لم يعد مسرح ما بعد الثورة الفرنسية يهتمّ بالشخصيات النبيلة والآلهة التي رسختها المأساة اليونانية القديمة، بل تحول لتناول شخصيات من الواقع. أصبحَ الفنّ، والدراما خصوصاً، أداة تعبير عن المجتمع الإنساني ويخضع لشروط زمانه، وتداخلَت الدراما مع العلوم الاجتماعية والإنسانية والسياسية والأدبية. ثمّ لم تكد تمرّ حرب أو حدث سياسي إلّا وتركَ أثره في كتابة النّص المسرحي وظهور توجهات ومدارس مسرحية جديدة متحرّرة من الشروط والقواعد القديمة.
نجد تأثير الحرب العالمية الأولى على نصوص الألمانيّ برتولد بريخت بنبذه القدرية والدعوة لتغيير الواقع، وأثر الحرب العالمية الثانية على نصوص الإيرلندي صاموئيل بيكيت في مسرحه العبثي، تصويراً لجنون هذه الحرب وفقدان البوصلة والمنطق فيها. في المنطقة العربية،أثرت هزيمة حزيران سنة 1967 على طريقة السوريّ سعد الله ونوس في الكتابة، سائراً على نهج ببريخت، مثلما أثّرت الحرب الأهلية في لبنان على تشكيل ملامح مسرح زياد الرحباني تمرداً على مثالية المسرح الرحباني ومواجهةً مع واقع لبنان الطائفي. وظلت سرديات الحرب في المسرح الفلسطيني معلقة بين التجديد وتكثيف عرض الواقع، خصوصاً بعد السابع من أكتوبر 2023. بهذا كان المسرح متصلاً بالحروب والظروف السياسية الكبرى على الدوام، وقد أثرت قصصها في تكوين ملامح النصوص المسرحية وتوجهاتها شكلاً وبنيةً ومعنىً ومغزىً. فجاء المسرح انفصالاً عن النهج الأرسطي القائم على إلصاق الحدث المأساوي بالقدر والتطهير وجلب تعاطف الجمهور، ليصبح ناقداً هذه القدرية لأن الأحداث يصنعها البشر وهم من يتحملون مسؤولية تغييرها.
كانت هذه الأعمال تكتب ضمن بنية خطّية ثابتة، فتسير من البداية مروراً بالوسط وانتهاءً بالخاتمة وضمن نوعٍ دراميّ ثابت. بمعنى أنّ العرض إمّا أن يكون مأساوياً أو هزلياً، دون خلطٍ بين النوعين. إضافة إلى أنّها تقدّم موضوعاً واحداً دون حبكاتٍ ثانوية.
يحدث الصراع في المدرسة الكلاسيكية بين الإنسان والقدر لينتصر العمل الدرامي للقدر. إضافة إلى أنّ الشخصيات المعروضة شخصيات نبيلة وآلهة ونصف آلهة، ولغتها تأتي رصينة وشعرية. يُجبَر البطل في المأساة على اتّخاذ قرار مصيري، وأثناء رحلته يرتكب ما يسميه أرسطو "الهارماتيا" أو الخطأ المأساوي (وهو حساب خاطئ غير مقصود) بحقّ أحد المقربين. كأن يتزوّج أوديب أمّه وينجب منها ابنتين ويقتل أباه دون أن يدري، كما يرد في مسرحية "أوديب ملكاً" للشاعر التراجيدي سوفوكليس التي عرضت أوّل مرّة سنة 429 قبل الميلاد.
في النهاية على بطل المأساة أن يقنع بمصيره من الشقاء والمعاناة. ثمّ ينقل الشعور بالمعاناة إلى المتفرّج في المسرح، وهنا يتولّد الإحساس بالإشفاق لا لكون البطل يعاني وحسب، إنّما لأنه لا يستحق أن يشقى ويعاني. فأوديب مثلاً لم يفعل ما فعل إلا جهلاً. ويتكثّف هذا الشعور في نهاية المأساة عندما تنتقل الشخصية من الجهل إلى المعرفة وإلى الوعي بأساس الشر، وهذا ما يؤدي عند المتفرج إلى الحالة التي يسميها أرسطو "التطهير"، ويسعى بذلك إلى تحريره من المشاعر السلبية وتفريغ شحنة العنف.
يرى الأديب اللبناني فايز ترحيني في كتابه "الدراما ومذاهب الأدب" المنشور سنة 1988 أنّ أرسطو هو "المورد الّذي استقى منه العالم دراساته عن الدراما". ويُقسّم ترحيني الدراما منذ نشأتها إلى ثلاث مراحل، الدراما الكلاسيكية (اليونانية القديمة، الأرسطية)، والكلاسيكية الحديثة، ثمّ الحديثة. وقد ظلَّت شروط الكلاسيكية القديمة وقواعدها سائدة قروناً، حتى بدأت تتغير مع اشتعال الثورة الفرنسية سنة 1789.
أزالت الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي سادت أوروبا بعد الثورة الفرنسية مفاهيم ونظماً وتقاليد. وبالتالي أبرزت الثورة أنواعاً جديدة من الدراما، بحسب ترحيني، مثل الدراما البرجوازية "التي كانت تعبّر عن مشكلات تلك الطبقة". ظهرت أيضاً المدرسة الرومانسية التي مزجت الضحك بالدّموع، وأعلنت عن حريّة الفن، وبدّلت الأبطال النبلاء والآلهة في المنهج الأرسطي بشخصيات من الحياة باتّجاه الدراما الطبيعية والحياة الحقيقية.
من هنا فإن مناقشة أثر الحروب والصراعات على الدراما المسرحية الحديثة تنطلق بالدرجة الأولى من علاقتها ونقدها منهجَ أرسطو. فلم تكد تمرّ حربٌ أو حدث سياسيّ محوريّ إلّا وأثّر في شكل الكتابة للمسرح. فجاءت مدارس وتوجهات مسرحية أعلنت ثورتها على شروط الكلاسيكية الأرسطية وقواعدها، فاحتفظت ببعض أسسها وتركت بعضها. أمّا الذي أعلنَ حربه على كلّ التقاليد الأرسطية فهو الكاتب والشاعر الألماني برتولد بريخت، المولود سنة 1889. ومعه بدا وكأن المسرح صار أكثر التصاقاً وتعبيراً واقعياً لمآلات الحرب وآثارها، ولسان حاله أناس عاديون، لا آلهة المأساة الأرسطية ونبلاءها، وواقعهم من صنع يدهم وليس قدراً محتوماً مثلما كان أرسطو يرى.
أثناء دراسة بريخت الفلسفةَ والطب في جامعة ميونيخ بدأت الحرب العالمية الأولى، فحالت بينه وبين دراسته، واستُدعيَ للخدمة العسكرية ممرضاً. كان لهذه الحرب عظيم الأثر على مسيرته، فقد شاهدَ أهوالها ومآسيها من موقعه في المشفى، وكان لها أثرٌ فنيٌ واضحٌ في أسلوبه. أوضحها مسرحية "مذر كارج آند هير تشيلدرن" (الأم شَجاعة وأبناؤها) المنشورة سنة 1939، ومسرحية "درامز إن ذا نايت" (طبول في الليل) المنشورة سنة 1922.
مع اندلاع الثورة الاشتراكية الألمانية سنة 1918 – التي أطاحت بالإمبراطورية الألمانية وأنشأت جمهورية فايمار بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى – بدأ بريخت يكتب مسرحياته. علاوة على دراسته الفلسفة الهيغلية والماركسية سنة 1926 في مدرسة العمال الماركسية. لذا بدأت أعماله في تلك الفترة تأخذ المنحى التعليمي، وكانَ يسعى إلى تعليم العمال مبادئ الماركسية والتحريض على الثورة والتغيير.
لذا لم يكن غريباً أن أصبح بريخت من المغضوب عليهم ولوحِقَ في عدّة مدن بعدما أمسكَ النّازيون بزمام الحكم سنة 1933. كان النازيون يلاحقون كتبه ويلقون بها في النار مع صيحات الجماهير المتحمسة الهاتفة أمام دار الأوبرا في برلين، بحسب بوشعير.
يشبّه بريخت الدّراما الكلاسيكية بمخدّرات تخدّر المتفرّج بدلاً من إيقاظه على واقعه. ويرى أنّ تقاليد الدراما الأرسطية وقواعدها لا تصلح لعصره. ثارَ بريخت على القدر المأساوي والبطل المأساوي بالمعنى الأرسطي، ورفض أن يُترَك المشاهد بعد "غسله" بالتطهير. رأى بأنّ التغيير الحقيقيّ يحدث خارج حدود العرض، أي في الواقع الاجتماعي. لذا إذا كانت الأفعال في زمن أرسطو تُعزى إلى الطبيعة والقدرية فإنّ الإنسان وواقعه قابلان للتغيير المستمر، فقد أصبحت الكوارث والظواهر تُحال إلى أسباب علمية ماديّة وموضوعية.
يقول بريخت في مقاله "المنطق الصغير في المسرح" المترجم للعربية سنة 1975 إنّ الجمهور اليوناني كانَ يتقبّل مصير أوديب كونه خالفَ المبادئ والقيم التي يقوم عليها المجتمع في حينه، وكانَ يقبل حُكم الآلهة عليه. في حين أن المسرح في زمن بريخت عليه أن يوجّه نقده على الكارثة نفسها، وهي هنا ليست قدرية بل ماديّة وهي الرأسمالية.
ومن هذا المنطلق، يضيف بريخت في المقال أنّه في المسرح الأرسطي يتعذّب المتفرّج ويهزّه عذاب الإنسان، ولكنّه عذابٌ قدريٌّ لا مفرّ منه، بينما يدعو بريخت لشكل جديد من المسرح، مسرح بإمكانه دفع الناس إلى التغيير وليس التطهير. يقوم هذا الشكل بالدرجة الأولى على ما أسماه "التغريب".
وكان بريخت قد نشر سنة 1938 مقالة قصيرة بعنوان "ذا ستريت سين" (مشهد من الشارع) يوضّح فيها مفهومه عن التغريب. يقول إنّ تغريب حادثة يعني نزع البدهيّ والمعروف والواضح عن الحادثة أو الشخصية لإثارة الفضول والدهشة حولها. في هذه الحالة لا يُقدّم الحدث في المسرح على أنّه طبيعيّ وإنّما ظاهرة تستدعي التفسير والإيضاح وتفتح المجال للمتفرّج بأن يقدّم نقده عليها، وبالتالي إمكانية تغييرها.
تناقش مضامينُ مسرحياته بالمجمل الإنسانَ في ظلّ الرأسمالية وأثر الحروب على الناس، وفي كلّ الحالات يعزوها إلى قوى وأسباب مادية قابلة للكسر أو التغيير. كتبَ نصوصاً مسرحية وطوّر تقنيات تناقش العالم والإنسان نظاماً من العمليات المتفاعلة، والإنسان فيها وحدةُ متناقضات.
في مسرحيته "مان إيكوالز مان" (رجل برجل) التي ترجمها نبيل حفار إلى العربية سنة 1979، يعرض فكرة أنّ الإنسان نسبيّ ومتغيّر، ليردّ على المقولات المثالية التي ترى في الإنسان جوهراً مطلقاً ثابتاً غير قابل للتغيير، وهي الفكرة التي تبدو جلية في تصويرات أرسطو شخصياتِ الدراما.
يقدّم بريخت في المسرحية شخصية "غالي غاي" وهو حمّال مسالم يسوقه القدر إلى عقد صفقة مع ثلاثة جنود. يطلبون من الحمّال ارتداء الزيّ العسكريّ الإنجليزيّ وينتحل هويّة صديقهم الجنديّ الرابع. يتقن غالي غاي دوره جيداً، بل يصبح متعطشاً لسفك دماء البشر بحق أو بغير حق بعد أن تذوق لذة نكهة الدم كما يقول عن نفسه.
التطوّر المسرحي لدى بريخت لا يسير من المقدّمة إلى الخاتمة، إنما يقدّم نصوصه لوحاتٍ متقطّعة نقدية، فلا تتصاعد درامياً. وهو بذلك يمنع المتفرج من الاندماج العاطفي مع الحدث، ليكون المتفرّج يقظاً ونقدياً في الحدث لا مندمجاً فيه. لذا فكّك القصة، فلا يهتم بالقصة وإنّما بمغزاها الاجتماعيّ، وأضحى الحوار أيضاً لا يأتي تصاعدياً ودرامياً وعفوياً، وإنّما جدلياً بالمعنى الماركسي.
يوظّف بريخت كذلك تقنيات التغريب لكشف التناقضات الاجتماعية ودفع الجمهور لرؤية المباني الماديّة وراء واقعهم ومشاكلهم. تلك المشاكل والتناقضات التي تخفيها الطبقة السائدة والسلطة لجعل الناس يتقبلون واقعهم كما هو.
في مسرحية "الأم شجاعة [. . .]" يقدّم بريخت حواراً جدلياً وموقفاً يبيّن طريقته وبعض عناصر التغريب المذكورة. تعتقد الأم في المسرحية بأنّها يمكن أن تكسب بالحرب ولا تكترث أيّ الفريقين سينتصر. المهم عندها أن يدفع الجنود بعد أن يأكلوا من مطعمها ويشربوا. تخترق الأم شَجاعة نيران المدافع وفي عربتها خمسون رغيفاً، وبالتالي فشجاعتها تأتي في سبيل الاحتفاظ بما تملك. تتعثّر من مغامرة إلى أخرى وتفقد ابنيْها وتوشك أن تفقد كلّ شيء إلّا عربتها، ومع ذلك لا تتوقف عن الجري بالعربة (الكانتين) وراء الربح ولا تتعلّم من كوارث الحرب.
إحدى أبرز اللحظات في المسرحية هي قتل الجنود ابنَها، يسبقها تفاوض بين القائد والأم. يقدّمه بريخت على شكل مَزاد أو مفاصلة بين تجّار، يختلفون فيها كم ستدفع الأم مقابل حياة ابنها. تقدّم تنازلات ويقدّم القائد بعض التنازلات، بينما الوسيط يتنقل بينهما إلى أن يُقتل الابن وتُحضر جثته، تنحني الأم على جثته وتؤدي لحظة حزن عليه، قبل أن تأخذ الجثة وتواصل تجارتها. الممثلة تؤدي لحظة الحزن بطريقة تثير التساؤل والدهشة، لا التعاطف والاندماج كما هو النهج الأرسطي.
فإذا كانَ المتفرّج في مسرحية "أوديب ملكا" يرى نفسه في موقع أوديب ويندمج في مأساته، فيجد نفسه مأخوذاً بهيمنة القدر والمأساة على أوديب، فإنّه في "الأم شجاعة [. . .]" يتساءل ويقرأ كيفَ تحيلُ الحرب الأم إلى تاجرة تسعى جاهدة للربح من الحرب وتفشل دائماً.
مغزى المسرحية أنّ الأم لن تتمكن من حلّ تناقضاتها وأزماتها دون حلٍّ من المجتمع كله. الحلول الدرامية وفق بريخت لا تأتي من قوى غيبية قَدرية، ولا من الشخصية المسرحية، وإنّما من الأرض والواقع. بهذا فالحروب ليست قدراً وإنّما أحداثٌ وأفعالٌ سياسيةٌ واقتصاديةٌ، يرفضها بريخت ويراها تلبّي أهدافاً رأسمالية.
رحلَ بريخت عن العالم سنة 1956 بسكتة قلبية، وقد شهدَ في سنواته الأخيرة الحرب العالمية الثانية واستمرّ في نهجه الملحميّ وتقنيات التغريب التي لا نزال نجد أثرها في مضامين مسرح بريخت حول العالم، ولعلّ أوضحها إعادة كتابة مسرحية "حياة غاليليه". وقد كتب المسرحية ثلاث مرات، وكان آخرها بعد إلقاء أوّل قنبلة ذريّة على هيروشيما وناغازاكي سنة 1945 ومقتل نحو مئتي ألف إنسان. ثم نرى أشكالاً جديدة للمسرح تتأثر بالحرب الثانية من ناحيتيْ الشكل والمضمون، وتتجاوز مسرح بريخت جزئياً أو كلياً لتعبِّر عن عبث هذه الحرب وجنون إرهاصاتها.
حافظَ التوجه الوجودي على البنية التقليدية للمسرح (بداية ووسط ونهاية)، ولكنّه سعى لتعليم الجمهور مبادئ الفلسفة الوجودية وقيمها، التي ترتكز على قاعدة أن الإنسان يوجد أولاً ثم يصنع قيمه ومعاناته بحرية الاختيار.
في المقابل لم يلتزم مسرح العبث بالبنية التقليدية، فلا يبدأ من البداية ولا يتصاعد منطقياً ودرامياً. نصوصه تبدأ بالصدمة ثمّ تهدأ تدريجياً، بصورة أشبه بصدمة الحرب. كذلك يقدّم مسرح العبث شخصياتٍ مضطّربة مشتّتة تعاني من الاغتراب والعزلة، وتبدو حواراتها عشوائية وغير منطقية أحياناً ومفكّكة بلا معنى، وفيها الكثير من الصمت والتكرار.
برزت هذه الملامح في مسرح الكاتب الإيرلندي صاموئيل بيكيت، ولعلّ أبرزها مسرحيتا "ويتنغ فور غودو" (في انتظار غودو) المنشورة سنة 1952، و"إند غيم" (نهاية اللعبة) المنشورة سنة 1957.
في مسرحية "في انتظار غودو" كتبَ بيكيت عن الانتظار في عالمٍ محفوف بالخطر، واستخدمَ شخصيتينِ لا ترتبطان بالعالم والمجتمع. قدّم الشخصيتين في مكانٍ فارغ وطريق ريفيّ مهجور وزمنٍ هلاميّ، وبلا أيّ فعلٍ دراميّ، ينتظران مُنقذاً أو مُخلصاً لا يأتي.
في مسرحية "نهاية اللعبة" يستبدل بيكيت الطريق الريفي المهجور بغرفةٍ مغلقة وضوء رماديّ. ومثل زمنه، الشخصيات في مسرحيته عاجزة ومحطّمة ومصابة بالعاهات الجسدية وغير الجسدية. شخصية "هام" ضريرة ومشلولة، يضع أبويه "ناج" و"نيل" في صندوقيْ قمامة ويمرّر لهما عبر شخصية "كلوف" بعض الطعام بين الحين والآخر. "كلوف"، الخادم والصديق والابن والعين التي يرى "هام" بها، الوحيد القادر على الحركة، لكنّه لا يستطيع الجلوس. يدور كلوف حول "هام" ينفذ أوامره بتأفف ونفور، وطوال المسرحية يبدو مستعداً للرحيل ولا يرحل. يقول كلوف: "ما الذي يبقيني هنا؟". فيردّ "هام": "الحوار".
الحوار مركزيّ وأساس في مسرح بيكيت. حواراته تأتي شذرات مشتّتة وعشوائية وممزقة، بلا معنى ولا مغزى أحياناً، تعبيراً عن استحالة التواصل الأصيل بين الناس في مجتمعِ ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وإذا كانَ مسرح العبث يرتبط بعبثية العالم أو الوجود، فإن كاتباً مسرحيّاً أتى في بداية الستينيات ليحاول إعادة القيم الإنسانية إلى العقل.
حضرت الحرب العالمية الثانية بقسوة في ذاكرة الكاتب الإنجليزي إدوارد بوند ونصوصه، وقد كتبَ بوند مقالات ودراسات توضح طريقته في الدراما والمسرح. جمعَ جزءاً كبيراً منها في كتابه "الحبكة الإنسانية: ملاحظات حول الدولة والمسرح" المترجم للعربية سنة 2020. يعرض الكتاب طريقة بوند في الدراما، إذ طوّر أدوات وتقنيات تنتقد طريقة بريخت في المسرح، ولكنّه يتفق معه على الغاية والهدف المتمثل بجعل الناس يرون القوى المتحكمة في حياتهم.
ونجد أثر الحرب العالمية الثانية على بوند في كتابه نصّاً قصيراً بلغة أدبية بعنوان "قصّة كاتب"، وفيه يقول: "أوّل مرة عشتُ فيها القصف كانت وأنا في الخامسة، واستمرّ القصف إلى أن بلغتُ الحادية عشرة، لاحقاً علّمني الجيش عشر طرق أقتل بها عدوّي، وعلّمني مجتمعي الأصغر مئات الطرق لقتل جيراني".
حضور الحرب بأعمال بوند المسرحية تجلى باحتوائها على مشاهد عنيفة وقاسية، وهو ما عرض بعضها للمنع من الرقابة. منها مسرحيته "سيفد" (أُنقذ) التي عُرضت سنة 1964، وترجمتها الكاتبة السورية لواء يازجي سنة 2014.
في المشهد السادس من المسرحية تأتي شخصية "بام" وتسلّم حبيبها "فرِد" عربة فيها طفلهما (وفق ادعائها) وتترك الطفل معه وترحل. ينكر "فرِد" أبوّته للطفل، ذلك أنّ بوند يقدّم شخصية "بام" على أنّها بائعة جنس ولم يكن معروفاُ من هو الأب الحقيقي للطفل، ويعرف القارئ من اللحظات الأولى أنّها معجبة بفرِد وتريدُ أبوّته لطفلها.
في منتصف المشهد ودون مقدّمات منطقية أو تمهيد درامي، يعبث فرِد وثلاثة شبان آخرون، جميعهم في بداية العشرينات، بالطفل ثم يرجمونه ويخلعون ملابسه ويعبثون ببرازه وصولاً إلى قتله.
مُنِعَ إعادة عرض المسرحية على خشبة مسرح رويال كورت في لندن بعد الضجة التي أثارها هذا المشهد. في مقدّمة المسرحية يوضّح بوند رأيه في غضب الجمهور وردود فعلهم على مشهد العربة وقتل الطفل، ويرى أنّ الغضب الّذي سبّبه المشهد في الجمهور يأتي لسببين. الأوّل عدم اعتراض أيٍّ من الشخصيات المسرحية على رجم الطفل وقتله، فصمت الشخصية "الإيجابية" أمام المشهد كانَ أقسى على الجمهور من القتل نفسه. والثاني أنّ العرض خفّف الحوار في المشهد ما أعطى الإحساس بواقعية خانقة، وكأنّ قتل الطفل بدا أمراً عادياً.
في السياق ذاته يقول بوند في مقدّمة المسرحية إنّه أرادَ للجمهور "أن يرى شيئاً كان بإمكانه أن يقرأ عنه في الصحيفة أو حتى كان يمكن أن يحدث له"، مشيراً إلى مجتمع ما بعد الحرب العالمية الثانية. ويرى أنّ الرأسمالية تمارس العنف في فترات السلم والحرب وذلك عبر الثقافة المزيفة، لذا أرادَ لمسرحية "أُنقِذ" أن تناقش هذا المجتمع الصناعي والفراغ الأخلاقي في ظلّ الرأسمالية.
ابتداءً من "أنقِذ" إلى وفاته سنة 2024 استمرّ بوند في تطوير أدواته في الدراما، وأسئلته عن المعنى والعدل والعقل. وظلت الحرب حاضرة في معظم مسرحياته، يقدّمها بقسوتها وعنفها منتقلاً من سياق الحرب إلى سياق المجتمع الاستهلاكي في ظلّ الرأسمالية والليبرالية الجديدة
مسرح الحرب العالمية الثانية وما بعدها وقفَ أمام سؤال العقل والعقلانية، سواءً من أولئك الّذين فقدوا الثقة والإيمان بالعقل فذهبوا إلى العبث واللامعقول، أو من أولئك الّذين رغبوا بإعادة القيم الإنسانية إلى العقل. بهذا لم تكن الحرب مجرّد مضمون للمسرح، بل دفعته للتغيير في الشكل والبنية والدواعي السياسية والفكرية للمسرح، وهو ما وجد صداه في بعض البلدان العربية كذلك.
وظف الكاتب السوري سعد الله ونّوس بريخت في المسرح، محاولاً البحث شكل جديد للمسرح العربي. مسرح من شأنه أن يدفع الناس للفعل والتغيير، سيّما بعد هزيمة حزيران سنة 1967، التي يبدو أنها تركت أثراً عميقاً فيه.
في الفيلم الوثائقيّ "وهناك أشياء كثيرة كانَ يمكن أن يتحدث عنها المرء" المعروض سنة 1997 يوضّح ونّوس أثر الهزيمة عليه، ويقول إنّها كانت لحظة حاسمة في التاريخ العام وفي تاريخه الشخصيّ.
يقول ونّوس في الدقيقة الثامنة عشرة من الفيلم: "عندما تأكّدت لنا الهزيمة بإعلان استقالة عبد الناصر، أحسستُ أنّني سأموت في تلك اللحظة. أحسست أنّي أختنق، بكيت وبكيت. كان لديّ شعور أنّ تلك هي النهاية، نهاية ماذا؟ لا أدري، ولكن أحسستُ أنّ عمراً قد انتهى. أنّ تاريخاً قد توقّف".
سعى ونوس على الأثر إلى محاكمة أسباب الهزيمة في مسرحيته "حفلة سمر من أجل خمسة حزيران" التي كتبها بعد الحرب بعامين. ناقشَ فيها أسباب الهزيمة على أمل تجاوزها ومعالجة الجرح العربي المتمثّل بنتائج الهزيمة.
يجمل ونّوس أسباب الهزيمة بخمسة. أوّلها بُعد السلطة عن الشعب، حيث كانت السلطة في مسرحيته لا تدري من أمر المواطنين البسطاء ومن أمر الواقع الحقيقيّ شيئاً. وفلّاحوا القرية المحتلّة كانوا منعزلين تماماً وكأنّهم غرباء وليسوا مواطنين، لم يخبرهم أحدٌ بما يجب فعله لحظة الخطر، وكلّ ما يعرفونه هو وجه الدركيّ أو جابي الضرائب. ثاني الأسباب هو هرب الناس من الأراضي، كونها ليست لهم وبالتالي يصعب الصمود على أرضٍ لا يملكونها. ثالثها غياب الديمقراطية، فيقدّم وبطريقة تغريبية بريختية شخصية المخرج الّذي يمنع المتفرجين من الكلام على الخشبة، فيقول المخرج للجمهور من داخل المسرحية: "الخشبة لنا، ومقاعد الصالة لكم". رابع الأسباب هو الاستخفاف بقوّة الأعداء وحلفائهم وتصويرهم على أنّهم "حفنة من المتآمرين" وفق وصف المخرج للصهاينة. أمّا خامس الأسباب فهو تشتّت الصّف العربي وضعفه.
في تقديمه هذه الأسباب مسرحياً ينتهج ونوس المنهج البريختيّ في اعتبار أن الهزيمة ليست قدراً، والمتفرّج لا يتعامل مع واقع الهزيمة على أنّه نهاية التاريخ، وإنّما يجد نفسه مقتنعاً بإمكانية تغيير الظروف التي أدت للهزيمة وبضرورة هذا التغيير. يخلص الناقد الجزائري بوشعير في أطروحته إلى أنّ الطريقة البريختية وتقنيات التغريب هي ما أعانت ونّوس على معالجة كافة أبعاد القضية المطروحة. على عكس المسرح التقليدي الّذي لا يتّسع لمثل هذه القضايا المعقّدة والمركّبة.
وفي ذات السياق البريختي ومبتعداً عن المنحى الأرسطي، لم يقدّم ونّوس عمله الدراميّ بصورة مؤثرة تجعل المتفرجين يتعاطفون مع ضحايا الحرب أو المطرودين من قريتهم، ولم يقدّم تحريضاً غاضباً أو انفعالياً ينفّس عن المتفرّجين ويفرّغ عنهم. وقد جاء ذلك في وقت سمحت الأنظمة العربية ببعض الأعمال السياسية بعد الهزيمة للتنفيس عن الجماهير، ولكنّ هذه الأعمال دفعت الناس لقبول واقعهم والرضوخ لشروطه.
ارتكزَ ونّوس كذلك على عناصر التغريب البرختية وسيلة للدعوة للتغيير، ويمكن ملاحظتها بوضوحٍ أكبر في مسرحيته "الملك هو الملك" المنشورة سنة 1977. ناقشَ ونّوس في المسرحية سؤال النظام السياسي الطبقي والمستبد، معتمداً في قصته على إحدى حكايات ألف ليلة وليلة. ومنها قدّم نموذجاً في كيفية التعامل مع التراث العربي دون أن تنفصل مسرحيته عن واقعه المعاصر.
في المسرحية يقّدم المسرحي السوري شخصية "أبي عزّة" الذي يرتدي لباس الملك ضمن لعبة وتسلية أرادها الملك، فيجد نفسه يتصرّف مثل الملوك، يستقرّ على العرش ويقبض على كلّ أمور الحكم ليبدو كأنّه ولدَ وتربّى في قصور الخلفاء. يصبح أبو عزّة ملكاً حازماً تكسو ملامحه المهابة والجديّة ويرهب رعيّته ومن هم حوله، يحتفي ويتغزّل ببلطة السيّاف، لتخلص المسرحية إلى أنّ الملك هو من يجلس على العرش، والكرسيّ هو الذي يصنع الملك.
أمّا عن بنية المسرحية فيتخذ ونّوس الشكل البريختي في تقسيم العمل إلى لوحات، وكلّ لوحة تبدأ بلافتة وعنوان للوحة التي سيقدمها.
إحدى هذه اللوحات واحدة بعنوان "أبو عزّة يختفي قطعة قطعة". تظهر فيها الشخصية تنسلخ عن ذاتها تماماً، فيتخلّى أبو عزّة عن ملامحه القديمة ورغبته في انتقام من شهبندر التّجار ويعتبره صديقه. ذاك أنّ التاجر صديق المَلك وإن كانَ وراء إفلاس أبي عزّة وكان عدوّه قبل المُلك. يتنكّر أبو عزّة لزوجته ويتصرّف مثل الملوك تماماً، وبالتالي يذوبُ في النظام السياسي كلية، في محاولة من سعد الله ونوس إلى تقديم فكرة يكتبها على إحدى اللافتات "أعطني رداءً وتاجاً، أعطكَ ملكاً".
لا يغرق ونّوس في نقد النّظام وإنّما يقترحَ الثّورة عليه، ولا يكفي أن يُستبدل الملك بأبي عزّة ليُحلّ التناقض. طرحت المسرحية حركة ثورية شعبية وإن كانَ التركيز على القَصر، كان أصحابها يتنكّرون ويعملون في الخفاء، وشتّان بين من يتنكّر ليصبح ملكاً ومن يتنكّر ليثور على السلطة. في السياق ذاته نسمع حواراً يبدو عابراً ولكنّه مركزيّ في الثورة على السلطة، وفي تبني النهج البريختي بتغيير الواقع لا القبول به قدراً:
"عزّة: أكلوا الملك؟
عبيد: هكذا يروي التاريخ
عزّة: ألم يتسمموا؟
عبيد: في البداية شعروا بالمغص، وبعضهم تقيأ. ولكن بعد فترة صحّت جسومهم، تساوى الناس، وراقت الحياة. ثم لم يبقَ متنكرٌ ولا متنكرون".
في الأخيرة نجد استخدام الأسلوب السردي ضمن ما يطلق عليه بريختياً عنصر "التأرخة"، بمعنى تصوير حادثة من التاريخ تُسرد نقدياً، كي لا تصنع الإيهام. باستخدام عبارات مثل "هكذا يروي التاريخ" نفهم أنّ الحدث مُنتهٍ والممثل الآن يَسردُهُ وحسب، وهذا ما يجعل المتفرّج بعيداً عنه ولا يندمج فيه، كما الحال في الدراما الأرسطية. لا يبقى من الحدث إلّا معناه ومغزاه السياسي والاجتماعي، بما يمكّن المتفرج أن يتعلّم منه ويجعله منطلقاً لنقد واقعه.
يوظّف التراث والتاريخ لمعالجة قضايا راهنة وملحّة، ينتقد منها ونوس بنية النظام والسبيل إلى العدالة والحرية. لذا ليس غريباً أن يُواجه مسرح ونّوس التضييقَ والمنعَ والهجومَ من السلطة.
وفيما مثلت هزيمة حرب حزيران فرصة للدعوة للخروج من بوتقة القبول بالواقع، كانت فترة ما بعد حرب أكتوبر سنة 1973 فرصة لصبغ المسرح العربي بواقعية سياسية جديدة. وقد برزت هذه الواقعية جليةً في المسرح الرحباني في لبنان.
جاءت لحظة خروج زياد عن نهج الرحابنة "المثالي" مع مسرحيته "نزل السرور" سنة 1974. جمعَ فيها زياد أبناء الطبقة الكادحة في فندقٍ ورسم خطّاً دراميّاً يناقش الواقع السياسي والطبقي في لبنان. وبعد بدء الحرب الأهلية في لبنان بعام، استمرّ زياد بالعمل خارج نمط الرحابنة، فألّفَ وأخرجَ مسرحية "بالنسبة لبكرا شو" المعروضة سنة 1978، التي بُنِيَت فكرياً على المسرحية الأولى. تُعالج المسرحية مواضيع اجتماعية وسياسية واقتصادية في سياق الحرب الأهلية وما رافقها من صراع طبقيّ في لبنان.
بعد الحرب الأهلية جاءت أعمال زياد أكثر نقدية وسياسية من بدايته في "نزل السرور"، مع التركيز أكثر على سؤال الطائفية والحرب الأهلية. نجد ذلك في مسرحيتيْ "فيلم أمريكي طويل" المعروضة سنة 1982، و"شي فاشل" سنة 1983.
مع عدم استخدام زياد شكلاً واحداً من المسرح إلّا أنّ ثمّة ملامح مشتركة تميّز مسرحه إجمالاً، مثل اللغة اليومية المفرطة في واقعيتها والجرأة في طرح القضايا، إضافة إلى البنية غير الخطية (باستثناء "نزل السرور"). وفي معظم مسرحياته يبالغ زياد في بناء الشخصيات، فإذا كانَ يناقش جنون الطائفية كانَ يقدّم مجانين على الخشبة ويتمثل هذا الجنون جلياً في مسرحية "فيلم أمريكي طويل".
واقع الحرب هو السياق العام للمسرحية، أصوات طائرات وعبوات وقذائف في الخلفية. يضع زياد الشخصيات (المجتمع اللبناني) في مشفى مجانين ليعزلهم عن الحرب والطائفية، لينقلوا أسئلتها إلى المسرح (أو مشفى المجانين). تسعى إدارة المشفى إلى عزلهم عن الحرب وعلاجهم من الطائفية، فيجمعهم بناس "أصحّاء" لنكتشف أنّ هؤلاء الأصحّاء أكثر طائفيةً من "المجانين"، فترتفع أصواتهم ويصرخون كلٌ يدافع عن طائفته. في مناقشة إدارة المصحّة العراكَ الذي حدث بين "الأصحاء" أمام "المجانين" نكتشف أنّ إدارة المصحّة لا تقلّ طائفية عن الطرفين. الاستنتاج الذي يمكن اعتباره بريختياً في نهاية المسرحية هو أن الطائفية متغلغلة في كلّ الشرائح، والحرب نتيجة حتمية لهذا الصراع.
يوحي عنوان المسرحية أنّ الحرب أمريكية وكلّ ما يحدث "فيلم أمريكي طويل"، ومع ذلك يرفض زياد حصرها في المؤامرة الأمريكية. يعبّر عن ذلك عبر شخصية أستاذ المنطق عبد الأمير، وهي شخصية ترغب طوال المسرحية في كشف المؤامرة الحقيقية للعالم، ويعجز عن ذلك.
تأخذنا المسرحية إلى عدة سياقات، كأن تكون الطائفية تخلّفاً من كبار السّن، أو نتيجة منطقية للعنصرية من ناحية ثقافية، أو مؤامرة صنعتها أمريكا للهيمنة على لبنان، أو أنّ "الزعماء يستغلون الشعب". وغيرها من التفسيرات التي يتركنا زياد معها بينما الحرب في الخارج مستمرّة بشكلها الدموي، وفي داخل المشفى تتراكم في الوعي لدى "المجانين" و"الأصحاء" و"الإدارة".
عدا عن شخصية أستاذ المنطق، نجد عدة شخصيات مفصومة ومعزولة عن الواقع، وتوضّح المسرحية أثر الحرب على عقولهم و"جنونهم". خلقت الحرب رعباً لدى شخصية هاني الذي عقّدته الحواجز والأوامر، وكلّما يرى الممرضة يريها بطاقته ويكرّر كلمة "بأمركن".
تُربِك الحرب وتحالفاتها المتداخلة كذلك شخصية نزار (ابن الحركة الوطنية)، إذ لم يعد يفهم شيئاً من الحرب، ويتشوش من تحالفاتها عندما يكتشف أنّه في نفس الخندق مع إسرائيل والرجعية العربية. طائفياً نجد شخصية إدوار الخائف من المسلمين طوال المسرحية، ولا يستفزه شيء أكثر من سماعه اسم "محمود". وهكذا إلى أن يعبّر زياد عن جميع طوائف لبنان وفئاته، وأثر الحرب على بنية كلّ شخصية.
بنية المسرحية غير منطقية ولا تصاعدية، ولكنّها لا تنطلق منهجياً من بنية مسرح العبث، بل تبدو ردّ فعل ومحاكاة جنونَ الحرب هزلياً ونقدياً. تقوم على الشخصية والحوار، وتأخذ الحوارات الأساس شكل المداخلات، ولكنّها مداخلات غير ناجزة، وعشوائية لتعبّر عن تشتّت الشخصيات وانفصامها عن واقع الحرب.
كانت الحرب الأهلية أقلّ حضوراً تصريحاً في مسرحيته التالية "شي فاشل"، ولكنّها كانت حاضرة بين الممثلين أنفسهم.
كلّ ممثل في المسرحية يعبّر عن طائفته، مسرحية داخل مسرحية. سعى زياد من هذه البنية إلى إيضاح فكرة أنّ الممثلين يفشلون حتّى في تمثيل التعايش في جوّ مشحون ومتوتّر. ويتجاوز مسرح الرحابنة المتعلّق بقيم التراث والضيعة والمحبة، ليقول بأنّها جميعها "شي فاشل"، وإنّ المجتمع اللبناني في الحقيقة مقسّم ومشتّت إلى طوائف، وأنّ الحرب الدائرة خارج المسرح هي واقع لا يمكن إغفاله في العلاقة بين الممثلين.
تتعالى أصوات الممثلين عدة مرّات، يحاول المخرج ومدير الفقرة تهدئة الوضع، وصولاً إلى انفجار المخرج في وجه الممثلين. تقول إحدى الشخصيات: "بس هنّي مش طايقينّا"، ليرد المخرج غاضباً: "انشالله ما حدا منكن يطيق الثاني. منيح؟ ما مسرحيّة هاي. مثّلولي ياها. شو عن جد هيّي؟".
وهكذا تنتقل آمال المخرج من المحبة والعيش المشترك إلى مجرّد تمثيل لها، فلم يعد يحلم بأكثر من افتتاح مسرحية حول المحبة والعيش المشترك، ولو تمثيلاً.
في كلّ مسرحيات زياد الرحباني تفشل الشخصيات في تحقيق ما تريد. الثورة تفشل في مسرحية "نزل السرور"، أو بالأحرى تُلغى. زكريا يفشل في تحقيق ذاته والعيش في واقع اقتصادي مريح مع زوجته في "بالنسبة لبكرا شو"، والأطباء يفشلون في حلّ مشاكل المرضى (الطائفيين) في "فيلم أمريكي طويل" وكلّ ما ينجحون فيه صعقهم وتلقينهم ما يجب قوله. وفي "شي فاشل" يفشل إنتاج مسرحية عن المحبة والعيش المشترك، والتراث نفسه يسخر من المسرحية.
ليس عبثاً أن تكون كلّ نهاياته تشاؤمية، فزياد يبدو أنه لا يريد من مسرحه أن ينفّس عن الناس ويخدعهم ولو مسرحياً. وإن لم يقدّم أيّ نهاية مُريحة، ولكنّه في الوقت نفسه لا يذهب إلى العدمية، وإنّما يطرح الأسئلة الصعبة ويفتح عيون الناس على قسوة واقعهم وإمكانية تغييره. وعن هذه الأخيرة هناك بعض القراءات التي ترى في نهج الرحباني أقرب إلى بريخت، وأنه يستخدم تقنيات التغريب البريختية ويؤمن مثله بإمكانية التغيير وعدم تجميل الواقع أو التخفيف عن الجمهور. ويبتعد عن النهج الأرسطي بمثالية شخوصه وقدريته.
في نهاية "نزل السرور" يقول زكريا: "افقعني شي كَف بلكي بيذكره التاريخ". مشيراً إلى أنّ لبنان كانَ بحاجة إلى صفعة ليحدث تغييراً ما، قبل أن تأتي الصفعة الأكبر وهي الحرب الأهلية. في فلسطين توالت الصفعات منذ قرابة قرن، وبذا يصعب النّظر إلى لحظة تاريخية محددة أو حرب بعينها. وهو ما انعكس على البنية المسرحية وتشعباتها في فلسطين.
طرحتُ بعض الأسئلة على أربعة فنانين من أربعة مسارح فلسطينية مختلفة عن علاقة المسرح الفلسطيني بالحالة الفلسطينية القائمة. جلّهم ذكروا أنّ الحرب الأخيرة على غزة وما تبعها ما هي إلّا امتداد لتاريخ من الحروب والاجتياحات والظروف الاستعمارية والسياسية المستمرّة. والأربعة هم المخرج والممثل محمد عيد الذي يمارس نشاطه المسرحيّ في يافا والنقب والعديد من مدن الضفة الغربية، والفنانة المسرحية والمخرجة رنين عودة ممثلةً عن مسرح الحرية في مخيم جنين، والممثل المسرحي موسى نزّال ممثلاً عن مبادرة "لوين" للتعبير المجتمعي في مدينة رام الله، والفنان المسرحي نيقولا زرينة وهو نائب المدير العام لمسرح الحارة في بيت لحم.
عاصرَ محمد عيد انتفاضتيْ الحجارة سنة 1987 والأقصى سنة 2000، وكلّ الحروب التي وقعت على غزّة. ساهمت كلّ هذه الأحداث بتشكيل رؤيته المسرحَ الذي يريده، فقد صاغت له ذاكرة إنسانية وسياسية يغرفُ منها لمضامين المسرح.
سعى عيد لبناء شكل مسرحي مسيّس ولكن بطريقة هزلية ضمن التّوجه العبثي، وقد أخرجَ مسرحيات من الكوميديا السوداء ومسرح العبث لكتّاب عالميين ومحليين، عاكساً عبثية المشهد الفلسطيني وتعقيده.
أخرجَ مثلاً مسرحية "خراريف" سنة 2021 مع مسرح الحارة، وهي مأخوذة عن نص "تخريف ثنائي" للكاتب الفرنسي يوجين يونسكو، أحد أبرز مسرحيي مدرسة اللامعقول وقد نشرها سنة 1962. عبّر عيد عن إعجابه بنصوص يونسكو العبثية، ورأى بأنّ "خراريف" تناقش قضايا الحرب الآن وإن عُرضت قبل قرابة خمس سنوات. بالتالي فالمسرح لم يختلف قبل السابع من أكتوبر وبعده، ويعزو ذلك إلى أنّه عاصرَ ظروف مأساوية ساهمت طوال الوقت في تشكيل خطّه المسرحيّ.
بعد السابع من أكتوبر تسارعت أحداث حرب الإبادة في غزّة وأشتد التطهير العرقي في الضفة الغربية، وقد شكّلت هذه الأحداث نوعاً من العجز. عبّر عيد عن أثر الحرب عليه ولكنّه استجمع قواه واستمرّ في عمله بعد فترة وجيزة. ما اختلف عنده أنّه أصبحَ يرغب أكثر من أيّ وقتٍ مضى في الدخول أكثر في مسرح بريخت وعلاقته بالحرب.
تتفق الفنانة المسرحية رنين عودة مع عيد في أنّ الحرب لم تغيّر طريقة العمل، وترى بأنّ مسرح الحريّة الفلسطينيّ الذي تعمل فيه حملَ منذ البداية راية المقاومة الثقافية طريقةً للعمل المسرحي في مخيّم جنين حيث مبنى المسرح. عبّر مسرح الحرية عن قصص من انتفاضة الأقصى في عروضه المسرحية، فأنتجَ مثلاً مسرحية "الحصار" سنة 2015 التي ناقشت حصار المقاومين في كنيسة المهد في بيت لحم سنة 2002.
مسرح الحرية، الذي وضع لبنته الأولى المخرج الفلسطيني من الناصرة جوليانو مير خميس، ليس فقط تعبيراً عن حالة الحرب المستمرة في فلسطين، بل في مرماها وضحية لها أيضاً. فقد اعتقل الاحتلال أحد مؤسسي المسرح، الأسير المحرّر والمقاتل زكريا الزبيدي في المرّة الأخيرة سنة 2019، وكثير من فنانيه. كانَ آخرهم المدير مصطفى شتا الذي اعتقلَ مع مجموعة من مخيم جنين في نهاية سنة 2023.
أُغِلقَ المسرح أكثر من مرة، وحاصرت إسرائيل والسلطة الفلسطينية مخيم جنين عدة مرات وصولاً إلى إخلائه في الحرب الأخيرة، فنُقل النشاط المسرحي إلى مدينة جنين. هذا علاوة على الضغوط المجتمعية في المدينة والمخيم وعدة قرى، والظروف المادية الصعبة، وقتلِ مسلحين مجهولين أحدَ المؤسسين جوليانو مير خميس.
تقول رنين للفراتس: "نحن لسنا بحاجة إلى السابع من أكتوبر حتى نحكي قضيتنا [. . .] فلسطين ليست بحاجة إلى محفّز خارجي ليُعبَّر عنها مسرحياً، فهي ومنذ عشرينيات القرن الماضي تعاني من الاستعمار وتبعاته". وتؤكد رنين بأنّ كلّ ما فعلته الحرب على غزة أنّها أضافت قصصاً ومضامين للمسرح تؤكد المؤكد وهي وحشية إسرائيل.
واحدة من القصص قصة مسرحية "نبض قبل الولادة" التي أخرجتها رنين عودة سنة 2025 أثناء الحرب. أثناء مشاهدتها نشراتِ الأخبار انتبهت ابنة مسرح الحرية لامرأة حامل تنزح من مكان إلى آخر، وتساءلت عن هذه المرأة وعن الجنين الذي ينبض في داخلها قبل أن يخرج إلى الحرب، وأسئلة جنينٍ لم يولد بعد. "كيفَ سيواجه الجنين حياة الحرب في واقع يختفي فيه الفلسطينيّ بلمح البصر؟" بهذا لم تأخذ الحرب رنين إلى التفكير بأشكال جديدة في الممارسة المسرحية، وإنّما تساءلت عن قدرة المسرح على استيعاب كلّ هذه المعاناة.
وعلى عكس محمد عيد ورنين عودة، فإنّ مبادرة لوين ومسرح الحارة قد بدّلا آلية العمل بطريقة أو بأخرى، وإن كانَ التأثّر أقلّ بروزاً في مبادرة لوين منه في مسرح الحارة.
يقول موسى نزّال، ممثلاً عن مبادرة لوين للتعبير المجتمعي، للفراتس إنّ المبادرة تهتمّ بآليات العمل الجماعي، وما يريده نزّال من المسرح إجمالاً بالدرجة الأولى هو التعلّم بالتجربة الجماعية التشاركية.
جاءت الحرب على غزة فعزّزت، بل راكمت، هذا المنظور الجماعي للعمل جاعلةً المبادرة تنتبه بوضوحٍ أكبر إلى مدى فردانية العمل المسرحي القائم وطرائقه. يقول نزال إن الحرب جعلت الناس أشبه بالأفراد المتناحرين، وهذا ما لا يصلح للمقولة الجمعية التحررية. فأثر الحرب على المبادرة لم يكن تبديلاً في طريقة عملها بل شكّلت الحرب شيئاً من الإلحاح على النهج الجماعي، وفق نزّال الذي لا يرغب بالبحث عن تيارات جديدة للمسرح.
شاركَ نزّال في إنتاج مجموعة من الأعمال بعد الحرب ضمن مبادرة لوين. منها التمثيل في مسرحية "خبز الشاطئ" سنة 2025 من إخراج تامر طافش. والعمل مأخوذ عن نصوص "أصيل والأطفال الخمسة" للكاتبة الفلسطينية أصيل سلامة المنشور سنة 2024، تتناول مذكرات الفتاة "أسيل" التي توثق يومياتها تحت القصف في مدينة رفح. إضافة إلى مسرحية "ستون دقيقة من الذاكرة" التي أُنتِجَت سنة 2024، وتخوض في تجربة الاعتقال في السجون الإسرائيلية.
في الحالتين يقول نزّال إنّ الحرب لم تبدّل التوجه المسرحيّ في نهج المبادرة، ولكنّ القضايا أصبحت أكثر إلحاحاً، فالحرب أسرع من المسرح وعلى المسرح أن يكون مشتبكاً وتراكمياً وجماعياً. وبعد الحرب، أصبحَ المسرحيون في حالة طارئة على الدّوام، حسب نزّال. فكانت هذه نقطة الانطلاق التي بدأ منها الفنان المسرحي نيقولا زرينة في حديثه عن تجربة مسرح الحارة بعد الحرب.
كانَ مسرح الحارة يستعدّ لإطلاق مهرجان فلسطين الدولي لمسرح الطفل بدورته الخامسة الذي كان مجدولاً في 13 أكتوبر 2023، وقد أنهى المسرح كافة التجهيزات. غير أن الحرب اشتعلت قبل أسبوع من انطلاقه فاتّخذ مسرح الحارة حالة الطوارئ.
قبل حالة الطوارئ كانَ فنانو الحارة، مثل معظم المسارح في الضفة الغربية، في حالة ترقّب مثلها مثل أيّ حربٍ سابقة على غزة، أو أيّ اقتحامٍ للضفة. لكن مع استمرار الحرب بأقسى صورها من دمارٍ وإبادة كانَ على مسرح الحارة أن يضع خطته للتدخل الفوري، بحسب زرينة. في البداية كانَ التدخّل يقوم على الدّعم الإنساني والفنّي للأصدقاء والفنانين في غزّة والاطمئنان عليهم.
أما المرحلة الثانية من خطة التدخل الفوري فقد أخذت شكل ورشات المسرح ومشاريعه في الضفة الغربية، وتحديداً في مخيمات جنين وطولكرم. من هذه المشاريع جمعُ قصصٍ من الحرب وتحويلها لأعمال بسيطة مسجّلة ونشرها على موقع المسرح ومع الشركاء من العالم، فأخذوا بعض هذه الأعمال واستخدموها في فعاليات تضامنية مع فلسطين.
من المشاريع أيضاً العمل مع الأطفال في المدارس، فقد حوّل المسرح جزءاً من الميزانية لورشات، أبرزها ورشات التفريغ النفسي عن طريق الدراما والمسرح والتعبير الفني، ثمّ عروض تفاعلية مع طلاب المدارس.
قد يصح القول أنّ مسرح الحارة لم يبتكر مضامينَ وأشكالاً مسرحية بعد الحرب وإنّما أعادَ التفكير في دور المسرح مجتمعياً، فكلّ هذا وفقاً لزرينة لم يكن مخططاً له لو لم تقم الحرب الأخيرة. ومع تضخّم الحرب ووحشيتها في غزة والضفة الغربية ولبنان، يتساءل زرينة إن كانَ المسرح الذي يقدمه مفيداً، وإذا كانَ من المجدي سياسياً أن يظلّ المسرح في حالة الطوارئ والخطط البديلة.
أنتجَ مسرح الحارة بعد الحرب عرض "الحمّالون"، الذي يعتمد لوحة الفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور "جمل المحامل" ويتساءل عن مدى قدرة الإنسان على التحمل. وقدم جولة عروض لمسرحيته السابقة "ميريمة" التي عُرضت سنة 2017 وتتناول الذاكرة وشهادات التهجير منذ النكبة، التي يرى زرينة أنّها تناقش قضايا الحرب، وإن أنتِجَت قبل ثمان سنوات من الآن.
يتفق المسرحيون الأربعة أنّ حرب السابع من أكتوبر لم تكن أوّل "صفعة"، كما ترد بكلمات زياد الرحباني، إنّما كانت استمراراً لواقع استعماري منذ مئة سنة، وإن كانت الأقسى والأكثر وحشية. ولكنها لم تحدث تغييراً فعلياً لدى الفنانين المذكورين، والمسرح الفلسطيني إجمالاً. فالنمط البريختي قد يكون قائماً في بعض أعماله بحكم حالة الحرب المستمرة، ولكن يخبو ويزداد حسب الزاوية المعروضة ووفقاً لكثافة هذه الحرب.

