جدل التنوير والرجعية.. تاريخ غير مستقر بين التفسير الحديث والتقليدي للقرآن

يُعتبر الشعراوي مفسراً فذاً أو رجل دين رجعي، لكن هذه الثنائية تخفي موقع الشعراوي المهم ضمن مسيرة التفسير الحديث، وعلاقته المعقدة بالقرآن والتقليد والدولة الحديثة.

Share
جدل التنوير والرجعية.. تاريخ غير مستقر بين التفسير الحديث والتقليدي للقرآن
تفسير الشعراوي بين الحداثة والتقليد الديني | تصميم خاص بالفراتس

تتكرَّر الجدالات الفكرية حول محمد متولي الشعراوي من فترة لأخرى. وتنحصر هذه النقاشات في ثنائية الإدانة أو الاحتفاء. فهو إما وجهٌ لنمط تديُّنٍ رجعي مضادٍ العقلَ والعلمَ، أو هو مفسرٌ فذٌ استطاع الجمع في تفسيره المتلفز بين العمق والبساطة. بهذا حُصِر النقاش حول الشعراوي وتفسيره في ثنائية الظلامية مقابل التنوير، أو النص والتقليد مقابل العقل والعلم.
هذه النقاشات ليست جديدة، فقد هوجم الشعراوي في حياته. وخاض في السبعينيات والثمانينيات سجالات مع شخصيات معروفة في الفكر العربي التنويري الحديث، مثل فؤاد زكريا وزكي نجيب محمود ويوسف إدريس. إلا أن هذا الجدل يخفي جانباً آخر من القصة، وهو أن تفسير الشعراوي نتاج طبيعي للتحديث وللصلة الحديثة والمعاصرة بالقرآن وبالتقليد التفسيري. وتفسير الشعراوي امتداد لمدرسة المنار التفسيرية التي بدأت مع محمد عبده وظيفةً وبنيةً ومنهجاً. فهي تبتعد عن التقليد المذهبي وتنتهج تفسيراً عصرياً في التعامل مع القضايا المعاصرة. كذلك فحضور الشعراوي على شاشة التلفزيون الرسمي منصةً مركزيةً لتعميم تفسيره، يجعله جزءاً من آليات الدولة الوطنية الحديثة في التعامل مع الشأن الديني ومع معنى النص المؤسِّس للإسلام.
واليوم عند النظر لتفسير الشعراوي نظرةً تستحضر هذين البعدين، التفسير الحديث والتعميم، يبدو الشعراوي جزءاً طبيعياً ضمن مسيرة العلاقة بين التحديث وتفسير النص الديني. وهي مسيرة لها ما يشابهها في مصر وخارجها في العالم العربي والإسلامي قبل الشعراوي. لذلك فمزايا تفسير الشعراوي ومنها البساطة والوضوح، وكذلك عيوبه ومنها معارضة بعض آرائه العقلَ، شكلت حلقة في هذه المسيرة الطويلة للتفسير الحديث. فالشعراوي بذلك وجه ظاهرةٍ تتجاوز شخصه داعيةً أو مفسراً.


العصر الحديث أكثر العصور إنتاجاً للتفسير وتنوعاً في أساليبه ومدارسه. وذلك لتطور طبيعة النظر للتراث وللقرآن في عصر النهضة العربية بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. فقد تبنت المدارس التفسيرية الحديثة أدوات معرفية جديدة مثل العلم واللغة والاجتماع، لفهم أعمق للقرآن وتطبيقاته في الزمن الحالي.
جاء هذا في وقتٍ اهتزَّت فيه مرجعية التقليد ما أثّر على طبيعة حضور القرآن والعلاقة به. فقد انتقد الإسلامَ كثيرٌ من الغربيين في أواخر القرن التاسع عشر، مثل الفرنسيين المستشرق إرنست رينان والمؤرخ غابريل هانوتو، وكذلك المندوب السامي البريطاني في مصر كرومر. وربط هؤلاء الإسلامَ بالرجعية وبالواقع الذي يحياه المسلمون بعيداً عن التمدُّن والعلم. ولذلك حاول النهضويون العرب الفصل بين الإسلام ونصّه القرآني من جهة، وبين التراث أو التجربة التاريخية للمسلمين من جهة أخرى. بهذا أُدين التراث وحده، وعُدّ بأكلمه أو بعض فتراته مسؤولاً عن خروج المسلمين من ركب الحضارة، وعائقاً لهم عن ولوج الحداثة.
إدانة التراث أو فترات منه أفقدت الكثيرَ من معارفه ومنهجياته موقعها ومرجعيتها. وهذا حالَ دون إفادة النتاج الفكري المعاصر من مناهج الأقدمين العلمية وطرائقهم في الكتابة وفي تداول المعارف التراثية، ومن هذه المناهج فنون التفسير.
ومع اهتزاز مرجعية التقليد، برزت مرجعية القرآن بصورة جديدة مختلفة عن صورتها في التراث. يذكر الأكاديمي الباكستاني الأمريكي شهاب أحمد في كتابه "ما الإسلام؟" المترجم للعربية سنة 2020، أن القرآن أو الوحي يظهر في التراث في ثلاث مساحات. المساحة الأولى ما قبل القرآن، وتشمل النظريات الإسلامية التراثية عن طبيعة التواصل الإلهي البشري أو الوحي. ثم مساحة النصّ نفسِه، أي القرآن تعبيراً وتجليّاً مكتوباً للوحي. أما المساحة الثالثة فهي السياق، ويعرفها شهاب أحمد بأنها "المجال أو المفردات الكاملة لمعاني الوحي التي أُنتِجت في التفاعل التأويلي الإنساني والتاريخي بالوحي[. . .]"، ويعني بها تفسير معاني القرآن وفهمها حسب السياق التاريخي والاجتماعي.
ويرى الباحث وليد صالح في دراسته المترجمة للعربية سنة 2023 عن "تفسير البيضاوي" المسمى "أنوار التنزيل وأسرار التأويل"، أن المسلمين كانوا يعرفون القرآن من التفسير وحواشيه. هذا يعني أنهم فهموا القرآن من تفسير الصحابة الآياتِ بدايةً، وما تطور لاحقاً عن هذا ليشمل حواشيَ وشروحات تفصيلية، مدعومةً بالسنة النبوية وفهم السياقات اللغوية والشرعية.
اختلف الأمر في التفسير المعاصر، فقد اقتصر القرآن على النص وحده بعيداً عن السياق. وكان لهذا تأثيره على طبيعة الفكر العربي الحديث والمعاصر، الذي عرف انتقال القرآن للمركز (بمعزل عن السياقات اللغوية والشرعية التقليدية) كما تُعبِّر أستاذة الدراسات الإسلامية بجامعة فرايبورغ يوهانا بيك، في كتابها "موسليم كورآنيك انتربريتيشن توداي" (تفاسير المسلمين اليوم) الصادر سنة 2021.
يرى أستاذ الدراسات القرآنية في جامعة تورنتو الكندية، وليد صالح، في دراسته "التكلُّم القرآني"، المترجمة للعربية ضمن كتاب "مرجع أكسفورد للدراسات القرآنية" المنشور سنة 2022، أن تراجع "التقليد الكلامي" كان له أثرٌٌ على طبيعة صلة الفكر المعاصر بالقرآن. والتقليد الكلامي هو الاتجاه التفسيري الذي يتأثر فيه المفسر بخلفيته العقدية والكلامية في فهم القرآن. وبتراجع التقليد الكلامي بات لزاماً على أي نقاش معاصر في القضايا الاجتماعية أو الفكرية أن يكون تفسيراً مباشراً للقرآن. أي معزولاً عن كثير من السياقات التي طالما حكمت التفسير التقليدي. لذلك تعدَّدت تفاسير القرآن في القرن العشرين.
بحسب مرصد تفسير في تقريره المسلسل "تفاسير القرن الرابع عشر الهجري"، الذي بدأ نشره منذ يناير سنة 2022 وما زال مستمراً، وصل عدد التفاسير المنتجة في هذا القرن ثلاثةً وأربعين تفسيراً. هذا الرصد يتوقف عند السنة الهجرية 1400، أي 1979. ولا يشمل التفاسير الشيعية، ولا التفاسير الإسلامية غير العربية، ولا التفاسير الجزئية للسور والتفاسير الموضوعية المفردة. وبهذا وسمت "عزلة القرآن" والفكر هذا النتاج الواسع للتفسير الحديث بسمات مختلفة في طبيعتها عن التفسير التقليدي التراثي.
يحدِّد المؤرخ الإنجليزي نورمان كالدر في مقالته "تفسير فروم تبري تو ابن كثير" (تفسير القرآن من الطبري إلى ابن كثير) المنشورة سنة 1993، ثلاث سمات للتفسير التراثي "النموذجي". وهي أن يكون تفسيراً مسلسلاً، أي يتناول السور والآيات وفق ترتيبها في المصحف، وأن يعتمد على المرجعيات العلمية السابقة عبر الإحالة والتنصيص وتعديد الخيارات التأويلية في كل آية، وأن يستخدم عدّة علمية لغوية أو حديثية أو بلاغية. هذه السمات تحدِّد موقع المفسِّر شخصاً متبحراً في أحد التخصصات التقليدية مثل اللغة والبلاغة والحديث. وتطالب كذلك بقدرته على استيعاب تراث التفسير قبله، وعلى مضارعة هذا التراث ونقاشه.
لذا يرى الكاتب التونسي أحميده النيفر في كتابه "الإنسان والقرآن وجها لوجه" الصادر سنة 1997، أن خروج التفسير من دائرة العلماء ذوي الشرعية (أهل الذكر) داخل التخصصات التقليدية، أدّى لإمكان تقديم أي شخص لتفسير. ومع هذا التغيُّر ظهرت مساحة جديدة تسمى "التأويلية المعاصرة للقرآن" في التعامل مع القرآن إلى جانب مساحة التخصص التراثية الممتدة في التفسير وعلوم القرآن. وهدف هذه المساحة الجديدة تأسيس القرآن مرجعية شاملة للحياة المعاصرة، وإيصال التفسير للجميع.
بهذا أصبح التفسير اجتماعياً وأعم وأبعد عن الالتزام بالسمات العلمية والشكليَّة للتفسير التراثي. فلم يعد لزاماً أن يكون المفسر عالماً في أحد التخصصات التقليدية. ولا يشترط إن كان عالماً في أحدها أن يبرز استيعابه تراثَ المفسرين الأقدمين، أو أن ينغمس في الجدل مع تفسيراتهم أو يتبع مناهجهم في الكتابة وإنتاج المعنى. كذلك فإن المفسِّر الحديث لا يقدِّم تفسيره للمتخصصين، بل لعامة الناس منتقياً عدداً من المعاني التي حفظتها كتب التراث، فينقلها بأسلوب بسيط ومباشر. ويربط التفسيرَ بواقع القارئ المعاصر.
لذلك فإن وصم أي تفسير بالحداثة، لا يتوقف على زمن إنتاجه ولا على خياراته التفسيرية. ولا يكتفي بالسمات الشكلية والعلمية له تفسيراً خالياً من النقاشات العلمية والتفرعات الفنيّة. بل لابد من النظر إلى طريقة تعامله مع المعاني التراثية.


في دراساتها "من أين تبدأ الحداثة؟" المترجمة للعربية سنة 2021، تتساءل أستاذة الدراسات الإسلامية الألمانية يوهانا بينك عما يجعل التفسير تفسيراً حديثاً. في تحليلها تفسيرَ "فتح القدير" للشوكاني، الحديث زمناً، فهو من علماء القرن التاسع عشر، ترى بينك أنه تفسيرٌ تقليديٌ لاتباعه كل سمات التفسير التقليدي التراثي التي حدَّدها كالدر.
تنطلق كاثرين كلاوسينغ، الألمانية المتخصصة في الدراسات الإسلامية من جامعة برلين الحرة، من سؤال مماثل لسؤال بينك وتصل لنتيجة مشابهة في دراستها "تو توينتيث سينشري إكسيجيتيس" (تفسيرين من القرن العشرين) المنشورة سنة 2015. درست كلاوسينغ تفسيرين أحدث زمنياً: تفسير شيعي هو "الميزان" للطباطبائي الذي أتمه سنة 1972، وتفسير سني هو "التحرير والتنوير" للطاهر بن عاشور الذي أتمه سنة 1974. ترى كلاوسينغ أن كلا التفسيرين تقليديان.
من السمات المنهجية الأخرى لتعامل التفسير الحديث مع المعاني التراثية، اعتماده على معنى واحد. ففي دراسته "هل أنهت الحداثة تعدد المعنى؟" المترجمة للعربية سنة 2021، ينطلق الأستاذ بجامعة أمستردام الحرة بيتر كوبينز من فرضية تعدُّد التراث التفسيري أو التباسه، مقابل اتجاه التفسير المعاصر لاختيار معنى واحد. يثبت فرضيته بتتبع عدد من التفاسير التراثية والمعاصرة الآيةَ الحادية عشرة من سورة النجم "مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى". ويوضح في جدول مفصَّل أن التفاسير التراثية مالت لتعدد الاحتمالات، بين أن يكون المقصود في الآية أن محمداً رأى جبريل أو أنه رأى الله بقلبه أو رؤية حقيقية. أما في التفاسير الحديثة في القرنين التاسع عشر والعشرين فقد تراجع هذا التعدد وغلب رأي واحد، أن النبي رأى جبريل. مع وجود ضعيف للرأي القائل برؤية الله بالقلب.
نجد نتائج مشابهة في تناول بينك عدداً من التفاسير الحديثة في مصر وتركيا وإندونيسيا لمعنى "السائحون" في الآية المئة واثنتي عشرة من سورة التوبة، "التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ". تميل التفاسير التراثية لذكر المعنى المجازي أي الصوم، بالإضافة للمعنى الحرفي أي السفر، ومعانٍ أخرى مثل الجهاد. بينما تميل التفاسير المعاصرة للمعنى الحرفي، بل يتشدَّد بعضهم مثل جمال الدين القاسمي، إمام الشام في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، الذي رأى أن التفسير بغير "السفر" دعوى للكسل.
تغليب التفسير الواحد عند المعاصرين يساعد على تجاوز الخلافات العلمية التفصيلية، وتخطي الطرق المعقدة في تحرير المعاني التي تزخر بها كتب التفسير التراثية وتعوق قراءتها. يساعد كذلك في ربط النص محرَّراً من تراثه التفسيري بواقع المسلمين باختلاف فئاتهم، وتقديمه بلغة مفهومة وسلسة للمتلقين. وهو ما يحقِّق الوظيفة المركزية للتفسير الحديث.
إلا أن تغليب التفسير الواحد قد يسبِّب إشكالاً باستحضار الآراء التراثية خارج سياقها المعرفي. وهنا يشير أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة جورج تاون الأمريكية جوناثان براون في كتابه "النزاع على السنُّة" المترجم للعربية سنة 2020، إلى ما يسميه "التقليد المرشد". ويقصد أن التقليد بما فيه من معارف ومناهج يشكل وسيلة إرشادية لتوجيه الغريب داخله. فلم تكن الأحاديث أو الآراء التفسيرية المعاصرة غائبة بالضرورة عن سياق التراث، بل نُظر إليها استثناءاتٍ أو حالات خاصة في سطح التقليد المصقول.
يناقش براون حديث الذباب، وفيه: "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه [. . .]". يقول إنه حين تداول علماء التراث هذا الحديث، لم يصلوا درجة الشك في صلاحية التقليد نفسه. بل تداوله العلماء من الآليات القائمة ضمن النسيج المعرفي للتراث، سواء بعقلنته أو برفضه أو بتأويله مجازياً، فتعاملوا مع الحديث حسب سياق عصرهم وآلياته المعرفية.
الابتعاد الحديث عن التقليد المعرفي التراثي بكل آلياته حال كذلك دون ابتكار منهج جديد، وإلى غياب أي "تقليد معرفي مرشد". جعل ذلك التفسيرات الحديثة لبعض الآيات تبدو بلا سند. يعرض براون بعض أمثلة التأويلات التي تبدو "تقدميّة"، إلا أنها برأيه تعاني من نفس إشكال الغرابة الناتج من تجاهل التقليد التفسيري. من هذه الأمثلة تفسير الآية الرابعة والثلاثين من سورة النساء، "وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا"، ويشير براون لمحاولات معاصرة لإيجاد تفسير للآية يبعد عن القرآن تهمة الأمر بالعنف المنزلي. تنزع هذه المحاولاتُ الآياتِ من سياقها اللغوي لافتراض معنى آخر للضرب هو الضرب في الأرض، أي السيْر. إلا أنه بالعودة إلى التعامل التراثي مع هذه الآيات نجد أن الإشكال ليس قائماً، فلم يتعامل أحد مع النص وحده أو افترض مركزية معناه الحرفي دون سياق تأويلي أوسع. فقد استند المفسرون والفقهاء على أحاديث النبي وسلوكه المنافي لتعنيف الزوجة لتقييد الآية.
هذه المحاولات التفسيرية الحديثة لم تغيِّر وظيفة التفسير وموقع القرآن والعلاقة بين معناه وبين التقليد فحسب، بل طرحت مستجداً في علاقة التفسير والنص الديني بالدولة الوطنية الحديثة، ورغبتها في توسعة حضورها في كل الفضاءات وفي صنع مواطنيها.


تقوم الدولة الحديثة على مفهوم السيادة، وليس على شرعية دينية، إلا أنها تتداخل مع مساحة الدين. يرجع هذا التداخل إلى عدد من الأسباب، منها موقع الدين في هوية الشعوب، ووظيفته في منح المعنى والشرعية وإيجاد أساس للأسئلة الأخلاقية، ومدى حضور الدين في الأنشطة العامة. لذا فالدولة الحديثة لا ترفض الدين، بل قد تتداخل معه عبر ما يسميه ماركوس درسلر وبال س ماندلير "صناعة الدين من أعلى"، في كتابهما "العلمانية وصناعة الدين" المترجم للعربية سنة 2017. يعني هذا محاولة الدولة عبر مؤسّساتها وآلياتها، التحكُّم في السياق الديني وإدراة الصراع داخل الدين وحوله.
لذلك اهتمت بعض الدراسات بعلاقة الدول الحديثة في العالم العربي والإسلامي بالدين، لاسيما تعريف الدين وحدوده، سواء داخل الدولة ذاتها أو بين الدول والتيارات الدينية والاجتماعية. مثلاً يتناول كتاب "إسلام الدولة المصرية" لجاكوب سكو فجارد-بيترسون المترجم للعربية سنة 2018، العلاقة بين الدولة ومؤسسة الفتوى. ويناقش من له السلطة في تحديد موقع الآخر، ويبرز الاستراتيجيات التي تحاول بها الدولة ضبط مؤسسة الفتوى بغية تحويلها أداة تعريف الإسلام. ويبرز كتاب "الفتوى والحداثة" للمؤرخة المصرية فاطمة حافظ الصادر سنة 2021 العلاقة المعقدة بين الدولة والإفتاء الحكومي والأهلي، وكيف دمجت الدولة الحديثة المفتي داخل نظامها المؤسسي، وكيف وسَّعت من مساحات المفتين الرسميين لنزع سلطة الفتوى تدريجياً عمن سواهم.
أما معنى القرآن، فقد حاولت الدول الوطنية العربية والإسلامية تأطير المعنى الديني والسيطرة لأن الفكر العربي والإسلامي المعاصر في شقّه الأساس تفسير عامّ . ففي دراستها "التقليد والمرجعية والابتكار في التفاسير السنية" المترجمة للعربية سنة 2018، توضِّح بينك كيف حاولت الدول الحديثة تأطير التفسير عبر عدد من الأساليب. إذ أنتجت بعض الدول تفاسير رسمية، كما في إندونيسيا التي رأت التفسير "مشروعاً وطنياً"، فأصدرت تفسيراً رسمياً أعدَّه نخبة من العلماء ما بين سنتي 1972 و1975. اتسعت هذه المحاولات حتى عدّت يوهانا بينك أن "التفسير المؤسَّسي" أحد الأنواع الرئيسة للتفسير المعاصر.
إلا أن بعض البلدان مثل مصر وتركيا، لم تتبع نفس الأسلوب بإنتاج تفسير رسمي واضح. فقد أوكلت تركيا الأمر عبر مؤسسة الشؤون الدينية إلى أربعة مؤلفين مؤكِّدة نسبته إليهم، وصدرت طبعته الأولى سنة 2003. وأوكل الأزهر في مصر العملَ إلى لجنة يشرف عليها مجمع البحوث الإسلامية، وصدر ما بين سنتي 1972 و 1986.
ولا يعني هذا النهج في تركيا ومصر عدم محاولة الدولة تأطير المعنى الديني، إنما اختيارها أساليب أكثر تعقيداً وأقل مباشرةً. بهذا توضح بينك أن ثمة تفاسير يعرضها التلفزيون الرسمي أو الإذاعة الرسمية، فيعطيها قدراً من السلطة والانتشار والتعميم ما لا يتاح لغيرها. وتمثِّل هنا أجهزة الدولة الحديثة، مثل الإعلام والتعليم، وظيفة إضفاء الرسمية على خياراتها وضمان تعميمها لمواجهة تعميم تفاسير أخرى.
فعلى سبيل المثال بثت الإذاعة المصرية تفسير "من هدي القرآن" لأمين الخولي من سنة 1942 إلى سنة 1950. كذلك فسّر محمد السعدي فرهود القرآن كاملاً في الإذاعة بعنوان "على هامش التلاوة" في فترة الستينيات. ثم بثّ التلفزيون المصري منذ الستينيات برنامج "حديث الروح" الذي تعاقب عليه مفسرون مثل محمد متولي الشعراوي وسيد طنطاوي وعبد الله شحاتة. وأذيع تفسير عبد الله الطيب على الإذاعة السوادنية بين سنتي 1958 و1969، وتفسير وهبة الزحيلي في الإذاعة السورية بين سنتي 1992 و1998، وأذيع تفسير "التيسير في أحاديث التفسير" لمحمد مكي الناصري في الإذاعة المغربية في الستينيات. وخارج السياق العربي أذيع تفسير "معارف القرآن" للباكستاني محمد مفتي شفيع عبر الإذاعة.
من وراء هذه التفاسير المعممة علماء متخصصون في أحد التخصصات التقليدية، إلا أنها تفارق التفاسير التقليدية التراثية في المنهج وطرائق العرض وتتيح مساحة لشتى الآراء. يبدو هذا حتى في العناوين التي تبرز الوقوف عند حد الخواطر وتبغي التيسير والتلخيص والهداية وربط القرآن بالحياة. مثَّلت هذه الوسائط إمكانية تحقيق أحلام النهضويين بتفسير هادٍ بسيط ومعمم خالٍ من الاعتبارات الفنية المتخصصة. إلا أنها أفسحت المجال لإشكال التفاسير الحديثة، وهو تعاملها مع المعاني التراثية بعيداً عن أي "تقليد مرشد"، ينتج طيفاً من الآراء.
ويظل تفسير الشعراوي واحداً من أبرز مظاهر هذا التعميم، فقد حمل في جعبته أدوات التخصص التقليدي، لكنه أعاد عرضه خواطرَ وشرحاً وتلخيصاً مبسطاً للعامة. فكان التفسير المعمم انعكاساً لجدلية مسيرة الحداثة في التفسير مقابل التراث، وثنائية التنوير مقابل الرجعية.


ظهر تفسير الشعراوي المتلفز سنة 1980، وفسَّر الشعراوي القرآن من الفاتحة إلى نهاية سورة الممتحنة، بالإضافة إلى جزء عم. وعلى التعليم التقليدي للشعراوي، إلا أن تفسيره يدمج كل سمات التفسير الحديث. كان تفسير الشعراوي خواطرَ إيمانية، وليس تفسيراً بالمعنى العلمي. لذلك تحرر من سمات التفسير التقليدي الشكلية والمنهجية، ومن الاصطلاحات الفنية المعقدة.
وعلى صعوبة البلاغة التي شكلت أساس بعض التفاسير التقليدية صعبة المنال مثل "الكشاف" للزمخشري في القرن الثاني عشر، إلا أن الشعراوي استخدم البلاغة بغرض تبسيط التفسير وتيسير وصوله للعامة. كان تفكيك الشعراوي كثيراً من مناحي الالتفات والتقديم والتأخير والحذف والإضمار في الآيات، إبرازاً لدقائق لطيفة تبهر السامعين. على سبيل المثال يبرز الشعراوي الفرق بين استخدام القرآن كلمة "كمثل" وكلمة "مثل". الأولى تشير إلى تشبيه مفرد بمفرد مثل "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ"، في حين تشير الثانية إلى تشبيه قصة بقصة، مثل "إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ". فالتشبيه هنا هو تشابه قصة آدم مع عيسى في الخلق من تراب، وليس عند تشابه عيسى فرداً مع آدم.
كذلك فقد راعى الشعراوي استخدام أمثلة وتشبيهات مألوفة للسامعين، فكان سحر القرآن في كل جمعة ينفتح بيسر أمام عقول السامعين المتحلقين حول برنامجه. ففي تفسيره الآية الرابعة من سورة التوبة، "إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ" يستحضر الشعراوي مثلاً عامياً مصرياً "إللي له ظهر ماينضربش على بطنه". وهو بهذا يقارب كلمة "يظاهروا" بالظهر الذي يحتمل أكثر مما تحتمل اليد. كذلك فسّر الشعراوي الآية الرابعة والأربعين من سورة إبراهيم "مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ" بالاستعانة كذلك بمثلٍ شعبي، "فلان معندوش ولا الهوا". ليوضح مقصد الآية بفراغ القلب من كل شيء، فآخر ما يفرغ من الشيء هو الهواء.
اهتم الشعراوي ببيان ما يعتبره أسس الهدي الإسلامي للمجتمعات. إذ حاول في كثير من الآيات بيان عدم مصادمة القرآن العلمَ، مثل حديثه بأن القرآن يقرّ كروية الأرض. وفي بعضها حاول إبراز سبق القرآن وإعجازه كما في مسألة مراحل تطور الجنين، كالآيات الثانية عشرة للرابعة عشرة من سورة المؤمنون "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ" الآية.
كذلك حاول في آيات الإنفاق أن يبرز طبيعة الرؤية الإسلامية للمجتمع وكيفية إدارة المال وأثر هذا على تماسك المجتمع. وظل الشعراوي في هذا السياق محافظاً على بساطة أسلوبه مستخدماً أمثلة من البيئة المصرية القروية. ففي تفسيره الآية 261 من سورة البقرة " مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ…" يبرز قيام المجتمع الإسلامي على التكافل والتكامل. ويوضح هذا عبر مثل قروي، إذ يقول إن البهيمة حين تسير في حواري القرى فإن الجميع يدعوا لها، لأن الجميع يستفيد من لبنها وجبنها. فالتكافل يقضي على الحقد ويقطع الطريق على تفكك أسس المجتمع.


في وسط هذا الصراع حول المعنى الديني، والقوة العمومية التي حازتها بعض التفاسير الحديثة دون غيرها، حاول بعض الدارسين بلورة منهجيات متكاملة لقراءة القرآن تقاوم سيولة التفسير الحديث المعمَّم وضبابية معاييره المعرفية. تحاول هذه المنهجيات تجاوز التقليد المعرفي التراثي، وكذلك تجاوز "التلفيق" الذي أفضى إليه الطابع غير الحاسم لمدرسة المنار في نقد التراث، وما سبَّبه هذا من عودة الآراء الرجعية وانتشارها. نجد هذا مع أسماء مثل المصري نصر أبو زيد والباكستاني فضل الرحمن مالك والسوداني أبو القاسم حاج حامد والتونسي يوسف الصديق، الذين اجتهدوا في صياغة منهجية جديدة في قراءة القرآن. ويبدو هؤلاء واعين لإشكال الفراغ العلمي الذي يعيشه تفسير القرآن الحديث، ويرونه مسؤولاً عن ظهور الآراء الانتقائية الغريبة. مثلما يوضِّح نصر أبو زيد في كتابه "نقد الخطاب الديني" المنشور سنة 1992.
يظل السؤال عن سبب انتشار تفسير الشعراوي في لحظة ما من التاريخ، أو أسباب استمرار شعبيته إلى الآن على ما تعرَّض له من نقد، مشابهاً لذات السؤال عن تعميم تفسير "في هدي القرآن" لأمين الخولي في الأربعينيات، أو تعميم تفسير محمد مفتي شفيع في باكستان. فالسؤال المركزي عن الشكل الذي اتسم به التفسير الحديث، أو الفكر الحديث الذي صار تفسيراً، وعلاقته بالتراث وبالمعنى وبعملية تعميم ترعاها أو تراقبها الدول. ويفتح هذا النظر على عيوب التفسير الحديث ومميزاته نتاجاً للعزلة عن التقليد وطرقه المعرفية، دون صياغة منهجية بديلة.
وإلى أن يُكتب تفسير موسوعي يمكن تعميمه ويكون ذا تقليد معرفي متماسك، تقليدياً كان أو حديثاً معاصراً، سيظل التفسير الحديث مكاناً للكثير من الآراء المستهجنة رجعية كانت أو تقدميّة. وسيظل تفسير الشعراوي مثالاً لهذه الآراء، تأييداً أو رفضاً.

اشترك في نشرتنا البريدية