خلف واجهات هذه المطاعم والمتاجر حكاياتٌ امتدت عبر أجيال. فقد حمل كلّ قادمٍ منهم شيئاً من موطنه، وارتبطت حياتهم مع الوقت بشوارع ومدارس وخدماتٍ وقراراتٍ محليةٍ يتشاركون أثرها. وفي هذه المساحة المشتركة تبدأ حكاية نفوذ العرب الأمريكيين السياسي في ميشيغان. فقد أتاح الاستقرار وبناء المؤسسات لجماعاتٍ مختلفةٍ في أصولها وأديانها وطبقاتها أن تنظم مصالحها، وتبني تحالفاتٍ، وتشارك في إدارة المدن التي سكنتها. وعلى امتداد عقودٍ اكتسب هذا الحضور اليومي وزناً انتخابياً تجاوز الأحياء العربية إلى حسابات ولايةٍ يتنافس على أصواتها الحزبان الرئيسان بالولايات المتحدة، الديمقراطي والجمهوري.
مع بداية القرن العشرين، تصاعدت الأزمات الاقتصادية في مناطق الدولة العثمانية. وقابلها توسعٌ صناعيٌ في الولايات المتحدة، ما دفع مزيداً من العرب إلى الهجرة. وكانت مصانع ديترويت لصناعة السيارات، التي احتاجت إلى أعدادٍ كبيرةٍ من العمال، من الوجهات التي جذبت هؤلاء المهاجرين، ولاسيما بعد إعلان هنري فورد سنة 1914 عن أجرٍ يوميٍ بلغ خمسة دولارات، ما عزّز جاذبية العمل في مصانعه.
بحلول سنة 1930، كان عدد سكان ديترويت قد ارتفع من نحو 466 ألف نسمةٍ سنة 1910 إلى قرابة 1.6 مليون. فيما برز القادمون من سوريا ولبنان واليمن من بين الجماعات العربية التي حضرت في المدينة آنذاك. وقد استقر كثيرٌ من العمال العرب بدايةً في مدينة هايلاند بارك، بالقرب من مصنع فورد.
بالتوازي مع العمل، بدأ المهاجرون ببناء المؤسسات التي تساعدهم على الاستقرار. فأسّس المسيحيون الكنائس، وهُم غالبية المهاجرين العرب الأوائل، فيما شارك مسلمون عربٌ مع مسلمين من جنوب آسيا وأوروبا في إنشاء مسجدٍ بالمدينة سنة 1921. وأصبحت دور العبادة أماكن للتعارف وتبادل المساعدة، إلى جانب دورها الديني، خصوصاً للوافدين الذين لا يتحدثون الإنجليزية أو لا يألفون الحياة الأمريكية. ومع توسع نشاط فورد في مدينة ديربورن انتقل كثيرٌ من العمال للسكن بالقرب من مواقع العمل الجديدة، واستقرّوا في حيّ ساوث إند بجنوب المدينة، فتكوّن تجمعٌ سكنيٌ وتجاريٌ استقبل لاحقاً موجاتٍ أخرى من المهاجرين.
لكن مسارات الهجرة لم تبقَ مفتوحةً بالقدر نفسه، إذ فرض قانون الهجرة الأمريكي لسنة 1924 حصصاً لوصول مهاجرين جددٍ، ومنحت الأفضلية للقادمين من شمال أوروبا وغربها. واستمرت هذه القيود عقوداً، قبل أن تتزايد الاعتراضات على طابعها التمييزي مع صعود حركة الحقوق المدنية في الخمسينيات والستينيات. وفي سنة 1965، أقرت الولايات المتحدة قانوناً ألغى نظام التفضيل حسب الأصل القومي، وأعطى الأولوية للروابط العائلية والمهارات المهنية، فاتسعت مجدداً فرص الهجرة من البلدان العربية.
تزامن هذا التحول مع حروبٍ وأزماتٍ اقتصاديةٍ دفعت مزيداً من العرب إلى مغادرة بلدانهم حينئذٍ، لاسيما من اليمن ولبنان. إذ شهد اليمن حرباً أهليةً بين 1962 و1970، وصراعاتٍ متجددةً في السبعينيات والثمانينيات. وتزامن ذلك مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1975 التي استمرت خمسة عشر عاماً. كانت ديترويت وجهةً لكثيرٍ من هؤلاء، حيث استقرّ كثيرٌ منهم في حيّ ساوث إند.
وبعد تزايد أعداد الوافدين، لم يعد الحصول على وظيفةٍ وحده كافياً لتلبية احتياجات هذه الموجات. فقد احتاج الوافدون إلى تعلم الإنجليزية والحصول على الرعاية الصحية، والمساعدة في البحث عن عملٍ، والتعامل مع المؤسسات الأمريكية. واستجابةً لهذا كلّه، اشتركت مجموعةٌ من الناشطين العرب الأمريكيين وقدامى محاربي حرب فيتنام بتأسيس المركز العربي للخدمات الاقتصادية والاجتماعية، المعروف بِاسم "أكسس" سنة 1971، لمساعدة المهاجرين العرب على الاستقرار وتلبية احتياجاتهم الضرورية. أضاف ظهور هذه المؤسسات عنصراً جديداً إلى أسباب الاستقرار في المنطقة. فإلى جانب المصانع والمتاجر والكنائس والمساجد، أصبح هناك تنظيمٌ مجتمعيٌ يقدّم خدماتٍ عمليةً للمهاجرين.
بالتزامن مع حرب الخليج سنة 1991، توافدت موجةٌ جديدةٌ من المهاجرين. فغادر عراقيون مسلمون ومسيحيون إلى الولايات المتحدة، واستقر كثيرٌ منهم أيضاً في ديترويت، حيث وجد القادمون الجدد مجتمعاتٍ عربيةً راسخةً ومؤسساتٍ دينيةً وخدميةً وشبكاتٍ اجتماعيةً واقتصاديةً تساعدهم على إيجاد السكن والعمل.
وفي مرحلةٍ لاحقةٍ، دفعت الاضطرابات والحروب التي أعقبت الربيع العربي سنة 2011، خصوصاً في سوريا واليمن، مزيداً من السكان إلى مغادرة بلدانهم. وأصبحت ديترويت تستقبل أيضاً لاجئين استقروا أولاً في ولاياتٍ أمريكيةٍ أخرى، ثم انتقلوا إليها لاحقاً للاستفادة من الخدمات وفرص العمل داخل المجتمع.
مع هذه التدفقات، اتسع الاقتصاد الذي بناه العرب الأمريكيون في جنوب شرق ميشيغان. سنة 2017 استضافت إذاعةُ "دبليو دي إي تي" المحليةُ في ديترويت حسن جابر، الذي كان حينئذٍ يشغل منصب الرئيس التنفيذي للمركز العربي للخدمات الاقتصادية والاجتماعية "أكسس". قدّر جابر عدد المشروعات الصغيرة المملوكة لعربٍ أمريكيين في جنوب شرق ميشيغان بنحو أحد عشر ألف مشروعٍ، توظّف قرابة مئة وسبعين ألف شخص.
على أحد جدران مقرّ صحيفة "صدى الوطن" بالعربية وبالإنجليزية "ذي آراب أمريكان نيوز" في وسط مدينة ديربورن، تتزاحم صور مؤسّسها أسامة سبلاني في لقاءاتٍ جمعته بشخصياتٍ عربيةٍ وأمريكيةٍ، من بينها مسؤولون وصناع قرار. تختصر الصور جانباً من المسافة التي قطعها سبلاني منذ أصدر العدد التمهيدي الأول من الصحيفة في 23 يناير 1985، حاملاً على صفحته الأولى سؤالاً لمن هذه الجريدة وكيف ستكون. فلم يكن هدفه إصدار صحيفةٍ جديدةٍ للجالية العربية فحسب، بل إيجاد مساحةٍ تجمع المهاجرين العرب وأبناءهم على اختلاف بلدانهم وانتماءاتهم الدينية، تحت هويةٍ عربيةٍ أمريكيةٍ مشتركة.
مقر جريدة صدى الوطن بديربورن والعدد الأول للجريدة | تصوير الكاتبة
التقت الفراتس السبلاني في مقر الجريدة. في مكتبه تتراكم الأوراق والكتب وسط أثاثٍ ثقيلٍ ذي زخارف مذهبةٍ، في مشهدٍ يبدو مألوفاً لمن دخل مكاتب أو بيوتاً عربية. ومن هذا الداخل يمكنك رؤية الشارع بالخارج، فتظهر السيارات الحديثة والفاخرة جزءاً من حياةٍ أمريكيةٍ تُرى من مكانٍ رتّبه صاحبه بذائقةٍ حملها معه، وأبقى لها مساحةً في البلد الذي صار وطنه.
يحكي السبلاني عن البدايات، موضحاً أنه تعمد اختيار اسمٍ يعبر عن العرب الأمريكيين، لا عن اللبنانيين أو السوريين أو غيرهم من العرب بصورةٍ منفصلةٍ، وأنه أراد وصل المهاجرين بالأجيال التي وُلدت ونشأت في الولايات المتحدة. ومن هذه الفكرة، انتقل حديثه إلى مشروعٍ أوسع لبناء قوةٍ سياسيةٍ عربيةٍ أمريكيةٍ، يبدأ من الأحياء والمدارس والمجالس المحلية، قبل أن يمتد إلى مؤسسات الولاية والكونغرس.
يقول أن طريق الاندماج في المجتمع الأمريكي لم يكن سهلاً ولا ممهداً، وقد عاصر صعوباته وأسهم في محاولات تجاوزه. غادر بيروت سنة 1976 مع الحرب الأهلية اللبنانية بحثاً عن فرصةٍ للتعلم. ومرّ بلندن واشترى منها تذكرة ذهابٍ إلى الولايات المتحدة، التي كان يقيم فيها أحد إخوته. وبعد دراسة الهندسة الكهربائية، عمل ستة أشهرٍ بشركة "جنرال موتورز" للسيارات سنة 1979، ثم انتقل إلى شركة "إنرجي إنترناشونال" التي أصبح نائباً لرئيسها، واستقر في مدينة تروي بميشيغان.
كان يبني حياته من خلال الدراسة والعمل، إلى أن جاء الغزو الإسرائيلي للبنان سنة 1982. دُمّر بيت أسرته في بيروت، وشعر وهو يتابع التغطية الإعلامية الأمريكية، بأن رواية العرب لما يجري لا تجد مساحةً كافيةً للوصول إلى الجمهور. دفعته التجربة إلى التفكير في تأسيس وسيلةٍ إعلاميةٍ تتيح لهم التعبير عن أنفسهم. درس إمكان العمل في الإذاعة والتلفزيون، لكنه رأى أن تكلفتهما وشروط البث قد تجعل استمرار المشروع مرهوناً بقرارات المحطات التي تبثها، فاتجه إلى تأسيس صحيفةٍ مطبوعة.
قادته الفكرة إلى التعرف على المجتمع العربي في ديربورن، خاصةً في منطقة ساوث إند المعروفة بِاسم "ديكس" والقريبة من مصنع فورد، والتي استقر بها آنذاك مهاجرون لبنانيون ويمنيون وفلسطينيون. وإن وجد هؤلاء مكاناً للعمل والسكن، لكن دخولهم الحياة العامة في المدينة لم يكن سهلاً.
هنا يستعيد سبلاني تاريخ ديربورن مع العمدة أورفيل هابارد، الذي تولى رئاستها ثلاثة وثلاثين عاماً، ومارس العنصرية تجاه المواطنين غير البيض. في روايته، كانت المدينة التي احتاجت مصانعها إلى المهاجرين تحمل أيضاً إرثاً من الإقصاء، وكان على العرب أن يبنوا حضورهم العام داخل هذا الواقع.
بحث السبلاني عن مكتبٍ للجريدة في وسط المدينة، وتواصل مع وكيل عقاراتٍ وفّر له مكاناً مقابل مبنى البلدية، بالقرب من صحيفةٍ محلية. وساعده مقاولٌ عربيٌ على تحويل الشقة إلى مكتب. ومن هناك انطلقت الصحيفة في السابع من سبتمبر 1984، بتمويلٍ شخصيٍ منه، قبل أن يستقيل من وظيفته في السنة التالية ويتفرغ للنشر.
احتاج تأسيس الصحيفة إلى بناء أدوات العمل نفسها. فبحسب سبلاني، لم تكن هناك مطبعةٌ محليةٌ مجهزةٌ لطباعة العربية، فاستعان بعامل طباعةٍ من لبنان، واستقدم كتّاباً من لبنان والأردن وفلسطين. ويتذكر أنه دفع 136 ألف دولار لشراء آلةٍ للطباعة العربية، و54 ألفاً لبرمجتها، إلى جانب ما تطلّبه إعداد الصفحات والصور يدوياً. أرادها صحيفةً للعرب الأمريكيين تتسع للقادمين من بلدانٍ عربيةٍ مختلفةٍ وللمولودين في الولايات المتحدة، وتساعدهم على رؤية أنفسهم جزءاً من جماعةٍ لها مكانٌ ومصالح في البلد.
بدأ السبلاني توزيع الصحيفة في أماكن تجمّع العرب، كالمركز الإسلامي في أمريكا، وكان عدد القراء محدوداً في البداية. وبينما اهتمت أعدادها الأولى بقضايا المنطقة العربية، ومنها القضية الفلسطينية، أراد لها أيضاً أن تصبح مؤسسةً محليةً موثوقةً يرجع إليها الناس ويسألونها عن شؤونهم. ومن خلال هذا الربط بين بلد المنشأ ومكان الإقامة، حاولت الصحيفة أن تفتح للمهاجرين طريقاً للمشاركة في المدينة التي صاروا يعيشون فيها. أراد السبلاني أن تشجعهم الصحيفة على إعلان حضورهم والمشاركة في شؤون مدينتهم. كان يرى مهاجرين نجحوا في أعمالهم وأصبحوا أصحاب مشروعاتٍ، ويدعوهم إلى إظهار انتمائهم العربي والمساهمة في بناء مجتمعهم.
في تصوّره، احتاج الانتقال من النجاح الفردي إلى المشاركة العامة زمناً، يبدأ بأن يعرّف الناس بأنفسهم ويطالبوا بحقوقهم ويصوتوا ويشاركوا، وتتسع من خلال ذلك فرص وصولهم إلى المهن والمؤسسات ومواقع القرار. ولم يكن تولي المناصب نتيجةً فوريةً منتظرةً من هذه الخطوات، لكن البداية كانت الخروج إلى المجال العام والتعامل مع المدينة جزءاً منها.
في السنة الأولى لصدور الصحيفة، واجه هذا التوجه حملةً انتخابيةً جعلت الوجود العربي نفسه موضوعاً للهجوم. ففي انتخابات رئاسة بلدية ديربورن سنة 1985، وزع المرشح مايكل جايدو مطبوعةً انتخابيةً تدعو إلى الحديث عن "المشكلة العربية". هاجمت المطبوعةُ التعليمَ ثنائي اللغة للأطفال العرب في المدارس العامة، واتهمت بعض السكان العرب بإهمال عقاراتهم، وصورت مطالب قياداتهم بالخدمات والتمويل العامّ باعتبارها إلحاحاً في طلب المزايا.
في المقابل، قاد السبلاني حملةً ضد جايدو، إذ رأى فيه امتداداً لإرث العمدة أورفيل هابارد العنصري. ومع ذلك، فاز جايدو بالانتخابات. وأظهرت المواجهة صعوبة الطريق الذي دخلته الصحيفة والمجتمع الذي تخاطبه. ولكن استمرار المشاركة حتى مع الخسارة كانت من أجل تثبيت حقّهم في الظهور والتعبير والتأثير في المكان الذي استقروا فيه.
ومع اتساع المجتمع العربي، أخذت الحياة اليومية في ديربورن تتغير أيضاً. يتحدث السبلاني عن نموٍ تدريجيٍ امتدّ أعواماً، ظهرت معه المقاهي والمتاجر والمطاعم العربية في أنحاء المدينة. وقد أتاح هذا الحضور للسكان أن يجدوا بالقرب منهم أماكن تلبّي احتياجاتهم وتناسب عاداتهم، ولأصحاب المشروعات أن يبنوا أعمالاً تخدم مجتمعاً آخذاً في الاتساع. وبات الاستقرار يتجاوز العثور على مسكنٍ ووظيفةٍ إلى تكوين بيئةٍ اجتماعيةٍ يستطيع الناس ممارسة تفاصيل حياتهم فيها، ويؤسسون خدماتٍ ومنابر يجدون فيها لغتهم واهتماماتهم. وضمن هذا السياق، حاولت الصحيفة أن تجعل تجارب الأفراد وقضاياهم موضوعاً مشتركاً بين أبناء المجتمع.
لكن السبلاني لا يعدّ هذا الاتساع مساراً خالياً من التوتر. فهو يتحدث عما يسميه آلام النمو، وما صاحبها من تنافسٍ وغيرةٍ بين مجموعاتٍ من أصولٍ عربيةٍ متباينة. فالكثافة التي أتاحت قيام الأعمال والمؤسسات جمعت أيضاً احتياجاتٍ ومصالح مختلفة. وكان بناء حياةٍ محليةٍ أكثر اكتمالاً يجري وسط هذه الاختلافات، ويتطلب التعامل معها.
ومن داخل هذه الاختلافات التقت الفراتس مضر حوراني بديربورن أيضاً، للحديث عن روابط تتيح التقارب. حوراني سوريٌ ينتمي إلى الطائفة العلوية، وصل إلى ميشيغان سنة 2008 لإكمال دراسة الماجستير والدكتوراه في الهندسة الحاسوبية، ثم استقر فيها بسبب الحرب في سوريا. يقول إنه يشعر بالانتماء إلى شرائح مختلفةٍ داخل المجتمع السوري والعربي، ويرى أن التفاعل بين المجموعات العربية بدأ يتجاوز حدود أصولها. ويشير إلى الموسيقى والطعام والمهرجانات والندوات، وإلى مؤسساتٍ مثل المتحف العربي الأمريكي في ديربورن، باعتبارها روابط ثقافيةً تجمع أبناء هذه الخلفيات. فالمساحات التي نشأت لتلبية احتياجات المجتمع أصبحت برأيه تتيح أيضاً لقاءً بين مكوناته ليجدوا فيها عناصر مألوفةً، مع اختلاف اللهجات والانتماءات.
في تقديره، تتداخل هذه الثقافة المشتركة مع تجربة الهجرة والمشاركة في الحياة المدنية الأمريكية، بما قد يفتح الطريق أمام انتماءٍ عربيٍ يتشكل من العيش في الولايات المتحدة. ولا يعني ذلك أن الحدود بين المجموعات قد اختفت، إذ يلفت حوراني إلى استمرار تجمعاتٍ جغرافيةٍ وطائفيةٍ، منها الحضور اليمني السني مثلاً في مدينة هامترامك واللبناني الشيعي في ديربورن.
وتجد هذه التحولات في الحياة اليومية صدىً في دراساتٍ تناولت تطور المجتمعات العربية في ديترويت وعلاقتها بالمكان. منها كتاب "بيوند ريفيوج إن آراب ديترويت" (ما بعد الملاذ في ديترويت العربية) الصادر سنة 2025، الذي أشرف على إعداده الأكاديميون ياسمين حنوش وسالي هاول وأندرو شريوك. يصف الباحثون انتقالاً من البحث عن الأمان والقبول إلى بناء حياةٍ محليةٍ أكثر رسوخاً، من خلال الاستقرار والاستثمار وإنشاء مساحاتٍ جديدة. ويربطون إمكان هذا التحول باتساع المجتمعات العربية والكلدانية (جماعة مسيحية جذورها في العراق تنتمي إلى الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية)، وبما أصبحت تمثله من أسواقٍ اقتصاديةٍ وقواعد اجتماعيةٍ وسياسية. فديترويت، في هذا التصور، تصبح مكاناً يبني فيه السكان مستقبلهم، مع استمرار ارتباطهم ببلدانهم الأصلية.
ويمثل اليمنيون في هامترامك، كما يوضح الكتاب، واقعاً ملموساً لهذا الانتقال. إذ استمر السكان في إرسال الأموال إلى أسرهم في اليمن، وفي الوقت نفسه زاد استثمارهم في المدينة الأمريكية، فاشتروا البيوت ورمموها وأنشؤوا مشروعاتٍ ومؤسساتٍ لتلبية احتياجات الحياة اليومية وتوفير أماكن للقاء. وامتد تشكيل المكان إلى داخل البيوت وعلاقتها بالشارع. فحوّلت أسرٌ عربيةٌ في شرق ديربورن جراجات (مَرائب) السيارات إلى غرفٍ لاستقبال الضيوف، وجهزت أقبية المنازل لتصبح مساحات معيشةٍ مفتوحةً، واستخدمت الشرفات الأمامية للجلوس والزيارة.
تنسجم هذه التفاصيل مع مفهوم "صنع العوالم" الذي يستخدمه محررو الكتاب لوصف بناء مساحاتٍ تُمارس فيها العادات والمعتقدات وتنتقل عبر الزمن، وينشأ فيها شعورٌ مشتركٌ بالانتماء. لكن بناء هذه المساحات قد يثير اعتراض المحيطين بها. فقد اعترض بعض الجيران على جلوس الأسر العربية واستقبال ضيوفها أمام المنازل، وسعوا إلى استصدار قرارٍ من مجلس المدينة لنقل جلساتهم إلى الأفنية الخلفية. فشلت تلك المحاولة، لكن الخلافات حول تحويل الجراجات إلى غرف معيشةٍ دفعت مجلس المدينة إلى فرض قيودٍ على استخدامه.
وفي حالاتٍ أخرى، أفضت الخلافات حول استخدام المساحات المحلية إلى إنشاء مؤسساتٍ في مواقع بديلة. ففي سنة 1981، قادت السيدة إيسي أبراهام لجنةً لإنشاء مسجدٍ لجماعةٍ من المسلمين ذوي الأصول اللبنانية، معظمهم من الجيل الثاني والمسنّين الذين استقروا في منطقة ساوث إند جنوب ديربورن.
كانت الجماعة قد اختلفت مع وافدين جددٍ من فلسطين واليمن حول ممارسات المسجد القائم، ومنها دور النساء والأنشطة الاجتماعية. لذا سعت اللجنة إلى افتتاح المسجد في شارع ميشيغان قرب مبنى البلدية، لكن المدينة رفضت طلبها، وتلقت إيسي رسالة كراهيةٍ تطالب العرب بالبقاء في ساوث إند. ثم في سنة 1983، نجحت الجماعة في افتتاح مقرٍّ بديلٍ على شارع تشيس، في موقعٍ أكثر هدوءاً وأقل ظهوراً بشرق ديربورن.
سبق هذا التحولَ عملٌ امتد أعواماً لتنظيم الحضور السياسي للعرب الأمريكيين والسعي إلى تمثيل مصالحهم في إدارة المدينة. كان عبد حمّود المحامي اللبناني الأصل ومساعد المدعي العام في مقاطعة واين، أحد القائمين على هذا العمل. وصل إلى الولايات المتحدة سنة 1990 بعدما درس الهندسة في فرنسا، ثم درس القانون في جامعة واين ستيت. وسنة 1998، أسّس بمساعدة السبلاني لجنة العمل السياسي العربية الأمريكية، المعروفة اختصاراً "أباك"، لتكون إطاراً لتقييم المرشحين ودعمهم واتخاذ القرارات جماعياً، بدلاً من علاقاتٍ فرديةٍ يحصل فيها السياسي على التأييد مقابل خدماتٍ شخصية.
وكانت اللجنة تجري مقابلاتٍ مع المرشحين في اجتماعاتٍ مفتوحةٍ للمجتمع، ثم تصوت على تأييدهم. وعندما قرر حمّود الترشح لرئاسة بلدية ديربورن سنة 2001، ترك رئاسة اللجنة وخاض السباق بدعمها ودعم الصحيفة. مثلت حملته انتقالاً من تنظيم التأييد للمرشحين إلى تقديم مرشحٍ من داخل المجتمع لإدارة المدينة. وكان برنامجه يتناول خفض الإنفاق وتحسين الخدمات وتطبيق القانون بالتساوي وجذب مشروعاتٍ جديدةٍ إلى المناطق التجارية. وكان هذا أول ترشحٍ له لمنصبٍ منتخبٍ، في مواجهة مايكل جايدو، العمدة القائم منذ ستة عشر عاماً يومئذ.
وافق يوم الانتخابات التمهيدية هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وحصل حمّود على نحو 18 بالمئة من الأصوات، ليحل ثانياً ويتأهل إلى الانتخابات العامة، مقابل نحو 60 بالمئة لمنافسه جايدو. وفي حين كان السبلاني يساند الحملة، اضطر أيضاً إلى مخاطبة جمهورٍ أمريكيٍ أوسع عن الخوف الذي واجهه العرب في ميشيغان.
ينقل الصحفي بول باريت في كتابه "أميركان إسلام [. . .]" (الإسلام الأمريكي: الصراع على روح الإسلام) تصريحاً أدلى به السبلاني إلى شبكة "إيه بي سي نيوز" في 12 سبتمبر 2001، حذّر فيه من أن بعض المشاهدين لا يميزون بين أسامة بن لادن وأسامة السبلاني، وأن ذلك يثير خوفهم. ويستعيد السبلاني ظهوره على تلك الشبكة أمام المذيع توم بروكاو بعد ساعاتٍ من الهجمات، وشعوره بالخوف مثل أيّ أمريكي. ويختصر بهذا الموقف المأزق الذي واجهه، فكان يحاول التعبير عن صدمته بالهجمات، وفي الوقت نفسه يشرح أن العرب الأمريكيين جزءٌ من المجتمع الذي فُجع بها، ويخشون أيضاً أن تطالهم أعمال انتقامية.
خسر حمّود الانتخابات العامة، وحصل على 21 بالمئة من الأصوات. وبينما يربط السبلاني الخسارة بالمناخ الذي أعقب الهجمات، كان حمّود أكثر تحفظاً في مقابلته مع "سي إن إن" في 11 نوفمبر 2001، وقال إن تحديد أسباب الهزيمة صعب، وإنها كانت تجربته الانتخابية الأولى في مواجهة عمدةٍ قويٍ وشعبيٍ، وفي حين يميل الناخبون إلى التمسك بشاغلي المناصب. وتحدث كذلك عن رسائل تلقّاها، بعضها يحمل تهديداً، لكنه أكد استمراره في العمل العام.
ورغم التهديد، يتذكر السبلاني تضامناً ساعده على الشعور بالأمان. فقد جاء محاربون قدامى ومواطنون أمريكيون لحمايته. وفيما دفع الخوف بعض العرب إلى الانكفاء، يقول إن آخرين قرروا البقاء ومواصلة العمل السياسي. فقد كانت العلاقات التي نسجوها خلال السنوات السابقة مورداً يمكن الاستناد إليه، فيما اكتسبت المشاركة في الحياة العامة أهميةً أكبر للدفاع عن وجودهم وحقوقهم. ويربط السبلاني استمرار هذا العمل بتصورٍ يبدأ من حيث يعيش الناس، من المدارس والبلديات والمقاطعات. ففي نظره، تحتاج القدرة على التأثير في واشنطن العاصمة إلى قاعدةٍ محليةٍ تتكون عبر التنظيم والتصويت وبناء العلاقات مع المؤسسات والمسؤولين من داخل المجتمعات الأصغر من البداية.
ولم يقتصر دور هذه المؤسسات على تنظيم المشاركة السياسية، بل شمل أيضاً التعامل المباشر مع تداعيات الهجمات على المجتمع العربي الأمريكي. يوثق كتاب "سيتيزنشيب آند كرايسس [. . .]" (المواطنة والأزمة: ديترويت العربية بعد 11 سبتمبر)، الصادر سنة 2009 عن فريق دراسة عرب ديترويت، كيف استُخدمت المؤسسات والعلاقات المتراكمة لحماية المجتمع. يقول الكتاب إن رينا عباس شامي، نائبة مدير مكتب اللجنة الأمريكية العربية لمكافحة التمييز في ميشيغان، أفادت بأن عدد شكاوى التمييز التي تلقاها المكتب ارتفع من أربع شكاياتٍ إلى خمسٍ أسبوعياً ليصل إلى عدّة مئاتٍ خلال سبتمبر وأكتوبر 2001.
تجاوز الضغط قدرة موظفي المكتب، فبدأوا إحالة المتضررين إلى المكتب الوطني وإلى خطٍ للإبلاغ عن جرائم الكراهية أُنشئ بالتعاون مع مقاطعة واين عقب الهجمات. وشملت التهديدات أماكن العبادة والتعليم والخدمات. وفي الكتاب يستعيد رونالد أمين، المسؤول السابق في مكتب شريف مقاطعة واين، كيف تلقّى مسجدٌ ومدرسةٌ دينيةٌ على شارع فورد اتصالاتٍ تهدد بتفجير المباني وقتل الأطفال، ما دفع المدرسة إلى إغلاق أبوابها في منتصف يوم الأربعاء التالي للهجمات. غداة ذلك اليوم، اجتمع أمين وشريف المقاطعة روبرت فيكانو وضباطٌ من أصولٍ عربيةٍ مع أئمة مساجد ديربورن ومساجد قريبةٍ منها في ديترويت. اتُّفِق على توفير الحماية لصلاة الجمعة، واستُعين بشرطةٍ متطوعين للعمل ساعاتٍ إضافيةً، بما أتاح وجود شُرطيَّيْن على الأقل أمام كل مسجدٍ في ديربورن.
وفي خضم الأزمة، واجه المجتمع تداعيات الهجمات مستنداً إلى مؤسساتٍ سبقت ذلك بعقودٍ، منها "أكسس" واللجنة الأمريكية العربية لمكافحة التمييز، التي تأسست سنة 1980 للدفاع عن حقوقهم. وامتد التنسيق إلى قيادة المدينة. ففي يوم الهجمات، اجتمع عماد حمد، مدير فرع اللجنة الأمريكية العربية، بالعمدة مايكل جايدو ورئيس الشرطة لمناقشة احتمال وقوع اعتداءاتٍ، وسبل منعها وطمأنة السكان. والعمدة الذي استهدف العرب بخطابه الانتخابي سنة 1985 أصبح، في تلك اللحظة، طرفاً في ترتيبات حمايتهم. كذلك، وسّعت أجهزة إنفاذ القانون دورياتها في الأحياء والأسواق وأماكن العبادة العربية.
يسجل الكتاب هذه الاستجابة أثراً لعلاقاتٍ محليةٍ جعلت المجتمع معروفاً لدى المسؤولين وجزءاً من البنية العامة للمدينة. لكن الحماية من الاعتداءات لم تُنهِ الخوف من الإجراءات الحكومية. فقد اتسعت التحقيقات الفيدرالية، وواجه عربٌ ومسلمون الاحتجازَ والتدقيقَ في أوضاع إقامتهم. وفي مواجهة ذلك، جمعت لجنة مكافحة التمييز ائتلافاً من خمس عشرة منظمةً عربيةً أمريكيةً لعقد اجتماعاتٍ شهريةٍ مع قيادة مكتب التحقيقات الفيدرالي في المنطقة، ومكتب الادعاء الفيدرالي. وفي نوفمبر 2001، عندما بدأ مكتب التحقيقات الفيدرالي استجواب أكثر من خمسمئةٍ من العرب والمسلمين غير المواطنين في ميشيغان، ساعد الائتلاف على وضع ضوابط لتنفيذ المقابلات. كذلك وفرت لجنة مكافحة التمييز محامين متطوعين ومترجمين وخطاً للمساعدة، وعملت على ضمان إرسال رسائل مسبقةٍ تشرح الطبيعة الطوعية للمقابلات، حتى لا يفاجئ العملاءُ الأشخاصَ المطلوب سؤالهم في مدارسهم أو أماكن عملهم.
بالتوازي، اتسع العمل على التعريف بالمجتمع وحقوقه. فقد فتحت المساجد والكنائس أبوابها للزوار ووسائل الإعلام، ونُظمت لقاءاتٌ بين الأديان. وقدم "أكسس" والمجلس العربي الأمريكي مئات الورش لتعريف الصحفيين والشرطة والشركات والمحامين والمؤسسات التعليمية بالخلفيات الثقافية للسكان. ونظمت لجنة مكافحة التمييز ومجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية ولجنة الحقوق المدنية، ورشاً دوريةً عن الحقوق المدنية.
كانت بعض هذه البرامج قائمةً قبل الهجمات، لكن التمويل المتاح لها ازداد بعدئذٍ، ما وسّع قدرة المؤسسات على الوصول إلى الجمهور والتعامل مع الجهات العامة. ومع ذلك، لم يتحول التواصل إلى ضمانٍ للحماية. ينقل الكتاب عن مشاركين نجاحهم في معالجة حالاتٍ فرديةٍ، منها إزالة أسماءٍ من قوائم حظر الطيران وتسريع ملاحقة بعض جرائم الكراهية، والإفراج عن بعض المحتجزين أثناء انتظار محاكماتهم. لكنه سجل أيضاً عجز الجهود عن تغيير السياسات التي جعلت العرب والمسلمين موضع اشتباه.
فعندما خاض عبد حمّود، انتخابات رئاسة بلدية ديربورن سنة 2001، كان عبد الله طفلاً في الحادية عشرة، تطوّع في حملته لتوزيع المنشورات مقابل الحصول على قميصٍ يحمل عبارة "حمّود لمنصب العمدة". وقد وُلد عبد الله ونشأ في ديربورن وتعلّم في مدارسها العامة، ثم درس في جامعة ميشيغان، وعمل في مجالي الصحة والإدارة ومثل المدينة في مجلس نواب الولاية قبل انتخابه عمدة.
الحضور العربي في ديربورن بميشغان | تصوير الكاتبة
وبالتوازي مع صعود أبناء المدينة إلى مواقع القرار، واصل على الجانب الآخر مهاجرون استقروا فيها بناء مساراتهم في العمل العام. من بينهم أحمد غانم الذي جاء من مصر سنة 1998 لدراسة الطب ثم استقر في الولاية. التقت الفراتس غانم في مدينة ديترويت، ويقول إنه انخرط منذ الألفينات في العمل المجتمعي وسط سكانٍ كان معظمهم من غير العرب. ومن خلال هذا النشاط، كوّن علاقاتٍ مع ناشطين ومنظماتٍ خارج المجتمع العربي والمسلم، فيما شارك هو وآخرون في دعم سياسيين محليين وأعضاءٍ في الكونغرس، بالتطوع وجمع التبرعات وبناء الصلات بحملاتهم.
يروي غانم أن هذه العلاقات اكتسبت أهميةً إضافيةً مع صعود ترامب وخطابه الذي يعادي المهاجرين والمسلمين منذ ولايته الأولى، إذ تقاربت أطيافٌ يساريةٌ ومعتدلةٌ حول الدفاع عنهم. ثم جاءت حملة بايدن لتشهد، بحسب تجربته، مشاركةً واسعةً من مسلمين بالتطوع وجمع التبرعات. كانت سنواتٍ من العمل تمنح المشاركين خبرةً بالانتخابات وتفتح لهم قنواتٍ مع المسؤولين، لكنها حملت أيضاً توقعاً بأن تُسمع مطالبهم عندما يحتاجون إلى استخدام هذه العلاقات، حسبما يضيف.
وجاءت الحرب على غزة في أكتوبر 2023 لتضع هذه العلاقات أمام عقبةٍ جديدة. يقول غانم إنهم كانوا قد دعموا سياسيين محليين وأعضاءً في الكونغرس، وتطوعوا في حملاتهم وجمعوا التبرعات لتمويلها، على أمل أن تتيح لهم هذه الصلات إيصال مطالبهم والتأثير في مواقف ممثليهم. لكن مع استمرار الحرب، شعر بأن هؤلاء لم يستجيبوا لمطالبهم بشأن غزة، بل انقلبوا عليها، بحسب تعبيره. ومن هنا بدأ التفكير في تقديم مرشحٍ يعبّر عن موقفهم، وحاول مع آخرين إقناع شخصياتٍ عربيةٍ بخوض السباق.
لم تُثمر المحاولات في الدفع بمرشحٍ، فشعر غانم بأن الترشح أصبح مسؤوليةً أخلاقيةً عليه، فقرر في السنة نفسها منافسة هايلي ستيفنز، النائبة التي كانت تشغل مقعد الدائرة الحادية عشرة لميشيغان في مجلس النواب الأمريكي، في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي. تقع الدائرة في مقاطعة أوكلاند شمال ديترويت ولا تتمتع بوجودٍ عربيٍ كبيرٍ مثل ديربورن. فلَم يستطِع غانم، وفق وصفه، الاعتماد فيها على قاعدةٍ عربيةٍ واسعةٍ، ما جعل ترشحه يتطلب الوصول إلى ناخبين من خلفياتٍ مختلفةٍ، والاستناد إلى علاقاتٍ بناها في أعوامٍ من العمل المجتمعي خارج الدوائر العربية والمسلمة.
جمع غانم نحو مئة وستين ألف دولار من مساهمات المجتمع، في مواجهة منافِسةٍ أنفقت قرابة خمسة ملايين. ومع ذلك، استطاع المتطوعون جمع نحو ثلاثة آلاف وخمسمئة توقيعٍ، مع أن المطلوب ألفٌ فقط وفق القانون لإدراج اسمه على بطاقة الاقتراع. واعتمدت الحملة على العمل التطوعي، ولم تستعِن إلا بموظفين اثنين بدوامٍ جزئيٍ قرب نهايتها.
أراد إلى جانب المنافسة، أن يمنح القضية الفلسطينية والوجود العربي حضوراً إعلامياً وإظهار قدرة المجتمع على الدخول إلى العملية الانتخابية. يتحدث غانم عن افتقاره وفريقه إلى الخبرة بإجراءات الترشح والإفصاح المالي وإدارة الحسابات، إلى حدّ أن زوجته تعلمت إعداد التقارير المالية الانتخابية عبر الإنترنت لتغطية هذه الحاجة. وتعلّم هو بدوره أن جمع التبرعات مهمةٌ لا يمكن تأجيلها أو تركها لما يتبقى من وقت المرشح.
أما الوصول إلى ناخبين غير عربٍ، فاستند فيه إلى العلاقات التي بناها قبل الترشح. استعان بشبكات ناشطين يساريين ونقاباتٍ عماليةٍ ومنظماتٍ محليةٍ، وتحدث عن صلاتٍ بناشطين سودٍ ويهودٍ من مناصري فلسطين. وفي تصوره، لا يتطلب العمل مع حلفاءَ الاتفاقُ على جميع المواقف، إذ يمكن أن يجتمعوا حول قضيةٍ أو حقٍ مشتركٍ، مع بقاء الاختلافات بينهم.
لكن هذه التحالفات لم تكن كافيةً لضمان الفوز. فقد خسر غانم الانتخابات التمهيدية في السادس من أغسطس 2024، بعدما حصل على 12,391 صوتاً بنسبة 12.9 بالمئة، مقابل 83,571 صوتاً لستيفنز بنسبة 87.1 بالمئة. وبعد انتهاء السباق، اتجه غانم إلى معالجة ما كشفت عنه التجربة من نقصٍ في الاستعداد. يقول إنه أسّس مبادرةً للتنظيم القاعدي وتدريب قياداتٍ عربيةٍ ومسلمةٍ على أدوات العمل الانتخابي. شمل ذلك الوصول إلى الناخبين وطرق الأبواب وإجراء المكالمات، واستخدام قواعد البيانات وتوزيع مهام المتطوعين. كان الهدف الاحتفاظ بما تعلّموه، وتوفير خبرةٍ يستطيع مرشحون ومنظمون آخرون البدء منها، بدلاً من أن تواجه كل حملةٍ الصعوبات نفسها من جديد.
وللوصول إلى ناخبين لا يشاركون في الانتخابات، احتاج فريق غانم إلى معرفة أماكن إقامتهم وسجلّ تصويتهم. فقوائم الناخبين المسجلين في الولاية، بحسب شرحه، لا توضح مَن منهم عربيٌ أو مسلم. لذلك جمع المتطوعون الأسماء بالتواصل المباشر مع السكان، ثم طابقوها مع السجلات لمعرفة المسجلين الذين لم يسبق لهم التصويت. ويقول غانم إنهم حددوا بهذه الطريقة نحو مئة وخمسين ألف ناخبٍ عربيٍ، ويستهدفون الوصول إلى مئتي ألف.
كذلك طور الفريق تطبيق "غراس روت" لمساعدة المتطوعين على الوصول إليهم. يعرض التطبيقُ المنازلَ القريبةَ وسجلّ المشاركة الانتخابية، ويتيح تقسيم الأحياء بين فرق المتطوعين، حتى يعرف كلّ فريقٍ الأبواب التي سيطرقها لتشجيع السكان على التصويت.
ويرى الطبيب المصري أن أثر التجربة امتد أيضاً إلى المتطوعين. فالشباب الذين شاركوا تعلموا مهامّ منها طرق الأبواب والاتصال بالناخبين إلى إدارة البيانات، ثم حملوا هذه الخبرة إلى حملاتٍ أخرى. يقول إن معظم متطوعي حملته انتقلوا لاحقاً للعمل مع عبدول السيد المرشح للكونغرس. وفي تقديره، كانت الأجيال الأصغر أكثر استعداداً للعمل المشترك وأقل تقيداً ببعض الانقسامات العائلية والمناطقية التي صعّبت التنظيم سابقاً على الجيل الأكبر.
ومن ديترويت إلى ديربورن، بدا اتساع المشاركة الذي يتحدث عنه غانم واضحاً في الشوارع. فإلى جانب المحالّ ذات اللافتات العربية، والعربية المسموعة في أحاديث المارّة، تظهر لافتاتٌ انتخابيةٌ تحمل أسماءً مثل أحمد وعلي ومحمود تعود لمرشحين إلى المجالس البلدية ومجالس المدارس وغيرها من المناصب المحلية.
مشاركة العرب في الانتخابات للمجالس البلدية ومجالس المدارس في ديربورن | تصوير الكاتبة
ومجدداً من ديربورن لديترويت للقاء عبدول السيد. في الطريق كان حديثي مع محمد، سائق الأجرة (أوبر) الذي أخبرني بأنه شيعيٌ، عن معنى أن يعيش العرب خارج بلدانهم. في رأيه، يدفعهم الشعور بأنهم أقليةٌ إلى التمسك ببعضهم بعضاً، وتجاوز اختلافاتٍ فصلت بينهم في بلاد المنشأ. كان يرى أن الإحساس بالأمان داخل الأوطان قد يترك مساحةً للتعصب والخلاف، أما الغربة فتدفعهم إلى البحث عما يجمعهم.
وصلتُ إلى كنيسة "العذراء السوداء" في شارع لينوود. وهي كنيسةٌ ارتبط تاريخها بنضال الأمريكيين السود وتنظيمهم المجتمعي والسياسي، تستقبل القادمين بجداريةٍ تصوّر السيدة مريم والسيد المسيح ببشرةٍ سوداء، في تجسيدٍ لتصورٍ دينيٍ لدى بعض الأمريكيين السود، يرى المسيحَ أسودَ البشرة، ويربط صورته بالهوية السوداء والنضال من أجل التحرر.
داخل الكنيسة، كان الحضور الكبير من الأمريكيين السود لافتاً في لقاءٍ مع سياسيٍ مسلمٍ من أصولٍ مصرية. أعادني المشهد إلى حديث محمد عن البحث عما يجمع المختلفين، لكنه وسّع السؤال إلى ما وراء المجتمع العربي نفسه، وتكوّن صلاتٍ بين جماعاتٍ تختلف أصولها وأديانها، وتلتقي تجاربها مع التمييز والسعي إلى التمثيل.
الحضور وحده لم يكن كافياً لمعرفة دوافع كلّ شخصٍ، لكنه أظهر أن دائرة الاهتمام بعبدول تجاوزت العرب والمسلمين، وأن لقاءه بالناخبين يجري أيضاً داخل مؤسسةٍ بَنَت مكانتها عبر الدفاع عن حقوق مجموعة أقليةٍ والدفاع عن حضورهم العام. وهو ما كان وصفه أحمد غانم من انتقال العمل السياسي من تنظيم المجتمع العربي والمسلم إلى بناء علاقاتٍ وتحالفاتٍ خارجه. فالمنافسة على مقعدٍ في مجلس الشيوخ عن ميشيغان تحتاج إلى أصواتٍ من أنحاء الولاية، وإلى خطابٍ يستطيع مخاطبة أشخاصٍ لا يجمعهم بالمرشح أصلٌ أو دينٌ، لكن قد تجمعهم به مَطالبُ حياتيةٌ تتعلق بالصحة والسكن والعمل والمساواة.
يحمل عبدول شيئاً من تداخل هذه العوالم. وُلد في جنوب شرق ميشيغان، ونشأ مع والده المهاجر المصري وزوجة أبيه الأمريكية التي تمتد جذور أسرتها في ميشيغان أكثر من قرن. درس في المدارس الحكومية ثم جامعة ميشيغان، قبل أن يحصل على الدكتوراه من جامعة أكسفورد، وشهادة الطب من جامعة كولومبيا. ومن هذه النشأة، بدأ مساراً قاده إلى العمل في الصحة العامة، ثم إلى محاولة الانتقال من إدارة الخدمات إلى المشاركة في صنع السياسات التي تحددها.
عبدول السيد في كنيسة العذراء السوداء في ديترويت | تصوير الكاتبة
ويقدم غانم تجربة صديقه عبدول السابقة في الترشح مثالاً على التعلم من الخسارة والبناء بعدها. إذ ترشح السيد سنة 2018 في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لاختيار مرشحه لمنصب حاكم ميشيغان. وحصل على 342,179 صوتاً بنسبة نحو 30.2 بالمئة وجاء ثانياً خلف غريتشن ويتمر. ووفقاً لغانم، عمل السيد على تطوير حضوره العام، من مظهره وسَمْتِه إلى مهارات مخاطبة الجمهور والمناظرة، وبنى شبكةً واسعةً من العلاقات مع الإعلام والمانحين ومؤسسات المجتمع المدني.
في الكنيسة سألت الفراتس عبدول السيد كيف استطاع المجتمع العربي في ميشيغان أن يبني هذا الحضور المشترك مع اختلاف أصول أبنائه ومذاهبهم وتجاربهم. وكانت إجابته بأن هذا التنوع يجسد ما يُفترض أن تكون عليه الولايات المتحدة، مكاناً يعيش فيه أشخاصٌ من خلفياتٍ دينيةٍ وثقافيةٍ وعرقيةٍ مختلفةٍ، ويتمتعون بالحقوق نفسها. ورأى أن محاولة ترامب تضييق حدود الانتماء هي التي تتعارض مع هذا الوعد، في حين يشكل المجتمع الذي نشأ فيه مثالاً على إمكان تحقيقه.
استعاد السيد في حديثه سنوات المدرسة عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر مُستهدَفاً بالكراهية. إذ يتذكر أيضاً مساندة مدرسين حاولوا تخفيف أثر تلك الكراهية عليه، فبقيت في ذاكرته تجربة التضامن إلى جانب تجربة الاستهداف. كان وقتئذٍ في حصة الكيمياء بالمرحلة الثانوية وقد شاهد اصطدام الطائرة الثانية بالبرج. اتصلت به والدته، بعدما اصطحبت أخاه الأصغر أسامة من المدرسة، وسألته إن كان يريد العودة إلى المنزل أيضاً. كانت التهديدات قد بدأت تُتداول بين الطلاب، لكنه اختار البقاء مع زملائه المسلمين والعرب. ويصف كيف تغير موقعه بعد ذلك اليوم. صار اسمه ووجهه وأصله ودينه في نظر من يستهدفونه، علاماتٍ تربطه بالعدو الذي تحاربه البلاد.
في المقابل، تحدث السيد عن مساعدة كنائس ومؤسساتٍ مسيحيةٍ لأسرته في بدايات هجرتها، وكيف أمكن لهذا التنوع أن يتحول إلى علاقة تضامنٍ في الحياة اليومية. فأسرته المسلمة وجدت المساندة من أفرادٍ ومؤسساتٍ لا يشاركونها الدين، لكنهم رأوا في أفرادها مهاجرين يحتاجون إلى الدعم لبناء حياتهم في بلدٍ جديد.
وحسبما قال، كشفت هذه التجربة له أن الاختلاف الديني لا يمنع الناس من الشعور بالمسؤولية تجاه بعضهم بعضاً، وأن الاستقرار في المجتمع الأمريكي يمكن أن يبدأ بمساعدةٍ تأتي من خارجه الديني والثقافي. وأن يجد القادم فرصةً للانتماء والمشاركة وصون حقوقه، بصرف النظر عن أصله أو معتقده.
وتظل قدرة المرشحين من أصولٍ عربيةٍ على التأثير موضع اختبارٍ مع كل دورةٍ انتخابيةٍ، ومع كل خلافٍ على قضايا السياسة الأمريكية والخارجية. فالمؤسسات والعلاقات التي بُنيت في عقودٍ قد تمنحهم نقطة انطلاقٍ، في حين تتحدد فرصهم في الفوز وبما يقدمونه للناخبين وقدرتهم على الحفاظ على التحالفات التي أوصلتهم إلى المنافسة.
ما هو ثابتٌ أن الولاية التي بدأت فيها حكاية كثيرٍ من المهاجرين العرب بالبحث عن عملٍ، باتت قرارات مدنها ومن يتخذها جزءاً من الحكاية التي يكتبونها بأنفسهم.

