لعل هذه الحكاية قد تكررت كثيراً منذ أن وُزِّع الطوارق على أربع دول بعد جلاء الاستعمار من الصحراء الكبرى منذ الستينيات، هي ليبيا والجزائر ومالي والنيجر. فصار لزاماً عليهم أن يحوزوا تصاريح مرور في وطن قطنوه منذ آلاف السنين، كما تشهد بذلك النقوش والرسوم الحجرية في الجبال التي تمر بين الجزائر وليبيا. وانهار نظامهم الاقتصادي المبني على مقايضة السلع فتحوّل إلى نشاط تهريب يهدّد الأنظمة الاقتصادية المعاصرة. ولم تعد منظومتهم الرمزية صالحة في عالم نُزعت منه سلطة الأسطورة. ولعل الشرطي كان على حقّ، فلا حجاب لدى الطوارق يحميهم من هذه الأنظمة الجديدة. وربما يدفعهم هذا لإعادة النظر في مسلماتهم وكتابة تعاويذ جديدة كانوا يرفضونها في السابق، من أجل تجاوز واقعهم. فقد أضحوا "أمة عديمة الدولة" إن شئنا استعارة المصطلح الذي صاغه عالما الإناسة توماس إيركسن وفين نيلسون في كتابهما "تاريخ النظرية الأنثروبولوجية" الـمُترجم سنة 2013.
سنين بعد قصة الشرطي تلك، انكببت على قراءة أدب الروائي الطارقي الليبي، إبراهيم الكُوني، فرأيت في أعماله استمراراً لمواجهة قديمة بين عالم الطوارق ومنطق السلطة الحديثة. إذ يبدو أن جهده الأدبي كان محاولة لاستعادة صوت أمة دفعتها التحولات التاريخية إلى الهامش، بإعادة تشكيل صورتها وفضائها. فهو يُخرج الصحراء من الأوصاف الفضفاضة كالعجائبي والغرائبي. ومن ثمّ يعيد بناء المنظومة الرمزية التي حكمت علاقة الطوارق بهذا الفضاء، من تصوراتهم عن الخطيئة والإنسان وموقعه في العالم، ورؤيتهم للدين، وصولاً إلى تصوراتهم السياسية عن السلطة والحكم. غير أنّ هذا المشروع لا يكتمل بالاستعادة الأدبية وحدها، إذ تظل الثقافة التي يحاول الكُوني ترميمها معلّقة بين حفظ ذاكرتها الرمزية ومواجهة الشروط السياسية في عهد ما بعد الاستعمار وظهور الدولة الوطنية، وهي التغيرات التي تهدد استمرارها.
فهنا، يقف المتأمل الصحراءَ على مفارقة تحدّد ماهية هذا الفضاء. من جهة فهي حسيّة ومجسّدة، لكنها من جهة أخرى، بما تفرضه من اتساع وفراغ وحدود قصوى للحياة، تقترب من عالم التجريد. ولعل التجربة الذهنية الأقرب من هذا التجريد، والمشتركة بين البشر باختلاف ثقافاتهم، هي الموت. ويذهب الكُوني في مقابلة مع قناة لويزيانا الدنماركية على يوتيوب سنة 2014، إلى استخلاص مفاده "إنه في الصحراء فقط، يمكننا زيارة الموت ثم نعود إلى ديارنا سالمين". وبهذا تغدو هذه المجاورة المستديمة بين الحياة والموت في الفضاء الصحراوي مفتاحاً لفهم المخيال الجمعي للطوارق وما انبثق عنه من تصورات وقيم.
وإذا كانت الصحراء قد صاغت مخيال الطوارق، فإن الكُوني يرى أن أحد أوجه تشبثهم بها لم يكن مجرد استجابة لظروف البيئة، بل اختياراً لما قد يكون "عزلة سعيدة" انفردوا بها. يشير في الجزء الثالث من سيرته "عُدوس السُرى" الصادرة سنة 2014، أن الابتعاد بمسافة الخمسين ميلاً عن البحر، كان "خوفاً من الأشباح التي يلفظها البحر على يابستهم دوماً". ويُرجّح أن المقصود بالأشباح هم الغزاة الذين يفدون غالباً من البحر. ويعضد هذا ما ذهبَ إليه ابن خلدون قبلَه في تاريخه الشهير "كتاب العِبر وديوان المبتدأ والخبر"، الذي بدأ تأليفه سنة 1377، حين نبّهَ إلى أن الطوارق "هجروا التلال وجفوها واعتاضوا منها بلبن الأنعام ولحومها، انتباذاً عن العمران واستئناساً بالانفراد وتوحشاً بالعز عن الغَلبة والقهر [. . .] واتخذوا اللثام خطاماً تميزوا بشعاره بين الأمم".
كانت أولى النتائج لما يمكن تسميته "النفي الاختياري"، أن الطوارق فقدوا سلطة تسمية أنفسهم. فلفظة الطوارق في حقيقة الأمر، وعلى شيوعها، ليست الاسم الأصلي لهذه العِرقيّة. إذْ إنهم يسمون أنفسهم بالإيموهاغ مفرداً، وإماهغ جمعاً. ويشرح الكُوني في هوامشِ روايته "أنوبيس" الصادرة سنة 2002، هذه اللفظة في لسانهم بمعنى "السَلِيب، أو المنهوب، أو الضائع، أو النبيل". ويُنسب الاسم لمنطقة "تارغا" جنوب ليبيا، فقد كانت محطة تبادل تجاري بينهم والأقوام المجاورة، ولعل هذا ما دفع بالكثيرين إلى نِسبتهم إلى هذه المنطقة.
ويرى الكُوني في تسمية "الطوارق" الدخيلة حجباً للاسم الحق، الإيموهاغ. إذ يقول في الرواية نفسها على لسانِ إحدى الشخصيات: "منذ اليوم ستصير ذريّتك ذريّة تارجا، وسوف تتلجلج بها الألسن، لأنها سرّ بين السلالات، والاسم الحق سيبقى طلسماً". ولا تنفصل هذه التسمية عن منظومة لغوية وثقافية خاصة، فالطوارق يتحدثون ويكتبون بلغة "التماشق" أو "التماهق"، وهي إحدى اللغات الأمازيغية.
تكمن المفارقة في أن الاسم الذي سمي به الطوارق ينسبهم إلى مكان محدّد، بينما كان نمط حياتهم قائماً على تجاوز الأماكن الثابتة. فندرة الماء في الصحراء تفرضُ نمطاً معيشياً واحداً هو البداوة، التي قوامها الترحال المستمر طلباً له، لما فيه من مقومات الحياة لأنفسهم ولأنعامهم. ومن هنا لم يكن الاسم مجرد تسمية، بل أصبح إطاراً لفهم هذه المجموعة البشرية من الخارج وفق منطق لا ينسجم مع تجربتهم التاريخية.
ويبدو أنّ الإصرار على الصحراء ومعيشتها، إذا ما اتفقنا مع تفسيريْ الكُوني وابن خلدون، قد وضع الطوارق في هامش النسق الحضاري السائد. فالحضارات المبكرة نشأت عادةً قرب أودية وأنهار، بحسب المؤرخ وعالم الآثار الكندي بروس ستريغر، في كتابه "أندرستاندينغ إيرلي سيفيلايزيشن" (فهم الحضارات المبكرة) الصادر سنة 2003. لذا لا يكاد يُشار إلى أي حضور للطوارق في المسيرة الحضارية الإنسانية.
من هذا المنطلق يأتي مشروع الكُوني الأدبي محاولةً لاستعادة هذا الحضور، إذ صرّح في حوار معه نُشِرَ في كتابه "وطني صحراء كبرى" الصادر سنة 2009، بأن أدبه محاولة لإنقاذ "ثقافة مهددة بالانقراض". ولكنه لم يتوسل هذا بكتابة أدب يقتات على ما هو مثير الفضول والغرائز، ولم يكتف بدور المؤرخ، بل حاول تبيان انخراط الطوارق في سيرورة التطور البشري، لاسيما في جانبه الروحي. فقد نحتت الصحراء فيهم تصوراً للعالم وأنفسهم وطريقة العيش فيه.
وقد نتج عن تجاور الحياة والموت في الفضاء الصحراوي، وفق تصور الكوني، أن صار الطوارق يرون وجودهم كله تنويعاً لثنائيات متقابلة. فهناك مثلاً الجسد والروح، والراعي والمزارع. وضمن هذه الثنائية، يضيف أنهم أول من انحاز بحسم للروح وقِيمها، فينقل في نص أنوبيس بأنهم سموا أنفسهم "كيل أبّا" أي "أصحاب الروح". ويقول إنهم نقلوا هذا التفضيل إلى الحضارة الفرعونية التي جعلت خلود الروح محوراً مركزياً في تصورها الإنسانَ والوجود، ثم عبّرت عنه في نصوصها الدينية، وإن لم يوثق هذا وفق منهج تاريخي مثبت.
فأمّا الودّان - أو ما يسمى الكبش البربري الذي يعيش في المناطق الجبلية - يحكي إبراهيم الكوني في واحدة من أشهر أعماله "نزيف الحجر" المنشورة سنة 1990، قصةَ رجلٍ اسمه أسوف تحوّل إلى هذا الحيوان وهو يحاول اصطياده. المطاردة انتهت بانهيار الحد الفاصل بين الصياد والفريسة، إذ أن العقاب هنا لا يأتي من قوة خارجية، بل من اكتشاف الإنسان أنه ليس سيداً على الخليقة. وأن محاولته إخضاع الكائنات الأخرى ليست إلا خروجاً عن النظام الذي يحكم وجوده.
ويتكرر الضّب بطلاً في كثير من قصصه طوطماً أو جَدّاً للطوارق. وتربط أساطير القوم ظهور الضب بعقاب أصاب الجدّ الأول للطوارق بعد أن انتهك حرمة الماء، وهو عنصر نادر ومقدّس في البيئة الصحراوية. ويسرد الكُوني في قصة "تحولات الضب بوحدة القياس الفلكي"، من مجموعة "ديوان النثر البري" الصادرة سنة 1991، حادثة هذا التحول حين أقدم الجدّ على الاغتسال في النهر بعد أن أغوته امرأة، فكان المسخ عقاباً على هذا التجاوز.
في هذه القصة من عاقب الجدّ الأول للطوارق وحوّله ضباً، كان اسمه سلطان الضياء، وهو وفقاً للكوني النظير أو الأصل الطارقي للإله المصري رَعْ، ولعله قد توارى في إله القرآن بعد وفود الإسلام. إذ يشيرُ في "وطني صحراء كبرى" بأن "ثقافة تأليه الأسلاف [. . .] استطاعت أن تحتال على الديانات التوحيدية (الإسلام بوجه خاص) لتُبقي على عناصر معتقداتها البدئية كامنة في شعائر الديانات الجديدة". في المقابل احتفظ الطوارق باسمهم الخاص للشيطان وهو "وانتهيّط"، الذي يعني حرفياً "صاحب الأتان". ويبدو دوره مختلفاً عن أَبَالِسة المعتقدات الأخرى، إذ تقتصر غوايته على انتزاع الطارقي من الصحراء، أي بدفعه إلى المحرمات الثلاث، الاستقرار والسلطة والذهب.
كذلك يلوم الكوني الذهبَ والمرأةَ كثيراً في أعمالِه، ويراهما السبب الرئيس في غواية الطوارق واستنزال العقاب الإلهي. ففي الجزء الثاني من رواية "المجوس" الصادرة سنة 1992، يُفرد فصلاً كاملاً عن سِفر تكوين طارقي خالص بعنوان "اللثام". ويبدو الفصل في البداية، كأنه نشاز في الرواية. لكنه في النهاية يخدم غاياتها المعلنة، المتمثلة في خراب واحة "واو" بسبب انتشار الذهب.
يفتتح الكوني هذا الفصل باستشهاد من سِفر التكوين التوراتي الذي يتحدث عن تناول الثمرة المحرّمة. أما بطل هذا الفصل هو "مندام"، المشابه في اشتقاقه للفظة "آدم"، الذي كان يعيش في جنة حقيقية برفقة امرأته، "يتسمم بدنه بالشهوة بعد أن ذاق اللقمة الحرام". وقد طال التشوه فم البطل فشق شفتيه أفقياً.
أما العقاب هنا فمزدوج، الطرد من الجنة الطارقية المسماة "واو"، ثم وجوب ارتداء اللثام لخسف العورة الحقيقية، التي هي الفم في عرف الطوارق. وبهذا يتجدد دور المرأة سبباً مباشراً للهبوط من هذه الجنة. على أن الكُوني يمعن في رسم دورها الفعّال في هذا الطرد، بل إنه ينقل على لسان البطل تشبيهات من قبيل: "أيتها الحيّة".
هذا "العداء" مع المرأة مرده، عند طوارق الكوني، إلى كونها تقف حجرَ عثرة أمام الحياة الروحية المنشودة. فهي بإيقاظها غرائزَ الرجل تمثل إحراجاً للروح وتذكرها دوماً بارتباطها الوثيق بالجسد واستحالة الفِكاك منه. ويَقرن الكُوني في "ديوان البر والبحر" المنشور سنة 1999، حرية الروح بغيابِ المرأة، وحرية الدُنيا بحضورها.
لكن الطرد - المشابه في حيثياته قصة خروج آدم وحواء من الجنة عند جيران الطوارق من الساميين - لم يكن المصيبة الوحيدة التي حلّت بهم. إذ يشير الكُوني في "ديوان النثر البريّ" إلى أن "ضياع الصحراوي لم يبدأ مع نفي الجدّ الأول وإخراجه من واو [الجنة]، ولكن الضياع الحقيقي، المنفى الحقيقي، التيه الحقيقي، بدأ مع إضاعة السِفر الحجري". والسفر الحجري هو ما يعادل عند الطوارق الكتاب المقدس، وأطلقوا عليه اسم "آنهي"، الذي يعني في لغة التماهق "الـمُبكّر" أو "البِدئي".
ويورد الكُوني في "ديوان النثر البريّ" بأن "حكماء القوم قرروا نقل "نصوص الكتاب المقدس من لغة الآلهة إلى لغة البشر [التيفيناغ] ثم من الحجر إلى رُقع الجلد". لكنه حُكم عليه بالضياع. ويُرجع الكُوني، في روايةِ "المجوس"، هذا إلى أن "الدهماء ظنوا بأنه 'كتاب الكنوز'، وتخاطفوه ومزّقوه".
هكذا يُتلف الطمع بالثروة، والذهب أساسها، كتابَها المقدس. لذا تكثر الإشارات في "آنهي"، برواية الكُوني، إلى التحذير من الذهب، ذلك لأن "آنهي" يروم تسييج "العزلة السعيدة" وتحصينها في صحراء الطوارق. فالانشغال بالذهب وتملّكه هو الطريق الحتمي للاستقرار، وتالياً لتدمير حياة الطوارق في الصحراء. لذا تتكرر لعنة الذهب في مجمل أعمال الكوني عن الصحراء، ويلخصها في حكمة مُستعارة من "آنهي" تحديداً حين يقول في روايةِ المجوس "أن تقطع يدك أفضل من أنْ تدعها تمتدّ إلى الكنوز". ويتبين ذلك أيضاً في الرواية بقوله: "المجوسي ليس من عَبَد الله في الحجر، ولكن مَنْ أشرك في حُبه الذهب".
فالتحذير من الذهب في عالم الكُوني لا يبدو غايةً في ذاته، إنما جزءاً من منظومة رمزية أوسع هدفت إلى صون نمط الحياة الصحراوي من كل ما يقود إلى الاستقرار. وهو ما يتبين حتى في بعض مفردات الحياة اليومية لدى الطوارق، إذ يسمون البيت مثلاً في لغتهم "آزكا"، وتعني كذلك القبر. وهنا فإن الراحل عندهم متفوق أخلاقياً ورمزياً على المستقر. ولعل في هذا ما يفسر الإعلاء من شأن هابيل ضداً لأخيه قابيل في مجمل عمل الكُوني. على أن الفصل بين الأخوين ليس جوهرياً، فهابيل بوسعه أن يتحول إلى قابيل إذا ما استقر، فيجرم بحقّ نفسه باستسلامه تبعات الاستقرار، التي تبدأ من التملّك وتنتهي عند السلطة. والذهب هو المسرّع لهذا "المسخ" الذي قد يصيب الصحراوي.
وإذْ تكفلت أساطيرهم بالتحذير الغيبي من الذهب، كان لا بد للطوارق أن يجدوا مبرراً غير ديني للتحوّط منه. فكان ذلك في الزهد الذي يعد الخُلق الأسمى الذي قد يتحلى به الطارقي. إذ يقول الكُوني في كتاب "وطني صحراء كبرى" بأن "الصحراء سجية زهدية". وبالتدقيق في عمل الكُوني نجد أنه يخلو تماماً من مشاهد موغلة في الحسيّة، وتكاد الخمر تختفي تماماً من أرض كالصحراء، وكل ما يتصل بالشهوة يصبح مسموماً. وهذا ما حدث لمندام بطل سفر التكوين الطارقي - في فصل "اللثام" من رواية المجوس - حين "تسمم بدنه بالشهوة، بعد أن ذاق اللقمة الحرام".
تتجسد هذه الرؤية في رواية "الورم" الصادرة سنة 2008، التي يعدّها إبراهيم الكُوني أهم أعماله التي تناولت السياسة. وقد ردد في أكثر من مناسبة بأن هذه الرواية تنبأت بسقوط نظام العقيد معمر القذافي سنة 2011. وتدور قصتها حول "أسناي" الذي وهبه "الزعيم" خُلعة جلدية ليَسودَ على الناس. تلتحم الخُلعة بجلده مع توالي الفصول إلى غاية أن تصبح "جلدة الجسد"، لنكتشف في لاحق الصفحات أن الخلعة ليست "هبة الزعيم، ولكنها هي الزعيم".
ينتقل أسناي بمقتضى هذا التكليف الصادر عن "حكيم الأغراب"، الذي نكتشف أنه ليس سوى وانتهيط الشيطان، من "صفوف العُبّاد إلى مصاف المعبودات". إذ يشرع أسناي من التفرد بالحكم إلى فرض الضرائب المجحفة لينتهي بالاستبداد. وتتوازى هذه الانتقالات مع تمكن الخلعة منه، فتشرع في التهام جسده وشرب دمه إلى أن تقتله. ويلخص وانتهيّط الرواية في الأخير ليقول: "إن الخُلعة [السلطة] لم تخلق لتخلع على أناسٍ أفاضل، لكن على أراذل".
ومردّ حبكة الرواية إلى تصور الكُوني للسلطة قوةً قابلة للتحول إلى استبداد حين تنفصل عن القيود الأخلاقية التي تضبطها. وهو ما يفسر الحاجة إلى إحاطتها بمنظومة من الأعراف التي تحدّ من تغولها. فقد توجّسَ الطوارقُ تقليدياً من السلطة وأثرها على النفس البشرية، لذلك كان لهم نظام حكم صارم، يقضي بتكليف مجلس شيوخ القبائل الكبرى للزعيم.
وبحسب الكاتب الجزائري، محمد أقمامه، في كتابه "كيل أهقار، قصة سقوط آخر مملكة للبربر" المنشور سنة 2014، يُسمى الزعيم "أمنوكال" (أمين أو ممثل البلاد)، ويعود إلى مجلس الأعيان في كل القرارات المهمة. ويصف زندري عبدالنبي، الباحث في جامعة تامنغست الجزائرية، في أطروحة الماجستير "بوادر استيطان البدو التوارق (إموهاغ) في الوسط الحضري" التي نُوقشت سنة 2006، النظام السياسي لدى الطوارق بالاتحاد القبائلي، القريب من النظام "الكونفدرالي".
اقتضى العرف في هذا النظام السياسي أن يرث ابن الأخت السلطة إن توافرت فيه مؤهلات الزعامة. ويرى الكُوني أن توريث ابن الأخت جاء ليمنع الانتقال المتأزّم تاريخياً للسلطة بين الأب والابن، فيقول في أنوبيس: "منذ اليوم الراية بيد ابن الأخت، وليس بيد ابن الأب".
وإن يرى الجغرافي الفرنسي هنري دوفيريي في كتابه "لي توارق دي نور" (طوارق الشمال) الصادر سنة 1864، أن المجتمع الطارقي لا يزال يحتفظ ببنية نظام أمومي، فإن الكُوني لا يتعامل مع هذا التقليد مجرد بقايا اجتماعية، إنما يمنحه معنى رمزياً يرتبط بتصور الطوارق للقرابة والسلطة. إذ يرى أن الراية انتقلت إلى ابن الأخت لأن رابطة الأخت مثلت قانوناً قديماً في مخيالهم.
لم يلغِ ضبط السلطة داخل البنية القبلية الحاجةَ إلى القوة في مجتمع رعوي تحكمه ندرة الموارد واتساع المجال الصحراوي. فقد كانت هذه القوة جزءاً من شروط البقاء نفسها. فالراعي لم يكن يواجه المفترسات والسِباع والسارقين فحسب، إنما كذلك أخطاراً أشد أثراً، مثل فقدان المراعي الخصبة أو تعذر الوصول إلى طرق التجارة وتأمينها. ومن هنا يرى عالِم الإناسة الفرنسي جان بيير ديغارد في مقاله "لاكريز دي سوسييتي باستورال" (أزمة المجتمعات الرعوية)، أن الغزو غدا ظاهرة متكررة في المجتمعات الرعوية. وبذلك تشترك أمم البدو والترحال في اللجوء إليه للذود عن اقتصادها ووجودها.
ضمن هذا السياق، يدخل العنف في منظومة القيم البدوية ويغدو رأسمال رمزي يتنافس حوله فرسان القبيلة. يصرح أحد أبطال الكُوني في نص "الطريق إلى واو" من "ديوان النثر البريّ" بأن "الصحراوي لن يكون رجلاً إذا لم يشارك في الغزوات". ويمكن إضافة أنّ الغزو عند الطوارق يُعدّ نتيجة للفراغ السياسي الذي ساد مناطقهم، فلا سلطة مركزية دائمة تبسط قانونها أو يمكن الرجوع إليها في حال حصول خلاف على المراعي والآبار أو طرق التجارة. كل ما هنالك هو نظام أخلاقي رمزي غير مُلزم بقوة السيف أو السلطان، وعقابه أُخروي لا دنيوي.
لا يشكل الطوارق استثناءً في تقاليد الغزو للبدو على مرّ التاريخ، لكن الكُوني يقتصدُ في الإشارة إلى الغزو بين الطوارق ولا يتعرض إليه إلا لِماماً بعكس خصومهم الآخرين مثل القبائل الإفريقية والفرنسيين والطليان. بل يُغفل، مثلاً، هوية القبائل الطارقية المتناحرة، ففرسان القبيلة في رواية المجوس "يعودون من الغزوات ضد قبائل أخرى". وهذه الرواية تسرد صراع قبيلتي آزجر التي تقطن غرب ليبيا مع قبيلة آير، لكنه صراع رمزي لا تراق فيه الدماء، لينتهي هذا النزاع بنفي زعيم قبيلة آزجر بعد رفضه الاستقرارَ في واحة واو.
مع ذلك، يحضرُ تاريخ الطوارق القديم في الغزو، إن ذكر أصلاً، مبعثَ فخر للكوني، لاسيما فيما يرتبطُ بغزوهم مصر. فأول تأريخ محدد لغزو الطوارق، أو أسلافهم من الأمازيغ، كان صوب مصر الفرعونية. ويذكر عالم الآثار المصري أحمد فخري في كتابه "مصر الفرعونية" الصادر سنة 2012 أن تلك الحضارة حكمها لفترة ملك ترجع أصوله إلى ليبيا يدعى "شيشناق" أو شيشنق.
ولا يستحضر الكُوني هذه الوقائع انتصاراً عسكرياً فحسب، بل لتصبح مدخلاً لتفسير أوجه التشابه الثقافي واللغوي التي يرى أنها نشأت بين العالمين الصحراوي والفرعوني. ويذهب في كتابه متعدد الأجزاء "بيان في لغة اللاهوت"، الصادر بين سنتي 2001 و2006، إلى أنه مع "افتقاده للبرهان التاريخي"، بأن الشتات الأول ساهم في استقرار أجداد الطوارق على شطآن نهر النيل، مستدلاً بأن "الوحدة اللغوية الحقيقية ليست وليدة الاحتكاك الطارئ، ولكنها دليل على وحدة الأصول السلالية". وبصرف النظر عن القيمة التاريخية لهذه الفرضية، فإنها تكشف سعي الكُوني إلى إدراج الطوارق في قلب تاريخ الحضارات القديمة، لا على هامشه.
يشير محمد أقمامه إلى أنّ فرنسا قضت على آخر مملكة للطوارق في مدينة تامنغست الجزائرية سنة 1902، ولم تقم للطوارق بعدها سلطة مستقلة لغاية الساعة. وقد حاول الاستعمار الفرنسي مراراً توطين البدو في كل الشمال الإفريقي، بالنظر إلى الثورات المتجددة التي تسببوا فيها وكذلك من أجل التحصيل الضريبي الذي يغدو عسيراً في مجتمعات راحلة. ويشير زندري عبد النبي في أطروحته عن بوادر استيطان البدو إلى محاولة الاستعمار الفرنسي إخضاع بدو الإموهاغ لمشروع الاستيطان، لكن هذه المحاولات باءت بالفشل، فغضّت الطرف عنهم وهم يقطعون الصحراء الكبرى كعادتهم من قرون عديدة.
لكن في لحظات الاستقلال لدول المنطقة قطّعت فرنسا أوصال وطنهم الصحراوي، ووزعتهم في ثلاث دول هي الجزائر والنيجر ومالي، لاسيما أنّ ليبيا كانت قد استقلت قبل ذلك سنة 1951. ولم ينتهِ أثر الاستعمار برسم الحدود الجديدة، إذ واصلت فرنسا استخدام المجال الصحراوي في مشاريع ذات كلفة بيئية وبشرية كبيرة. ومن أبرزها التجارب النووية التي جربتها في الخمسينيات والستينيات في المنطقة، ويصفها الكُوني في سيرته "عدوس السرى" بأنها "جريمة تفجيرات الخمسينات والستينات النووية".
كذلك يشير الكُوني في أعماله وحواراته إلى الدور القاسي الذي انبرت له فرنسا بحق قومه ويصف قِسمتها بالفاشيّة. ونلمس عنده موقفاً حادّاً وإشكالياً من الجزائر في الآونة الأخيرة، كانت قمّته في منشوره على فيسبوك بتاريخ 21 نوفمبر 2021. إذ وصفها بالبلد الذي "خذل أهل الجوار كليبيا أو المغرب أو تونس، ولكنه أبَى إلا أن يخذل نفسه أيضاً".
وعلى موقف الكوني من الجزائر، يلاحظ أنه يحمل على دولتين بالأخص، هما النيجر ومالي. إذ يقول في الجزء الثاني من "عُدوس السُرى"، بأن هاتين الدولتين صنيعة فرنسية "ولم يكن لها وجود على الخارطة الجغرافية". إذ يشكل الإفريقي الأسود النقيض المكتمل للطارقي، فهو أقرب إلى قابيل في وثنيته واستقراره وتجارته الذهب. وهو ما يتبين في رواية المجوس، فمن أجل إنقاذ واحة تنبكتو من المجاعة، اضطر زعيم الطوارق لقبول صفقة عرضها عليه "ملك الأدغال"، ويقصدُ هنا ملكاً إفريقياً لا يسميه، وكان الثمن "الأرض والعِرضَ والسماء، أي تسليم بلاد جنوب النهر، وطابور مقبول من صباياكم وإعادة الروح إلى الآلهة القديمة".
لذا فإن الاحتراب لم يتوقف يوماً بين الطوارق وبين جيرانهم الجنوبيين، وكثيراً ما عادت غزوات الطوارق تحمل عبيداً، ما يبدو صورةً تنافي ما نسبه الكوني لهابيل المسالم الوديع. فمثلاً يرِد اسم "الزنوج" كثيراً في أعمال الكُوني في وصف عرقيات جنوب الصحراء، ويحضر أحياناً بطرق إشكالية. فيقول في الجزء الأول من المجوس: "في الهواء احتدّت الروائح: التيوس والزنوج والبهارات والشاي الأخضر وبول الإبل".
إضافةً إلى هذا التفوق الرمزي، فالتفوق الاجتماعي أو الطبقي سببٌ إضافيٌ للعداء الـمُستحكم. فأحد أبطال الكُوني في رواية المجوس يلاحقه "عار الزواج من زنجية وانجاب ابنة منها"، ويخفيها عن أفراد قبيلته. لذا يبدو أنّ كثيراً من الطوارق رأوا في إلحاقهم بدول مثل النيجر ومالي هزيمةً مُنكرة، خصوصاً إذا أخذنا بالاعتبار الظرف السياسي لهذا الإلحاق القسري. فدولة مالي مثلاً اتخذت في مراحل من تاريخها الديمقراطية الانتخابية نمطاً للحكم، مثلما تشير عالمة الاجتماع الفرنسية ماري فرانس لانج في مقالها "لي كونتراديكسيو دي بروسس ديموكراتيك ماليان" (تناقضات المسار الديمقراطي المالي) المنشور سنة 1999. وبهذا لم تُمنح للطوارق فرصة لتمثيل عادل ومنصف، بالإضافة إلى ترسيخ موقعهم أقليةً خاضعة لمزاجية الأغلبية من الأفارقة السود وصراعاتهم المتجددة على السلطة.
وقد زادت حدة هذه الصراعات وانتقلت إلى مستوى آخر من العنف مع سقوط نظام القذافي سنة 2011، والفراغ الأمني الذي أعقب ذلك. إذ تضاعف النشاط الجهادي في منطقة الساحل الإفريقي مستفيداً من تدفق الأسلحة وعودة المقاتلين من ليبيا إلى شمال مالي، ولاسيما جماعات تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وهو ما وثقه تقرير "الاستراتيجية التوسعية لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" الصادر عن مكتبة الكونغرس الأمريكية سنة 2013.
وتُعرف هذه الحركات بمرونتها العملياتية، وشبكاتها العابرة الحدودَ، وقدرتها على التمكّن في مناطق الفراغ السياسي والأمني. وسلاحها الأقوى يتمثل في قدرتها على استقطاب الاهتمام الإعلامي وتسليط الأضواء على نشاطها. ولعل هذا العامل دفع بعض طوارق مالي وقياداتهم، وفي مقدمتهم إياد أغ غالي، أحد قادة الحركة الشعبية لتحرير أزواد في التسعينيات، إلى النظر إلى تلك الجماعات حليفاً مرحلياً مناسباً. فأسس أغ غالي حركة أنصار الدين في أواخر سنة 2011، داعياً صراحة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في مالي، وذلك وفق ما ورد في بطاقة "حركة أنصار الدين" الصادرة عن المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب، والمحدَّثة في أبريل 2026.
في المقابل، حاولت الحركة الوطنية لتحرير أزواد، التي عُرفت بتراجع حضور البعد الديني في خطابها وتبنيها مشروعاً قوميّاً يركز على الاستقلال أو الحكم الذاتي لإقليم أزواد، النأي بنفسها عن هذا "الحليف" الإشكالي والظرفي، مع اشتراك الطرفين في مواجهة الحكومة المالية وحلفائها المتعاقبين، فرنسا ثم روسيا.
سرعان ما تحول هذا التقارب إلى صراع سنة 2012 بسبب التباين بين المشروع القومي للحركة الوطنية لتحرير أزواد والمشروع الإسلامي الذي تبنته أنصار الدين، وهو ما وثقه تقرير "الجماعات المسلحة في منطقة الساحل" الصادر عن لجنة الشؤون الخارجية في الجمعية الوطنية الفرنسية سنة 2021.
في الجزء الأول من رواية "المجوس" يمكن العثور على حالة مشابهة، أي دخول عقيدة "تعصّب ديني" على مجتمع الطوارق الذي عرف تاريخياً باعتناقه التصوفَ. إذ يحاول الفقيه الذي نصبّه القوم زعيماً لهم العبث ببنية المجتمع الطارقي ونظامه الرمزي، وذلك بفرض حدود شرعية حرفيّة وتحرير العبيد، والأخطر من ذلك دفعهم على الاستقرار. يصطدم الفقيه بشيخ القبيلة "آدّه" فينتهي هذا الصراع بنفي زعيم القبيلة من الواحة المُستحدثة.
في الرواية كذلك يتمادى الفقيه في خلخلة النظام القيمي (الأسطوري)، فيفتي بجواز استعمال الذهب في الواحة، لتنتهي الرواية بخرابها التام نتيجة الغزو، وبقاء ثلاثة نماذج هي الدرويش والزعيم والمرأة. فكأنّ الكوني يقول: هذا ما يبقى في الصحراء: المتصوف والمهاجر والمرأة. الصحراء تتكفل بسحق الباقين، بسحق مدينة قامت على الذهب.
والمتأمل لسيرة الكُوني نفسه يجد فيها شيئاً من قدر الصحراوي نفسه. فالاغتراب كان سمة ظاهرة لحياته، بدأها مع انتقاله في السبعينيات لموسكو من أجل دراسته الثانوية، ثم عيشه في دول أوروبية عديدة مثل بولندا وسويسرا وأخيراً إسبانيا بحسب ما يذكر في سيرته الذاتية ذات الأربعة أجزاء، مشيراً إلى أن الصحراء كانت تسكنه طوال هذا الترحال.
على أن هذه المهمة الجسيمة التي انبرى لها الأديب ستظل محدودة التأثير، إذا لم تتضافر فيها مجهودات أخرى على المستوى السياسي والرسمي. فنضال الطوارق لاي زال في بدايته، وهو محفوف بشتى الأخطار والمزالق، وليس بوسع المرء في الأخير سوى ترديد تحذير آنهي لهم مثلما ورد في رواية المجوس: "مكتوب في آنهي أن يوماً سيأتي يخون فيه الصحراويون العهد".

