انعطفتُ يميناً نحو المحكمة الشرعية القديمة في منطقة السهلة. تلك التي كانت ذات يومٍ قلبَ المدينة النابض، حيث الحياة التجارية والسكانية. لكنّ ما صادَفَني كان فراغاً صامتاً خَلّفَه الإغلاقُ الشاملُ الذي اشتدّ عقب أحداث السابع من أكتوبر، وكأنّ كلّ ما هو فلسطينيٌّ تلاشى من المكان. لَم أجِد سوى بضعة جنودٍ يراقبون المدخل الذي يَعبرُه المستوطِنون والسيّاح إلى القسم الذي اقتطعَتْه إسرائيل من الحرم الإبراهيمي ليخصّص لليهود. على الزاوية المقابلة، وقف جنديٌّ يحرس بيتاً استولى عليه المستوطنون قبل سنواتٍ وحوّلوه إلى بؤرةٍ استيطانية. الشوارع بدت مهجورةً، مرصوفةً بمئات المحلات الأخرى المغلقة بأمر الحاكم العسكريّ للضفّة الغربية منذ مجزرة الحرم الإبراهيمي في فبراير 1994 حين أقدمَ مستوطِنٌ يهوديٌ مهاجرٌ من الولايات المتحدة يدعى باروخ غولدشتاين على قتلِ وإصابةِ مصلّين فلسطينيِّين كانوا سُجّداً في صلاة الفجر داخل الحرم. الإغلاق التامّ هذا يمنع دخول الفلسطينيين باستثناء أهالي المنطقة، بينما يذوق المارّةُ صنوفَ الإذلال اليوميّ من تعدٍّ جسديٍّ واحتجازٍ وإهاناتٍ شتّى، وأحياناً القتل.
عند نهاية المسار الموحِش، لمحتُ بقالةً صغيرةً فتحَتْ أبوابَها وسط هذا الموت الاقتصادي. "لقد نجوتَ"، هكذا قال لي صاحبُ البقالة المُقعَدُ إسحاق قفيشة بعد وقوفي للحديث معه. وأردف مشيراً للمستوطِنين المارّين: "هؤلاء جنود بن غفير، لا يعرفون قانوناً ولا أخلاقاً". يسكن إيتمار بن غفير، وزيرُ الأمن القومي في حكومة نتنياهو الحالية، مستوطنةَ "كريات أربع" القريبة من المكان، وهو من المحتفين بميراث غولدشتاين.
ما شاهدتُه في جولتي هذه لم يكن سوى لمحةٍ من الحياة اليومية التي يعيشها الفلسطينيون في ما يمكن أن يطلَق عليه "غيتو الخليل الصغير". هذا النموذج الاحتلاليّ ليس استثناءً، بل محاولةً لتطبيق سياسة الغيتو – أي المَعزِل السكّانيّ – في أنحاء الضفّة الغربية والقدس كافّة. وإن كانت كلمةُ "غيتو" قد ارتبطت تاريخياً باليهود في أوروبا، إلّا أن إسرائيل حوّلَتها إلى تجربةٍ معيشيةٍ للفلسطينيين بالجدران الفاصلة والحواجز العسكرية والمستوطنات المحيطة. وبينما تمضي إسرائيل قُدماً في إنشاء "غيتو الخليل المصغر" في قلب المدينة، نجد أن هذا النموذج تَحوّلَ إلى نموذجٍ فريدٍ في حشر الفلسطينيين ضمن مساحةٍ ضيّقةٍ مع مجموعةٍ عرقيةٍ ودينيةٍ محتلّةٍ للمكان وتُمارس فيه أساليب الفصل العنصريّ ليشبه في بعض جوانبه غيتوات اليهود في أوروبا، سواءً في بداياتها في إيطاليا أو أثناء الحقبة النازية. لكنه يختلف عن أحياء السود في أمريكا، وعن المستوطنات الصهيونية الأُولى في فلسطين. وهو يُبرز أيضاً ما يمكن تسميتُه عقلية "الغيتو المزدوج" التي تسيطر على تفكير قادة إسرائيل، لا سيّما الأحزاب اليمينية، والذي يعني سجنَ الذاتِ والآخَرِ في الحيّز الجغرافي.
في الحقبة النازية، وعلى عكس الغيتوات السابقة التي كانت بديلةً عن طرد اليهود، صِيغ الغيتو "انطلاقاً من شعورٍ بالتفوق العرقيّ، إضافةً لرغبةٍ في التخلص من اليهود"، كما يقول دانيال شوارتز في كتابه "الغيتو: تاريخ كلمة" المنشور سنة 2019. جُمِع اليهود من بلدان أوروبا الشرقية التي سقطت بِيَدِ النازيّين في معازل تمهيداً لنقلهم إلى معسكرات الاعتقال لإبادتهم أو استخدامهم للعمل بالسخرة، أو الاثنين معاً. كان غيتو وارسو أشهرَ تلك الغيتوات، إذ جُمِع فيه قرابةُ أربعمئة ألف يهوديٍّ من بولندا وجوارها سنة 1940 في مساحةٍ تقارب الأربعة كيلومترات. عاشوا هناك في فقرٍ مدقعٍ، عرضةً لأمراضٍ مميتةٍ ومجاعةٍ وإذلال السلطات النازيّة يومياً، حتى اشتعلت انتفاضة الغيتو في 1942 والتي انتهت بتفكيك غيتو وارسو وإعدام المنتفضين.
في الولايات المتحدة، ومع حرية اختيار أماكن السكن فقد أنشأ اليهودُ وبعضُ الأقلّيات الأخرى أحياءً خاصّةً بهم، تراوحَت بين الفاخر والفقير، مشبِهةً بوجهَيْها تلك الأحياءَ التي عاشوا بها في أوروبا، منبع هجرتهم للولايات المتحدة. امتدّ مفهوم الغيتو ليشمل الأقلّيات الأخرى التي إما أنشأت أحياءً خاصّةً بها طوعاً أو استجابةً لإجراءات الحكومة العنصرية. وكان أبرزها "غيتوات السود"، مثل جنوب "برونكس" في أكناف مدينة نيويورك، وحيّ "واتس" في لوس أنجلوس.
ويبدو أن ذهنية الغيتو رافقَت اليهودَ الصهاينةَ منذ البدايات. فقد تبنّت الحركة الصهيونية نمطَيْ "الكيبوتس" و"الموشاف"، أي القرى الزراعية التعاونية، عندما استولت على أراضي الفلاحين الفلسطينيين وأحاطتها بأسوارٍ وجدرانٍ وبَنَت فيه أبراجاً لمراقبةِ مَن تبقَّى مِن الفلسطينيين في محيطها. تجلّى ذلك في مشروع مستعمرات "حوماه أومِغدَال" (سور وبرج) الذي نفّذَته منظمة الهاغاناه بين عامَيْ 1936 و 1939 ببناءِ مستعمَرةٍ من أربعة أكواخٍ وبرجِ حراسةٍ في يومٍ واحدٍ، وكانت نتيجتُه بناءَ خمسين مستعمرةً محاطةً بجدارٍ خشبيٍّ محشوٍّ بالحصى والرمال لحمايتها من الرصاص، وإحاطتها بالأسلاك الشائكة. يتجلّى هذا السلوك أيضاً في "غيتو الخليل الصغير" حيث ينتشر ثلاثةٌ وعشرون برج مراقبةٍ، ويلتفّ السلك الشائك حول الجهات الأربع لمستوطنة كريات أربع، وهي التجمع الاستيطانيّ الأكبر في محيط مدينة الخليل وأنشئ سنة 1968. وبَنَتْ إسرائيل عدداً من الجدران الخرسانية لتفصل الوجودَ الاستيطانيّ عن بيوت المواطنين الفلسطينيين.
وبقدر ما تعكس هذه العقليةُ سَجْنَ الذاتِ والفصلَ الجغرافيّ والثقافيّ عن المحيط الخارجيّ، إلّا أنها تعني سَجْنَ الفلسطينيين في معازل قسريّة. فمنذ نشأتها سنة 1948 مارسَت إسرائيلُ سياسةَ عزلِ الفلسطينيين في غيتوات. حيث تشير وثائق وزارة الأقلّيات الإسرائيلية في تلك الفترة إلى أن القوّات الصهيونية – بحسب الباحث في معهد عكيفوت آدم راز – حاصرَت مَن تبقّى مِن سكان مدنِ يافا وحيفا واللّدّ والرملة في أحياءٍ صغيرةٍ محاطةٍ بالأسلاك الشائكة، وأطلق على كلٍّ منها اسم "غيتو". وإليها يشير الكاتب اللبناني الراحل إلياس خوري في روايته "أولاد الغيتو".
ومع استمرار الشعور بالتهديد، ما زالت ذهنيةُ الغيتو تَطبع خططَ قادةِ إسرائيل. وقد استعرض الكاتب الفلسطيني نواف الزرو في مقالةٍ بعنوان "نتنياهو والغيتو الصهيوني الأول" آراءَ العديد من الكُتّاب والسياسيين الإسرائيليين عن تلك الذهنية مشيراً إلى أن نتنياهو قال في محادثاتٍ مغلقةٍ سنة 2010: "في نهاية المطاف لن تكون هناك خياراتٌ سوى إغلاق الدولة بالجدار من كلّ النواحي". ليَخلص الكاتب إلى أن هذه العقلية تستند إلى فلسفةٍ وأدبياتٍ عَقَديةٍ أُطلق عليها في القرون الماضية "عقلية الغيتو"، ثم أصبحت تُعرف في بدايات الدولة العبرية بسياسة "السور والبرج" ثم أُطلِق عليها حديثاً "سياسة البلدوزر"، أي الجرّافة أو الحفّار.
وبعد أكثر من خمسين عاماً عادت إسرائيل لتَفصل نفسها – جزئياً – عن الفلسطينيين بجدارٍ يعزلها عن الضفّة الغربية ويعزل الأخيرة عن القدس، ويسجن الفلسطينيين في الغيتو الواسع خلف الجدار الخرسانيّ مع كُتلٍ من الاستيطان في توسّعٍ مستمرّ. وفي الوقت ذاته سَعَت إسرائيل إلى تقسيم هذا الغيتو بالشوارع التي شُقّتْ لتسهيل حركة المستوطنين، ومئاتِ الحواجز والبوابات ونقاط التفتيش لتصبح القرى والمدن الفلسطينية أَشْبَه بالجُزر المعزولة، كما تخيّلَها تقريرُ منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية "بيتسيلم" في 2021. هي ذاتها العقلية الانعزالية التي أسماها الأكاديميّان الإسرائيليان دانيال بار-تال وديكلا عنتيبي "عقلية الحصار في إسرائيل" في مقالةٍ أكاديميةٍ حملت العنوان نفسه، وتعني انكفاء المجتمع الإسرائيلي على ذاته مدفوعاً بتصوراتٍ سلبيةٍ وخوفٍ وانعدام ثقةٍ بالآخَر غيرِ اليهوديّ، أو الأغيار، لا سيّما الفلسطينيين والعرب. هذا الأمر ترتّب عليه المعيشةُ في حالةٍ من الرهاب القوميّ تُرجِمَ عملياً ببناء الجدران والأسوار والعزلة الجغرافية والهوس بالأمن والاهتمام الشديد بالقوة العسكرية لأنها الضمان الأوحد ضدّ كلّ الأغيار الذين يسعون لتدمير الشعب اليهودي.
وفي سنة 1979 وفي عتمة الليل، تسلّلت عشرُ نسوةٍ من مستوطنة كريات أربع بقيادة زوجة ليفنغر إلى مبنى "الدبويا" الواقع في بداية شارع الشهداء، الشارع الرئيس في البلدة القديمة. وكان هذا البناء الأثريّ قد شُيّد طابقه الأوّل في 1878 مستوصفاً لعلاج أهل الخليل ثم استأجرَته الجاليةُ اليهودية لاحقاً عيادةً طبّيةً، قبل أن يتحوّل مصنعاً للألبان تديره عائلتا أبو عيشة وعيزرا سنة 1909. ثمّ صار في عهد الانتداب البريطاني مركزَ شرطةٍ ثم محكمة. وبعد النكبة مباشرةً استخدمته وكالة الغوث مدرسةً ابتدائية. أقامت النساءُ العَشرُ في الطابق الثاني منه، الذي كان فارغاً ومسيّجاً بأمر السلطات الإسرائيلية منذ 1967، في حين كان الطابق السفليّ متاجرَ للفلسطينيين. فأعاد المستوطنون تسميتَه "بيت هداسا" وادّعوا أنه أملاكٌ يهوديةٌ أسّسَته الجالية اليهودية (ولم تستأجره) سنة 1893. وهداسا تعني بالعبرية نبتةَ الآس العطرية.
يروي بدر الداعور، رئيسُ نقابة العاملين بالسياحة في الخليل وصاحبُ متجرٍ للحِرَف اليدوية الفلسطينية قرب المستوطَنة، أنّ عائلة أبو عيشة التي كانت تقيم في الطابق الأول من المبنى اضطرّت إلى تركِه نتيجةَ مضايقاتِ نساء المستوطَنة وأطفالهنّ. قال لي: "لقد حفروا السقفَ من فوقنا، وبالَ أطفالُهم على رؤوس العائلة، ورُمِيَت كلّ أنواع القاذورات في الأسفل".
ويروى الحاجّ مفيد الشرباتي، أحدُ السكّان القلائل المتبقّين في شارع الشهداء ولا يبعد منزله كثيراً عن الدبويا، كيف أبعدَته سلطاتُ إسرائيل وعائلتَه عن منزلهم أربعة عشر يوماً، بعد أن نَفّذَت مجموعةٌ من الفدائيين الفلسطينيين مساء السبت الثاني من مايو 1980 عمليةً عسكريةً ضدّ المستوطِنين المتجمّعين أمام المبنى بهدف الضغط لإخلائه، فقُتل ستّةٌ وأصيب عشرون. وعندما عاد إلى المنزل وجد الجنودَ داخله: "تخيّل أنهم عاشوا معنا ثمانيةً وثلاثين يوماً". ثم أقاموا على السطح نقطةَ مراقبةٍ عاماً ونصف. وبمرارةٍ ذَكَرَ أن إسرائيل هَدَمَت المحلّاتِ التجاريةَ المجاورةَ بعد العملية وأقامت على أنقاضها مبنىً من خمسة طوابق وحديقةً وملاهٍ لأطفال المستوطِنين، بينما "يمنعوننا حتى من السَير في الشارع المحاذي للمستوطَنة التي سمّاها بيت هداسا".
على التلّة المقابلة للدبويا ينكّل المستوطِنون الذين جلبتهم إسرائيل بالناشط الحقوقيّ عماد أبو شمسية، وهُم سكّان مستوطنةِ "بيت يشاي" التي دُشّنت سنة 1984، ومعظمهم من أنصار حركة "كاخ" التي أنشأها الحاخام مائير كاهانا والتي صُنّفت إرهابيةً سنة 1994. أقام المستوطِنون بؤرةً استيطانيةً مستخدمين ستَّ كرفاناتٍ (غرف متنقلة) في دير الأربعين بتلّ الرميدة (اِرْميدة، باللهجة المحلية) غرب الخليل. ودَيْر الأربعين أو مشهد الأربعين مبنىً أثريٌّ يحوي مقامَ الشيخ السقاواتي الذي سَكَنَ الدَير وأصلُه من الساقية الحمراء في المغرب، فيما يعتقد اليهود أنّ جيسي جدَّ النبيِّ داوود، وراعوث جدَّتَه الكبرى، مدفونان هناك. "بدأت المستوطنة تكبر وتبتلع ما حولها"، كما يقول عماد الذي لا يفصل منزلَه عن المستوطنة سوى شارعٍ لا يُسمح له بالمرور فيه إلا مشياً.
سَجّلَ مستوطنو تلّ الرميدة سنة 2005 أكثر حوادث العنف في الضفّة الغربية قاطبةً. ويتزعّم تلك الحوادثَ الحاخامُ المتطرّف من حزب كاخ، باروخ مارزل، وهو من مواليد مدينة بوسطن الأمريكية ومهووسٌ بميراث باروخ غولدشتاين، على غرار إيتمار بن غفير. يقول أبو شمسية: "لقد صبّ كلّ حقده علينا". حتى أن أتباعه لاحقوا طفلةً عمرها ثماني سنوات عائدةً من المدرسة، حتى إذا وَصَلَت بابَ منزلها وضع أحدُهم في شَعرها شيئاً وأشعل النار فيه. "لم تذهب للمدرسة لشهرٍ كاملٍ بعد الاعتداء، ولم تَستعِد شعرَها إلّا بعد عامين من العلاج". وفي حادثةٍ أُخرى تعرّض ولدا عماد أبو شمسية عوني ومحمد لاعتداء جنودٍ إسرائيليين على حاجز شارع الشهداء أثناء عودتهما من العمل ليلاً، حيث فتّشهما الجنود واعتدوا عليهما بالضرب أكثر من ساعة.
وفي حين ينعم المستوطنون بحياةٍ مريحةٍ، يعيش عماد، مثل بقيّة سكّان الحيّ الفلسطينيين، في منزلٍ قديمٍ محاطٍ بالأسلاك الشائكة التي وضعها بنفسه حمايةً لعائلته من عنف المستوطنين. وحَوّلَ الجنود الإسرائيليون سطحَ منزلِه نقطةَ مراقبةٍ، وأعلنوا المنطقةَ حوله عسكريةً مغلقة.
في هذا "الغيتو" ليس غريباً أن ترى الجدران الخرسانية والأسلاك الشائكة التي تفصل المواطنين الأصليين عن المستوطِنين، فقد أُغلِقت كلّ الشوارع والقناطر المؤدّية إلى شارع الشهداء. من بين هذه الشواهد المادّية الحاضرة، يبرز الجدار الذي أقامته إسرائيل بجانب منزل زليخة المحتسب، ليمنعَها من الوصول إلى باب منزلها، ما اضطرّها إلى فتح مدخلٍ بديلٍ من شرفةِ منزل الجيران. إغلاق الشارع كاملاً أمام سكانه وقفل جميع المنافذ المؤدية إليه أدّى إلى هجرة عشرات العائلات التي كانت تُجبَر على دخول منازلها من أسطح البيوت المجاورة، وكلّ ذلك بذريعة حماية المستوطنات التي استحوذت على المراكز الرئيسية في المدينة.
بعد سنةٍ من إنشاء مستوطنة تلّ الرميدة، شَرَعَت إسرائيل بإقامة مستوطنةٍ جديدةٍ فيما كان يُعرف بـ "دوار الحسبة"، أو سوق الخضار القديم. وهي المستوطنة الأكبر في قلب المدينة القديمة، وتُعرَف بِاسم "أبراهام أبينو" (أبونا إبراهيم). بُنِيَت مساكنها الحديثة على أنقاض المباني الأثرية التي شَرَعَت قوات الاحتلال في هدمها منذ 1983، متذرّعةً بأنها تحيط بما يعتقد اليهود أنه كنيسٌ قديمٌ يعود للحقبة الأولى لوجود اليهود في الخليل إثر هجرتهم القسرية من شبه الجزيرة الإيبيرية في القرن السادس عشر.
على الجانب المقابل للمستوطنة تقبع بؤرةٌ استيطانيةٌ رابعةٌ تسمّى "بيت رومانو" في قلب المدينة، وعلى هامشها يقف بدر الداعور، أمام متجره المتواضع مشيراً بيده إلى البوابة الحديدية التي تفصله عن هذه البؤرة، وتعلوها الأسلاك الشائكة وتحيط بها الحواجز الخرسانية، فيقول: "هذه ليست بيت رومانو، إنها مدرسة أسامة بن المنقذ، ولا أعترف بتسمياتهم الأخرى". المبنى الذي أشار إليه بدر كانت إسرائيل قد سيطرت عليه بعد حرب 1967 وجعلته مقرّاً لحكمها العسكري، وكانت السلطات الأردنية قد استخدمته قبل ذلك مدرسةً للبنين، واستخدمته الشرطةُ البريطانية إبّان الانتداب على فلسطين. وفي سنة 1980، أغلقت إسرائيل المبنى ثم فتحت فيه "يوشيفا" (مدرسة دينية) للمستوطنين، وشيّدت فيه مساكن جديدةً لطلبة المدرسة بين عامَيْ 2001 و 2002.
يتحدث بدر عن المضايقات المتكرّرة التي تعرّض لها على مرّ السنين، ولكن الأسوأ بدأ بعد السابع من أكتوبر 2023. ففي الأشهر الأولى من الحرب على غزة، نكّل به الجنود الإسرائيليون عدّة مرّاتٍ. وفي إحدى المرّات "استفزّهم علم فلسطين والخريطة التي أبيعها في متجري، فألقوها في المرحاض وسكبوا عليها الماء"، وحاولوا الاعتداء عليه جسدياً لولا تدخّل بعض المتضامنين الأجانب الذين كانوا في المكان.
ظلّ الحال على هذا المنوال حتى وقّعت حكومة إسرائيل مع منظمة التحرير اتفاقيةَ الخليل سنة 1997 التي قسمت المدينة إلى شطرين. "إتش ون" (القسم رقم واحد) يخضع للسيطرة الأمنية والمدنية الفلسطينية، ويضمّ مئةً وخمسة عشر ألف فلسطينيٍّ. فيما يخضع أربعون ألف فلسطينٍّي في "إتش تو" (القسم رقم اثنين) للسيطرة الأمنية والمدنية الإسرائيلية. ونصّ الاتفاقُ على أن تعود الأحوال في شارع الشهداء والبلدة القديمة ومحيط الحرم الإبراهيمي لما كانت عليه قبل المجزرة. لكن إسرائيل فتحت الشارعَ عاماً واحداً ثم أغلقته مجدّداً، ثم أعيد فتحه وإغلاقه بالتناوب حتى أغلق تماماً أمام الفلسطينيين مع بداية الانتفاضة الثانية سنة 2000.
ويا للمفارقة، فقد طبَّقت إسرائيل نموذجاً مشابهاً لما عملته سلطات البندقية في أوّل غيتو إلزاميٍّ لليهود عندما أغلقَت النوافذَ المطلّةَ على البحر لتشديد العزل على الغيتو. ففي شارع الشهداء أغلق الجنود الإسرائيليون أبواب خمسمئةٍ وخمسةٍ وعشرين متجراً، ناهيك مِن أبواب منازل الفلسطينيين المطلّة على الشارع، ليحاصروا العائلات المتبقّية داخل منازلهم. حدّثَتني زليخة المحتسب بحزنٍ شديد عن جيرانها الذين اضطرّوا للرحيل بسبب المعاناة التي واجهوها في نقل شقيقتهم المعاقة عبر أسطح المنازل للوصول إلى المستشفى أو مركز التأهيل.
في ديسمبر سنة 2006، قال الجيش الإسرائيلي إنّ منع الفلسطينيين من السَير في الشارع كان "عن طريق الخطأ"، ولكن سرعان ما أُعيد إغلاقه وأعلنت إسرائيل المنطقةَ منطقةً عسكريةً مغلقة. وفي إبريل من العام التالي أصدرت الإدارة المدنية في الجيش الإسرائيلي تصاريحَ لسكّان المنازل في شارع الشهداء، وفتحت أبوابها عاماً ونصف العام تقريباً، لكن تلك التصاريح أُلغِيت في أغسطس من العام الذي يليه. وهكذا ظلّ سكّان الجهة اليسرى من الشارع خارج الغيتو الصغير وفتحوا العديد من الثقوب للوصول إلى منازلهم أو ابتكروا طرقاً عبر الأسطح للوصول إليها.
قادتني زليخة إلى منزل جيرانها من عائلة القاضي، ومن شرفة المنزل المغطّاة بالسياج الحديدي وقفنا نتأمّل الشارع الذي حُرم الفلسطينيون السيرَ فيه. بدا الشارع خالياً إلّا من بعض سيارات المستوطِنين التي تجوب الطريق، والكتابات العبرية التي تدعو على العرب بالموت، وجنديّان يجوبان الشارع يحرسان المستوطِنين. تحدّثت لي الزوجةُ من عائلة القاضي التي قدّمتني لها زليخة عن المعاناة التي تعيشُها وأطفالُها من أصوات الحفلات الصاخبة التي يقيمها المستوطِنون في مناسباتهم الدينية، وعن قنابل الغاز المُسيل للدموع التي أغرقت منزلَها مرّاتٍ عديدةً، قبل أن تُسهِم البعثة الدولية – وهُم مراقبون أوروبيون حضروا ضمن اتفاقية الخليل لمراقبة تنفيذ الاتفاق، وألغت إسرائيل تصاريح وجودهم في 2019 – بتسييج شرفتها والنوافذ المطلّة على الشارع لعددٍ من المنازل في المنطقة. ويضيف صهيب المحتسب في مقطعٍ مصوّرٍ أرسلَه لي يشكو فيه من ضجيج حفلةٍ موسيقيةٍ بالقرب من الحرم حيث يسكن: "لا نستطيع النوم في تلك الليالي. خيامٌ وإضاءةٌ قويةٌ وموسيقى صاخبةٌ تحت شرفة منزلك".
وفَرضت القوّاتُ الإسرائيلية حظرَ تجولٍ شبهَ كاملٍ على مدى الشهور الأربعة الأولى من الحرب على غزّة، وفقاً لمنظمة "بتسيلم". في الأسبوعين الأوّلين من الحرب لم يُسمح للمواطنين في تلك المناطق بالخروج من منازلهم، ما اضطرّهم إلى تقليص وجباتهم اليومية، كما يقول عيسى عمرو، الناشطُ في مقاومة الاستيطان وأحدُ سكّان تلّ الرميدة. ويضيف: "لم يستطع حتى النشطاء الأجانب توصيل الموادّ الغذائية للسكّان هناك". ويشير إلى أن بعض السكّان لجؤوا إلى طرقٍ أُخرى من أسطح المنازل لقضاء حاجيّاتهم، ودَفَعَ بعضُهم ثمنَ ذلك غالياً. ويقول عيسى: "ألقى جنود الاحتلال القبض على شابٍّ بينما كان يحاول تسلّق أحدِ الجدران عائداً لمنزله، وأشبعوه ضرباً وأطفَؤوا أعقابَ السجائر في جسده".
سنواتٌ مرّت حوّلت فيها إسرائيلُ المنطقةَ من الأكثر حيويةً اقتصاديةً في الخليل إلى الأشدّ بؤساً. وأضافت ممارساتُها أعباءً ماليّةً جديدةً على السكّان. اضطرّوا إلى الاستعاضة عن إصلاح الأجهزة والأثاث المنزلي بشراء أجهزةٍ جديدة. لأنّ إسرائيل تفرض قيوداً على نقل السلع أو حتى استقدام عمّال الإصلاح والسباكة والخدمات. يقول لي مفيد الشرباتي: "أصبح لديّ ثلاث غسالاتٍ وثلاث ثلاجاتٍ، وأربعة أنواع من الخزائن".
لقد جَعَلَتْ إسرائيلُ الحياةَ الاجتماعية مستحيلةً في ظلّ قطع التواصل بين العائلات في الغيتو وخارجه. فقبل أعوامٍ اضطرّ زيدان الشرباتي، أخو مفيد، الذي فقد عينَه في مظاهرةٍ ضدّ الاحتلال تحت عنوان "فكّكوا الغيتو"، إلى تهريب شقيقاته من خارج المنطقة المغلقة عبر منزلٍ مجاورٍ للحيّ ليشارِكْنَه وجبةَ الإفطار في رمضان. واضطرّ لاحقاً إلى السكن بعيداً عن منزله للوفاء بالمتطلّبات الاجتماعية لأبنائه.
وتَمنع إسرائيلُ سكّانَ هذه المناطق من ترميم منازلهم إلا بتصريحٍ مسبقٍ من الإدارة المدنية، وهي هيئة الحكم الإسرائيلية الفعلية في الضفة الغربية، مما حوّل تلك المنازل إلى مبانٍ متداعيةٍ بفعل تقادمها. وفي الحالات النادرة التي سمحت فيها الإدارة المدنية بالترميمات، كان المستوطنون يتدخّلون لإفساد الأمر بالاعتداء على المواطنين. قبل عدّة أعوامٍ، وبينما كان مفيد الشرباتي يهمُّ بترميم منزله بعد حصوله على التصريح ونقل الموادّ اللازمة، اعتدى عليه المستوطِنون فكسروا فقراتٍ في عموده الفقريّ. وخضع على إثر الاعتداء لعمليةٍ جراحيةٍ ثُبّت فيها ظهره بمسامير وبلاتين. تسبّب له الاعتداء بمعاناةٍ يوميةٍ، خاصّةً عند تنقّله عبر الحواجز، فقد دفعه أحدُ الجنود على حاجز شارع الشهداء في سبتمبر 2024، ما أدّى إلى ارتطام رأسه بحافّة منضدةٍ استخدمها الجنود ليفقد وعيَه ويُنقَل إلى المستشفى حيث قضى ليلتَه هناك.
وعلى غرار الغيتوات اليهودية التي سادت في أوروبا، تدهورت الخدمات الصحّية في المناطق المغلقة بسبب القيود المفروضة على حركة الطواقم الطبية والخدماتية. فلا يُسمح لسيارات الإسعاف والإطفاء بالدخول إلّا بعد تنسيقٍ مسبَق. الأمر الذي أدّى إلى وفاة بعض المواطنين، وقد كان بالإمكان إنقاذهم. في 2007 تيسير أبو عيشة، الذي يعيش في منزلٍ مدخلُه الوحيدُ يقع داخل مستوطنةِ تلّ الرميدة، فَقَدَ طفلَه الأوّل حينما أخّرت إسرائيلُ سيّارةَ الإسعاف عن الوصول إلى زوجته الحامل في الوقت المناسب. وفي العام التالي وللسبب ذاته، اضطرّ إلى نقل زوجته مشياً إلى المستشفى عندما أوشكت على الولادة، لكنها وضعت جنينها ميتاً للمرّة الثانية.
وفي 2019، أخّرت إسرائيلُ سياراتِ الإطفاء عن الوصول إلى منزلٍ محترقٍ في حارة السلايمة في البلدة القديمة، ما أسفر عن وفاة ثلاثة أطفال. وقد أُخبِرتُ في حوارٍ مع "تجمع المدافعين عن حقوق الإنسان" في الخليل، أن العامَ نفسَه شَهِدَ وفاةَ طفلٍ يعاني من مرضِ ضمورِ العضلات في حيّ تلّ الرميدة، ولم تستطِع سيارة الإسعاف الوصولَ إليه، فتوفّي على حاجز شارع الشهداء بعد أن حاول الجيران نقله للمستشفى سَيراً على الأقدام. أخبرَني شهودٌ عيانٌ كذلك أن مُسِنّاً يعاني من تضخّمٍ في عضلة القلب فَقَدَ حياتَه في الحيّ نفسه وعلى الحاجز نفسه، عندما أطلق الجنود الإسرائيليون قنابلَ الغاز المسيل للدموع في المكان.
تُوازي هذه التضييقاتِ سياساتٌ تدعم المستوطنين وتضمن حرّيتهم وأمنهم على حساب السكان الفلسطينيين. ويكفي المشيُ في أرجاء المنطقة لتتّضح الأمور. فقد فَصَلَت السلطاتُ الإسرائيلية حيَّ واد الحصين وسط البلد عن مستوطنة كريات أربع بقضبانٍ حديديةٍ، وعزّزَت هذا الفصلَ بسلكٍ شائكٍ بعد أحداث السابع من أكتوبر. وقسّمت إسرائيلُ الشارعَ الذي يربط كريات أربع بالحرم الإبراهيمي إلى قسمَيْن. أحدُهما مخصّصٌ للمستوطنين ويسمح لهم بالسير فيه بمركباتهم، ويطلق عليه "طريق المُصلّين"، بينما لا يسمح للفلسطينيين بالسير إلا مشياً وفي القسم الضيّق من الشارع.
في شمال محافظة الخليل نجد أن هذا النمط يتكرّر مستلهِماً تجربةَ الخليل، مع بعض التفاوت. فهناك قرى الريف الغربي في بيت لحم (حسان، بتير، واد فوكين) محاطةٌ بالاستيطان من جوانبها الثلاثة، ولا اتصال بينها وبين مدينة بيت لحم إلا من نفقٍ صغيرٍ أسفل الطريق تتحكم إسرائيل في فتحه وإغلاقه. الأمر نفسه ينطبق على قرىً محاصَرةٍ بالاستيطان في تجمّع غوش عتصيون (إتسيون) الاستيطاني في محافظة بيت لحم، وهذه القرى هي خربة زكريا وبيت اسكاريا.
الأمر ذاته يتكرّر في قرية الشيخ سعد جنوب القدس، حيث يحيط بالقرية الجدارُ العازلُ من اتجاهاتها الثلاثة ولَم يَبْقَ لها إلا منفذٌ واحدٌ إلى المدينة المقدسة، تتحكم فيه القوات الإسرائيلية. وشرقاً يقبع مخيم شعفاط، وهو المخيم الوحيد الذي يقع ضمن حدود بلدية القدس، ويحيط به الجدار ويفصله عن القدس حاجزٌ إسرائيليٌّ دائمٌ يغلقه الجنود عند أدنى حدثٍ أمنيٍّ في المدينة أو المخيم نفسه. وأما بلدة كفر عقب، شمال القدس بنحوِ أحدَ عشرَ كيلومتراً، فقد تحوّلت إلى حيٍّ مشابهٍ لأحياء السود في الولايات المتحدة، يلجأ إليه المقدسيون هرباً من الضرائب الباهظة والتمييزية بحقّهم، مثل ضريبة الأرنونة الثقيلة على الأملاك والعقارات. معطوفٌ على هذا سياساتُ الإسكان التي تحابي اليهودَ على حساب أهل البلاد الأصليين. فلا يسمح لهم بترميم بيوتهم إلا بتصريحٍ يصعُب الحصول عليه من بلدية القدس. ويُمنعون كذلك من البناء الجديد إلا في حالاتٍ نادرة. هذه السياسات هدفها إفراغ القدس من الوجود الفلسطيني، وفقاً للدراسة التي أعدّها الباحثُ في مجال حقوق الإنسان، رازي نابلسي.
أمّا في شمال الضفّة الغربية، فإن مدينة قلقيلية تمثّل النموذجَ الأوضحَ للغيتو. حيث يحيط بها الجدار الفاصل من كلّ الجهات تاركاً منفذاً واحداً وكأنه بوابةٌ تتحكّم فيها إسرائيل وتربط المدينةَ بباقي مناطق الضفّة. وحَصَرَتْ إسرائيلُ قرىً مثل برطعة وخربة الشيخ سعد وبعض قرى مدينة طولكرم بين الجدار والخط الأخضر، أي الداخل الإسرائيلي، ما حَوّلَ حياةَ سكّانها إلى جحيمٍ يشتدّ ضيقاً أحياناً ويقلّ أحياناً أخرى. والأسبابُ تارةً أمنيّةٌ وتارةً بلا سببٍ إلّا مزاج الجنود الإسرائيليين على الحواجز المدفوع بعضها بشعور بالملل أو بغرض الترويع، وهي ظاهرةٌ تتكرّر على سائر حواجز الضفّة. كلّ ذلك وفق شهاداتٍ موثّقةٍ أوردتها مصادر إسرائيلية، ومنها مبادرة "كسر الصمت" الإسرائيلية المناهضة للخدمة العسكرية في الضفّة الغربية ويقودها جنودٌ خدموا سابقاً هناك، وكذلك حسب كتاباتٍ مستقلةٍ من جنودٍ انتهت خدمتهم العسكرية، ومنهم نوعَم خيوت بكتابه "الفتاة التي سرقت هولوكستي" المنشور سنة 2013.
هذه السياسات تفضي بوضوحٍ إلى مخطّط عزل الفلسطينيين في غيتواتٍ مقطّعةٍ، حيث تَخلص منظمة "بيتسيلم" إلى أن "إسرائيل تركز سكان الضفة الفلسطينية في 165 جزيرة مفصولة ومشلولة (مناطق ألف و باء)". وهي سياسةٌ يسعى وزير المالية الإسرائيليّ المتطرّف بتسلئيل سموتريتش لتسريعها وصولاً إلى دفع الفلسطينيين بالقبول بالعيش مقيمين في معازل تقودها البلديات تحت سيطرة إسرائيل أو الهجرة "طوعاً" إلى المنفى حسب ما أعلن في خطّته المسمّاة "خطة الحسم" أو "الإخضاع".
هي مَعازلُ شَكّلَت فيها الخليلُ، وبلدتُها القديمةُ بالذات، نموذجاً يُحتذَى ويطبَّق على مناطقَ أُخرى في أرجاء الضفّة الغربية، في استدعاءٍ تاريخيٍّ قد يبدو في جانبٍ منه هزليّاً للغيتو اليهوديّ يُعاد تطبيقُه على الفلسطينيين، وإنْ بوسائلَ وغاياتٍ مغايرةٍ أحياناً، وإن تشابهَت النتيجةُ مع ما مُورِسَ ضدّ اليهود في زمنٍ مَضَى.