وفيات الحجّ بين التخطيط المركزي والتنظيم المرقمن وأطماع سماسرة الحجّ بلا تصريح

تشديدُ القبضة الأمنية داخل مكة ورقمنةُ خدماتها وأدواتها دفعَ الحجّاجَ بلا تصريحٍ للتخفّي طيلة الوقت، ممّا صعّب عليهم تلقّي المساعَدة، فلَم يبقَ لهم صباحَ يومِ عرفة إلا السيرُ مسافاتٍ طويلةً على الأقدام تحت لهيب الشمس الحارقة

Share
وفيات الحجّ بين التخطيط المركزي والتنظيم المرقمن وأطماع سماسرة الحجّ بلا تصريح
الحجّاج في عرفات (تصوير: أحمد عبد المنعم)

وصلَت عطيّات المحمّدي إلى مكةَ المكرمة مِن مصر في فبراير 2024 لأداء العُمرة بعد أن حصلَت ذاتُ الثمانية والستين عاماً على تأشيرةِ الزيارة بمساعَدةِ شخصٍ يُدعى الشيخ عبد الحميد، وهو الذي تخصّصَ بتنظيمِ رحلاتِ حجٍّ بأسعارٍ مخفَّضةٍ من مقرّ إقامته في مركزِ هِهْيا في محافظة الشرقية بمصر. استهدَف الشيخُ عبد الحميد مِن تنظيمِ رحلةِ العُمرةِ طمأنةَ أفراد أسرةِ عطيّات الذين شكُّوا بمصداقيته بعدما عرفوا أن التأشيرةَ التي صدرَت لقريبتهم ليست تأشيرةَ حجّ. نجحَت خُطّةُ الشيخِ، فالخِدْماتُ الجيّدةُ التي تلقّتها عطيّاتُ شجّعَتها على دفع بقيّة المبلغ المطلوب لاستكمال إجراءات التسجيل للحجّ. قُدِّر المبلغُ بمئةٍ وثلاثين ألف جنيهٍ مصريٍّ، أي ما يعادلُ ألفين وسبعمئة دولارٍ أمريكيّ. لَم تكُن عطيّاتُ تدري حينَها أنها تَدفعُ ثَمَنَ رحلتِها إلى حتفِها.

حكايةُ عطيّات المحمّدي هي واحدةٌ من ألفٍ وثلاثمئة قصّةٍ لحُجّاجٍ وافَتهم المَنيّةُ في موسمِ حجِّ سنةِ 2024. نَشرَت وكالاتُ الأنباءِ والصحفُ الدوليةُ تقاريرَ عن وجود مئاتِ الوَفَياتِ في موسمِ الحجِّ الأخيرِ، إذ نَقلَت وكالةُ الأنباءِ السعوديةُ في الثالث والعشرين من يونيو 2024 تصريحاً لوزير الصحّة السعوديّ، فهد الجلاجل، قال فيه إنّ عددَ الوَفَيات وصلَ 1301، وأنّ قُرابةَ الألفِ وثمانين منهم "مِن غيرِ المصرَّح لهم بالحجّ". وقال الوزيرُ إن أسبابَ الوفيات كانت تَعَرُّضَ الحجّاجِ لضربةِ الشمسِ إثرَ مسيرِهم "مسافاتٍ طويلةً تحت أشعّة الشمس بلا مأوىً ولا راحةٍ، وبينهم عددٌ من كبارِ السنّ والمصابين بالأمراض المزمِنة".

وجّهَ الرئيسُ المصريُّ عبد الفتاح السيسي قبلَ تصريح وزير الصحّة السعوديّ بأيّامٍ بتشكيلِ خليّةِ أزمةٍ برئاسةِ رئيسِ الوزراء مصطفى مدبولي لمتابعةِ الوضعِ الخاصِّ بحالاتِ وفاةِ الحُجّاج المصريين وعددُهم 672، وهو أكثرُ مِن نصفِ عددِ الحجّاج المتوفَّيْن حسبَ ما نَقلَته وكالةُ الأنباءِ الفرنسية. حدّدَ رئيسُ الوزراءِ مدبولي بعد يومين سببَ وفياتِ المصريين بأنه "قيامُ بعضِ شركاتِ السياحة بتنظيمِ برامجَ حجٍّ بتأشيرةِ زيارةٍ شخصيةٍ، ما يَمنعُ حاملِيها مِن دخولِ مكّةَ. ويُتَحايَلُ على ذلك بالتهرُّب داخل دروبٍ صحراويةٍ سَيراً على الأَقدام، مع عدمِ توفيرِ أماكنَ إقامةٍ لائقةٍ بباقي المشاعرِ، ما تسبّبَ في إجهادِ الحُجّاجِ غيرِ المسجَّلِين نتيجةَ ارتفاعِ درجاتِ الحرارة".

هناك سياقٌ مهمٌّ مَكّنَ وقوعَ هذهِ الوفيات، وهو يَتجاوز إرهاقَ الحجّاجِ الناجمِ عن ارتفاع درجات الحرارة وتقدُّم كثيرٍ منهم بالسنّ. يتعلّق هذا السياقُ بشكلٍ رئيسٍ بقصورِ مركزيةِ جهودِ إدارةِ الحجِّ وتأمينِه ورَقْمَنَتِها من جهةٍ، وتكسُّبِ السماسرةِ داخلَ المملكةِ وخارجَها مِن رغبةِ كثيرٍ من الناسِ بأداءِ فريضةِ الحجّ بعد أن حرمَهم نظامُ حصصِ الحجّاجِ بين الدول الإسلامية من الحجّ مِن جهةٍ أُخرى. كانت ظاهرةُ الحجِّ بلا تصريحٍ مقتصرةً على حجّاج الداخل من السعوديين والمقيمين بالمملكة قبل أن تُغيِّرَ السعوديةُ نظامَ التأشيرات وتسهّلَ الدخولَ لأراضيها سنة 2019. صارت بعدها تلك الظاهرةُ عالميةً، واستفاد منها سماسرةٌ كُثرٌ داخلَ المملكة وخارجَها. ضاعَفَ من تفاقُمِ هذه الأزمةِ رَقْمَنَةُ الخِدْماتِ المقدَّمةِ للحجّاج التي بدأَت مع جائحةِ كورونا، وسُهِّلَت سيطرةُ الأجهزة الأمنية على تفويج الحجّاج، فانحصَرَ خيارُ مَن حَجَّ بلا تصريحٍ بالسير على الأقدام للوصول إلى المشاعر المقدّسة.


ظهرَت مشكلةُ الحجّ بلا تصريحٍ سنةَ 1998 مُشكِلةً محلّيةً في المملكة العربية السعودية حين صار حُجّاجُ الداخل من مواطنين ومقيمين يتسلّلون للمشاعر المقدّسة مع عدمِ حصولِهم على تصاريحَ حجٍّ. فقد وافَقَ مجلسُ الوزراءِ السعوديُ سنة 1998 في قراره رقم 15977 على قرارِ هيئةِ كبار العلماء الصادرِ في السنة نفسِها والقاضي بتنظيمِ حجّاجِ الداخلِ من سعوديين ومقيمين، إذْ سمحَ القرارُ لهم بالحجّ مرّةً واحدةً كلَّ خمسِ سنواتٍ بعد الحصول على التصريح اللازم أُسْوَةً بحُجّاج الخارج. ومُنِعَت شركاتُ تنظيم حملات الحجّ من استضافةِ أيِّ حاجٍّ لا يحملُ تصريحاً. وَلّدَ هذا القرارُ سوقاً موازيةً قوامُها سماسرةٌ محلّيون يوفِّرون خِدْماتَ النقلِ والإسكانِ لمن لا يحمل تصريحاً من حجّاج الداخل السعودي.

أصبحَت قصصُ حجّاج الداخل ممّن لا يحملون تصريحَ الحجّ جزءاً رئيساً من تغطيةِ أخبار الحجّ سنوياً منذ صدور هذا القرار. وصارَت الأجهزةُ الأمنيّةُ تُحيطُ ظلَّ مكّةَ بنقاطِ تفتيشٍ أَمنيّةٍ قُبيلَ موسمِ الحجّ. وأُعلِنَ عن عقوباتٍ رادعةٍ لسماسرةِ تهريبِ الحُجّاجِ كالغرامةِ الماليّةِ التي تصلُ إلى عشرةِ آلاف ريالٍ للراكب الواحد، والسَجْنِ وحجزِ المركبةِ ومصادرتِها. كذلك أَطلَقَت وزارةُ الحجِّ والجهاتُ الرسميةُ السعوديةُ الأُخرى عدّةَ حملاتٍ توعويّةٍ وتعليميةٍ مثل "لا حجَّ بلا تصريح" و"الحجُّ عبادةٌ وسلوكٌ حضاريّ". إلّا أنّ هذا كلَّه لَم يَقْضِ على ظاهرةِ الحجّ بلا تصريحٍ لحُجّاجِ الداخل، فقد نَقلَت صحيفةُ "الاقتصادية" السعوديةُ أن عددَ حُجّاج الداخل الذين حجّوا بلا تصريحٍ بلغَ 785 ألفَ حاجٍّ سنةَ 2010، ما يعني أن ثمانين بالمئةِ من إجمالي حُجّاج الداخل كانوا بلا تصريح.

اتّسعَت رقعةُ ظاهرةِ الحجِّ بلا تصريحٍ بعدَ تخفيفِ دولِ مجلس التعاون الخليجي القيودَ المفروضةَ على تنقُّلِ مواطنِيها بين الحدود ابتداءً من 2006. ففي موسمِ حجِّ سنةِ 2014 أَرجَعَت السلطاتُ الأَمنيّةُ السعوديةُ قُرابةَ مئتين وعشرين ألف مواطنٍ ومقيمٍ حاوَلوا التسلّلَ إلى مكّةَ، حسبما نَقلَت جريدةُ الرياضِ السعوديةُ عن الجهات الأَمنية السعودية. ومعظمُ الذين يحاوِلون التسلّلَ إلى مكّةَ مِن خارج المملكة كانوا يأتون من دولِ الخليج، حسبَما صَرّحَ مديرُ شرطةِ مكّةَ المكرّمةِ، خالد الغامدي، لصحيفة العربي الجديد سنة 2017. ومِن هؤلاءِ الأشخاصِ إمامُ مسجدٍ كويتيٌّ يُدعى "أبو محمد"، قال للصحيفةِ نفسِها إنّه يَحُجُّ منذ خمسةٍ وعشرين عاماً بلا تصريح.


أَخذَت ظاهرةُ الحجّ بلا تصريحٍ بُعداً جديداً سنة 2019 عندما أَدخَلَت السعوديةُ تعديلاتٍ على نظامِ تأشيراتِ الزيارة تماشياً مع "رؤية 2030"، التي أُطلِقَت سنةَ 2016، والتي رَكّزَت في سعيِها لتنويعِ مصادرِ دخلِ المملكة على فتحِ باب السياحة وتخفيفِ القيود المفروضة سابقاً على الدخول إلى المملكة. بدأ العملُ على قطاع السياحة في السعودية سنة 2000 عندما صدرَ قرارُ مجلس الوزراء في عهدِ الملكِ فهد بتشكيل الهيئة العليا للسياحة، والذي تلاهُ تشريعاتٌ وقراراتٌ، خصوصاً بعدَ تولّي الملك عبدالله الحُكمَ سنة 2005، زادَت من قوّتِها وصلاحيتِها وغَيّرَت اسمَها إلى الهيئة العامة للسياحة والآثار سنة 2008. وقُبيلَ وفاةِ الملك عبدالله آل سعود صدرَ نظامٌ خاصٌّ بالسياحة، إلّا أنّ هذا القطاعَ ظلَّ ضعيفاً لأسبابٍ أهمُّها تَهَلْهُلُ الجهازِ الحكوميِّ السعوديِّ وتردُّدُ صُنّاعِ القرارِ إزاءَ السماح بإصدارِ تأشيراتٍ سياحية.

إلّا أن هذه المشاكلَ الإداريةَ والتنظيميةَ لقِطاع السياحة حُلّت مع صعودِ وليّ العهد السعوديّ الأمير محمد بن سلمان آل سعود. ففي سبتمبر 2019 أعلن رئيسُ الهيئة العامّة للسياحة والتراث الوطني، أحمد الخطيب، أن السعودية ستَبدأُ بإصدارِ تأشيراتٍ سياحيةٍ، منها تأشيراتٌ عبرَ الإنترنت لمواطِني تسعٍ وأربعين دولة. توالَت فيما بعدُ القراراتُ المنظّمةُ لقِطاع السياحة. ففي فبراير 2020 أُلغيَت الهيئةُ العامةُ للسياحة والتراث الوطني وحَلَّت محلَّها وزارةُ السياحة. ثمّ صدرَ تنظيمُ الوزارة في سبتمبر من السنة نفسها، وأَطلَقَت إستراتيجيتَها واستَكملَت منظوماتِها بتأسيسِ صندوق التنمية السياحي والهيئة السعودية للسياحة ومجلس التنمية السياحي والبرنامج الوطني للربط الجويّ والهيئة السعودية للبحر الأحمر.

(تصوير: أحمد عبد المنعم)

من بين الإجراءات التي اتُّخِذَت في سياق دعمِ السياحة السعودية تذليلُ العقباتِ السابقةِ التي كانت تُواجِه كلَّ راغبٍ بزيارةِ المملكة. فقد أصدَرَت وزارةُ السياحة في ديسمبر 2022 لائحةَ التأشيرة السياحية، وفيها قَسّمَت دولَ العالَمِ إلى ثلاثةِ أقسام. قِسمٌ يضمُّ مواطِنِي دولِ مجلس التعاون الخليجي، وهُم لا يحتاجون إلى تأشيرةٍ لدخولِ المملكة. وقسمٌ يضمُّ مواطني دولِ أوروبا وأمريكا الشمالية وغيرِها، ويُسمَح لهم بتقديمِ طلبِ الحصولِ على التأشيرة السياحية إلكترونياً أو عند الوصول للمطار مقابلَ ثلاثمئةٍ وخمسةٍ وتسعين ريالاً سعودياً أو ما يعادل مئةً وخمسة دولاراتٍ أمريكية. وقسمٌ يضمُّ مواطني بقيّة الدول، ومنها أغلبُ الدول العربية والإسلامية، ويُسمَح لهم بتقديم طلب الحصول على التأشيرة السياحية في سفارات المملكة وقنصليّاتها، أو من أحد المكاتب السياحية المصرَّح لها بذلك. ولكن اللائحةَ سمحَت لمواطني القسم الأخير بتقديم طلب الحصول على التأشيرة الإلكترونية أو استصدارِها عند الوصول للمملكة إذا كانوا مقيمِين في إحدى دول الخليج أو الاتحاد الأوروبي أو بريطانيا أو الولايات المتحدة، أو سبقَ أن حَصلوا على تأشيرةِ الشنغن الأوروبيةِ أو تأشيرةِ أمريكا أو بريطانيا.

وهذا النظامُ الجديدُ للتأشيرات السياحية هو الذي اعتَمدَ عليه شابٌّ مصريٌّ اسمُه حسين للدخول إلى المملكة صباحَ الأربعاء في الثاني عشر من يونيو 2024 بغرضِ الحجّ. فقد وصلَ حسينُ من إيطاليا إلى مطار جدّةَ في اليوم المذكور وحصلَ على تأشيرةِ سياحةٍ سعوديةٍ فوريّةٍ بعدما تأكّدَ موظفُ المطار من سَرَيان تأشيرةِ الشنغن في جوازِ سفرِه. قال حسينُ لمجلة الفِراتْس إنه يَعلمُ أنّ تأشيرةَ السياحةِ لا تُمكِّنُه من الحجِّ بطريقةٍ نظاميةٍ، لكنّه أرادَ أن يخوضَ التجرِبةَ، خصوصاً أن عدداً من أقاربِه وأصدقائه موجودون في المملكة ويخوضون التجرِبةَ نفسَها.

كان دخولُ حسين للمملكة بتأشيرةِ السياحةِ أسهلَ بكثيرٍ من دخولِ أقاربه الذين لم تكُن لديهم تأشيراتُ الاتحاد الأوروبي أو بريطانيا أو الولايات المتحدة. فهؤلاءِ جاؤوا من محافظة الشرقية في مصر إلى المملكة بنوعٍ آخَرَ من التأشيرات يُسمّى تأشيرةَ الزيارةِ الشخصية. ففي السَنتَين السابقتَين على حجِّ 2024، حَثّت وزارةُ الخارجيةِ ووسائلُ الإعلامِ السعوديةُ المواطنِين على استخدام هذه التأشيرات التي تتيحُ للمواطن السعودي تقديمَ دعوةٍ لأيِّ شخصٍ من أيِّ دولةٍ لزيارة المملكة.


خَلقَت التأشيراتُ الجديدةُ وسهولةُ استخراجِها إلكترونياً سوقاً موازيةً في الخارج، فصار القدومُ إلى السعودية ثمّ أداءُ الحجّ ممكِناً لمن لم يَستطِع الحصولَ على تصريحِ الحجِّ، وإنْ بطُرُقٍ غيرِ قانونية. ففي مصر ينسّقُ سماسرةٌ مصريّون مع وسطاءَ سعوديّين يحصُلون على مبلغٍ يصلُ إلى ثلاثين ألف جنيهٍ أو ستمئةٍ وخمسةٍ وعشرين دولاراً أمريكياً عن كلِّ دعوةٍ يوجّهونَها لكلِّ شخصٍ يرغبُ بالحجِّ بلا تصريحٍ، حسبَ ما أخبرَ الفِراتْسَ إبراهيمُ السيّد، مديرُ السياحة الدينية بإحدى شركات السياحة الكبرى في القاهرة. أحدُ أولئك السماسرةِ هو المدعوّ عبد الحميد، المذكورُ آنِفاً. مَنَحَ الشيخُ عبدُ الحميد السيدةَ المصريةَ عطيّات المحمدي وأقاربَ حسين الذين ليس في جوازِ سفرِهم تأشيرةُ شينغن أوروبيةٌ تأشيراتِ الزيارةِ الشخصيةِ لدخول السعودية، حسبَ ما ذكرَ ابنُ عطيّات واثنين من أقارب حسين لمجلّة الفِراتْس. وصفَ هؤلاء الشيخَ عبدَ الحميد بأنه يعملُ في تنظيم رحلاتِ الحجِّ والعُمرةِ منذ عشرين عاماً ويسافرُ إلى السعودية سنوياً. وذَكروا أنه كان يُروِّجُ لبرنامجٍ أُطلِقَ عليه "حجّ الزيارة" يتضمّن السفرَ بالطائرة من القاهرة إلى جدّة ذهاباً وإياباً والإقامةَ في المملكة واحداً وأربعين يوماً منها أربعةُ أيّامٍ في المدينة المنورة بمئةٍ وثلاثين ألف جنيهٍ أيْ ما يعادلُ ألفين وسبعمئة دولارٍ أمريكيّ.

بدا عرضُ برنامجِ الشيخ عبد الحميد شديدَ الإغراءِ والموثوقيةِ مقارنةً ببدائلِه. فتكلِفةُ الحجِّ النظاميِّ في مصر في موسم الحجِّ الأخير، أي سنة 2024، بدأَت بمئتين وخمسةٍ وثلاثين ألف جنيهٍ مصريٍّ أو أربعة آلافٍ وثمانمئةٍ وثمانين دولاراً للحجّ بالطريق البرّي، ومئتين وسبعين ألفاً أو خمسة آلافٍ وستمئة دولارٍ للحجّ بالطريق الجوّي حدّاً أدنى. وتُقسِّم الحكومةُ المصريةُ حصّتَها من تأشيرات الحجّ التي بلغَت واحداً وخمسين ألف تأشيرةٍ إلى أربعة أقسامٍ رئيسة. القِسمُ الأوّل، وقدرُه أربع عشرة ألفٍ وخمسمئة تأشيرةٍ، تنظّمه وزارةُ الداخلية ويُسمّى "حجّ القُرعة" بسعرٍ يبدأُ من مئةٍ وأربعةٍ وثمانين ألف جنيهٍ (أو ثلاثة آلافٍ وثمانمئة دولار). أما القسمُ الثاني، ويقدّر بثلاثٍ وعشرين ألف تأشيرة، فتُشرف عليه وزارةُ السياحة وتنفّذه الشركاتُ السياحية. وتتكفّلُ وزارةُ التضامن الاجتماعي بتنظيم القسم الثالث وتنفّذه الجمعياتُ الخيريةُ، وعددُ تأشيراته سبع آلافٍ وخمسمئة. أما القسمُ الأخير فتنظّمه النقاباتُ والنوادي وهيئاتُ الدولة لأعضائها والعاملين فيها وحصّتُه محدودة. ظلّت عطيات تُقدِّمُ طلباتِ الحصولِ على تأشيرة الحجّ طُوالَ السنوات الخمس الماضية لوزارة الداخلية ولعددٍ من شركات السياحة، إلا أنها لَم توفَّق في الحصول على تأشيرة الحجّ النظاميّ.

تكمنُ موثوقيةُ برنامج "حجّ الزيارة" الذي رَوّجَ له الشيخُ عبد الحميد في استفادته من منظومة التأشيرات السعودية الجديدة وسهولة الحصول عليها. هذا ما أكّدَه أحدُ أقرباءِ حسين للفِراتْس، فتأشيرةُ الزيارة مذكورٌ فيها اسمُ شخصٍ سعوديٍ لا يعرفُه وعليها رمزٌ شريطيٌّ (باركود) من وزارة السياحة المصرية، والتذاكرُ مِن خطوطِ طيرانٍ سعودية. أمّا محمد محمود، ابنُ عطيّات، فذكرَ للفِراتْس أنّه كان على عِلمٍ بشأنِ الحجّ بلا تصريحٍ وتحذيراتِ السُلطاتِ السعوديةِ منهُ، مردِفاً بأنه تحدّثَ مع الشيخ بالهاتفِ، وألحَّ عليه بضرورةِ أن يكونَ الحجُّ رسميّاً. يقولُ محمد: "قولتله عايزين حج رسمي مش الحج اللي بترموا فيه الناس في الصحرا". إلّا أنّ الشيخ عبد الحميد في مكالمته مع نجلِ عطيات كان يطمئنُه تَكراراً بأن جميع أوراق السفر موثَّقةٌ من الحكومتين؛ المصرية والسعودية.

بعد هذه التطميناتِ بدأَت عطيّاتُ وابنُها خطواتِ تسجيلِ أوراقِها لأداءِ فريضةِ الحجّ. طلبَ الشيخُ عبدُ الحميد مِن محمد محمود، نجلِ عطيّات، دفْعَ مبلغِ ثلاثين ألف جنيهٍ، أيْ ما يعادلُ 625 دولاراً، مقدَّماً لبرنامج الحجّ. انطلقَت عطيّات من مكانِ سكنِها في القاهرة إلى محافظة الشرقية في نوفمبر 2023 للقاءِ الشيخِ عبدِ الحميد في منزلِه ودفعِ المبلغ ثم العودةِ لمنزلِها، ولَم تَحصُلْ على وصلٍ يثبتُ ما دَفعَتْه. بعدَ أسبوعٍ من الدفعِ، طلبَ عبدُ الحميد من عطيّات أن تعودَ إلى الشرقية مرّةً ثانيةً لتنضمَّ إلى قُرابةِ خمسين شخصاً يُشرِف عليهم رجلٌ يُدعى محمد عبد النبي للذهاب إلى السفارة السعودية في محافظة الجيزة لأخذِ بصماتِ الأصابعِ والعَينِ واستكمال أوراق إصدار التأشيرة من السفارة. لّم يحدِّد المشرفُ نوعَ التأشيرة. يقول محمد: "الفوج كلّه ستات ورجالة مش بيقروا ولا يكتبوا". بعد قُرابة شهرٍ من زيارة السفارة السعودية، هاتَفَ عبدُ الحميد نجلَ عطيّات وأخبرَه بصدورِ التأشيرة وطالَبَه باستلام جواز السفر من السفارة. يقولُ محمد: "استلمنا جواز السفر ومكتوب فيه تأشيرة زيارة لشخص سعودي اسمه: م. الشايع".

كاد محمد أن يوقفَ إجراءاتِ الحجِّ بعد خيبةِ أملِه، فلَم تكُن التأشيرةُ للحجّ وإنّما تأشيرةَ زيارةٍ لَوْلا نجاحِ الشيخِ عبدِ الحميد في إقناعه بالاستمرار مع تأكيدِه أن التأشيرةَ تسمحُ لوالدته بأداءِ الحجّ والعُمرة. أضافَ الشيخُ عبدُ الحميد أنّه بصددِ تنظيمِ رحلةِ عُمرةٍ في شهر شعبان، مقترِحاً على محمد أن تَنضمَّ والدتُه إلى فوجٍ آخَرَ متّجِهٍ إلى العُمرة لاختبار مَدى سلامة التأشيرة. سافرَت عطيّات فعلاً إلى مكّةَ في شهر فبراير 2024 في رحلةٍ تضمّنَت الإقامةَ بمكّةَ في فندقٍ قريبٍ من الحرمِ ثلاثةَ أيامٍ وبالمدينة المنوّرة في فندقٍ يوماً واحداً. وشملَت الزيارةُ تنقُّلَ المعتمرين بين مناطق المملكة ومدنِها، وتأديةَ مناسكِ العُمرةِ، وزيارةَ المواقع الدينية والتاريخية. وبعد عودةِ عطيّات من العُمرة زادَت ثقةُ أُسرتِها في السمسار، الذي أخبرَهم في مارس 2024 بزيادةِ قيمةِ رحلة الحج ثلاثين ألف جنيهٍ على السعر المتّفق عليه مسبقاً والذي كان مئة ألفٍ فقط. برّرَ الشيخُ زيادةَ السعرِ بقرار تحرير سعر صرف الجنيه الذي اتّخذَته الحكومةُ المصريةُ في ذلك الشهر فاختلفَت أسعارُ الإقامة والتنقّل بين المشاعر وباقي الخِدمات التي وعَدَهم بها في الحجّ والتي شملَت توفيرَ خيامٍ مكيّفةٍ في عرفات ومِنى.

طلبَ الشيخُ عبدُ الحميد من عملائه حجزَ تذاكرِ السفر إلى جدّة في الخامس من شهر مايو، قبلَ موعدِ الحجّ بأربعين يوماً. وأخبرَهم بأن يُحضِروا ما يكفيهم من الطعام طُوالَ مدّةِ وجودهم بالمملكة حتى لا يُضطَرّوا إلى إنفاقِ المزيدِ من الأموال. بَدَت الأمورُ كما لو كانت تسيرُ على ما يُرامُ لعُملاء عبد الحميد، لولا شعورُ أحدِ أقرباءِ حسين بالقلق قبل سفرِه بيومٍ واحد. يومَها تحدّثَ معه الشيخُ عبدُ الحميد وطلبَ منه إرسالَ رسالةٍ صوتيةٍ إلى مجموعةِ تطبيقِ واتساب تضمُّ جميعَ المسافرين معه في برنامج "حجّ الزيارة". تضمّنَت الرسالةُ ما وصَفَه قريبُ حسين نصائحَ أَمنيّةً مهمّةً من بينها التشديدُ على عدمِ الذهاب إلى المطار بملابس الإحرام أو بالجلباب، وعدمُ اصطحاب العائلة إلى المطار حتى لا تَشُكَّ السُلطاتُ المصريةُ بأمرِ الحاجّ. وشدّدَت التعليماتُ على أن يَلتزمَ المسافرون التأكيدَ أن الزيارة الشخصية هي سببُ سَفَرِهم حالَ استفسارِ سُلطاتِ المطار في القاهرة أو جدّة عن سببِ السَفَر. وأكّدَ السمسارُ على تشديدِ المطارات وأنّ أيَّ إشارةٍ توحي بأنّ المسافرَ ينوي الحجَّ قد تعرِّضُ رحلتَه للإلغاء.


حتى ينجحَ سماسرةُ التأشيرات الذين انتعشَ سوقُهم بتغيُّر سياسةِ المملكة السياحية في تقديم خدماتٍ لمن يريدُ الحجَّ بلا تصريحٍ، كانوا بحاجةٍ لبناءِ علاقاتٍ مع سماسرةِ الداخل السعودي المتخصّصين بخدماتِ نقلِ الحجّاجِ غيرِ المصرَّحِ لهم وإيوائِهم منذ إقرار تنظيم حجّاج الداخل سنة 1998. فبعد أن اجتازَ أقرباءُ حسين المطارَ، أقلّتْهم مركبةٌ خاصةٌ لعدّةِ أماكنَ قبلَ أن يستقروا في عمارةٍ سكنيةٍ بمنطقة العزيزية في مكة مع أربعةٍ وعشرين شخصاً آخَرين. خُصِّصَت لهم داخل العمارة غرفٌ فيها ستّةُ أسرّةٍ، إذ يحصل كلُّ حاجٍّ منهم على سرير. في هذه اللحظة أَخبرَهم مشرفُ الرحلة بأنه من الآن فصاعداً سيتعامل معهم عبر مجموعة الواتساب بسبب وجود حملاتٍ أمنيةٍ تَحُولُ دونَ وجودِه.

يَمنعُ النظامُ تأجيرَ الشقق في مكة في موسم الحج بلا تصريح. لكن سماسرةَ الداخل يتجاوزون هذا النظامَ بإغراءِ مُلّاكِ العمائر القديمة والمتهالكة، مع تواطُؤِ بعضِ المواطنين السعوديين. فيتّفقُ السمسارُ مع مُواطنٍ من العاطلين عن العمل على أن يضعَ اسمَه في عقدِ استئجار العمارة بالكامل، حسبَ خبيرٍ عَمِلَ سنواتٍ في مواسم الحج طَلَبَ عدمَ الإفصاح عن اسمه خشيةً من مساءلةِ السلطات. ويضيف هذا الخبيرُ للفِراتْس أنه بعد استئجار العمارة بِاسمِ هذا المواطن أو المواطنة يؤجِّرُ السمسارُ غُرفَها على الراغبين بالحجّ بلا تصريح. وقد يقومُ مالكُ العمارة في حالاتٍ نادرةٍ بالمخاطرة وتأجير غرف العمارة لزبائن السمسار مباشرةً. وبهذه الطريقة تصبح المسؤوليةُ القانونية والأمنية على عاتق المواطن الذي بِاسمِه تؤجَّر الشققُ للحُجّاج بلا تصريحٍ مالِكاً كان أَمْ وسيطاً.

عندما وصلَ حسين إلى مطار جدّة قادماً من إيطاليا بعد عدّةِ أسابيعَ من وصول أقاربه، كان انتقالُه من المطار إلى مكة مختلفاً عن أقاربه. هاتَفَ أحدَ أقربائه طالباً توفيرَ سيارةٍ تنقلُه إليهم في مكة، فاتصلَ قريبُه بمنظّم الرحلة وبعددٍ من الكدّادين السعوديين، وهُم سائقو سيارات الأُجرة من غير المرخَّصين، الذين أخبَروه بأن قوّات الأمن السعودي فرضت نقاطَ تفتيشٍ تَمنعُ مرورَ أيِّ مركبةٍ غير مصرَّحٍ لها بنقل حجّاجٍ نظاميين. اضطُرَّ حسين إلى المبيت في المطار، لكن قريبَه تمكّن صباحَ اليوم التالي من تأمين سيارةِ نقلٍ خاصةٍ أقلّتْه إلى منطقة العزيزية في مكة عبر طرقٍ جبليةٍ مقابل ألفي ريالٍ أو ما يعادل 25600 جنيه. انضمّ حسينُ إلى أقاربه في شقّتِهم في العزيزية مقابل مئة ريالٍ عن كلّ ليلة. حرصَ حسين حسبَ التعليمات التي وُجّهَت له من منظّمِي الرحلة على عدم ارتداء ملابس الإحرام فترةَ وجودِه بالعزيزية إلّا في فجرِ يومِ عرفة.

كانت تجرِبةُ عطيّات مختلفةً لأنها وصلَت للمملكة قبل بدء موسم الحج. فقد وفّرَ السمسارُ لها ولمرافقيها من الحجاج مركبةً مكيّفةً نقلَتهم من مطار جدّة إلى منطقة العزيزية. ثم استمرّت المركبةُ في التردّد عليهم بشكلٍ شبهِ يوميٍّ لنقلِهم إلى المسجد الحرام والأماكن القريبة منه. ومع قُربِ موعد الحجّ وبدء الحملةِ الأمنيةِ ضدَّ مخالِفي تصريح الحج، نبّهَهم مشرفُ الرحلة، محمد عبد النبي، إلى البقاء في العمارة السكنية وعدم الخروج. قال نجلُ عطيّات إن والدتَه كانت تسكن مع أربع سيداتٍ في الغرفة نفسها. وقد ظلَّ الحُجّاج سبعة عشر يوماً ممنوعين من الخروج من السكن، بتعليماتٍ من المشرف عبر مجموعة الواتساب تلافياً للملاحقة الأمنية. وأضاف أن التعليمات تضمّنَت إطفاءَ الأنوار والإيحاءَ بعدم وجود أحدٍ في السكن عند إخبارهم بوجود دورياتٍ أمنيةٍ في المنطقة.


لَم يَخطرْ ببالِ السماسرة المستفيدين من السوق المنتعشة التي أتاحتها سياسةُ التأشيرات الجديدة حجمُ التعقيدات التي ستخلقُها لهم رَقْمَنَةُ خِدماتِ الحجِّ في المملكة. هذا ما أَلمَحَ إليه إبراهيمُ السيّد، مديرُ السياحة الدينية بإحدى شركات السياحة الكبرى في القاهرة، إذ قال للفِراتْس إن "المملكة تريد أن تتعامل مع زائريها على طريقة تشات جي بي تي [الذكاء الاصطناعي]. تفتحُ أبوابها للزيارة طُوالَ العام بإجراءاتٍ يسيرةٍ. ولكنها في المقابل تفترض أن هذا الزائرَ ما هو إلا روبوت ينفِّذ ما يُطلَب منه حَرفياً". وأضاف أن ظاهرةَ الحجّ بلا تصريحٍ ليست وليدةَ هذا العام، وإنما تكرّرَت كثيراً خلال السنوات الماضية. لكن المتغيِّرَ الجديدَ هذا العامَ هو التوسُّعُ غيرُ المسبوق في إصدار تأشيرات الزيارة. يضاف إلى ذلك رَقْمَنَةُ الخِدماتِ المقدَّمةِ للحُجّاج، ما يجعلُ كلَّ مَن حجَّ بلا تصريحٍ وكأنه غيرُ موجودٍ، فهو أشبهُ بمجرمٍ يسيرُ في الأسواق يخشى الملاحقةَ من الجميع، ولا يستطيع أن يستغيث بأحدٍ لنجدته.

تعودُ جذورُ سياسةِ رقمنةِ الخدماتِ في السعودية إلى سنة 2011 عندما أَطلقَت إدارةُ الجوازاتِ السعوديةِ التابعةُ لوزارة الداخلية خدمةً إلكترونيةً اسمُها "أَبْشِر". تتيحُ هذه الخدمةُ إجراءَ خدماتٍ حكوميةٍ من قَبيلِ إصدار الجوازات والإقامات وتجديدِها عبر الإنترنت ودون الحاجة إلى زيارةِ فروع الوزارة شخصياً. توسعَت الخدماتُ التي تقدّمُها "أبشر" لتشمل كلَّ الخدمات التي تقدّمُها وزارةُ الداخلية مِن مرورٍ وأحوالٍ مدنيةٍ وغيرِها. في سنة 2015 صار اسمُ المستخدم وكلمةُ المرور الخاصةُ بأبشر وسيلةً عامةً تتيحُ دخولَ المُواطنِ والمقيمِ للخدمات الحكومية الإلكترونية الأُخرى التي بدأَت تقدّمُها وزاراتُ العمل والتجارة والخارجية وغيرها.  

ضمنَ مسيرةِ الرقمنةِ هذه، صدرَ أمرٌ ملكيٌ في أغسطس سنة 2019 لتأسيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، والتي تسمّى "سَدَايا" اختصاراً. أَطلقَت "سدايا" عدّة خدماتٍ مهمّةٍ في سبيل الدفع بمسيرة التحوّل الرقمي في المملكة، مثلَ تطبيق "توكّلنا" الذي بدأ العملُ به أثناء جائحة كورونا، ثم اتّسَعَ ليتحوّل لما يشبه "الرفيق الرقمي" الذي يتيح لمستخدمه الاستفادةَ من خدماتٍ كثيرةٍ ومتنوعةٍ من جهاتٍ حكوميةٍ وغير حكوميةٍ، سواءً كان المستخدِمُ مواطناً أم مقيماً أم زائراً. 

دخلَت وزارةُ الحج والعمرة في السعودية مسارَ الخدماتِ الإلكترونيةِ سنة 2020 بالتعاون مع سدايا في سياق جائحة كورونا. قُيِّدَ عددُ الحجاج سنة 2020 بما لا يزيد عن ألف حاجٍّ بسبب جائحة كورونا، وفي سنة 2021 وصلَ عددُ الحجاج إلى قرابة ثمانيةٍ وخمسين ألفاً. ولتنظيم إجراءات العمرة في سنوات الجائحة، أَطلقَت وزارةُ الحج تطبيقاً اسمُه "اعتمرنا" مربوطاً بتطبيق "توكلنا" الصادر من سدايا، وأُلزِمَ كلُّ من أرادَ العمرةَ أو الصلاةَ في الحرم المكيّ أو زيارة قبر النبي في المدينة المنورة أو الصلاة في الروضة الشريفة بتقديم طلبٍ في "اعتمرنا" للتأكّد من حصوله على اللقاحات المحصِّنة من كورونا، ولضمان تفويج الأعداد المناسبة لتلك المرحلة. غَيّرَت الوزارةُ اسمَ تطبيق "اعتمرنا" إلى "نُسُك" في سنة 2022 وتحوّلَ إلى منصّةٍ عامّةٍ لإصدار تصاريحِ مواعيدِ زياراتِ المعتمرين والراغبين بزيارة الروضة الشريفة وتنظيمِها.

بدأَت بوادرُ الصِدام بين سياسات الحج والعمرة الرقمية وسياسة السياحة السعودية عندما أَعلنَت وزارةُ الحج والعمرة قبل شهر تقريباً من بدء موسم الحج إطلاقَ خدمةٍ جديدةٍ أَسمَتها بطاقة نسك، ورَبَطَتها بالتطبيق الإلكتروني. هدفُ البطاقةِ تمييزُ الحجّاج الحاصلين على تصاريحَ مِن أولئك الذين لا يحملون تصريحاً بالحج، وحصرُ تقديم خدمات الحج بحاملي البطاقة التي تحتوي على معلوماتهم الرئيسية وتسهّلُ تعاملَ الأجهزة الأمنية والرسمية معهم والتعرّف عليهم. سهّلَت هذه البطاقةُ على الأجهزة الأمنية تنفيذَ حملاتِها الأمنيةِ إذ مكّنَتهم من التمييز بين الحجّاج الحاملين لتصاريح الحج وغيرهم.

عقدَت قياداتُ أمنِ الحج السعودي مؤتمرَها السنويَّ في 8 يونيو 2024 قبل بدء الحج بعدّة أيام. ذكرَ مديرُ الأمن العامّ، الفريق محمد البسامي، في المؤتمر أن الحملات الأمنية تمكّنَت من ضبطِ أربعةٍ وستين ألف ناقلٍ غيرِ نظاميٍّ للحُجّاج بلا تصريحٍ، وإعادةِ قُرابةِ ثمانيةٍ وتسعين ألف مركبةٍ غير نظاميةٍ من مَداخلِ مكة المكرمة، وإرجاعِ أكثرَ من مئةٍ وواحدٍ وسبعين ألف مقيمٍ حاوَلوا الدخولَ إلى مكة، وتطبيقِ العقوبةِ على أكثرَ من أربعة آلاف شخصٍ لَم يحصلوا على تصريح الحج. أمّا حَمَلةُ تأشيرات الزيارة الذين ضُبِطوا داخل مكة ثم رُحّلوا فبلغَ عددُهم مئةً وثلاثةً وخمسين ألفاً. وعندما وَجَّهَ مراسلُ إحدى القنوات التلفزيونية المصرية المملوكة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، الذراعِ الإعلاميةِ لجهاز المخابرات المصرية، سؤالاً للفريق البسامي عن مسؤولية الشركات التي تَستقدِمُ مواطنين بتأشيراتِ زيارةٍ للحج، ردَّ الأخيرُ قائلاً "لا أريد أن أَذكُرَ في هذا الموقف ما هي الجنسيةُ الأكثرُ مخالَفةً في توظيف تأشيرات السياحة لغرضِ أداءِ مناسكِ الحجّ وأنت تعرفُها أكثرَ مِنّي". وأكّدَ البسامي أن كلَّ من يأتي بتأشيرةِ زيارةٍ بقصد الحجّ مع توقيعِه تعهّداً بأن هذه التأشيرة لا تخوِّله بذلك هو شريكٌ في مخالَفةِ الأنظمة.


على تمكُّنِ الأجهزة الأمنية السعودية من ضبطِ أعدادٍ كبيرةٍ من الحجّاج بلا تصريحٍ وغيرِهم من سماسرةِ النقل والإيواء في حملاتِ المداهمة الأمنية المتعددة، إلّا أنّ آلافَ الحجّاج، مثلَ عطيّات وحسين وأقاربِهم، تمكّنوا من التخفّي والإفلات من قبضتِها. يقول الخبيرُ العاملُ في مواسم الحج أن النتيجةَ المؤثّرةَ لهذا التشديد الأَمنيّ غيرِ المسبوقِ ردعُ الكثيرِ من أهالي مكة وسكّانها ممّن اعتادوا التكسّبَ يومَ عرفة مِن نقلِ الحجاج بلا تصريحٍ والدخولِ للمشاعر بمراكبَ ذاتِ تصاريحَ وهمية. دفعَ هذا الغيابُ الحجّاجَ الذين لم يحصلوا على تصريحٍ بالحج إلى قطعِ مسافةِ سبعة عشر كيلومترٍ إلى عرفات سيراً على الأقدام تحت لهيبِ الشمس الحارقة. 

(تصوير: أحمد عبد المنعم)

كان هؤلاء الحجاجُ ينتظرون المركبات التي وعدَهم السماسرةُ بتجهيزها لنقلِهم إلى عرفات عشيّةَ يومِ عرفة. عندما اقتربَت اللحظةُ المنتظَرةُ، تلقّت عطيّاتُ ومَن معها رسالةً صوتيةً مِن المشرفِ يُخبرُهم بها أن المملكة وافقَت على فتح المجال لحجّاج الزيارة، وأنه سيُحضِر مركبةً تنقُلُهم مِن منطقة العزيزية إلى جبل عرفات. انتظرَتْ عطياتُ ومَن معها وصولَ المركبة فجرَ يومِ عرفة لكنّها لم تأتِ. حدثَ الأمرُ نفسُه لحسين وأقاربه ومَن معهم فقرَّروا التوجّهَ إلى جبل عرفات سيراً على الأقدام. في الساعة الرابعة فجراً صدرَ تعميمٌ للأجهزة الأمنية السعودية كافّةً بالسماح للحجّاج الذين لَم يحصلوا على تصريحٍ بدخول منطقة عرفات.

تعدّدت مصائرُ المتّجهين إلى عرفات في يومٍ وصلَت درجةُ الحرارة فيه إلى 49 درجةً مئويةً باختلاف أعمارهم وصحّتهم. ففي السنوات السابقة، كان كثيرٌ من الحجاج ممّن لم يحصلوا على تصريحٍ يأتون من داخل المملكة. وهؤلاء، كما يقول الخبيرُ العاملُ في مواسم الحج، مِن فئةٍ عمريةٍ محدّدةٍ اعتادت العملَ في طقس المملكة الحارّ. لكن المختلفَ هذه السنة أن غالبية الحجاج من غير الحاصلين على تصريحٍ قدِموا من خارج المملكة، وأغلبُهم مِن كبار السنّ الذين لَم يعتادوا على حرارة مكة ولم يتأهّبوا لها. قال حسين: "كان معي خيمةٌ تتّسعُ لستّةِ أشخاصٍ، وأرقامُ سعوديين لتدبيرِ وسيلةِ انتقالٍ عند الحاجةِ، وأموالٌ كافيةٌ للدَفع" مضيفاً للفِراتْس أنه استطاع إكمالَ كلِّ مناسكِ الحج مع ارتفاع درجة الحرارة. لكنه ذكرَ أنه لن يكرِّرَ تلك التجرِبةَ مرّةً أُخرى لقسوةِ ما شاهدَه من وَفَياتِ مسنّين وعجائزَ في الطرق لم يستطيعوا تدبيرَ أمورِهم بعد نفادِ أموالهم.

كانت عطيّاتُ واحدةً مِن المُسِنّات المتوفَّيات في الحجّ. يقولُ ابنُها، محمد محمود، إنها بعدَ أن بذلَت مجهوداً كبيراً للوصول إلى جبل عرفات أَخبرَت أفرادَ أُسرتِها بوصولِها هناك وأنها بخير. وقالت لهم إنها مكثَت طُوالَ اليوم على الجبل ولَم تَحصُلْ على أيّةِ خِدماتٍ ولا خيمةٍ ولا تكييفٍ. وبعد نزولِ عطيّات من الجبل، تلقّى نجلُها اتّصالاً من رفقائها في الرحلة يخبِرونه بأنها سقطَت على الأرض، وعند وصولِ سيارةِ الإسعاف أَخبَرَهم المسعِفُ أنها تُوفِّيَت على الفور.


حَمّلَت الحكومتان المصريةُ والسعوديةُ شركاتِ السياحةِ مسؤوليةَ وَفَياتِ الحُجّاجِ بلا تصريحٍ. فقد قرّرَ رئيسُ وزراء الحكومة المصرية، مصطفى مدبولي، في الثاني والعشرين من يونيو سحبَ ترخيصِ ستّ عشرة شركةً قال إنها تحايلَت لتسفير الحجّاج بصورةٍ غير نظاميةٍ وإحالةِ مسؤولِيها إلى النيابة العامة. أكّدَ هذا الأمرَ المتحدثُ بِاسم وزارة الداخلية السعودي في حديثِه مع قناة العربية قائلاً إن "شركاتٍ سياحيةً في عددٍ من الدول غَرّرَت بحاملِي تأشيراتِ الزيارةِ بأنواعها … وشجّعَتهم على مخالَفةِ الأنظمة والتحايُلِ عليها، والبقاءِ في العاصمة المقدّسة قبل موسم الحج بشهرين". وهو ما عدَّهُ مديرُ السياحة الدينية في إحدى الشركات السياحية، إبراهيم السيد، فهماً قاصراً يتجاهلُ أساسَ المشكلةِ، موضِحاً أن سماسرةَ الأرياف في مصر يعملون تحت سمع الجميع وبصرِهم، وأنهم يَستغِلّون تأشيراتِ الزيارةِ في تسفير عددٍ كبيرٍ من البسطاء للحجّ، ولم تَستطِع الدولةُ التعاملَ معهم، وأنّهم يعتمدون في توفير هذه التأشيرات على وسطاءَ سعوديين.

أمّا الناجون من تجربةِ الحجّ بلا تصريحٍ، فاختلفَت طرقُ عودتهم وذلك حسبَ طريقة دخولِهم. فبينما لَم تستغرِق زيارةُ حسين إلى المملكة وإتمامُه مناسكَ الحجّ سوى سبعةِ أيامٍ غادَرَ بعدَها إلى روما مِن حيثُ أَتى، لَم يَرحلْ قريبُه الذي وصلَ إلى المملكة في الخامس عشر من مايو الماضي إلا في السادس والعشرين من شهر يونيو. ورفضَ هذا القريبُ في حديثه مع الفِراتْس الكشفَ عن هُويّةِ السمسار المصري أو هُويّةِ الداعي السعودي المدوَّن اسمُه في تأشيرة الزيارة الشخصية الخاصّة به بحُجّةِ عدمِ رغبتِه في تحمُّلِ أيِّ مسؤوليةٍ قانونيةٍ بعد عودته لمصر. وكان قد نجحَ حتى لحظةِ حديثِه في العشرين من شهر يونيو في الإفلات من السلطات السعودية التي تُعاقِبُ حجّاجَ الزيارةِ بأخذِ بصماتِهم وتغريمِهم عشرةَ آلاف ريالٍ عن الحج بلا تصريح. اعترَفَ هؤلاء الحجّاجُ بلا تصريحٍ وأقاربُهم الذين تحدَّثوا للفِراتْس بأن حُلمَهم بالحجّ قادَهم إلى مخاطرَ لا تقلُّ وطأةً عن مخاطرِ من يُلقِي بنفسِه في قواربِ الهجرةِ غيرِ الشرعية إلى الجانب الآخَر مِن العالَم، ما جعلَهم شركاءَ بنسبةٍ ليست قليلةً مع مَن استغلّوهم وتاجَروا بحُلمِهم.

أمّا بالنسبة لأقرباءِ المتوفَّيْن، فهُم محاصَرون بين مشاعرِ الحزنِ على فقدِهم وبين تعقيد الإجراءات المتعدّدة المطلوب منهم عملُها. فقد تسلّمَ محمودُ، ابنُ عطيّات، في الرابع والعشرين من يونيو الجاري شهادةَ وفاتِها من القنصلية السعودية بوسطِ القاهرة. وأَخبرَ الفِراتْسَ عن تصميمِه على مقاضاةِ سمسارِ الشرقيةِ، الحاجِّ عبدِ الحميد، غيرَ أنّه لا يعرفُ أيَّ بياناتٍ رسميةٍ عنه غيرَ اسمِه الأَوّلِ، خصوصاً بعد أن غَيّرَ رقمَ هاتفِه وعنوانَه.

اشترك في نشرتنا البريدية