قرأتُ الجملة ثانيةً، أعلّل خاطري قائلةً لعلّه يقصد جدته لأمّه. كنتُ أعلم أن أمي مريضةٌ، وأستطلع أخبارها مع إخوتي يوماً بيومٍ، لكنني لم أتوقع أن أقرأ خبر نعيها على شاشة هاتفي. اتصلتُ بهم فأيقنتُ الخبر: لقد ماتت أمي.
سألتُ عما حدث في ساعاتها الأخيرة، ثم عدتُ إلى الأيام السابقة: لماذا لم يأخذوها إلى الطبيب؟ هل تأخروا في طلب المساعدة؟ وقد سمعتُ منهم أخبار مرضها طيلة تلك الفترة. ومع ذلك أخذتُ أراجع ما فعلوه، قراراً بعد آخر. احتدّ النقاش، وفي نهاية المكالمة حمّلتُهم مسؤولية موتها. ظللتُ أبحث عن لحظةٍ وعن احتمالٍ واحدٍ تبقى فيه أمي على قيد الحياة.
كنتُ بعيدةً، وكان إخوتي أقرب مني إلى تفاصيل ما جرى في أيامها الأخيرة. منحني لومهم وجهةً أصبّ فيها ألماً لم أجد سبيلاً لاحتماله، ما جعل الفقدَ يبدو عارضاً كان تجنّبه ممكناً.
تتردد في السينما أصداء سَورة الغضب التي استبدّت بي بعد وفاة أمي، في حكاياتٍ تتباين فيها نوازع اللوم والبحث عن المذنب وعواقبهما. ففي فيلم "ذا سويت هيرأفتر" (الآخرة السعيدة)، يبحث آباءٌ وأمهاتٌ ثكالى عمّن يتحمل مسؤولية موت أولادهم في حادث. وفي "ميستك ريفر" (نهر ميستك)، يسوق الغضب أباً إلى قتل رجلٍ ظنَّه قاتلَ ابنته. وأما في "رابيت هول" (جحر الأرنب)، تقترب أمٌ فقدت طفلها من الشاب الذي دهسه بسيارته، بحثاً عن إجابةٍ لما حدث. وفي السينما المصرية أيضاً يدفع موتُ الأب بطلَ فيلم "تراب الماس" إلى البحث عما تخفيه الرواية الرسمية، فيما يتراكم الفقد داخل بطلة فيلم "بعلم الوصول"، ليتحول إلى عزلةٍ واكتئاب. وبين البحث عن ملومٍ والاحتجاج على غياب من لا يمكن استعادته، والسؤال أين الله من الفقد، يبرز سؤالٌ عما يعتمل في النفس حين يحاول المفجوع فهم خسارته ومغالبة لوعة الفقد.
ومن هذه المساحة بين الفقد ومحاولة العودة إلى ما سبقه، ينطلق فيلم "ذا سويت هير أفتر" (الآخرة السعيدة)، المقتبس من روايةٍ بالاسم نفسه أصدرها الكاتب الأمريكي راسل بانكس سنة 1991. فيه ينقل المخرج الكندي آتوم إيغويان حكاية الفقد إلى بلدة سام دنت المتخيَّلة. عُرض الفيلم سنة 1997، وحظي بتقدير نقاد السينما، فنال الجائزة الكبرى وجائزة الاتحاد الدولي للنقاد في مهرجان كان في السنة نفسها.
تبدأ الحكاية بسقوط حافلةٍ مدرسيةٍ في بحيرةٍ متجمدةٍ، فيموت أربعة عشر طفلاً من بلدةٍ صغيرة. يأتي محامٍ بعد الحادث ويعرض على أسرهم رفع دعوى لتحديد الجهة المسؤولة عن الحادث. يوافق بعض الأهالي ويرفض آخرون. وينحرف حزن الأهالي على فقد أطفالهم إلى غضبٍ وبحثٍ عن الملوم.
يأخذ الفيلم هذا الغضب إلى المجال العام بين شهاداتٍ ومحامٍ ودعوى قضائية. تمنح الدعوى هذا الغضب لساناً ويدين، فتجمع الشهادات وتفحص القرارات التي سبقت الحادث، وتسمّى جهاتٌ يمكن مساءلتها. احتمالُ وجود خطأٍ بشريٍ أثار لدى بعض الأهالي وهماً بإمكان درء موت أطفالهم.
ما ظل قائماً هو أن الأطفال خرجوا في الصباح من بيوتهم كالمعتاد لكنهم لم يعودوا، فانقطع فجأةً نمطٌ يوميٌ كان يُرجى دوامُه، وبقي كلّ ما كان منتظراً معلقاً: لقاء الأهل ووجبة العشاء ومقاعدهم حول المائدة.
كان لي أيضاً مستقبلٌ متخيّلٌ مع أمي. ومثل أهالي الفيلم، اصطدم رجاؤنا بمُرّ الواقع. عرفتُ قبل وفاتها بشهرين أنها سقطت فتعسرت حركتها. كانت في الستينات من عمرها، وكنت أسمع أخبار حالتها من إخوتي وأفهم أن تعافيها ليس بالهيّن. ومع ذلك، ظللتُ أتصور أن في الأجل متسعاً لزيارةٍ أخرى. وفي ذهني كانت خطةٌ واحدة: زيارةٌ قريبةٌ إلى مصر أرى فيها أمي وربما أودعها.
بهذا لم أترك مجالاً لاحتمال أن ترحل قبل أن أصل. بل في بعض الأيام، كنتُ أذهب إلى ما هو أبعد من تلك الزيارة، فأتخيل أن تتحسن صحتها ونتذكر معاً أيام مرضها، ثم نجتمع للاحتفال بعيد ميلاد ابني أو بزواج أحد أبناء إخوتي.
إثر خبر الوفاة انهار ترتيب الأحداث الذي نسجه خيالي، وامتد ذلك إلى تفاصيل يومي. كنتُ أتحدث إلى أمي عبر الفيديو يومياً. وفي نمطٍ مشابهٍ في "ذا سويت هيرأفتر"، اعتاد بيلي أن يقود سيارته خلف حافلة المدرسة، ملوحاً لطفليه الجالسين في الخلف. فعل ذلك صباح الحادث ورأى الحافلة تنحرف عن الطريق وتسقط في البحيرة، وانتهى حينئذٍ موعده اليومي مع طفليه.
لكن تحديد المسؤول، إن وُجد، لا يعيد نظام اليوم الذي انقطع. وهنا يصوّر الفيلم كيف يجد الغضب طريقاً إلى الكلام والفعل أسرعَ من الحزن، فيقول المحامي للأهالي إنه يستطيع تمثيل غضبهم في دعوى قضائيةٍ، ثم يحول أسئلتهم إلى بحثٍ في سلامة الحافلة والطريق والمسؤولية عن الحادث، وكأن معرفة السبب ستخفف وقع الوفاة. وبالمقارنة، حلّ غضبي محلّ حزني، وبدأتُ أسأل إخوتي عما فعلوه، للبحث عن قرارٍ ضيّعه أحدهم.
ويتخذ نطاق البحث عن المسؤولية شكلاً آخر داخل أسرةٍ واحدةٍ في فيلم "رابيت هول" (جحر الأرنب) للمخرج جون كاميرون ميتشل، والمقتبس من مسرحيةٍ بالاسم نفسه للكاتب ديفيد ليندسي أباير عُرضت سنة 2006. ففي الفيلم المُنتج سنة 2010، يركض داني ابن بيكا وهاوي الصغير، إلى الشارع خلف كلبه، فتصدمه سيارةٌ يقودها مراهقٌ يُدعى جيسون. يعرف الأبوان كيف وقع الحادث، لكنهما يعودان مراراً إلى التفاصيل التي سبقته. تتردد الملامة بين السائق جيسون والبوابة التي بقيت مفتوحةً، واللحظة التي غاب فيها داني عن نظر أمه.
وبالمثل، ظلت ساعات والدة صديقتي الأخيرة تشغل حديثنا بعد وفاتها. راجعنا ما عرفناه عن علاجها في المستشفى من موعد نقل الدم، والرعاية التي تلقتها والقرارات التي اتُّخذت بعدما تدهورت حالتها، وقد بدا لنا أحياناً أن أحداً قصّر. وفي "رابيت هول"، تلتقي بيكا بجيسون، أقرب الأشخاص إلى لحظة موت ابنها، وتسمع منه أنه ربما كان يقود أسرع قليلاً من الحدّ المباح، وأن النفس اللوامة لا تنفكّ عنه. تنتقل بيكا من الغضب للحزن وتخبره أنها لا تلومه، ثم تنتحب على رحيل ابنها أول مرةٍ منذ بداية الفيلم. ربما فتح لها اعترافه بالمسؤولية باباً من الراحة وخفّف من حاجتها إلى عذله. أما أنا وصديقتي، فلم نصل إلى يقينٍ كهذا بشأن المستشفى، وما برحنا نخوض في احتمال التقصير، دون أن نجد عليه برهاناً.
لكن الريبة قد تفضي إلى مآلٍ مختلفٍ، وضمن هذا الواقع يسلك الغضب طريقاً معاكساً. وهذا ما يحدث في فيلم "ميستك ريفر" (نهر ميستك) سنة 2003، الذي أخرجه الممثل الأمريكي كلينت إيستوود مقتبساً من روايةٍ لدينيس ليهان نُشرت سنة 2001. إذ يحاول جيمي بعد مقتل ابنته كاتي أن يسبق الشرطة إلى قاتلها. يقع شكّ جيمي على صديق طفولته ديف، بعدما عاد إلى منزله ليلة مقتل كاتي ملطخاً بالدماء. يواجهه جيمي وينتزع منه اعترافاً تحت التهديد، ثم يقتله. وبعد ساعاتٍ، يَبلغه أن الشرطة توصلت إلى قاتلَيْ ابنته الحقيقيَّين. بهذا حسم جيمي الجريمة في ذهنه قبل أن تُحسم في التحقيق.
وأنا أيضاً بحثت عن المسؤول قبل أن أعرف كل ما حدث. أتذكّر جيمي وأنا أستعيد المكالمة التي تشاجرتُ فيها مع إخوتي. كنتُ بعيدةً عن أمي أتابع تطورات حالتها عبر الهاتف، فيما كانوا هم إلى جوارها يرون ما لم أره ويتخذون القرارات وأنا بمعزلٍ عنهم، ومع ذلك جزمتُ بأنهم السبب.
كم نظنّ أحياناً أن الحزن يُبَثّ في البكاء، لكن العجز أمام موت من نحبّ قد يخرج منا غضباً قبل الدموع. نفتّش عن تصرّفٍ متأخرٍ أو قرارٍ كان يمكن اتخاذه. ونضع الأسئلة والاتهامات بدل الدموع، في وجه من بقوا معنا.
في "تراب الماس"، الفيلم الذي أخرجه مروان حامد سنة 2018 عن رواية الكاتب أحمد مراد المنشورة سنة 2010، يعيش طه الزهار حياةً هادئةً مع والده حسين الذي يتحرك بمقعدٍ ذي عجلات. يعود طه ذات يومٍ ليجد أباه مقتولاً، ثم يُعتدَى عليه هو أيضاً. ومن ساعتها يصبح العثور على القاتل شاغله، فيستبطن ما جرى في البيت، ويتتبع مَن يشتبه في ضلوعهم. يمنحه البحث شيئاً يفعله في مواجهة فقد أبيه، ويجد في غضبه وجهةً له.
لكن عثوره على مذكرات والده يفتح أمامه نافذةً إلى حياة حسين لم يعرفها من قبل، فتتجاوز أسئلته هوية القاتل إلى حقيقة الرجل الذي فقده. فقد وجد أن حسين كان يستخدم مسحوقاً ساماً لقتل أشخاصٍ يراهم فاسدين، مقتنعاً أنهم لن يُحاسبوا. ويكتشف أن الجريمة مرتبطةٌ بعالمٍ من المصالح والعنف كان حسين جزءاً منه، فيقف في الوقت نفسه بين خسارته أباه ومراجعة صورته عنه.
هنا ساقت المذكراتُ غضبَ طه باتجاهٍ آخر. فهو يريد الانتقام ممن تسببوا في موت حسين، لكنه يجد أيضاً في طريقة والده نموذجاً جاهزاً للعقاب. وعندما يستخدم المادة السامة بنفسه، تتجاوز أفعالُه ملاحقة قاتل الأب إلى مواصلة المهمة التي اعتقد حسين أنه يؤديها.
يظل الفقد في أصل هذه الرحلة، فموت الأب هو ما حثّ طه على البحث، ثم صار الاقتداء به إحدى الطرق التي يُحْيِي بها صلتهما. يظل مشغولاً بمن ينبغي أن يدفع الثمن، مع أن هذا العقاب لن يعيد الرجلَ الذي يبحث عنه. ولا ينتهي الفيلم عند معرفة من قتل حسين. فقد تحول غضبُ طه الذي بدأ بردّ فعلٍ على موت شخصٍ واحدٍ، إلى قناعةٍ باستحقاقه تحديد المذنبين ومعاقبتهم.
وقد وصف الناقد محمود عبد الشكور في مقالٍ بجريدة الشروق بعنوان "فيلم تراب الماس.. رؤية كابوسية للفساد" سنة 2018، هذا المسار بأنه صورةٌ عن العدالة الفردية، عندما يباشر الشخص تحديد المذنب وعقابه. وهنا قد يعثر المفجوع على من تسبّب في الموت، ثم يواصل البحث عن مذنبين أو مسؤولين آخرين، لأن القصاص الأول لا ينهي حزنه.
أما في فيلم "بعلم الوصول"، الذي كتبه وأخرجه هشام صقر، تمضي هالة أعواماً بعد وفاة والدها. كان قد علّمها الرسم، ثم أصيب بالسرطان ومات وهي في السابعة عشرة. تركت الرسم وعاشت فترةً من الاكتئاب، قبل أن تتزوج وتنجب طفلة. لكن الفقد القديم يعود بثقله حين يسجن زوجها بسبب مشكلةٍ في عمله، فتُفرض عليها رعاية ابنتها ومواجهة أعباء الحياة وحدها.
عُرض الفيلم في عدة مهرجاناتٍ سنة 2019، ثم وصل إلى دور السينما المصرية في السنة التالية. لا تجد هالة مَن تحمّله المسؤولية عن وفاة أبيها، ولا تبحث عن الجاني مثلما فعل طه، لكن غضبها يظهر في علاقتها بمن حولها فتصعب عليها تلبية احتياجاتهم. حتى عندما تحاول جارتها منى، التي ساندتها في أزماتها، الاتكاءَ عليها بعد وفاة والدها هي الأخرى، تنشغل هالة عنها. وحين تذهب منى لزيارة هالة، تلقى عتاباً قاسياً. في هذا اللقاء، يخرج ما ظل حبيساً، فكلتاهما فقدت أباها واحتاجت إلى الأخرى، وكلتاهما شعرت في لحظةٍ ما أنها تُركت وحيدة.
لم أصل في وفاة أمي إلى اليقين الذي وصل إليه طه بشأن قاتل أبيه. وكذلك لم تصل صديقتي إلى يقينٍ بشأن احتمال تقصير المستشفى في رعاية أمها. بقيت المسؤولية في الحالتين احتمالاً نعود إليه دون أن نستطيع البتّ فيه. أما هالة، فلم يكن لديها أصلاً شخصٌ أو قرارٌ تعلّق عليه مسؤولية موت أبيها، فتسرّب الغضب إلى علاقاتها بمحيطها. وتجعلني تجربتها أرى غضبي من إخوتي، وأسئلة صديقتي عن المستشفى، من زاويةٍ أخرى: فالغضب لا يحتاج دائماً إلى مسؤوليةٍ محسومةٍ كي يجد شخصاً يتجه إليه. وقد يصبح من بقي حول المفجوع جزءاً من غضبه، حتى حين تبقى علاقته بالخسارة موضع شكّ.
وفي دراسةٍ نشرتها عالمة النفس الأمريكية جولي إكسلاين وآخرون سنة 2011 بعنوان "أنغر تُوورد غاد [. . .]" (الغضب من الربّ [. . .])، تناول الباحثون السخط من الربّ بأن يُنسَب إليه الأذى والشعور بالقسوة الواقعة على الشخص، وصعوبة العثور على معنىً لما حدث. فيخسر الإنسان أحداً يحبّه، وتهتزّ ثقته في من اعتقد فيه ملاذَه الآمن.
لكن في المقابل، قد يساعد الإيمان على تحمل الخسارة عندما يضفي المعنى على الموت والصبر ويُطمْئن المرءَ بأنه لم يُترك وحيداً. وهو ما يشير إليه كلٌّ من المختصة بعلم نفس الدين ميليسا كيلي والباحث في العمل الاجتماعي كيث تشان سنة 2012، في دراسةٍ عنوانها "أسيسينغ ذا رول أوف أتاتشمنت [. . .]" (تقييم دور التعلّق بالربّ [. . .]) شملت ثلاثة وتسعين شخصاً فقدوا عزيزاً خلال عامٍ واحد. ووجدا أن العلاقة الأكثر أماناً بالربّ ارتبطت بانخفاض الحزن والاكتئاب، وبنموٍّ نفسيٍ أكبر بعد المحنة.
تسبغ السينما على هذا العتاب صوراً تتجاوز الفصل بين الإيمان ورفضه. ففي فيلم "ذا تري أوف لايف" (شجرة الحياة) للمخرج الأمريكي تيرينس ماليك سنة 2011، تتلقى أمٌّ خبر وفاة ابنها فتخاطب الله محاولةً فهم سبب فقده. كانت تؤمن برحمته لكن موت الابن هزّ هذه الثقة، وجعل الدعاء يحمل عتاباً للإله إلى جانب الرجاء. يبدأ الفيلم باقتباسٍ من سفر أيوب في الإنجيل، الذي يتناول معاناة الإنسان الصالح، ثم ينتقل من حزن الأسرة إلى مشاهد نشأة الكون والحياة. لكن هذه المشاهد لا تفسر موت الابن. وظلّت شكوى الأم دون جوابٍ مباشر. وفي النهاية قالت الأم: "أمنحك ابني" أملاً في قبول رحيله بعدما لم تجد تفسيراً له.
ويأخذ اجتماع الغضب والإيمان صورةً أعنف في فيلم "ذا فيرجن سبرينغ" (ينبوع العذراء) للمخرج السويدي إنغمار بيرغمان سنة 1960، إذ يقتل أبٌ بيديه الرجالَ الذين اغتصبوا ابنته وقتلوها. ثم يقف أمام جثمانها ويعاتب الربَّ لأنه سمح بمقتلها، ويلتمس منه المغفرة على انتقامه، ويتعهد ببناء كنيسةٍ حيث ماتت ابنته. يجتمع في موقفه السخط على الربّ واللجوء إليه، فهو لا يفهم لماذا وقعت المصيبة، لكنه يستعين بإيمانه ليواجه الفقد.
وقد يستنكر المرءُ التفسيرَ الديني الذي يحاول مواساته. ففي فيلم "ذا سنز روم" (غرفة الابن) للمخرج الإيطالي ناني موريتي سنة 2001، يفقد المحلل النفسي جيوفاني ابنه أندريا في حادث غوص. وعندما يتحدث القس في الكنيسة عن حكمة الله وتدبيره يشعر الأب بالغضب ويغادر الكنيسة. فالكلام الجدير بتخفيف حزنه لا يساعده على فهم موت ابنه، ويصعب عليه قبول الخسارة جزءاً من حكمةٍ إلهية.
ومع اختلاف التجارب في السينما أو على أرض الواقع واختلاف شكل وطريقة التعبير عن الغضب، إلا أن التجارب جميعها تحمل صعوبة التعامل مع حزنٍ لا يجد طريقاً واضحاً، فيخرج الغضب مرةً في شعورٍ يعقبه الذنب، ومرةً في مسافةٍ تتسع بين المفجوع وأقرب الناس إليه.
أما أنا، فلم أغضب من الله بعد وفاة أمي، بل غضبتُ من إخوتي. لكنني أدرك الآن أن غضبي لم يكن كله سؤالاً عما فعلوه في أيامها الأخيرة فحسب. فقد كان فيه أيضاً احتجاجٌ على ما آلت إليه: أن أمي ماتت قبل أن أراها مرةً أخرى، وأن الحياة لم تَسِر كما كنت أرجوها يوماً بيوم. وربما لهذا لم يكن حسم مسؤولية إخوتي كافياً لإنهاء سَورة الغضب، فبعضُها لم تكن بحثاً عن ملومٍ بقدر ما كانت رفضاً لما حدث.
بدأت الدراسات السريرية المنهجية لاستجابات الفقد سنة 1944. وفي تلك السنة نشر الطبيب إريش ليندمان ورقته البحثية "سيبتوماتولوجي آند مانجمنت [. . .]" (أعراض الحزن الحاد وطرق التعامل معه)، استناداً إلى ملاحظاته السريرية للناجين من حريق ملهى "كوكونت غروف" في بوسطن سنة 1942 وأودى بحياة 492 شخصاً. وقد كتب وصفاً تفصيلياً لأعراض الحزن، شمل الضيق الجسدي والانشغال بصورة المتوفى والشعور بالذنب والعدائية، بما فيها سرعة الاستثارة والغضب من الآخرين، واضطراب أنماط السلوك المعتادة. وبدا أن هذا الوصف المبكر قد وضع العدائية داخل تجربة الحزن، وليس شعوراً منفصلاً عنها.
لكن الغضب الذي رصده ليندمان لا يتخذ الصورة نفسها لدى جميع المفجوعين، إذ تتداخل معه ظروف الوفاة وطبيعة العلاقة بالمتوفى، وما قد يخلّفه رحيله من أوطارٍ لم تُقضَ. وهذا ما يشير له كتاب "بِريفمنت [. . .]" (الفقد: الاستجابات والعواقب والرعاية)، الذي أشرفت على تحريره الباحثة في مجالات الصحة النفسية ماريان أوسترويس وآخرون، الصادر سنة 1984. بحسب الكتاب، تمنح معرفة دنوّ أجلِ المرء لذويه فرصةً لاستيعاب ما ينتظرهم وتسوية أيّ خلافاتٍ عالقةٍ معه، بما قد يخفّف بعض الشجن والذنب بعد رحيله.
ومع ذلك، تظل معرفة اقتراب الوفاة موضع خلافٍ بين الباحثين، فقد تتيح الاستعداد للفراق أو ازدياد التعلق بالمحتضر. وحين توافيه المنية قد تكون أول استجابةٍ صدمةً وتكذيباً للحقيقة، ثم تظهر مشاعر الغضب ضمن استجاباتٍ تتداخل فيها آلام الغياب مع الاشتياق والقلق والشعور بالذنب. وتتغير هذه المشاعر وتتكرر بدرجاتٍ متفاوتةٍ دون ترتيبٍ ثابتٍ ولا توقيتٍ واحدٍ يشترك فيه جميع المفجوعين. ويمكن أن يبدو الشخص متماسكاً، فيما تكشف تصرفاته، كالغضب، عن صعوبة التكيف مع الغياب.
وتدخل العلاقة السابقة بالمتوفى في تشكيل هذه المشاعر. فقد يجتمع الاشتياق إليه مع غضبٍ قديمٍ أو ندمٍ على صدعٍ لم يُرأَب. ويعرض الكتاب ملاحظاتٍ سريريةً تشير إلى أن استمرار التعلق مع وجود مشاعر عدائيةٍ، قد يعقّد تجربة الفقد، فتبقى الحاجة إلى الشخص قائمةً، في حين تستعصي المصالحة معه أو الإفصاح له عما في الصدر. وقد يتداخل الغضب عندئذٍ مع تقريع الذات والشعور بالذنب، خصوصاً عندما يحمّل الشخصُ نفسَه مسؤولية الموت، فيجتمع الغضب مع الإحساس بالذنب.
يشير الكتاب أيضاً إلى أن التكيف مع الفقد لا يعد شكلاً من أشكال انتهاء الألم، فاستعادة القدرة على المشاركة في الحياة قد تتزامن مع بقاء الحزن وعودته في المناسبات والذكريات. وهنا يمكن فهم تراجع الغضب على أنه تغيرٌ في طريقة العيش مع الفقد، دون افتراض زوال الألم.
ومثلما يتبين في الأعمال الفنية، فإن الغضب الذي تشكّله ظروف الوفاة وما يبقى عالقاً من مشاعر قد يتغير في وجهته وحدّته، دون أن ينتهي الحزن الذي يصاحبه. ففي "ذا سويت هير آفتر" يمنح مسار الدعوى القضائية أُسرَ الأطفال مساحةً لتوجيه الألم إلى التفتيش عن المسؤولية عن الحادث، لكنه لا يضمن اتفاقهم على معنى ما حدث أو ما ينتظرونه من المحاسبة. وفي "ميستيك ريفر"، يتحول غضب جيمي بعد مقتل ابنته إلى يقينٍ متعجلٍ بمسؤولية ديف، فيقتله ظلماً. يكشف اختلاف المسارين عن المسافة بين طلب التحقيق في المسؤولية وبين حسم الاتهام قبل التحقق منه. ويقدم فيلم "رابيت هول" مساحةً لقراءة هذا التغير. فلقاء بيكا مع جيسون يتيح لها رؤية شخصٍ يحمل أثر الحادث بدوره، بعد أن ارتبط في حياتها بموت الطفل. ويمكن قراءةُ اقترابها منه تغيراً في علاقتها بمن ارتبط بالفقد، مع استمرار حزنها على ابنها.
كذلك تكشف هذه الحكايات، كلٌّ بطريقتها، أن الغضب والبحث عن المسؤولية يرتبطان أيضاً بمحاولة المفجوع فهم ما حدث واستيعاب خسارته. لهذا امتد البحث النفسي في العلاقة بين الغضب والحزن إلى الدور الذي يؤديه فهم الفقد وإعادة بناء المعنى بعده. ففي دراسةٍ عنوانها "كونتينوينغ بوندز [. . .]" (الروابط المستمرة وإعادة بناء المعنى [. . .]) نشرت سنة 2006 وشملت خمسمئةٍ وستةً من البالغين الشباب في العامين الأولين بعد وفاة عزيزٍ، وُجد أن استمرار التعلق القوي بالمتوفى مرتبطٌ بالغضب عندما يتعذر على المفجوع استيعاب الخسارة. فقد تصبح محاولة تفسير ما حدث جزءاً من تجربة الحزن، وتدخل فيها هواجس المسؤولية وما كان يمكن فعله لتجنب الوفاة.
وفي تجربة صديقتي، ارتبط البحث عن تفسيرٍ لوفاة أمها في المستشفى بما اشتبهت فيه من إهمالٍ طبيٍ، فانصبّ اهتمامها على تفاصيل الرعاية والقرارات التي سبقت الوفاة وإمكانية إنقاذ الأم. وأصبح استيعاب الفقد متداخلاً مع محاولة تحديد ما حدث ومن يتحمل مسؤوليته. وحتى إذا أمكن الوصول إلى تفسيرٍ للوفاة، فإن غياب الأم مستمرٌ في حياتها، لأن معرفة أسباب الموت لا تكفي وحدها لاستيعاب الخسارة والعيش معها.
وإذا كان تعذّر استيعاب الخسارة يساعد على تفسير استمرار الغضب، فإن نظرية التعلق التي أسّسها عالم النفس البريطاني جون بولبي تقدم تفسيراً آخر لظهور هذا الغضب والجهات التي قد يتوجه إليها. وتنطلق النظرية من ميل الأطفال إلى التعلق بمن يحنون عليهم بالرعاية والأمان.
يشرح بولبي أن حزن الفقد ينشأ عن استثارة نظام التعلق إلى أقصاه في مواجهة انفصالٍ لا رجعةَ فيه. وهنا لا يكون الغضب في الحزن مرحلةً مستقلةً، بل جزءاً أصيلاً من الاحتجاج على الفراق. فمبتغى الغضب أصلاً توبيخ المفارق حتى لا يكرّر رحيله، وحين يكون الفراق موتاً يفقد هذا الغضب غايته فيبحث عن أهدافٍ بديلةٍ، مثل الأطباء أو الأقارب أو الذات أو المتوفَّى نفسه.
استمرار الحاجة إلى المتوفى، رغم استحالة عودته، يقرّب فهمَ الغضب الذي يصفه بولبي، وما يخلّفه الفراق من فراغٍ في الحياة اليومية. ففي تجربتي كان حضور أمي مستمراً عبر المكالمات رغم المسافة، ولذلك أفضى فقدها إلى اختفاء هذا التواصل المعتاد، إلى جانب فقدها شخصاً. وفي فيلم "بعلم الوصول"، يمكن قراءة انغلاق هالة على نفسها في ضوء وفاة أبيها واستمرار حاجتها إلى العلاقة التي فقدتها، مع مراعاة أزمتها النفسية الواسعة. ينظر الفيلم إلى الألم عندما يتجه إلى الداخل ويضيق الصلة بالعالم.
وبين البحث عن ملومٍ، والاحتجاج على الغياب، ومحاولة فهم ما كان يمكن حدوثه باختلافٍ، فإن الغضب لا يعني أنه مرحلةٌ ثابتةٌ يمرّ بها كلّ مفجوعٍ بالطريقة نفسها. وهذا ما اختبره ثلاثة باحثين في علم النفس في دراسةٍ بعنوان "أن إمبيريكال إغزامينيشن [. . .]" (فحص تجريبي لنظرية مراحل الحزن) منشورة سنة 2007. تابعت الدراسة 233 شخصاً خلال فترةٍ تتراوح بين شهرٍ وعامين بعد وفاة عزيزٍ وفاةً طبيعية. وقاسوا خمسة مؤشرات: الإنكار، والاشتياق، والغضب، والاكتئاب، وتقبّل الوفاة. وأظهرت النتائج أن للغضب مساراً زمنياً في تجربة الحزن، ففي النماذج الإحصائية ارتفع من الشهر الأول حتى بلغ ذروته بعد نحو خمسة أشهرٍ، ثم أخذ في الانخفاض حتى نهاية مدة الدراسة. ولكن غضبي لم ينتهِ بعد.

