني عالماً متخيّلاً يتيح للطفل التفكير في الفقد والغياب، وفي الروابط التي تصل الراحلين بالأحياء.

يحكي الفيلم قصة ميغيل، الطفل المكسيكي البالغ من العمر اثني عشر عاماً. يحلم ميغيل بأن يصبح موسيقياً، فيما تحظر عائلته الموسيقى منذ أن اعتقدت أن جدَّ جدته هجر أسرته سعياً وراء حلمه الفني. وفي يوم الموتى، يستعير ميغيل غيتاراً معلقاً في ضريح الموسيقي الشهير إرنستو دي لا كروز، فينتقل إلى عالم الموتى، حيث يلتقي أرواح أفراد عائلته. وهناك يصادق هيكتور قبل أن يعرف أنه جدُّه الأكبر. ويكتشف خلال رحلته أن هيكتور هو المؤلف الحقيقي للأغاني التي اشتهر بها إرنستو، وأن الأخير قتله حين قرر ترك حياة الترحال والعودة إلى أسرته، ثم سرق أغانيه ونسبها إلى نفسه. ويعيش هيكتور مهدداً بالاختفاء نهائياً من عالم الموتى إذا نسيه الأحياء، فيما تظل ابنته آخر من يحتفظ بذكراه. وتكشف الرحلة لميغيل حقيقة تاريخ أسرته والسر وراء تحريم الموسيقى فيها، فتتحول رحلة البحث عن حلمه الموسيقي إلى رحلة في الذاكرة والفقد والعائلة، وفي معنى بقاء الإنسان بعد موته.

يقدم الفيلم بذلك معالجةً للموت لا تبحث عن حقيقة العالم الآخر بقدر ما تتأمل علاقة الأحياء بمن رحلوا. وترى رئيسة قسم الفلسفة بكلية الآداب في جامعة المنوفية الدكتورة رضا خلاف، في حديثها للفراتس، أن العالم الآخر في "كوكو" ليس وصفاً لما بعد الموت بل فضاءً رمزياً يساعد الطفل على فهم الفقد والتعامل معه، وتستمر فيه صلات الذاكرة والمحبة، ويبقى من خلالهما أثر الإنسان في حياة من أحبوه.

ويصبح التذكر في هذه المعالجة وسيلةً لمقاومة الفناء، إذ يستمر الإنسان بما يتركه من قيم وأعمال وذكريات، وتغدو الذاكرة العائلية صورةً من صور الخلود الرمزي. وتقول خلاف: "لا تكمن قيمة الفيلم في تقديم إجابة نهائية عن الموت، بل في فتح باب التأمل في معنى الحياة وأهمية الروابط الإنسانية التي تتجاوز حدود الزمن والفناء".


يحوّل فيلم "تُرنينغ رِد" (التحول إلى الأحمر) أزمة المراهقة إلى سؤالٍ عن الهوية: من أنا؟ وهل تتحدد ذاتي بما يريده الآخرون، أم بما أختاره لنفسي؟ ويعالج الفيلم هذا السؤال من خلال الصراع بين الصورة التي تحاول البطلة أن ترضي بها أسرتها، والذات التي تبدأ في اكتشافها وقبولها.

تدور أحداث الفيلم حول ميلين مي، الفتاة البالغة من العمر ثلاثة عشر عاماً. تعيش البطلة في تورونتو مع والديها، وتحرص على التفوق في دراستها ومساعدة والدتها في رعاية معبد العائلة. وتنقلب حياتها حين تستيقظ ذات صباح لتجد نفسها تحولت إلى باندا حمراء عملاقة. وسرعان ما تكتشف أن نساء عائلتها يتوارثن هذا التحول، وأن طقساً قديماً يستطيع فصل الباندا عنها. وتستعد ميمي في البداية للخضوع للطقس والتخلص منها، قبل أن تكتشف تدريجياً أن ما اعتادت رؤيته لعنةً ينبغي إخفاؤها يمثل جزءاً من شخصيتها.

تجسد الباندا الصراع بين هوية ميمي كما تتشكل تحت نظرة الآخرين، وهويتها كما تبدأ هي في اكتشافها. فقد نشأت على السعي إلى إرضاء والدتها وتجسيد صورة الابنة المثالية المطيعة، ولذلك تستقبل تحولها بالخجل والخوف، وتسعى إلى إخفائه والتخلص منه. لكن قبول صديقاتها لها كما هي يغير علاقتها بالباندا، فلا تراها وحشاً يناقض شخصيتها، بل جزءاً منها. وينقل الفيلم بذلك السؤال من كيفية التخلص من التحول إلى ما إذا كان على ميمي أن تغير نفسها لتحظى بقبول الآخرين، أم تتعلم قبول ذاتها كما هي.

وتأتي إجابة الفيلم حين ترفض ميمي الطقس الذي يفصلها عن الباندا، وتختار الاحتفاظ بهذا الجزء من ذاتها. فلا يصبح قرارها مجرد تمرد على رغبة عائلتها، بل اختياراً لهوية لا تحددها الطاعة وحدها، وتصالحاً مع جوانب من شخصيتها تعلمت سابقاً الخوف منها وإخفاءها. ويقترح الفيلم بذلك قبول الذات طريقاً إلى بناء هوية مستقلة، فيحوّل قصة التحول الجسدي في مرحلة المراهقة إلى معالجة فلسفية للعلاقة بين الذات والاختيار ونظرة الآخرين.

ويمنح هذا الصراع الفلسفي الحكاية بعداً نفسياً يتصل بتشكل الوعي الذاتي لدى الطفل. ويرى الاختصاصي النفسي السوري براء الجمعة، في حديث للفراتس، أن مواجهة الشخصيات لمخاوفها وبحثها عن غايتها وقيمتها يقدمان للطفل نموذجاً يساعده على بناء وعيه بذاته، وإدراك أن قيمته الإنسانية تنبع من الداخل ومن علاقاته الإنسانية الحقيقية. ومن هذا المنظور، لا تقدم رحلة ميمي نموذجاً لقبول الذات فحسب، بل تدرب الطفل على مواجهة التغيير والتفكير في موقعه من الضغوط والتوقعات التي تحيط به.


ينقل فيلم "لوكا" السؤال من الذات إلى الآخر: لماذا نخشى المختلف، وكيف يمكن تجاوز الخوف منه؟ ويعالج الفيلم هذا السؤال من خلال عالمين متجاورين يفصل بينهما الخوف والجهل، حتى تصبح معرفة الآخر مدخلاً إلى هدم الصور المسبقة عنه.

تدور أحداث الفيلم حول لوكا باجورو، وهو مخلوق بحري صغير يعيش مع أسرته في أعماق البحر. تعلم لوكا أن البشر وحوش ينبغي الابتعاد عنها، فيما ينظر سكان مدينة بورتوروسو الإيطالية المطلة على البحر إلى المخلوقات البحرية بالخوف نفسه. ويتعرف لوكا إلى ألبرتو سكورفانو، الذي اعتاد الخروج إلى اليابسة، فيكتشف الصديقان أنهما يتحولان إلى هيئة بشرية حين يجف جسداهما. ويقودهما فضولهما إلى بورتوروسو، حيث يتعرفان إلى جوليا ماركوفالدو، ابنة صياد السمك، ويتشارك الثلاثة حلم الفوز بسباق البلدة. يخفي لوكا وألبرتو حقيقتهما عن سكانها خوفاً من اكتشاف أنهما مخلوقان بحريان.

يكشف الفيلم بذلك أن الخوف بين العالمين لا ينشأ من معرفة أحدهما بالآخر، بل من غياب هذه المعرفة. فلوكا الذي نشأ على تصور البشر وحوشاً يكتشف في جوليا طفلةً تشبهه في فضولها وأحلامها، ويتحول طموحه تدريجياً من شراء دراجة نارية والسفر حول العالم إلى الالتحاق بالمدرسة واكتشاف عالم أوسع. وحين يسأل جوليا: "هل تقبل المدرسة المختلفين؟"، يصبح الاختلاف سؤالاً يتجاوز العلاقة بين البشر والمخلوقات البحرية إلى الحق في التعلم والانتماء، ويكشف تحويل الخوف والإقصاء أبسط الحقوق إلى أحلام بعيدة المنال.

وتبلغ مواجهة الآخر ذروتها حين تنكشف حقيقة لوكا وألبرتو أمام سكان البلدة. فقد جسّد إركولي فيسكونتي، الفتى المتغطرس الذي يحتكر لقب السباق، العداء للمختلف، ودفع خوف الصديقين من أمثالهما إلى إخفاء هويتهما. لكن انكشافها في ساحة السباق يقلب العلاقة بين الطرفين: فما اعتبره سكان بورتوروسو وحوشاً مجهولة يصبح شخصيات عرفوها وشاركوها المنافسة والصداقة والأحلام. وبذلك يقترح الفيلم المعرفة والتجربة المشتركة طريقاً لتفكيك الخوف، وينقل قبول الآخر من قيمة أخلاقية مجردة إلى علاقة تنشأ حين يلتقي المختلفون ويتعرف بعضهم إلى بعض.

يبني هذا التصور التعايش على الانفتاح على الاختلاف بدل الخوف منه وإقصائه. وتلتقي هذه الرؤية مع فلسفة "المجتمع المفتوح" لدى كارل بوبر، من جهة رفض الانغلاق الذي يحصّن الجماعة من المختلف، وفتح المجال لتعدد الخبرات والأفكار داخل المجتمع. وفي "لوكا"، يبدأ هذا المجتمع في التشكل حين يتوقف سكان البلدة عن رؤية المختلف تهديداً، ويكتشفون أن العالم الذي خشوه يستطيع أن يصبح جزءاً من عالمهم.


تبدو قدرة سينما الأطفال على فتح هذه المساحات للتفكير أكثر أهمية في العالم العربي، حيث لا تقابلها صناعة سينمائية موجهة للصغار. ويرى المخرج أمير رمسيس، في حديث للفراتس، أن معظم الأفلام المصرية تستهدف الشريحة العمرية بين السادسة عشرة والرابعة والعشرين، لأن الصناعة تخاطب الجمهور الذي يرتاد دور السينما، بلا سعيٍ كافٍ إلى توسيع هذه القاعدة. ويعزو ندرة الأفلام المخصصة للأطفال إلى الاعتبارات التجارية التي تحكم قرارات الإنتاج والتوزيع. ويضيف فهيم مصطفى، في كتابه "الطفل والخدمات الثقافية: رؤية عصرية لتثقيف الطفل العربي" الصادر سنة 2008، صعوبة التسويق ونقص التمويل وقلة أماكن العرض إلى المعوقات التي تواجه إنتاج أفلام الأطفال عربياً. وهكذا لا يتعلق السؤال بقدرة السينما على مخاطبة الطفل وحدها، بل بوجود صناعة ترى فيه جمهوراً يستحق أن تخاطبه.

وتكشف الأفلام الثلاثة ما يمكن أن تمنحه هذه السينما للطفل حين تعتبره قادراً على السؤال والتفكير. يأخذ "كوكو" سؤال الموت إلى الذاكرة، ويبحث في استمرار الإنسان من خلال أثره في حياة من أحبوه. ويحوّل "تُرنينغ رِد" سؤال الهوية إلى مواجهة بين توقعات الآخرين واختيار الذات، بينما ينقل "لوكا" الخوف من المختلف إلى تجربة في المعرفة والتعارف. ولا يقدم أي منها درساً فلسفياً بالمعنى التقليدي، بل يضع الطفل داخل الحكاية، ويمنحه شخصيات تعيش السؤال وتجرب إجابات ممكنة عنه.

وهنا تكمن إحدى قدرات سينما الأطفال: أن تمنح الأسئلة الفلسفية حياةً خارج كتب الفلسفة وقاعات الدرس. فالموت يصبح رحلة ميغيل بين عالمين، والهوية تتحول مع ميمي إلى باندا حمراء تخشاها ثم تتصالح معها، والاختلاف يأخذ في «لوكا» صورة عالمين يتخيل كل منهما الآخر وحشاً قبل أن يلتقيا. ولا تنتهي قيمة هذه الحكايات بالإجابات التي تقترحها، بل بالأسئلة التي تتركها مفتوحة أمام الطفل: ماذا يبقى منا بعد الموت؟ من يحدد ما نحن عليه؟ ولماذا نخشى المختلف؟ وحين تمنح السينما الطفل مساحةً لمواجهة هذه الأسئلة، تصبح الحكاية نفسها طريقاً إلى التفلسف.

اشترك في نشرتنا البريدية