لكن هذه المهمة لم تستمر طويلاً. فبعد نحو شهرين، أُمِرَ إبراهيمُ، (اسم مستعار لدواعٍ أمنية) بوقف التحقيقات وإعادة جميع الموظفين إلى أعمالهم. امتثل للقرار، لكنه لم يتخلَّ عن قناعته بضرورة محاسبتهم، فاتفق مع زملاء يصفهم بأنهم من "أبناء الثورة" على التضييق على موظفين يصنفهم ضمن "الفلول"، بالتأثير في صلاحياتهم وفرصهم المهنية داخل المؤسسة.
لا تنفصل تجربة إبراهيم عن إرث ثقيل حمله السوريون معهم إلى حياتهم اليومية ما بعد الأسد. فقد خلّفت سنواتُ الصراعِ في سوريا خساراتٍ يصعب تجاوزها بمجرد طي الماضي، وانقسم المجتمع إلى من كان "مع النظام" ومن "كان ضده". وقد تسرب هذا الانقسام إلى المؤسسات العامة وبيئات العمل مع ما يحمله من عداوات ومشاحنات. مع ذلك، اتسم ملف العدالة الانتقالية بتضييق نطاق المحاسبة بحجة أولوية السلم الأهلي وظهر هذا النهج في المؤسسات، فغابت السياسات العامة للتعامل مع تركة النظام. ولسد الفراغ، نشأت تحالفاتٌ غير رسمية بين الموظفين من الخلفيات المعارضة النظامَ السابق لمحاسبة من كان لهم ارتباط سابق مع نظام الأسد، دون تأطيرٍ واضح.
لكن سقوط النظام نقل هذه المطالب من نشاط حقوقي يسعى إلى مساءلة سلطة قائمة، إلى ملف بات على السلطة الجديدة أن تتعامل معه من موقع الحكم. وفي الأشهر الأولى من حكمها، بدأت تتضح ملامح توجه السلطة الجديدة نحو إعطاء الأولوية للسلم الأهلي في معالجة هذا الملف.
ففي مقابلة نشرها صانع المحتوى الأردني جو حطاب على يوتيوب في يناير سنة 2025، تحدث الرئيس السوري أحمد الشرع عن شعار "نصر لا ثأر فيه". ودعا إلى بناء الثقة بين السوريين وإحالة الانتهاكات التي تستوجب المحاسبة إلى القضاء. جمع خطابُه بين تجنب الانتقام الفردي وملاحقة المسؤولين عن الجرائم.
ثم في يونيو سنة 2025، عرض حسن صوفان، عضو اللجنة العليا للحفاظ على السلم الأهلي - التي شُكّلت بقرار رئاسي في مارس من العام نفسه عقب أحداث العنف في الساحل السوري - تصوراً يركز المحاسبة على كبار المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات الجسيمة. وقد أكد أنّ العدالة الانتقالية لا تعني محاسبة كل من خدم النظام السابق، وحذر من التعجل في تطبيق العدالة أو تنفيذها فردياً وما قد يفضي إليه ذلك من فوضى وإضعاف للدولة. وانطلاقاً من هذا التحذير، ربط صوفان تقدم العدالة باستقرار السلم الأهلي، موضحاً أن إجراءات اللجنة مؤقتة وتمهد لحلول قانونية أوسع، فيما أحال مسار العدالة الانتقالية إلى الهيئة الوطنية المختصة به.
شُكّلت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بمرسوم رئاسي في مايو سنة 2025. وحدد رئيسها عبدالباسط عبداللطيف ضمن مهامها كشفَ الحقيقة ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات وجبر ضرر الضحايا، فيما استمر النقاش بشأن التشريع الناظم لعمل هذا المسار.
يمتد نطاق ذلك إلى إصلاح مؤسسات الدولة والتعامل مع إرث النظام السابق داخلها، وهو البعد الذي يمكن وصفه بأنه "عدالة انتقالية إدارية". ويهدف إلى إصلاح أجهزة الإدارة العامة ومؤسسات الدولة التي تورطت في الانتهاكات أو الفساد الممنهج، وتحويلها من أدوات للقمع أو الاستبداد إلى مرافق عامة تخدم المواطن بحيادية وشفافية. يشمل ذلك التدقيق في أهلية العاملين ومراجعة مسؤولياتهم الفردية، وفق معايير وإجراءات تميز بين مجرد العمل في ظل النظام السابق والمشاركة في انتهاكاته.
وقد ظهرت بعض ملامح هذا البعد في عمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، إذ ناقشت إدارة الإصلاح المؤسساتي فيها في أبريل سنة 2026 إصلاح المؤسسات التي أسهمت في إنتاج منظومة الاستبداد، وبلورة تصور للإصلاح المؤسسي في الدولة. وربط أعضاء في الهيئة هذا المسار بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وتحويل المؤسسات التي استُخدمت لقمع المجتمع إلى جهات خدمية تحمي حقوق المواطنين.
أما في المؤسسات التي شملتها مقابلات الفراتس، فلم تكشف شهاداتُ ثلاثة مسؤولين في مواقع إدارية عليا ومتوسطة، جُمعت بين شهري يوليو وسبتمبر من سنة 2026، عن إجراءات موحدة ومعلنة لمراجعة صلات الموظفين بالنظام السابق. وتقتصر هذه النتيجة على المؤسسات التي تناولتها المقابلات والفترة التي تغطيها. فوجود هيئة وطنية للعدالة الانتقالية يترك سؤالاً عن القواعد التي تصل إلى المدير والموظف، وعن الجهة التي تفحص الاتهام والدليل وطلب التظلم.
وتظهر أهمية هذه القواعد عند الفصل بين ثلاثة أمور تختلط في الشهادات. أولها العمل في مؤسسة حكومية زمن الأسد، وثانيها تأييد النظام أو الانتفاع من صلات به، وثالثها المشاركة في انتهاكات محددة. لكل منها وقائع وأدلة مختلفة. وعندما يقرر المسؤول منفرداً أيّها يستوجب الإبعاد، يصبح مصير الموظف مرتبطاً بتقديره وبقدرته على إنفاذه.
اشتكى الموظف الذي انتُزعت منه المهمة إلى دائرة الرقابة، فوصلت شكواه إلى إبراهيم. تواصل إبراهيم مع زملاء الموظف المشتكي وتحقق من خلفية الجميع السياسية، ثم رفض الشكوى. وفسر موقفه بأنه مناصرة "لابن الثورة" على حساب موظف من "الفلول". في هذه الرواية، دخلت الصفة السياسية للطرفين في قرار الجهة المكلفة بالنظر في نزاعهما المهني.
وفي مؤسسة مدنية أخرى بدمشق، يصف جمال (اسمٌ مستعار لدواعٍ أمنية)، وهو مسؤول في الموارد البشرية طريقةً مختلفة لترتيب العلاقة بين الموظفين. يقول إن زملاء من خلفيات معارضة ينسقون لإخضاع من يسمّيهم "موظفي النظام السابق" لإدارة موظفين من أبناء الثورة، بصرف النظر عن تفاوت الخبرة والكفاءة. ويشرح اعتراضه على ترؤس هؤلاء إياهم بقوله: "لقد ضحينا بسنوات عمرنا في مواجهة النظام بينما اصطفوا هم خلفه وآزروه، فكيف يأتون اليوم ويترأسوننا؟"
قارنتْ الفراتسُ روايتي إبراهيم وجمال بشهادة مسؤول في مؤسسة عامة مدنية أخرى بحلب، طلب عدم نشر أي تفاصيل عن مؤسسته أو موقعه الوظيفي. تحدث هذا المسؤول عن تعاون موظفين من مستويات إدارية مختلفة للتضييق على زملائهم، ومن أدواتهم تقليص صلاحيات الموظف أو نقله إلى محافظة بعيدة لدفعه إلى الاستقالة. تتشابه الشهاداتُ في وصف استعمال القرارات الإدارية لهذا الغرض، ولكن تشابهها لا يكفي للحكم على كل واقعة، إذ يتطلب ذلك فحص الأسباب المعلنة للقرار والأدلة التي استند إليها، وما ترتب عليه.
ولفحص بعض هذه الوقائع بما يتجاوز روايات المسؤولين، اطلعت الفراتس على وثائق أتاحها إبراهيم تتصل بنزاعات من هذا النوع والطريقة التي نظرت بها الجهات الرقابية إليها. تضم المجموعة ثلاث عشرة وثيقة تتصل بتسع حالات في مديريات بمحافظات دمشق وطرطوس والقنيطرة والحسكة. وهي ست شكاوى وسبعة تقارير رقابية، وتتصل بعض التقارير بشكاوى من المجموعة نفسها.
خمسُ حالات كانت لموظفين نُسبت إليهم صلات بالنظام السابق يشتكون من إجراءات اتُخذت بحقهم. وتوثق أربع شكاوى حالتين من الفصل وحالتين من تقليص الصلاحيات وحجب المهام والفرص المهنية. ومن التقارير، تقريران رقابيان بشكويين، وتقرير ثالث يعرض حالةً مستقلة.
وصف أصحاب الشكاوى ما تعرضوا له بعبارات منها "فصل تعسفي" و"إجراءات كيدية" و"بيئة عمل سلبية". وتحدثوا عن "احتكار معلومات وفرص مهنية" و"تحييد عن مهام". لكن التقارير الرقابية الثلاثة انتهت إلى رفض الادعاءات التي تناولتها أو اعتبارها غير صحيحة. وتظهر الحالات التي اجتمعت فيها الشكوى مع تقرير رقابي تبايناً بين رواية الموظف وتقدير الجهة الرقابية، وتبقى أسباب رفض كل ادعاء ضروريةً لتقييم القرار.
وتتصل الحالات الأربع الأخرى بشكاوى أو إجراءات ضد موظفين صُنّفوا ضمن المرتبطين بالنظام السابق. تضم هذه المجموعة شكويين رفعهما موظفون من خلفيات معارضة عن مخالفات مهنية وإدارية. وقد أيد تقريران رقابيان منهما وقوع المخالفات، وأشارا إلى صلات المشتكى عليهم بالنظام. وتناول التقريران الآخران حالتين مستقلتين، وأيدا المخالفات أو الادعاءات المعروضة فيهما واقترحا الفصل أو النقل التأديبي.
يتبين حضور الخلفية السياسية في اللغة المستخدمة في بعض الوثائق. إذ وردت فيها أوصاف من قبيل "أصحاب ماضٍ تشبيحي" و"تعاون مع كوادر محسوبة على النظام السابق". وقد يضع الجمع بين هذه الأوصاف والمخالفات المنسوبة إلى الموظفين معيارين للمساءلة في السياق نفسه: ما فعله الموظف داخل المؤسسة، وما كان عليه موقعه من النظام السابق. وبهذا يتوقف الحكم على عدالة الإجراءات على الأدلة المهنية وتعليل العقوبة ودور تلك الأوصاف في القرار. فإثبات مخالفة محددة يختلف عن استعمال الماضي السياسي قرينةً كافية لإدانة الموظف.
ولم تقتصر المواد التي أطلع إبراهيمُ الفراتسَ عليها على الوثائق الرسمية، إذ عرض أيضاً محادثات على تطبيق "واتساب" وصلته منها ثلاث شكاوى عن موظفين مرتبطين بالنظام السابق. ورد في إحداها شكوى من الفصل وتوظيف من سماهم "بالفلول" مكانه، واصفاً الحالة بأنها ظلم غير مسبوق، ومرفقاً إياها بلقطات شاشة لصور أو مواد إعلامية توثق تأييد موظفين حاليين أو ارتباطهم بالنظام السابق.
تشير هذه المحادثات إلى احتمالية وجود قنوات غير رسمية لتقديم الشكاوى من هذا النوع والوصول إلى الجهات الرقابية من خلفيات ثورية خارج المسارات الإدارية المعلنة. قد يوسع هذا نطاق الأعمال غير الرسمية من اتخاذ القرارات داخل المؤسسة إلى مسار تقديم الشكاوى المتعلقة بها أيضاً. فتتراوح صور هذه الأعمال بين قرارات مباشرة مثل الفصل والنقل، وأخرى تقلص المهام وفرص التقدم.
في المحصلة، فإن الشهادات التي تناولتها الفراتس، ولاسيما رواية إبراهيم عن رفض الشكوى، تشير إلى إمكانية تداخل وظيفة الرقابة مع اصطفافات أصحابها. أما حجم انتشار هذه الممارسات وأثرها في أداء المؤسسات فيحتاجان إلى توثيق أوسع من هذه العينة.
تلامس هذه الخسارات، وإن حملت جانباً شديد الشخصية، سؤالاً يناقشه علم النفس التنظيمي عن كيفية تقدير الأفراد ما يستحقونه داخل بيئة العمل مقارنةً بالآخرين. وتساعد "نظرية الإنصاف" لعالم النفس جون ستايسي آدمز على قراءة هذه المقارنة. إذ يرى آدمز أن الأفراد لا يقدّرون الإنصاف بالنظر إلى ما يقدمونه وما يحصلون عليه بصورة منفصلة، وإنما بمقارنة هذه العلاقة بما يقدمه الآخرون وما يحصلون عليه. وعندما يدرك الفرد اختلالاً في هذه الموازنة، ينشأ لديه توتر نفسي بمقدار حجم التفاوت، ويدفعه هذا التوتر إلى اتخاذ سلوكيات أو إجراءات معرفية لتقليل التفاوت وإعادة التوازن.
ويبني آدمز على هذه النظرية ويسمي ما يقدمه الموظف من جهد وخبرة ومؤهلات "مدخلات"، وكل العوائد والمكاسب (أو الخسائر) التي يتلقاها الموظف نتيجة لعمله مثل الأجر والترقية والتقدير "مخرجات". فالموظف وفقاً لآدمز يشعر بالغبن حين يرى أن العلاقة بين مساهمته وعائده أقل إنصافاً من نظيرتها لدى الآخرين. وقد يستجيب بتقليل ما يبذله أو المطالبة بمكافأة أكبر أو تغيير الشخص الذي يقارن نفسه به أو الانسحاب من العمل.
وفي قراءة شهادتي إبراهيم وجمال على ضوء هذه النظرية، تدخل تضحيات الحرب ومواقفها في حساب الاستحقاق المهني إلى جانب المدخلات التقليدية. فمواجهة الأسد تحمل عندهما قيمةً يفترض أن تظهر في السلطة والفرص داخل المؤسسة. ومن هذا المنظور يمكن فهم سعيهما إلى ترجيح كفة زملائهما المعارضين.
لكن بينما تفسر هذه القراءةُ الشعورَ الذي يستند إليه السلوك، تطرح مشروعيته مسألة أخرى. فالإحساس بالغبن حقيقة تخص صاحبه، أما مسؤولية الموظف الآخر فتقتضي أدلة على أفعاله. وعندما يكون لصاحب المظلمة صلاحية توزيع المهام أو البتّ في الشكاوى، قد يتحول تصوره الشخصي للإنصاف إلى قرار ملزم لغيره. وعند هذه النقطة تتصل العدالة داخل العمل بالسؤال الأوسع عن كيفية مراجعة ماضي العاملين في مؤسسات الدولة.
تتناول أستاذة العلوم السياسية في جامعة واشنطن الغربية الأمريكية سينثيا هورن هذا السؤال في فصلها "ترانزيشنال جَستِس: فيتِنغ أند لَستريشن" (العدالة الانتقالية: التدقيق الوظيفي [. . .]) الذي نُشر سنة 2017 في كتاب "ريسيرتش هاندبوك أون ترانزيشنال جَستِس" (دليل أبحاث العدالة الانتقالية). وتعرض فيه إجراءات فحص نزاهة العاملين في المؤسسات العامة وأهليتهم لأداء وظائفهم، وما يترتب عليها من إبقاء أو إبعاد أو كشف للماضي المهني والسياسي.
وتميز هورن بين "التدقيق الوظيفي" القائم على فحص الأفعال والمسؤولية الفردية، و"التطهير الجماعي" الذي يجعل الانتماء إلى جماعة أو الارتباط بها أساساً للإقصاء. وترى أن التدقيق يتطلب معايير معلنة ومعلومات قابلة للتحقق وإجراءات تتيح الدفاع والطعن. أما فحص الصلات بأجهزة النظام السابق، المعروف باسم "لستريشن"، أو "التطهير السياسي" فتتنوع صوره القانونية وتبعاته.
يضيء هذا التمييز موضع الخلل في الحالات السورية المرصودة. فبحسب وصف المسؤولين الذين تحدثت معهم الفراتس، تتفاوت حدود الفئة المستهدفة من العمل في عهد النظام إلى تأييده أو المشاركة في انتهاكاته. وتتفاوت وسائل التعامل معها تبعاً للصلاحيات المتاحة، من التأثير في تكليف مهني إلى النقل والفصل. وهنا تمنح القواعد المشتركة الموظف معرفةً بما يُنسب إليه وبالجهة التي تفصل فيه، وتمنح المتضرر من انتهاك سابق طريقاً محدداً لعرض مظلمته.
يترتب على تحديد المسؤولية بهذه الصورة أثرٌ آخر داخل المؤسسة. ففحص سلوك كل موظف يتيح تمييز المسؤولية الفردية من مجرد البقاء في الوظيفة زمن النظام السابق. ويجعل استبعاد من يثبت عدم أهليته قراراً قابلاً للتعليل والمراجعة، مع حماية الخبرات التي تحتاج إليها المؤسسة. وتظل الثقة في هذا المسار مرتبطةً باستقلال القائمين عليه وبحق الطرفين في عرض الوقائع.
وتدعو التجارب التي تستعرضها هورن إلى الحذر من افتراض أن إنشاء مسار رسمي يضمن نجاحه. فقد ارتبطت مراجعة القضاء في تجربة البوسنة والهرسك بتحسن بعض تصورات الجمهور عنه، فيما واجهت مراجعة الشرطة انتقادات لانتهاك ضمانات الإجراءات العادلة. ولم تحقق مراجعة الشرطة والقضاء في ليبيريا النتائج المأمولة. كذا ظهرت مخاطر مختلفة في التجربة العراقية، إذ خلّف اجتثاث حزب البعث آثاراً أضعفت مسار المصالحة، وتفاوتت نتائج فحص الصلات بالأنظمة السابقة في دول ما بعد سقوط الشيوعية.
بناءً على التجارب السابقة تختلف العواقب والنتائج لتطبيق مسارات العدالة الانتقالية وتتسم بالتعقيد خصوصاً مع اختلاف السياقات والخلفيات السياسية والاجتماعية التي طبقت فيها. إلا أن هذا لا ينفي ضرورة وجودها وعدم ترك فراغ مؤسسي تترتب عليه تبعات غير مقصودة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بصراعات خلفت آلاماً جماعية قد تترك التوترات داخل المؤسسة في حالة مستمرة.
لذلك لا تصبح المسألة مجرد اختيار بين "الإبقاء" و"الإقصاء"، بل بين ترك التعامل مع الماضي للعلاقات غير الرسمية، أو إخضاعه لمسار مؤسسي يحدد المعايير والمسؤوليات والإجراءات. وهنا تظهر "مفارقة السلم الأهلي" في الحالة السورية. ففي الحالات التي رصدتها الفراتس، لم يؤد غياب هذا المسار إلى اختفاء أثر الماضي من بيئة العمل، وإنما ترك للموظفين والمسؤولين مساحة لإدخال تصوراتهم الخاصة عن الضحية والمسؤول والاستحقاق في القرارات المهنية. بذلك يمكن أن ينتقل النزاع من سؤال المحاسبة على انتهاكات الماضي إلى الصلاحيات والفرص والعلاقات داخل المؤسسة، فيصبح السعي إلى حماية السلم الأهلي بتضييق المحاسبة عاملاً قد يعيد إنتاج بعض الانقسامات التي أُريد احتواؤها أصلاً.

