في محافظة واسط وسط العراق، يجسد ربيع زيدان، مدير فرع منظمة "مكارم لحقوق الإنسان"، هذه الآلية. إذ أمّنت منظمته آلاف المراقبين للانتشار في ألف وأربعمئة مركز انتخابي لصالح مرشح واحد وضمان فوزه بنسبة حاسمة، بحسب ما يخبر الفراتس. ويشرح هذا التوجيه المباشر بقوله إن منظمته تراجع السير الذاتية للمرشحين وتختار من ترى أنه قادر على خدمة المجتمع، معتبراً أن توظيف ألف مراقب يتطلب جهداً كبيراً ينبغي استثماره على النحو الأمثل.
شهدت انتخابات 2025 ارتفاعاً غير مسبوق في أعداد مراقبي منظمات المجتمع المدني المحلية، بالتزامن مع ظروف مالية صعبة تعصف بغالبية هذه المنظمات، وفي أجواء انتخابية اتسمت بتصاعد نفوذ المال السياسي والترويج العلني. وبينما يفترض أن تكون صفة المراقب أداة مستقلة لمتابعة نزاهة العملية الانتخابية، تشير شهادات من داخل منظمات المجتمع المدني، وتصريحات لمسؤولين وخبراء وشبكات متخصصة في مراقبة الانتخابات، إلى استخدام حصة بعض المنظمات من المراقبين في عمليات انتخابية تتجاوز الرقابة. من بينها حشد الأصوات والترويج للمرشحين مقابل المال أو المنافع. قد تبين هذه الممارسات عن ثغرات في آلية تسجيل المراقبين، وعن تداخل بين المال السياسي وبعض المنظمات. وهذا ما يطرح أسئلة عن استقلالية المجتمع المدني، والجهات المسؤولة عن مراقبة عمل هذه المنظمات وتمويلها، ومدى قدرة نظام الرقابة الانتخابية الحالي على منع استخدام صفة المراقب غطاءً لنشاط سياسي.
وقد اتسعت هذه المشاركة على نحو غير مسبوق في انتخابات 2025، وفق البيانات الرسمية للمفوضية. إذ يقول مدير إعلام المفوضية، الحسن قبس، في حديث للفراتس، إن المفوضية اعتمدت ما يقارب مليوناً ومئة ألف مراقبٍ من منظمات المجتمع المدني المحلية للانتخابات النيابية لسنة 2025. ومع غياب إحصائية دقيقة بعدد المنظمات المشاركة نظراً لتسجيلها عبر المكاتب المحافظاتية، تشترط المفوضية أن تكون المنظمة حاصلة على شهادة تسجيل صادرة عن دائرة منظمات المجتمع المدني. بالتوازي، بلغ عدد مراقبي الكيانات السياسية قرابة أربعمئة ألف مراقب، مقابل ألفين ومئتي مراقبٍ دوليٍ تقريباً، بحسب قبس.
يكشف الواقعُ الميداني عن أرقام أضخم من ذلك. إذ يشير للفراتس مصدر مسؤول في دائرتي التسجيل والإعلام في المفوضية آثر عدم الإفصاح عن هويته، قائلاً إنّ العدد الفعلي للمراقبين المحليين تجاوز الرقم المعلن ليصل إلى نحو مليون وثلاثمئة ألف مراقب. وبالمقارنة مع الانتخابات النيابية لسنة 2021، تظهر زيادة كبيرة تقارب تسعة أضعاف.
تُرجِع المفوضية هذه الفورةَ العددية إلى الآلية التنظيمية المعتمدة في تسجيل المراقبين. ويشرح قبس أنّ الآلية تتيح للمنظمة تسجيل مراقب واحد عن كل محطة اقتراع في الدائرة الانتخابية، استناداً إلى المادة (10/ ثامناً) من قانون المفوضية رقم 31 لسنة 2019 التي تمنح فرق المراقبة حق ترشيح مراقبين بسقف يوازي عدد المحطات.
فعلى سبيل المثال، لمحافظة ديالى ألفان وتسع عشرة محطة اقتراع، ما يتيح للمنظمة الواحدة ترشيح ألفين وتسعة عشر مراقباً، وهو السقف ذاته المتاح لوكلاء الكيانات السياسية. وبحسب قبس، تؤدي منظمات المجتمع المدني ثلاثة أدوار رئيسة في العملية الانتخابية بالشراكة مع المفوضية. تشمل أدوارها الرقابة الانتخابية، والتوعية والتثقيف بحقوق الناخبين، والتدريب على الإجراءات الانتخابية والإعلام.
لكن خلف هذه الأطر الرسمية، تتكشف أعمال يبدو أنها تحوّل وظيفة المراقب إلى غطاء انتخابي. يروي ربيع زيدان كيف سجّلت منظّمته في واسط "مكارم لحقوق الإنسان"، ألف مراقب في المحافظة، بينما سجلت منظمة "سلام الخير للإعمار والتنمية"، التي يترأس فرعها في محافظة بابل وسط العراق، نحو أربعمئة مراقب. ويؤكد أن هؤلاء لم يكونوا متطوعين، إنما تقاضوا مبالغ مالية مقابل وجودهم يوم الاقتراع تحت بند "بدل ساعات عمل ووجبات طعام".
دور هؤلاء، مع ذلك، يتجاوز الحضور الميداني والرقابي. إذ تبحث المنظمة عن مرشحين قادرين على "تعديل الكفة" في المحافظة، وتوظف كتلة مراقبيها لدعمهم، وفق زيدان، الذي يشير إلى أنّ منظمته قد تتوسّع في المستقبل إلى محافظات أخرى إذا وجدت مرشحاً تتفق معه. ويوضح أنّ المنظمة توجّه المراقب للتصويت للمرشح المدعوم، وتشجعه على اصطحاب أفراد من عائلته. وهذا قد يحوّل مئات المراقبين إلى آلاف الأصوات المضمونة لصالح المرشّح، مؤكداً أن منظمته تدعم "أي مرشح نزيه في أي محافظة كانت عبر فتح مكتب أو أكثر".
يضيف زيدان بأن المنظمة تتولى تجهيز ملفات المراقبين وتحديث بطاقاتهم الانتخابية وجمع أرقام هواتفهم مقدماً، في إطار "عمل طويل ينتج عنه الفوز بأكثر من مقعد". وأنّ ذلك يكون بالاتفاق مع المراقبين، لقاء أجور تُدفع لهم على دفعتين قبل الاقتراع وبعده، أو هدايا ووعود بفرص عمل وعقود مستقبليّة.
تمتد إجراءات ضمان العملية إلى ما بعد التصويت، إذ تطلب المنظمة من المراقب تزويدها بشريط نتائج المحطة بهدف معرفة الأصوات التي حصل عليها المرشح الذي يعمل لصالحه، والتأكد من التزام المراقب بالاتفاق، فيما يوثّق بعضهم تصويته بالصور. ويرى زيدان أنّ هذه الآلية باتت أسلوباً تتبعه "عدة منظمات فاعلة"، تُكسب المرشح ميزة انتخابية حاسمة من دون الحاجة لحفلات أو حملات دعائية واسعة.
أما التكاليف، يعلق زيدان بأنّ منظمة "مكارم" دفعت خمسة ملايين دينار عراقي (نحو ثلاثة آلاف وتسعمئة دولار أمريكي) رسوماً للمفوضية عن ألف مراقب، فيما دفعت منظمة "سلام الخير" مليون وأربعمئة ألف دينار (نحو ألف وسبعين دولاراً أمريكياً). ومع هذا الانتشار للمراقبين، حسبما يقول، لم تقدم المنظمتان أي تقارير رقابية للمفوضية بعد الانتخابات، بحجة عدم تسجيل خروقات أو تزوير في واسط وبابل.
وفيما يخص ملف التمويل، ينفي زيدان أخذ أموال من الأحزاب، مشيراً إلى اعتماده على عمله الخاص ودعم "أهل الخير". لكنه لم يستبعد التعامل مستقبلاً مع جهات سياسية تدعمها المنظمة. ويرى أن ظاهرة استغلال الباجات برزت بوضوح في انتخابات 2025 من دون رادع قانوني حاسم، مؤكداً أنّ "المفوضية على علم بوجود شخصيات سياسية وأحزاب خلف بعض المنظمات، بدليل أن هناك مرشحين لا يهتمون بعقد ندوات وإقامة نشاطات انتخابية أو طباعة اللافتات التي تروّج لهم، ومع ذلك يفوزون".
هذه التجارب تتسع لتشمل محافظات أخرى بآليات مختلفة. إذ يكشف علي حسين الخفاجي، نائب رئيس مؤسسة الفراهيدي للتنمية والحوار للفراتس عن تعاون مؤسسته مع ثلاث جهات سياسية أثناء الانتخابات لتسجيل مراقبين ومتابعة التصويت والعد والفرز. ويرفض كشف أسماء هذه الجهات، موضحاً أن الاتفاقات تكون عادة "شبه سرية".
ونظراً لأنّ المؤسسة لا تضم سوى عشرة أفراد، توّلت الجهات السياسية الجزء الأكبر من عملية اختيار المراقبين. ولا يعرف الخفاجي العدد الدقيق لهؤلاء، لكنه يقدّره بالمئات. وقد تولى أعضاء الكيانات السياسية إدخال أسماء المراقبين عبر التطبيق الإلكتروني للمفوضية باستخدام رمز التسجيل الخاص بالمؤسسة، بينما تكفّل الكيان السياسي مباشرة بدفع رسوم المفوضية وأجور المراقبين وكافة التكاليف الفنية عبر مديري حملاته.
مع هذا، يصرّ الخفاجي على أنّ هذا التعاون لا يعني التبعية للحزب، مشيراً إلى أنّ بعض الأحزاب والمرشحين تعاونوا مع أكثر من مؤسسة مجتمع مدني لتغطية العملية الانتخابية. ولفت إلى أنّ حصول مؤسسته على الإجازة الرسمية في أبريل 2025 - قبل ستة أشهر من الانتخابات - حال دون مشاركتها في الورش التدريبية الرقابية.
توفر شهادة زينب الكرملي، المرشحة عن ائتلاف "دولة القانون" في انتخابات 2025، نافذة على كيفية إدارة العملية من داخل البيئة الحزبية. تُخبر الفراتس أنها أثناء إدارتها فرعَ البصرة في منظمة "الصفوح لحقوق الإنسان"، سجّلت نحو ثلاثمئة مراقب ودربتهم، مع حساب قدرة كل مراقب على حشد أصوات من عائلته للوصول إلى العتبة المطلوبة للفوز بمقعد الكوتا النسائية".
عقب ترشحها، استقالت الكرملي من المنظمة وتركت إدارة العملية لمجلس الإدارة وفق خطة مسبقة، دافعةً مليونين ونصف المليون دينار (ألفاً وتسعمائة دولار أمريكي) أجوراً لمراقبي المنظمة، وخمسة ملايين دينار عراقي (نحو ثلاثة آلاف وثمانمئة وخمسة عشر دولاراً أمريكياً) لمراقبي الكيانات السياسية، فيما تكفل الحزب برسوم المفوضية.
وتكشف الكرملي أن للحزب أكثر من عشرين منظمة تتنوع أنشطتها بين التوعية وتوزيع السلات الغذائية وتلبية بعض احتياجات المواطنين. ووُضعت تحت تصرفها ثلاث منظمات للترويج لحملتها، مؤسسة آمنة، ومنظمة نور المصطفى، ومنظمة الحبر الأزرق. لم تكن النتائج وفق التوقعات بسبب ترويج تلك المنظمات لمرشحين آخرين، حسبما تقول.
لم يتمكن سوى خمسين مراقباً من أصل ثلاثمئة سجلتهم الكرملي من دخول المراكز، بسبب نفوذ منظمات ومرشحين آخرين. وتقول إنّ بعض المنظمات المرتبطة بالأحزاب أصبحت "أكثر تأثيراً من الكيانات السياسية نفسها في عملية التحشيد"، مشيرةً إلى أن عندها نحو ألفين وثمانمئة ملف يتضمن هويات انتخابية لأشخاص استفادوا من خدمات المنظمة، وعدتهم قاعدة من الأصوات التي يمكن التواصل معها انتخابياً، بدل الدفع عشوائياً.
بعد خسارتها، عادت الكرملي لمجلس إدارة المنظمة، لتُعيّن لاحقاً رئيسة مكتب منظمات المجتمع المدني في ائتلاف "دولة القانون". كُلفت في منصبها الجديد باستقطاب منظمات جديدة وتأسيس أخرى تمثل شرائح اجتماعية محددة مثل الفلاحين، وتدريب جمهورها للعمل الانتخابي لصالح الحزب، وفق ما تقول.
وبمراجعة المصادر المفتوحة لمنظمة "الصفوح لحقوق الإنسان"، لم يظهر أي نشاط مستمر لفروعها المسجلة في بغداد والبصرة والأنبار وبابل. في حين أظهر أحد حساباتها على فيسبوك منشوراً في 13 نوفمبر 2023، أي قبل انتخابات مجالس المحافظات السابقة بأقل من شهر، يدعو صراحة إلى انتخاب المرشحة وسن المسعودي مع ذكر رقم القائمة والتسلسل.
في العاصمة بغداد، سجلت منظمة "الرسالة الإنسانية والتنمية المستدامة" نحو ألف مراقب. ويبرر رئيسها، يوسف الراوي في حديث مع الفراتس الجمع بين العمل الإنساني والنشاط السياسي بقوله إن الممارسة السياسية شرط أساس للتحرك داخل مؤسسات الدولة، "لا نستطيع التحرك في أي شيء إلا في حال وجود توصية من سياسي".
يوضح الراوي في شهادته كذلك استقطاب المنظمة مجموعةً من الشباب وتدريبهم للعمل ضمن "ماكينة انتخابية" لعدة كيانات بارزة. بينها تحالفات "عزم"، و"تقدم"، و"الإعمار والتنمية"، و"حزب الصقور". وكان الكيان السياسي يتكفل بتمويل التدريب واستئجار القاعات الكبرى لتدريب أكثر من ألف شخص أثناء الموسم الانتخابي بحسب الاتفاق المبرم. في مقابل ذلك، يحصل المشاركون على معرفة بالإجراءات الانتخابية وفرص للعمل لاحقاً ضمن الآلة الانتخابية للحزب أو في مكاتبه السياسية، أو مراقبين في الانتخابات.
ولم يتوقف الأمر عند التدريب، إذ دعمت المنظمة في انتخابات 2025 ترشيح رجل الأعمال مهدي كريم الحكاك. ويبرر الراوي هذا الدعم صراحةً: "عندما يقدم تبرعاً بقيمة مليون دولار للمنظمة تذهب للمحتاجين، فإن هذا الشخص يستحق دعماً انتخابياً". ويشير إلى أنّ الانتخابات الأخيرة شهدت بيع بطاقات اعتماد المراقبين في "السوق السوداء" بأسعار مرتفعة، أو تداولها مباشرة مع الأحزاب.
يتطابق حديث الراوي عن دعم الحكاك مع ما نشرته المنظمة على صفحتها في فيسبوك. فقد دعت سكان بغداد لانتخاب الحكاك، مع ذكر رقم القائمة والتسلسل. كذلك نشرت مقطع فيديو عن تقديم مساعدات للفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة، تضمن دعوة للتصويت له مع شرح الطريقة. إضافة إلى نشر صور اجتماع قالت إنه ضمَّ مسؤولي ملفات الخدمات والعشائر، تظهر فيه صورة كبيرة للمرشح نفسه.
تتكرر النماذج عبر المحافظات. إذ يكشف رئيس منظمة معروفة، طلب عدم الكشف عن اسمه واسم منظمته، عن منح منظمته تخويلاً لتسجيل ألفي مراقب لصالح المرشح ضياء الهندي في محافظة كربلاء، ومئة وخمسين مراقباً في محافظة ميسان لطرف آخر. وتولى كل مرشح مباشرة توظيف المراقبين والتعامل معهم، إلى درجة أن المنظمة لم تكن تعرف هوية معظمهم.
وفي الموصل، وفق المصدر نفسه، منحت المنظمة أكثر من ألف مراقب للمرشح خالد سلطان، الذي استعان بثلاث منظمات أخرى لرفع حصته. ويربط المصدر حجم كتلة المراقبين بقدرة المرشح المالية على الدفع، مؤكداً أنه لم يتقاضَ أموالاً مقابل هذه الترتيبات، بل سهلها للمرشحين بناءً على علاقات شخصية. مع ذلك، لم يحقق هؤلاء المرشحون الفوز لكونهم "اعتمدوا على المراقبين وحدهم دون عمل كافٍ على التحشيد".
كذا يرى المتحدث أنّ "آلية حصة المنظمات من المراقبين، صُممت بطريقة تتيح للأحزاب والمرشحين الاستفادة منها بشكل أو بآخر، في استقطاب الناخبين". ويقول إن العملية تبدو قانونية في ظاهرها، إذ يدخل الشخص إلى مركز الاقتراع ببطاقة مراقبة رسمية صادرة باسم منظمة مجتمع مدني، بينما تكون مهمته الفعلية الحشد والتصويت للمرشح المتفق معه.
على الجانب الآخر، ظهرت منظمات سجلت آلاف المراقبين دون أن يسبق لها أو يعقب العملية الانتخابية أي حضور ميداني حقيقي في الحيّز المدني. ففي محافظة صلاح الدين، بعد أن شاركت في مراقبة انتخابات مجالس المحافظات السابقة، وسّعت منظمة "أرض الحضارات للتوعية القانونية" مشاركتها لسنة 2025 بتسجيل نحو ثلاثة آلاف وستمئة مراقب، وفقاً لما يقوله رئيسها زيد العباس للفراتس. ونظراً لقيود النظام الإلكتروني الذي يمنع منح هذا العدد لمنظمة واحدة، قُسّم الرقم مع منظمة ثانية يديرها العباس نفسه باسم "الاستدامة المشرقة".
يقول العباس إنه دفع أجور أكثر من مئتين وخمسين مراقباً في مركز مدينة صلاح الدين لضمان حضورهم طوال يوم الاقتراع، فيما عمل الآخرون تطوعاً. ونفى العباس الحصول على تمويل سياسي أو طلبه "لكونه يتعارض مع القانون". وعن سبب المشاركة بهذا العدد الكبير من المراقبين دون تمويل سياسي، يعلق بأنه "حتى لو شاركت بأعداد أقل، فهل سأحصل على دعم؟"، مشيراً إلى أنه قد يكرر مشاركته بالأعداد نفسها مستقبلاً إذا حصل على دعم حكومي أو مؤسساتي.
لم يسفر البحث في المصادر المفتوحة عن أي منصة أو صفحة رسمية للمنظمتين. وبسؤاله عن سبب الغياب الرقمي، أجاب العباس: "ما عندي صفحات، هو آني شمحصل (ماذا أستفيد) منها".
سلوك مشابه يظهر في تجربة "مؤسسة أنوار الطليعة الإنسانية"، التي سجلت نحو ألف وستمئة مراقب. أخبرنا مديرها هيثم الأسدي، أن معظم هؤلاء كانوا متطوعين، وأنه لم يدعم أي جهة سياسية. لكنه أقرّ بعدم قدرته على ضبط السلوك الفردي للمراقبين أو منعهم من الاتفاق المستقل مع مرشحين لاستغلال بطاقات المراقبة الصادرة باسم المنظمة.
ودفعت المؤسسة، بحسب الأسد، نحو سبعة ملايين دينار (نحو خمسة آلاف وثلاثمئة وخمسة وثلاثين دولاراً) رسوماً للمفوضية، قبل أن تعيد المفوضية هذه المبالغ إلى منظمات المجتمع المدني بعد انتهاء الانتخابات. وكان ذلك إثر قرار قضائي أبطل قانونية الرسوم التي فرضتها المفوضية على تسجيل المراقبين، بناءً على دعوى أقامها تحالف عزم للطعن بفرض تلك الأجور بدون سند تشريعي.
وبالبحث عن مؤسسة أنوار الطليعة الإنسانية في المصادر المفتوحة أيضاً، غابت أنشطتها تماماً في سنة 2025، واقتصرت سجلاتها المتاحة على منشورات محدودة لتوزيع هدايا على أيتام يعود بعضها لسنة 2022.
يشرح جتو الجذر التنظيمي للخلل، وهو أن الأحزاب والكيانات لها حصصٌ محددة من المراقبين لا تكفي لتغطية جميع مرشحي القائمة الواحدة. فعلى سبيل المثال، توزيع ألف وستمئة مراقب على أربعة وعشرين مرشحاً يعني أن يوزّع العدد بلا تساوٍ بحسب حاجة كل منهم.
يضيف بأن هذه المحدودية دفعت بعض المرشحين للجوء إلى منظمات المجتمع المدني قناةً إضافية، وإبرام صفقات لاستغلال غطائها في شراء الأصوات بكثافة. ويقدر جتو أن قيمة الترتيبات وصلت إلى نحو مئتي ألف دينار (نحو مئة وخمسين دولاراً) للمراقب الواحد تُدفع على دفعتين، قبل الاقتراع وبعده، لضمان الالتزام. وكان بعض المرشحين يحتفظون ببطاقات المراقبين لضمان تصويتهم لصالحهم وعدم التصويت في أماكن أخرى.
وتكتمل المفارقة عند مقارنة الأرقام بالانتخابات السابقة. إذ يتساءل جتو: "لم يتجاوز مجموع المراقبين المحليين والدوليين وممثلي الكيانات في مختلف الانتخابات السابقة مئتين وخمسين ألف مراقب، فكيف قفز العدد في هذه الانتخابات إلى أكثر من مليون مراقب محلي فقط؟". ويرى أنّ "جزءاً كبيراً من الأسماء المسجلة لم يمثل مراقبين حقيقيين، رغم أن اعتماد البطاقة الوطنية إلى جانب البايومترية حدّ نسبياً من إدخال الأسماء الوهمية". ويطرح سؤالاً عن قدرة المنظمات المالية، قائلاً: "كيف لمنظمات عجزت سابقاً عن حشد عشرة متطوعين أن تُسجّل في انتخابات 2025 آلاف المراقبين من دون تمويل؟".
يكمن جواب المتحدث في "التمويل السياسي الذي أنتج أكثر من مليون مراقب صوري لم يدخل معظمهم المراكز بل استُخدموا للتحشيد، في حين لا يتعدى المراقبون الفعليون عشرة آلاف شخص". ويصف ما حدث بأنه "مؤشر خطير في مسار الديمقراطية [. . .] جميعنا رأى إعلانات صريحة لمرشحين عبر منصات التواصل الاجتماعي تُنادي علناً: تعال راقب معي مقابل مئة وخمسين ألف دينار".
تتقاطع تقييمات شبكة شمس مع معطيات شبكة "عين" لمراقبة الانتخابات والديمقراطية، التي تتابع الانتخابات العراقية منذ سنة 2005. يصرح رئيسها سعد البطاط في حديثه مع الفراتس أنه رُصدت "مخالفات جسيمة" في انتخابات 2025. ويشير إلى أنّ نسبة المشاركة المعلنة 55 بالمئة جاءت بفعل "التأثير المباشر للمال السياسي وشراء الأصوات العلني في الشوارع والإعلانات، بموازنات ضخمة، استُغل المراقبون المحليون ضمن مساراتها".
ويحلل البطاط حجم الظاهرة بمقارنة عدد المراقبين بعدد الناخبين، إذ يقول إنّ "الأرقام أظهرت وجود أكثر من مليون مراقب للمنظمات ونصف مليون لوكلاء الأحزاب، مقابل نحو عشرين مليون ناخب، أي بمعدل مراقب لكل ثلاثة عشر ناخباً". يرى كذلك أن هذه الأرقام "تطرح تساؤلات حول طبيعة الدور الذي أُسند إلى هذا العدد الكبير من المراقبين، بما يفرض على المفوضية متابعة المسألة ومعالجة هذا الخلل".
ضمن هذا الوضع، يكشف البطاط عن رفض شبكته "عروضاً مالية طائلة" من أحزاب لمساعدتها في الانتخابات، في حين تحولت المراقبة لدى بعض المنظمات الصغيرة إلى "سبوبة عيش" (مصدر دخل). وكان مراقبو شبكة عين، وفق المتحدث، قد رصدوا حاملي بطاقات رقابة مدنية يقرون صراحة بعملهم لمرشحين محددين، دون دراية بعضهم حتى بمهام المراقب. هذا إلى جانب نموذج "الحضور الشكلي"، إذ يصوّت الشخص "مراقباً" من حقه الإدلاء بصوته، ثمّ يغادر فوراً من دون متابعة عمليات العد والفرز. في المقابل، هناك منظمات أخرى حافظت "على استقلاليتها وتوثيقها للمخالفات حتى نهاية الاقتراع"، مثلما يضيف.
أما في سياق التكييف القانوني لهذه الممارسات، أوضح لنا مدير "معهد أوراسيا للتمكين السياسي والانتخابي" دريد توفيق، الحد الفاصل بين النشاط المدني والمخالفة. فبينما يُعد "التثقيف الانتخابي" لتوعية الناخبين أو تدريب السياسيين نشاطاً مشروعاً بشرط توثيقه في التقارير السنوية لدائرة المنظمات، فإن ممارسة "التثقيف السياسي" والدعوة الصريحة لانتخاب مرشح أو حزب بعينه يُعد تجاوزاً لطبيعة عمل المنظمة ومخالفة قانونية.
يضع توفيق هذه الظاهرة ضمن المراحل الثلاث للعملية الانتخابية: ما قبل الاقتراع، ويوم التصويت، وما بعده. يقول إن المخالفات يمكن أن تقع في أي من هذه المراحل، بدءاً من شراء الأصوات واستغلال الموارد، وصولاً إلى مخالفات الطعون والشكاوى بعد إعلان النتائج. ويرى أن الإجراءات التقنية في انتخابات 2025 حدّت من التلاعب يوم الاقتراع وأثمرت تطابقاً بين النتائج الأولية والنهائية. لكن مرحلة ما بعد الاقتراع برأيه، ولاسيما ملفات الشكاوى والطعون، تظلّ المساحة التي تثير العديد من الاستفهامات.
يؤكد رئيس فريقها الإعلامي، عماد جميل، أنّ التقارير التي وردت إلى المفوضية من المنظمات المحلية "لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، فيما لم تفْدنا المنظمات التي سجلت مراقبين بأعداد مهولة بشيء، واقتصرت معظم التقارير على شبكات المراقبة المعروفة". ونوه في المقابل إلى أن "التقارير المقدمة من شبكات المراقبة الوطنية والمؤسسات الدولية (مثل الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية) كانت إيجابية ومفيدة للمفوضية في تحديد الملاحظات ومعالجة القصور".
وينبه جميل أن تقديم التقرير ليس مشروطاً برصد المخالفات، فالمنظمة ملزمة بتوثيق سلامة الإجراءات إن لم ترَ أخطاء، أو إرفاق الأدلة عند تسجيل الخروقات. ويكشف أن المفوضية تدرس فرض عقوبات على المنظمات المتخلفة عن تقديم تقاريرها، وإن الإجراءات قد تصل إلى الحرمان من المراقبة مستقبلاً في حال ثبوت ارتكاب المنظمة مخالفات.
أما مراجعة التجربة ومناقشة الدروس المستخلصة من انتخابات 2025 ودور المجتمع المدني في المراقبة، فقد أوضح جميل أنّ المفوضية نظّمت ورشاً مشتركة مع نحو عشرين جهة مدنية بتمويل من "المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات" (آيديا) في السويد. يضيف، إن المشاركين أجمعوا على أنّ "فتح باب التسجيل لكافة المنظمات من دون التثبت من قدرتها الميدانية كان قراراً غير صائب"، وأن المنظمات التي امتنعت عن تقديم تقاريرها "كانت في كثير من الحالات مرتبطة بجهات سياسية ولا تمارس مراقبة فعلية".
تتلاقى قراءة المفوضية مع تقييم شبكة شمس لمراقبة الانتخابات. إذ يشدد رئيسها، هوكر جتو، على أن التقرير ليس إجراءً شكلياً، بل التزام قانوني يُفترض تسليمه خلال ثلاثين يوماً من الاقتراع. ويتابع "باستثناء تحالف شبكات المراقبة، لم نرَ أي تقارير صريحة صدرت عن تلك الجهات. كذلك، فإنّ معظم المراقبين المحليين لم يحضروا داخل محطات الاقتراع". كذلك يرى أن غياب التقارير عن غالبية الجهات المسجلة أعداداً كبيرة من المراقبين، يطرح تساؤلاً أساساً: "أين ذهب هؤلاء المراقبون؟ ولماذا سُجلوا أصلاً طالما لم يحضروا داخل المحطات؟"، مضيفاً أن "ما حدث فضيحة انتخابية بامتياز".
من جانبه، يفكك دريد توفيق دلالات غياب التقرير الرقابي، "فهو لا يعني نفي الخروقات بقدر ما يؤكد عدم قيام المنظمة بمهمتها أساساً". ويتساءل عن آلاف الأسماء المسجلة: "هل خضعوا للتدريب؟ وهل دخلوا المراكز ووثقوا حركة الإقبال وسلوك الموظفين والملاحظات اليومية مثلما تفعل الشبكات المهنية التي تستعين المفوضية بتفاصيل تقاريرها؟". ويخلص إلى تفسير الظاهرة باعتبار أنّ "تسجيل المنظمات بصورة منفردة بعيداً عن التحالفات والشبكات الكبرى، كان يستهدف استغلال السقف العددي المتاح (المساوي لعدد المحطات) للحصول على البطاقات وتوزيعها على الأحزاب، وبالتالي شرعنة حضور وكلاء الكيانات السياسية قرب الصناديق وتحويل المراقبة من أداة ضمان إلى غطاء لتسهيل عملية شراء الأصوات".
وبشأن سماح المفوضية بتسجيل هذه الأعداد الكبيرة من المراقبين، يشرح عماد جميل أنه في محاولة لضبط ملف المراقبين، فتحت المفوضية باب تسجيل مراقبي منظمات المجتمع المدني لانتخابات 2025 عبر نظام إلكتروني يعتمد منح كل منظمة رمزاً خاصاً لتسجيل أسماء مراقبيها والتحقق آلياً من عدم تكرار البيانات.
يضيف، إنّ الانتقال للتحول الرقمي جاء بديلاً عن الآلية العشوائية التي كانت تُمنح بها بطاقات المراقبة سابقاً بحسب طلب المنظمات، وهو ما قلل إمكانية إدخال أسماء وهمية لكون التسجيل يتطلب بيانات صريحة. كذلك، حددت المفوضية للمنظمات ستة تخصصات حصرية يُسمح لها بموجبها بالرقابة: الشأن الديمقراطي، والشأن الانتخابي، والشأن السياسي، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والمنظمات الإعلامية.
اضطر الضخُ العددي الهائل المسجل في 2025 المفوضيةَ لإعادة تقييم هذه الآلية. يقرّ جميل أن اكتظاظ المراقبين أربك العمل في عدة مراكز لا تتناسب مساحاتها مع تلك الأعداد. ودفع ذلك بعض مديري المراكز لاستخدام صلاحياتهم بالسماح بدخول عدد محدد فقط إلى المحطة وانتظار البقية خارجها. إذ لا يمكن استيعاب مئة مراقب مثلاً في مركز يضم عشر محطات في الوقت نفسه، وفق تعبيره.
وبرأيه فإنّ التقدّم التقني واستخدام كاميرات المراقبة بالصوت والصورة يقللان الحاجة لهذه الأعداد الضخمة من المراقبين داخل المراكز، لافتاً إلى مشاركة منظمات في العملية من دون أن يكون ذلك من اختصاصها، مثل منظمات مختصة بالإعمار والتنمية والإغاثة. ويقترح جميل تعديل السقف المتاح مستقبلاً عبر عدد من المقترحات. أولها، ربط التسجيل بعدد المراكز بدلاً من عدد المحطات. فمثلاً تضم بغداد نحو ستة آلاف محطة مقابل ألفي مركز، وهو ما سيخفّض السقف المتاح للمنظمة بحدة. ثانياً، حصر المراقبة بالخبرة والتخصص بقصر المشاركة على المنظمات المختصة بالشأن الانتخابي التي قدمت تقارير رقابية سابقة. ثالثاً، تخفيض النسبة المتاحة بمنح المنظمة نسبة 50 بالمئة فقط من محطات كل مركز، أي خمسة مراقبين لمركز يضم عشر محطات.
يوضح جميل أنّ النظام رقم (4) لسنة 2023 يتيح للمرشح إنفاق مئتين وخمسين دينار (نحو عشرين سنتاً) عن كل ناخب، ما يرفع سقف الدعاية للمرشح الواحد. ففي بغداد مثلاً هذا المبلغ مضروب في عدد الناخبين (أكثر من ستة ملايين ناخب)، يكون الناتج أكثر من مليار دينار (نحو سبعمئة وستين ألف دولارٍ أمريكي) للمرشح الواحد، وقد يصل للقائمة الواحدة إلى 272 ملياراً بحسب عدد مرشحيها. لهذا يرى جميل أن هذا النص منح غطاءً مبرراً للصرف الانتخابي الواسع، داعياً لإعادة النظر فيه وتحديد السقف بخمسة وعشرين ديناراً فقط عن كل ناخب.
وعن توزيع الصلاحيات والمسؤوليات، يوضح مدير إعلام المفوضية، الحسن قبس، أن المفوضية تشترط الحياد التام واستبعاد أي منظمة يثبت ترويجها لمرشح عبر إخبار يُرفع للمجلس الوطني في المفوضية مرفقاً بالأدلة. لكنه يستدرك بأن متابعة التفاصيل المالية ومصادر التمويل تخرج عن اختصاص المفوضية وتقع ضمن مسؤولية دائرة المنظمات غير الحكومية.
من منظور المحامي والناشط السياسي محمد جمعة، فإنّ العقود بين بعض الأحزاب والمنظمات لتسجيل مراقبين لم تقتصر على الترتيبات غير المعلنة، بل كانت هناك اتفاقات علنية، بعضها شفهي وأخرى تحريرية، مضمونها أنّ الحزب يُدخل مراقبين باسم المنظمة. يردف بأنه اطلع على بعض هذه العقود، معتذراً عن نشر نسخ منها لحماية مصادره.
ويثير تسجيل بعض المنظمات حديثة التأسيس آلاف المراقبين إشكالاً آخر. إذ يتساءل جمعة عن قدرتها، في ظل غياب الخبرة السابقة والموارد المعلنة، على إدارة هذه الأعداد وتدريبها وتوفير الإمكانيات التنظيمية والمالية اللازمة لها. وبرأيه، طالما أتاح قانون الانتخابات للمنظمات حق المراقبة، فإنّ استخدامها غطاءً حزبياً يُعد مخالفة تقع مسؤولية التحقق منها على المفوضية مباشرة.
يفرق المحامي بين حظر النشاط السياسي للمنظمات وحق السياسيين في تأسيسها. فتحويل المنظمة إلى أداة حزبية أو قبولها للأموال والرشى يتعارض مع طبيعة العمل المدني ويعرضها للحل والمساءلة القانونية. لهذا يعرب عن أسفه لعدم اتخاذ المفوضية ودائرة المنظمات إجراءات حاسمة مع تلك المخالفات.
وفي الرد الرسمي، صرح الناطق الإعلامي باسم دائرة المنظمات غير الحكومية حيدر مجيد للفراتس، بالقول إن عدد المنظمات المسجلة لدى الدائرة يبلغ نحو سبعة آلاف ومئتي منظمة. وتخضع بموجب قانون المنظمات غير الحكومية رقم 12 لسنة 2010، للرقابة والمساءلة عند ارتكاب مخالفات قانونية. ويوضح مجيد أنّ المنظمات مطالبة بتقديم تقارير سنوية ونصف سنوية إلى الدائرة، تتضمن معلومات عن أنشطتها ومصادر تمويلها وآليات الحصول على الأموال وأوجه إنفاقها، إضافة إلى خضوعها لإجراءات مرتبطة بمكافحة غسل الأموال، مع حظر استخدام أموال المنظمات في الترويج السياسي.
لكن مجيد يقول إن الدائرة "لم يثبت لديها وجود تعاون بين منظمات المجتمع المدني والمرشحين في الانتخابات الأخيرة"، وهو موقف يبدو أنه يتباين مع الشهادات التي يوثقها التحقيق بشأن تعاون منظمات مع مرشحين وجهات سياسية. ويشدد في الوقت ذاته على أنّ "أي منظمة تنحرف عن الأهداف التأسيسية يعرضها لعقوبات تبدأ بالإنذار والتنبيه، وقد تصل إلى سحب الإجازة والحرمان من العمل، أو الإحالة إلى القضاء".
ويرى الجواهري، أنّ "الشفافية في التمويل والإدارة هي حجر الزاوية لحفظ الاستقلالية. فالتأسيس السياسي للمنظمة ليس محظور مطلقاً، غير أنّ تحويلها لأداة حزبية يُفقدها دورها المدني المفترض. ويربط تعثر بعض المنظمات بالضغوط الإدارية والسياسية وصعوبة الوصول للتمويل، ما يدفعها أحياناً لبناء علاقات مع السياسيين".
وفي ملف الرقابة، يؤكد الجواهري أنّ وجود القوانين لا يكفي ما دامت المتابعة الميدانية غائبة. إذ يصعب على دائرة المنظمات غير الحكومية متابعة الآلاف على مدار الساعة، داعياً لتفعيل آليات الشكاوى وتسهيل بلاغات المتضررين. وفي الوقت ذاته، يحذر من تعميم الاتهامات وتشويه سمعة القطاع المدني بأكمله. فالمنظمات، وفق قوله، قدمت أدواراً مشهودة في أزمات مثل جائحة كورونا والنزوح.
يرى الجواهري أيضاً أنّ ثمة "عملية ممنهجة لتشويه المنظمات من جهات كثيرة وخاصةً الإعلام المسيّس. وأن ما يحدث في ملف مراقبة الانتخابات جزء من ذلك"، مشيراً إلى أنّ "الضغط ازداد على المجتمع المدني بعد ثورة تشرين 2019 التي اندلعت ضد الفساد، لتكبيل الأطراف ذات الرأي المخالف والسيطرة عليها".
وتتجلى هذه التفاوتات في ظروف عمل المنظمات وتمويلها، وفق ما يروي مدير الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحفيين، إبراهيم السراج، عن معاناة المنظمات المستقلة التي تطارد التمويل الدولي وسط بطء إجرائي حكومي وتدقيق أمني مفرط. فقد تنتظر المنظمة عاماً كاملاً لمجرد أخذ موافقة على إقامة ورش مجانية لمديرية تربية، فضلاً عن الملاحقات الأمنية القائمة على التشكيك والتخوين بدلاً من الاحتكام للقضاء.
يكشف السراج أنه لتجاوز هذا العائق، تبتكر الأحزاب "أبواب فساد جديدة عبر تأسيس منظمات موازية تتعاقد مع وزارات تابعة للحزب نفسه بمبالغ ضخمة تحت حجة التدريب والتطوير والورش". ويردف أنه ليس بالضرورة أن تكون المنظمة باسم رئيس الحزب، فقد تكون باسم أحد أعضاء مكتبه أو أحد أفراد عائلته، أو شخص يبدو في الظاهر مستقلاً لكنه تابع له.
ضمن هذا السياق، يتطرق السراج إلى استخدام الأحزاب لبعض المنظمات للاستفادة من صفة "النفع العام"، التي تمنحها الدولة لمنظمات تستوفي شروطاً محددة، وما يترتب عليها من إعفاءات وتسهيلات. ويشير إلى أنّ هذه الصفة "تحوّلت إلى أداة للمحاصصة، ومُنحت لأكثر من عشرين منظمة تابعة لأحزاب نافذة تمتلك مقرات في مناطق حيوية وحسابات بنكية منتفخة، من دون أن يكون لها أي حضور ميداني أو نشاط مدني ملموس".
وأمام الواقع المربك للمنظمات المحلية، تبرز الرقابة الدولية بديلاً مُفترضاً، لكنها تصطدم بحدود وقيود من نوع آخر. يتحدّث دريد توفيق عن ميزة المراقب المحلي وقدرته على الوصول إلى مراكز الاقتراع والأقضية البعيدة. وكذلك معايشته كافة مراحل العملية الانتخابية، من التسجيل إلى العد والفرز، ودرايته بالبيئة والسياق والقوانين العراقية. يمنحه كل ذلك قدرة أكبر على فهم ما يجري في سياق العملية الانتخابية متجاوزاً المراقب الأجنبي. لكن هذه الميزة سُطي عليها في انتخابات 2025، وفق توفيق، حين تحولت بطاقات المراقبة إلى غطاء للنشاط الحزبي والتحشيد الانتخابي، وفق توفيق.
على الضفة الأخرى، تعاني الرقابة الدولية قيوداً ذات طبيعة سياسية وأمنية. إذ يكشف موظف في الأمم المتحدة للفراتس، طالباً عدم الكشف عن اسمه، أن الدور الدولي يتركز على تقديم المشورة ومتابعة العملية الانتخابية وفق موافقة وترتيبات الحكومة العراقية التي تحدد نطاق ما يُسمح بمراقبته، مثل تحديد متابعة أعداد الصناديق دون سواها. يضيف إنّ المراقب الدولي لا يملك صلاحية إصدار تقارير علنية عند رصد فساد أو سوء إدارة، كذلك لا تُعامل ملاحظاته أدلةً قانونيةً بل ملاحظات تقييمية.
ويرى المصدر أنّ "السلطة تخشى المنظمات التي لا تستطيع السيطرة عليها بالكامل، ولذلك أنشأت قنوات للسيطرة تشمل التحكم في الوصول الجغرافي، ونوعية المشاريع، وطبيعة التقارير الصادرة".
وبذلك، يواجه نموذجا الرقابة مأزقين متوازيين. فالرقابة المحلية واسعة الانتشار، لكنها معرضة لتداخل المصالح السياسية والانتخابية مع عمل المنظمات. أما الرقابة الدولية، فلها استقلال مؤسسي أكبر، لكنها مكبلة بشرط الموافقات والقيود التي تفرضها السلطات العراقية.
تضع هذه الظاهرة العملية الانتخابية أمام اختبار حقيقي في الدورات المقبلة. فالأمر يتجاوز ضبط العملية التقنية ويوم التصويت، إلى منع تحويل الأدوات المصممة لضمان الشفافية إلى قنوات خلفية لتجميع الأصوات وإعادة إنتاج النفوذ والمشهد السياسي نفسه.

