لم أنشر المقابلة، لكنني كنت أعرف حضور بعلبك الواقعة في سهل البقاع شرقي لبنان، وتسمى مدينة الشمس في خيال الكتّاب والشعراء والرحالة والحجاج السلافيين. فعلى امتداد القرون الأخيرة قصدها كُتَّاب وشعراء ورحالة وحجاج مثل الحاج الكييفي فاسيل بارسكي في القرن الثامن عشر، والشاعر البولندي يوليوش سلوفاتسكي في القرن التاسع عشر. تقاطر هؤلاء إلى مدينة الشمس، على مشقة الطريق ومخاطر الوصول إليها، بدوافع مختلفة.
لم تكن بعلبك في أعين الزائرين مدينة واحدة. فمنذ القرن الثامن عشر إلى اليوم، توالت عليها زيارات الحجاج والرحالة والأدباء والفنانين القادمين من العالم السلافي. وحمل كل منهم أسئلته وتصوراته. رآها البعض مدينةً مقدسة تسكنها القديسات والعمالقة، وتأملها آخرون معبداً للجمال والدهشة، ووجد فيها غيرهم لغزاً يفتح الباب أمام فرضيات الكائنات الفضائية، أو فضاء تتقاطع فيها الهويات والإمبراطوريات.

إلى ديار الشرق المقدسة من 1723 إلى 1747
ولد بارسكي في كييف، ودرس في أكاديمية كييف موهيلا، إحدى أبرز الجامعات الأرثوذكسية في أوروبا آنذاك، حيث تخصص في اللاهوت والفلسفة. ثم انتقل إلى جامعة لفيف اليسوعية مدعياً أنه كاثوليكي. لكن أمره انكشف، فلم يستطع متابعة دراسته. قرر بعد ذلك الحج، فانطلق في أبريل 1724 من كييف وطاف أوروبا، قبل أن يصل إلى بلاد الشام. وفي يوم الأحد، الأول من سبتمبر 1728، انطلق برفقة عدد من المسيحيين من طرابلس الشام نحو بعلبك يوماً كاملاً سيراً على الأقدام. وعندما وصل في الثاني من سبتمبر، أقام عشرة أيام "في منزل مسيحي أرثوذكسي مضياف"، كما يروي في مدونته.
تجول باركسي بين الأنقاض بعيني راهب يبحث عن المعجزات. استوقفته ضخامة الأحجار، فكتب: "هليوبوليس مدينة أنشأها الهيلينيون القدماء، والعمالقة الكبار الأشداء. كانت ذات يوم جبّارة كبيرة مبهرة [. . .] إنهم أناس طوال مثل الجبال، والتأمل اليوم بما صنعت أيديهم يتطلّب كثيراً من الجهد". ثمّ وصف الأحجار الثلاثة العملاقة في الجدار الجنوبي، التي يبلغ طول كل منها اثني عشر ساجناً (نحو واحد وعشرين متراً)، وعرضها ساجنين (نحو ثلاثة أمتار ونصف)، وقد رُصفت على ارتفاع شاهق فوق الأرض. ولم يكن ما أدهشه حجمها فقط، بل رفعها إلى ذلك الموضع أيضاً. فقال متعجباً "سبحانك ربّي الكليّ القدرة، غريب أنت في خلقك لو كانت هذه الأحجار وضعت في الأساس لأمكننا أن ننسبها إلى البشر اليوم، ولكنها وضعت مرتفعة عن الأرض [. . .] كيف بدا أولئك الناس الذين كان لديهم من العزم ما يكفي لرفع هذا الحمل الضخم إلى هذا الارتفاع؟ حقاً أنا لا أعرف ماذا أقول".

رحلة فاسيل غريغوروفيتش بارسكي إلى ديار الشرق المقدسة من 1723 إلى 1747
وأمام عظمة عجز عن تفسيرها، وجد بارسكي في أسطورة "العمالقة" التفسير الأقرب لمنطقه. فقادته ضخامة الأحجار إلى تمجيد الخالق بقوله: "مُجّدت إلهي العظيم، إذ منحت الناس هذه القوّة، أن تعطي ناسك القدرة، ربٌ عظيم أنت، وأعمالك رائعة". لكن بارسكي لم يقصد البحث عن الآثار بالأساس. فقد جاء حاجاً، ولذلك بحث عن قديسين يربطهم ببعلبك. فروى أنّ القديسة بربارة اختبأت في صخرة ضخمة في المحجر المجاور للقلعة هرباً من والدها الذي اضطهدها، وأنّ القديسة يوليانا قُطع رأسها في بعلبك، وغُرست في موضع استشهادها شجرة سرو لا تزال قائمة.
بعد نحو ثلاثة عقود، كتب زلزال 19 أكتوبر 1759 فصلاً جديداً من تاريخ بعلبك، مخلّفاً دماراً واسعاً امتد من بعلبك إلى دمشق. قبلها بسنتين نشر روبرت وود كتابه مصوراً في إحدى أشهر لوحاته تسعة أعمدة شاهقة في ساحة القلعة. لكن الزلزال أسقط ثلاثة منها، فلم تبق إلا الأعمدة الستة الباقية إلى اليوم. وأفرد المؤرخ اللبناني عيسى إسكندر المعلوف صفحات لهذا الزلزال في كتابه "تاريخ البقاع وسوريا المجوفة". أما بارسكي، الذي توفي قبل الزلزال بنحو اثنتي عشرة سنة، فظلّ وصفه بما حمله من تأويلات أحد النصوص التي غذّت صورة بعلبك مدينةً بناها العمالقة في المخيال الشعبي الروسي والأوكراني لقرون. ومع انقضاء القرن الثامن عشر، لم تتبدل بعلبك بقدر ما تبدلت العيون التي كانت تنظر إليها.

سحرتْ المدينةُ يوليوش سلوفاتسكي، الشاعرَ البولندي وأحد "الثلاثة الكبار" في الأدب الرومانسي البولندي في القرن التاسع عشر، مع آدم ميتسكيفيتش وزيغمونت كراسينسكي. وُلد سلوفاتسكي في بلدة كريمنتس، شرق أوكرانيا حالياً، لعائلة أدبية وفنية. وعاش مرحلة الاضطرابات القومية التي أعقبت اختفاء الكومنولث البولندي اللتواني من خريطة أوروبا سنة 1795. في ربيع 1837، وصل إلى بعلبك في رحلته الطويلة في الشرق، بعدما مرّ باليونان ومصر وفلسطين ودمشق وتدمر.
تركت هياكل بعلبك في نفس سلوفاتسكي أثراً بالغاً. وهو ما يظهر في رسالته إلى والدته سولوميا المؤرخة في 14 يونيو 1837، التي كتبها على متن سفينة غادرت ميناء طرابلس. إذ يصف انبهاره بعظمة الآثار وتأمله بين أطلالها بروح شاعر رومانسي يبحث عن المجد المفقود. وبعد تلك الرحلة كتب: "ها أنا أعود من رحلتي الشرقية عارياً تماماً كما كانت جدتي تقول، بعدما حزمت أسمالي (الثياب البالية الممزقة). قمصاني تحمل جروح المسيح الخمسة. أحضرت معي عباءة صوفية عربية أنام وأستيقظ فيها بدلاً من رداء النوم، وسجادة اشتريتها من القاهرة أستخدمها فراشاً، وشيشة قرقرَتها تغني مثل عندليب". ويكشف هذا الوصف أن زيارة بعلبك لم تكن محطة أثرية وحسب، بل جزءاً من تجربة شرقية غيّرت نظرته إلى العالم وتركت أثراً عميقاً في مخيلته الشعرية. كان دافعه رومانسياً خالصاً: البحث عن الخلود بالشعر، وعن المجد الذي افتقده شعبه البولندي المقسّم.

لوحة معروضة في قسم الفنان في معرض إيفانوفسك الفني – إيفانوفسك، روسيا.
أما الشاعر الروسي الأمير بيوتر فيازيمسكي، صاحب عبارة "التوق إلى بعلبك"، فكانت قصته مختلفة. فيازيمسكي الذي لم تصل أعماله إلى القارئ العربي لم يكن اسماً عابراً في الأدب الروسي. بل هو أحد أعمدة "العصر الذهبي" للأدب الروسي، وصديق مقرب للشاعر ألكسندر بوشكين، وعضو مؤسس في جمعية "أرزاماس" الأدبية التي سعت إلى تحديث الأدب الروسي وتقريبه من الجمهور. زار فيازيمسكي الشرق سنة 1850، وهو في العقد السادس من عمره، بالتزامن مع انتقال شعره نحو التأمل الفلسفي في معنى الحياة ومأساة الوجود. حلّ في بيروت في يونيو من السنة نفسها، وكان ينوي زيارة دمشق وبعلبك، وفق ما يروي في كتابه "بوتيشيستفييه نا فوستوك" (الرحلة إلى الشرق: 1849-1850). لكن القنصل الروسي قسطنطين بازيلي نصحه بالعدول عن الرحلة "خوفاً من الحرّ". شعر فيازيمسكي بخيبة أمل، لكنه أصرّ على طلبه، فرضخ القنصل أخيراً، وحقق له أمنية زيارة بعلبك فقط.
استحوذ وادي البقاع على إعجاب فيازيمسكي، أكثر من الآثار نفسها. كتب: "أنا سعيد لأنني شاهدت آثار بعلبك، ولكني سعيد أكثر لأنني في الطريق إليها مررت بجزء من جبال لبنان ووادي بعلبك. إن الطبيعة، بأي شكل كانت، هي دائماً أكثر جاذبية بالنسبة لي من المباني الحية والخرائب". مع ذلك لم ينكر روعة ما رآه، قائلاً: "من الغريب والمدهش أن نرى ما استطاع الناس تحقيقه قبل عدة آلاف من السنين. أي مجتمع متطور رفع هذه المعالم الأثرية، إذا ما قارنا بها مبانينا الأثرية، فهي تشبه بيوت الورق وألعاب الأطفال. من يتحدث عن التقدم، فليأت لينظر إلى أنقاض معابد بعلبك". ثمّ قارن عظمة الماضي بما رآه من "الخراب والجهل والفقر الروحي والمادي" في عصره.
لم تكن بعلبك موعداً للشعراء فقط. بل أيضاً محطة للفنانين التشكيليين. كان ليف ميخائيلوفيتش جيمتشوجنيكوف رساماً روسياً من سلالة نبلاء مقاطعة أوريول. درس في أكاديمية الفنون القيصرية ثمّ تجوّل في أوروبا قبل أن يصل إلى بلاد الشام سنة 1858، في فترة مضطربة سبقت أحداث سنة 1860 بسنتين. وهي سلسلة من الصراعات الطائفية الدامية التي شهدها جبل لبنان وامتدت إلى دمشق. دوّن جيمتشوجنيكوف رحلته في مذكراته "مويي فوسبومينانيا إز بروشلوفو" (ذكرياتي عن الماضي)، التي نُشرت سنة 1971، بعدما حُذفت أجزاء منها تعسفياً، وفق ما نقل لي الباحث الأدبي الأوكراني بوهدان ياكيموفيتش في مدينة لفيف سنة 2017. وقد نجا الجزء المتعلّق ببعلبك جزئياً.
وصل جيمتشوجنيكوف إلى بعلبك من طريق محفوف بالمخاطر. ففي رحلته من دمشق على ظهور الخيل، وجد نفسه وسط مواجهات مسلحة بين جبليين، حكى عنها قائلاً: "تدور معركة هنا، نحن وسط حرب. يُسمع أزيز طلقات البنادق بين الحين والحين". لكنّ الخطر لم يمنعه من الانبهار بالآثار. يقول: "توقفنا في بعلبك، حيث انبهرنا بآثار معبد هليوبولوس المهيبة والجميلة. هناك رسمتُ عربياً مع جمل بالألوان الزيتية، وأخذتُ قطعة من عمود المعبد تذكاراً". رسم جيمتشوجنيكوف لوحات عدة للمدينة وآثارها، لكنها لم تصل إلينا. بقي وصفه شاهداً على نظرته الفنية: "الأعمدة الحجرية، بلون البحر عندما يكون أخضر". لم يبحث عن تفسير خارق لبناء الهياكل، بل رأى فيها أعجوبة جمالية، وموضوعاً للتأمّل الفني، لا معجزةً تحتاج إلى تفسير.
وتأتي شهادة الأديب الروسي إيفان ألكسييفيتش بونين، الحائز على جائزة نوبل للأدب سنة 1933، ضمن أكثر الشهادات كثافة ورمزية. وردت هذه الشهادة في كتابه "تين بتسيتسي" (ظل طائر) المنشور سنة 1931. ففي ربيع سنة 1907، وبونين في السابعة والثلاثين من عمره، مرّ بأزمة مالية ونفسية بعد وفاة والده. وفي رحلة بحرية من الإسكندرية إلى يافا برفقة زوجته فيرا، اجتمع صدفةً بعازف البيانو اليهودي الروسي دافيد شور، الذي كان يمرّ بأزمة نفسية حادة. تعارف الرجلان في الرحلة التي جمعت بين شهر عسل بونين وفيرا وبين رحلة حج روحية حملت الرجلين المتناقضين إلى الشرق. كان بونين مسيحياً أرثوذكسياً مناهضاً الصهيونية، في حين شعر شور، اليهودي الروسي، في فلسطين بأنه "عاد إلى الوطن". وفي مذكراته "مذكرات د. س. شور عن الرحلة إلى فلسطين مع آل بونين" التي كتبها بعد سبع عشرة سنة من الرحلة، وصم بونين بأنه "معاد للسامية".
صباح 18 مايو 1907، استقل الثلاثةُ القطارَ من بيروت إلى بعلبك. هناك، تجوّل بونين بين الهياكل العملاقة مسجلاً تأملاته الفلسفية التي ظهرت في كتابه "ظلّ طائر". وفي اليوم التالي، وتحت ظلال الهياكل، كتب قصيدته الشهيرة "خرام سولنتسي" (معبد الشمس). تروي زوجته فيرا مورومتسيفا في كتابها "جيزن بونينا [. . .]" (حياة بونين: حوارات من الذاكرة): "خرجنا نتمشى، وكان الهلال مرتفعاً فوق الأنقاض يغمرها بنوره الساحر. هنا بدأ يان (إيفان) فجأة يقرأ شعراً. قرأ بصوت خاص، لم أسمع مثل قراءته من قبل". لم يأت بونين إلى بعلبك حاجاً بالمعنى التقليدي، ولا سائحاً يبحث عن مشهد أثري، بل شاعراً يبحث عن ذلك "اللحن البدائي" الذي يصل الإنسان بالسماء، عن "الخلود" الذي تمنحه أعمدة صمدت مع الزلازل والحروب، على حد وصف زوجته في كتابها.
لكنّ بعض الرومانسيين لم يحظوا بفرصة رؤية بعلبك. من بينهم الكاتب الروسي يفغيني ماركوف، الذي زار فلسطين ولبنان سنة 1890. كان لديه وزوجته "توقاً شديداً" لزيارة "مدينة الشمس"، وفق ما ذكر في كتابه "بوتيشيستفيه بو سفياتوي زيملي" (رحلة إلى الأراضي المقدسة). لم يتحقق حلمه إذ حالت كلفة النقل المرتفعة وضيق الوقت ومرض زوجته المفاجئ دون الرحلة. كتب ماركوف بحسرة: "مهما حسبنا، ومهما قلصنا في مخيلتنا الأيام والساعات اللازمة لهذه الرحلة، فقد تبيّن لنا، للأسف، أننا سنفوّت الباخرة حتماً". وهكذا أصبح "التوق إلى بعلبك" عند ماركوف أقوى، وربما أكثر رومانسية، من تجربة كثيرين ممن وصلوا إليها.
جمَعَ هؤلاء السلافيين البحث عن تفسير للدهشة التي شعروا بها جميعاً عندما وقفوا أمام آثار بعلبك. لقد رأوا فيها تجربة شعورية وجمالية قبل أن تكون موقعاً أثرياً. وتحولت، في المخيال السلافي الرومانسي، إلى مدينة استثنائية، ليست مقدسة بالضرورة لكنها بالتأكيد ملهمة.
وإذا كان القرن التاسع عشر قد نظر إلى بعلبك بعين الرومانسيين، فإن القرن العشرين أعادها إلى دائرة الفرضيات الكبرى. فبدل العمالقة والقديسين، ظهرت قراءة جديدة تستند إلى مفردات العلم الحديث واستكشاف الفضاء، وإن بقيت في جوهرها محاولة أخرى لتفسير ما بدا عصياً على الفهم.

عن البريد المركزي لاتحاد جمهوريات السوفيات الاشتراكية
لكن غريتشكو لم يكن صاحب هذه الفكرة. فقد تبنّاها من أعمال باحثين سوفييت سبقوه إليها في ذروة الحرب الباردة. ويعدّ عالم الرياضيات السوفييتي ماتيست أغريست مؤسس ما عُرف بنظرية "رواد الفضاء القدامى". في سنة 1959، نشر ورقة بحثية بعنوان "الفضائيين القدامى" أثارت جدلاً واسعاً، ادعى فيها أنّ المنصة الحجرية العملاقة في بعلبك ولاسيما حجارة التريليثون التي تزن مئات الأطنان، لم تكن أساساً لمعبد، بل منصة إطلاق أو مهبطاً لمركبات فضائية تركتها كائنات خارجية.
وسرعان ما وجدت هذه الفرضية صدى لدى عالم الفيزياء الفلكية السوفييتي يوسف شيكلوفسكي، عضو أكاديمية العلوم السوفييتية. فقد ناقشَ شيكلوفسكي احتمالَ زيارة كائنات فضائية للأرض في العصور القديمة وتأثيرها على الأبنية العملاقة. وفي سنة 1966، أصدر بالتعاون مع عالم الفلك الأمريكي كارل ساغان كتاباً بعنوان "إنتليجنت لايف إن ذا يونيفرس" (الحياة الذكية في الكون)، تطرقا فيه إلى فرضيات التواصل القديم مع الفضائيين. خرجت الفكرة من الأوساط العلمية إلى الثقافة الشعبية بعد سنتين مع الكاتب السويسري إريك فون دانكن، الذي أصدر سنة 1968 كتابه "تشاريوتس أوف ذا غادز" (عربات الآلهة)، وخصص فيه صفحات لبعلبك لأنها إحدى أبرز الأدلة على نظرية "الفضائيين القدامى". لكن فون دانكن جعل هذه الفرضية أقرب إلى أدب الخيال العلمي منها إلى النقاش الأكاديمي الذي أراد بعض العلماء السوفييت إبقاءها ضمن حدوده.
لاقت هذه النظرية رواجاً في الاتحاد السوفياتي في سياق الحرب الباردة، إذ لم تكن المسألة علمية فحسب، بل حملت أيضاً أبعاداً فكرية. مثّلت نظرية "الفضائيين القدامى" للسوفييت، الذين تحدث باسمهم غريتشكو بعد عقدين من انهيار الاتحاد السوفياتي، أداة فكرية وسياسية وظفتها الدولة لخدمة مصالحها في ظلّ الحرب الباردة. ففي إطار المادية الجدلية، لا يمكن تفسير الظواهر الخارقة بالحديث عن "آلهة" أو "ملائكة" أو "معجزات". لكن يمكن – بل ويُشجَّع – الحديث عن كائنات فضائية متطورة تقنياً، عجز عقل الإنسان القديم عن استيعاب تطورها فظنها آلهة. هذا التفسير المادي للظواهر "الخارقة" توافق مع الإلحاد، وشكّل تحدياً للمؤسسة العلمية الغربية الكلاسيكية. أراد السوفييت إثبات أن العلم الغربي عاجز وتقليدي ومتحيز، بينما العلم السوفييتي منفتح وثوري ولا يعرف القيود. فتحوّلت حجارة بعلبك الضخمة ساحة مواجهة رمزية بين تفسيرين متنافسين. تفسير غربي أثري تقليدي ينسب بناءها إلى الحضارات القديمة، وآخر شرق سوفييتي "ثوري" يرى فيها أثراً لحضارة جاءت من خارج الأرض.
وإذا كانت بعلبك ألهمت الحجاج وأثارت خيال الشعراء وشغلت أصحاب النظريات الفضائية، فإنها أدت دوراً آخر لا يقل أهمية في الذاكرة السلافية، بعدما باتت شاهداً على التحولات السياسية التي عصفت بالعالم السلافي والشرق معاً.

عند وصول الموكب القيصري إلى وادي البقاع قرب بلدة شتورا، يصف سكالون مشهداً احتفالياً يكشف تعقيد العلاقة بين الإمبراطوريتين الروسية والعثمانية. فمن جهة، كان الاستقبال الرسمي العسكري، إذ عزفت فرقة عثمانية النشيد القيصري الروسي "حفظ الله القيصر"، إلى جانب مقطوعات أوبرالية إيطالية مثل "التروبادور"، في مشهد يُظهر الاختراق الثقافي الأوروبي حتى في المراسم العثمانية، ويظهر التناغم السياسي الظاهري بين الإمبراطوريتين. ومن جهة أخرى، كان الاستقبال الشعبي التلقائي، إذ خرج "العرب والبدو" لتحية الأمير "بالهتاف وإطلاق النار"، بينما علت زغاريد النساء من أسطح البيوت البعيدة. ثم أقام العثمانيون معسكراً فخماً للأمير القيصري. كان هذا المشهد برمته رسالة سياسية تؤكد السيادة العثمانية على الأرض وأن مراسم الاستقبال تحت هذه السيادة. أما في بعلبك نفسها، فلم يشذ الأمير الكبير عن عادة الزوار، فنحت شعاره على جدار معبد جوبيتر، في فعل يكرّس زيارته ويدمج وجوده وسلطته في تاريخ الموقع. قبل أن يشاهد عرضاً للألعاب النارية ليلاً حوّل الهياكل إلى مسرح مهيب أرادت الإدارة العثمانية أن تترك به انطباعاً لا يُنسى عند ضيفها.

جاءت أبرز الشهادات السياسية من رحّاليْن تشيكوسلوفاكيين هما ميروسلاف زيكموند وييرجي هانزلكا، زارا لبنان سنة 1959، بعد سنة من نزول مشاة البحرية الأمريكية في بيروت. أرسلت القواتُ الأمريكية دعماً لنظام الرئيس كميل شمعون، ولقمع ما عرف بانتفاضة 1958 التي تجسدت في صراع سياسي بين الموالين للغرب والمؤيدين للقومية العربية، سرعان ما استحال نزاعاً أهلياً استمرّ ستة أشهر. كان زيكموند وهانزلكا من أشهر الرحالة في الكتلة الشرقية، جابا العالم ودوّنا مشاهداتهما في كتب وأفلام وثائقية بثّها التلفزيون التشيكوسلوفاكي الرسمي. وصلا إلى لبنان في رحلة برية طويلة من تركيا وسوريا، وسجّلا رحلتهما في كتاب "أوبراجيني بولميسيتس" (الهلال المقلوب) الصادر سنة 1961. زار الرجلان بعلبك مرتين، وتجاوز اهتمامهما وصف الهياكل الرومانية إلى حياة الناس اليومية والصراعات السياسية الخفية. ورويا لقاءهما بفلاح محلي يعيش مع أسرته في كوخ من الطين، وتوقفا عند الفقر المدقع وانقسام الناس بين قوميين عرب وشيوعيين. كتبا: "أن تكون شيوعياً في 'الجمهورية العربية المتحدة' اليوم، يعني أنك تخاطر بحياتك. ورأى الجميع بأعينهم التجربة المريرة التي عاشها الشيوعيون في سوريا المجاورة". وقارنا بعلبك بالأحياء الفاخرة في بيروت، مركّزين على التفاوت الطبقي في لبنان آنذاك.

المصدر: يرجي هانزلكا وميروسلاف زيكموند، كتاب الهلال المقلوب (براغ: دار النشر الحكومية للأدب السياسي، 1961)
وعلى خطى زيكموند وهانزلكا، وصل إلى لبنان بعد أحداث 1958، الكاتبُ والصحافي السوفييتي فلاديمير كاتين، الذي لم يخفِ انحيازه الفكري. ففي كتابه "بو ليفانو [. . .]" (عبر لبنان - مذكرات سفر)، الصادر سنة 1961، ركّز على التناقضات الطبقية في المجتمع. وأفرد مساحة للمناطق المحرومة وأوضاع الفلاحين خارج العاصمة ومحافظة جبل لبنان، ولاسيما وادي البقاع وبعلبك، مقدماً المدينة مثالاً على الفجوة بين المركز والأطراف في المجتمع اللبناني.

المصدر: يرجي هانزلكا وميروسلاف زيكموند، كتاب الهلال المقلوب (براغ: دار النشر الحكومية للأدب السياسي، 1961)
وفي خريف سنة 1966، وصل إلى بعلبك فاسيل بافلوفيتش بيريجني، الصحافي والروائي الأوكراني السوفييتي الذي اشتهر بأدب الخيال العلمي. دوّن بيريجني انطباعاته في مقال بعنوان "من أوديسا إلى فاليتا" نُشر في مجلة "فسيسفيت" الكييفية سنة 1967. والمفارقة أن صاحب روايات الخيال العلمي كتب عن بعلبك بعين المثقف السوفييتي الباحث عن تفسير تاريخي مادي. فبدأ مقالته باستحضار الروايات الدينية المرتبطة بالمنطقة متسائلاً: "يؤكد لنا الدليل أنّ هذا الوادي هو الذي اختاره الله للجنة وهنا في هذه المنطقة وُلد آدم ودُفن نوح. فهل نُحت آدم من هذه الأرض السمراء؟ أم ربما تفتتت من عرق ودم أجيال لا تُحصى من العبيد والمحاربين؟". ثم يتأمل الأحجار الضخمة قائلاً: "الأنفاق الطويلة، التي يمكن لقطار أن يمرّ فيها، مبنية من أحجار عملاقة [. . .] كيف نقلها البناؤون؟ وبأي آليات وضعوها في هذه البنية الضخمة؟ فحتى الآن، في القرن العشرين، لا توجد رافعات تقدر على نقل عارضة تزن ألفي طن". ومع حيرته، لم ينجرف بيريجني إلى فرضية "الفضائيين"، مكتفياً بالإشارة إلى أن بعض الصحف تداولتها، مفضلاً تفسيراً تاريخياً مادياً ينسجم مع الرؤية السوفييتية الرسمية.

المصدر:فاسيل بيريجني، "من أوديسا إلى فاليتا" | مقالة في مجلة "فسيسفيت" (الكون)،كييف، العدد السادس (108)،1967.
وفي السنة التالية، كتب أوكراني سوفييتي آخر، وهو مكسيمليان مينكوفسكي عن لبنان من منظور فكري موجّه أوضح. ففي مقالته "أو بييروتي تا باعلبيكو" (في بيروت وبعلبك) المنشورة في مجلة "فسيسفيت" سنة 1968، يصوّر بيروت مركزاً للرأسمالية العالمية، حيث يقيم الأثرياء العرب في القصور، بينما يعيش الفلاحون في الفقر والبطالة. ثم ينتقل إلى بعلبك، ويصفها موقعاً أثرياً. لكن المدينة لا تبقى لديه مجرد موقع أثري، إذ تنتهي رحلته مع اندلاع حرب الأيام الستة في 5 يونيو 1967 بين إسرائيل من جهة ومصر وسوريا والأردن من جهة أخرى. يكتب: "غادرنا ونحن مكتئبون بسبب الأنباء عن هذا الصراع المسلح الحاد الذي أثارته الإمبريالية الأمريكية [. . .] وفي البحر علمنا عبر المذياع بجرائم المعتدين الإسرائيليين". فينتقل السرد من وصف بعلبك موقعاً أثرياً إلى تعليق سياسي على الحرب، بما يعكس هيمنة المنظور الفكري الموجه على كتابة الرحلة.

المصدر: فلاديمير كاتين، عبر لبنان - مذكرات سفر (موسكو: دار الآداب الشرقية، 1961).
في خضم حرب أخرى، هي الحرب الأهلية اللبنانية، أمضى الكاتب والصحافي السوفييتي يفغيني كورشونوف نحو ثمانية أعوام في لبنان، بين 1978 و1985. ووصف هذه الفترة بأنها "صعبة وطويلة". رأى كورشونوف لبنان "ضحية مؤامرة إمبريالية دموية وعدوان إسرائيلي دائم"، وهي النظرة التي وثقها في كتابه "آرابسكايا فياز" (الخط العربي) الصادر سنة 1987، وفيه مذكرات تجواله في عدد من الدول العربية. إذ جمع بين الحديث عن كنوز الحضارات القديمة وألغازها، وبين أحوال الناس الذين عاش بينهم. أما بعلبك، فبدت له في كل مرة أطل فيها من شرفة فندق "بالميرا" على هياكلها الشاهقة، صورة تختزل مفارقة لبنان نفسه. عظمة الماضي في مواجهة بؤس الحاضر في بلد منقسم على نفسه.

مصدرها: فلاديمير كاتين، عبر لبنان - مذكرات سفر (موسكو: دار الآداب الشرقية، 1961).
أحدث الشهادات السياسية جاءت من إيهور إيفانوفيتش أوستاش، أستاذ التاريخ وسفير أوكرانيا في لبنان بين 2016 و2022. ففي كتابه "أوكراينسكي ليفان" (لبنان الأوكراني) الصادر سنة 2019، يعيد اكتشاف بعلبك من منظور الهوية الأوكرانية ما بعد السوفييتية. لا يبحث أوستاش في بعلبك عن العمالقة أو الفضائيين أو سحر الرومانسيين، بل عن "جذور أوكرانية" في هذه الأرض البعيدة، ويجدها في سيرة القديسة بربارة البعلبكية. يربط أوستاش بين بعلبك وكييف من الروايات التي تذكر أنّ الأمير سيفياتوبولك إيزياسلافيتش، حفيد الأمير فولوديمير الكبير، تزوج قريبة الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس الأول كومنينوس، التي حملت معها إلى كييف ذخائر شفيعتها القديسة بربارة. ويتتبع رحلة هذه الذخائر عبر القرون، من دير ميخائيلوفسكي سنة 1108، مروراً بنجاتها من الغزو المغولي، ثم انتقالها بين كنائس كييف، حتى استقرت في أوائل ستينيات القرن العشرين في كاتدرائية فولوديميرسكي، حيث لا تزال محفوظة إلى اليوم. كذلك، يعود أوستاش إلى وصف الحاج فاسيل بارسكي لبعلبك، ويقارن بين ملاحظاته في القرن الثامن عشر وما شاهده هو بعد نحو ثلاثة قرون.

المصدر: يفغيني كورشونوف، الخط العربي (موسكو: دار "مولودايا غفارديا"، 1987).
يتجاوز مشروع أوستاش استعادة رواية تاريخية إلى بناء جسر ثقافي بين أوكرانيا ولبنان انطلاقاً من قديسة مشتركة. فبعد ضم روسيا شبهَ جزيرة القرم سنة 2014 وقبل اندلاع الحرب الشاملة سنة 2022، سعت أوكرانيا إلى توسيع حضورها في العالم العربي. اكتسبت بعلبك معنى جديداً، فلم تعد مجرد مدينة رومانية عريقة، إنما أصبحت أيضاً مسقط رأس قديسة تحتل مكانة بارزة في الذاكرة الدينية والهوية الثقافية الأوكرانية.
وما زالت الأرشيفات السلافية تحتفظ بعشرات المخطوطات التي لم تُدرس بعد عن المدينة. وما زالت هذه الشهادات قادرة على فتح قراءات جديدة لتاريخ بعلبك وصورتها في المخيال السلافي. لكن، مهما اختلفت تلك القراءات، سيبقى خيط واحد يجمعها. مدينة الشمس كانت ولا تزال توقاً إلى المجهول والمطلق، وإلى ما هو أكبر من الإنسان. وربما لهذا السبب قطع هؤلاء الرحالة والكتّاب، على اختلاف عصورهم وأوطانهم وأفكارهم، الجبال والبحار وتحملوا المشقة والأخطار، ليقفوا في نهاية المطاف أمام تلك الأحجار الهائلة، ويرفعوا رؤوسهم نحو السماء، ويسألوا: من بنى هذا، ولماذا، وماذا يعني كل هذا، في الحقيقة، لم يكونوا يسألون عن بعلبك وحدها، بل كانوا في كل مرة يسألون عن أنفسهم.

