ولا تحضر الكويرة كثيراً في الأخبار اليومية بقدر ما تعود كلما عاد السؤال عن الحدود والسيادة، وموقع موريتانيا من حرب دخلتها سنة 1975، إثر حمَّى السيطرة على أجزاء من الصحراء الغربية، قبل أن تعلن الانسحاب منها سنة 1979 دون أن تغادر آثارها تماماً. ويضاف لخصوصية القرية موقعها داخل خريطة نزاع ظل موزعاً بين روايات متنافسة وخطوط سيطرة متداخلة، حالةً مختلفةً داخل جغرافيا الصحراء الغربية. فهي ليست خاضعة للبوليساريو، وليست تحت السيطرة المغربية المباشرة، على حضورها القوي في السردية المغربية رمزياً وسياسياً. وذلك وفق ما أكَّده للفراتس الكاتب إسماعيل ولد يعقوب ولد الشيخ سيديا.
لا يمكن التعامل مع عودة الكويرة إلى النقاش جدلاً منفصلاً عن سياق أوسع، ولا فضولاً جغرافياً حول منطقة نائية. إذ قد تفتح باباً لفهم المسار الموريتاني نفسه داخل نزاع الصحراء. فتلك القرية الخالية من السكان كشفت أن حرب الصحراء الغربية لم تكن بالنسبة إلى موريتانيا حدثاً حدودياً عابراً، إنما لحظة أعادت تشكيل علاقتها بالجغرافيا والسلطة والإقليم والدولة الموريتانية ذاتها. ومن هذه النقطة الهامشية قد يفهم كيف انخرطت موريتانيا في النزاع الصحراوي، وكيف دفعت ثمنه في الداخل بالانقلابات العسكرية المتكررة. لتعاد صياغة سياساتها لاحقاً حضوراً بين الانسحاب العسكري والحياد الحذر، أو ما تسمِّيه الدولة "الحياد الإيجابي" مع المغرب والجزائر والبوليساريو، أطراف النزاع الثلاثة في الصحراء الغربية.
غير أن هذا الوجود لم يكن سيطرة متماسكة على المجال الصحراوي كله بقدر ما كان حضوراً متمركزاً في نقاط ساحلية ومراكز محدودة، فيما بقي جزء كبير من العمق الصحراوي محكوماً بامتداداته الاجتماعية والقبلية والتجارية أكثر مما هو مندمج في إدارة استعمارية راسخة.
برزت الكويرة واحدة من هذه النقاط، مع أنَّها لم تكن أكثر من مركز تجاري قروي صغير، فيه حضور إسباني محدود وبعض المرافق المرتبطة بالإدارة الاستعمارية. ويرى ولد الشيخ سيديا في حديثه للفراتس أنَّ سكان البلدة كانوا في حدود بضع مئات. لكن موقعها على طرف شبه جزيرة رأس نواذيبو جعلها أشبه بحدٍّ متداخل بين فضاءين متجاورين، أوَّلهما فضاء بيظاني، نسبةً إلى قبائل البيظان العرب، داخل موريتانيا المستقلة حديثاً عن الاستعمار الفرنسي في 28 نوفمبر 1960، وآخر في وادي الذهب تحت الحكم الإسباني.

ومن هذا الموضع لم تكن الكويرة في الوعي المحلي نقطة عند آخر اليابسة، إنَّما ممرَّاً تجارياً وحدودياً بين مجتمعين متقاربين أكثر مما هما متقابلين. وهذا ما يفسر، عند ولد الشيخ سيديا، كونها إحدى النقاط التي تكشف كيف كان الاستعمار يفصل إدارياً بين مجالين لم يكونا منفصلين اجتماعياً وثقافياً بالدرجة نفسها.
أثَّر هذا في نظرة موريتانيا إلى الصحراء الغربية، وخصوصاً منطقة وادي الذهب امتداداً لها. فمنذ السنوات الأولى التي أعقبت استقلالها سنة 1960، بنت الدولة الموريتانية جزءاً من خطابها على فكرة الامتداد بمعناه رابطةً اجتماعية وجغرافية وثقافية وسياسية. ويشرح الداهية ولد محمد فال المختار، الأستاذ المتعاون في جامعة نواكشوط، في كتابه "موريتانيا وقضية الصحراء: من الحرب إلى الحياد" المنشور سنة 2015، هذا المعنى حين يقول إن موريتانيا راهنت في مطالبتها بالصحراء على التشابه والتماهي القائميْن بين القبائل الموريتانية والقبائل الصحراوية.
رأت الدولة الموريتانية أنَّ المجال الصحراوي عموماً يتشارك اللهجة الحسَّانية (اللهجة العربية السائدة عند مجموعات البيظان في موريتانيا والصحراء الغربية وأجزاء من المغرب والسنغال) والعادات والتقاليد والأنظمة العرفية. هذا المجال المشترك يمتد من وادي نون شمالاً إلى السنغال جنوباً ومن الكويرة غرباً إلى تمبكتو شرقاً.
يؤكد هذا المنظور المختار ولد داداه، أول رئيس موريتاني، في الخطاب الذي ألقاه يوم الفاتح من يوليو 1957 بقوله: "أدعو إخوتنا في الصحراء الإسبانية أن يفكروا معنا من الآن في ترسيخ دعائم موريتانيا الكبرى اقتصادياً وروحياً. أوجه إليهم رسالة صداقة أرجوكم، أيها المواطنون، إبلاغهم إياها مجدداً، كما أدعو إلى وئام كافة البيظان من شواطئ الأطلس غرباً إلى أزواد شرقاً، ومن واد درع شمالاً إلى ضفاف نهر السنغال جنوباً. لقد ولَّى عهد الغارات والصراعات الأهلية بين هؤلاء وأولئك". ودعا ولد داداه في الخطاب إلى زوال ما سمَّاه الحدود المصطنعة التي "[. . .] نأمل أن تزول من قلوبنا قبل أن تُمحى من الخرائط". وقد بدا في كلامه أنه وضع "الصحراء" داخل تصور سياسي واقتصادي واجتماعي أوسع، ما جعل الكويرة ووادي الذهب جزءاً من أفق الدولة التي لم تكن قد استقلت بعد.
بهذا رأت موريتانيا أنَّ لها أحقيَّة تاريخية في الصحراء الغربية، وكان أحد أهم أهدافها الرئيسة للسياسة الخارجية طوال الستينيات الحفاظ على استقلال البلد في مواجهة المطالب المغربية. حينها تبنَّى المغرب بعد استقلاله سنة 1956 طرح "المغرب الكبير" الذي شمل موريتانيا وأجزاء واسعة من الصحراء الغربية. وهو ما يشير له الكاتب روبرت هاندلوف في الفصل الرابع من كتاب حرَّره عن موريتانيا بعنوان "موريتانيا: آ كانتري ستادي" (موريتانيا: دراسة قُطرية) نشرته مكتبة الكونغرس سنة 1988. وجاءَ في الفصل أن المغرب عارض استقلال موريتانيا، وسعى إلى ترويج أطروحة "مغربية" موريتانيا، قبل أن يعترف أخيراً باستقلالها سنة 1969. ومن ثم بدأ مسار التقارب السياسي والعلاقات بين البلدين يتبلور تدريجياً صفحةً جديدة.
التنسيق بين المغرب وموريتانيا اتجه كذلك إلى إعادة صياغة المجال الصحراوي في صورة ترتيب قانوني وحدودي جديد. ولهذا جاءت اتفاقية مدريد في 14 نوفمبر 1975 لتنصَّ على إنهاء الاستعمار الإسباني للصحراء الغربية، وتمهِّد لتقاسم الإقليم بين المغرب وموريتانيا. ومن ثمَّ أعقبه الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن الصحراء الغربية الصادر في 16 أكتوبر 1975، الذي أقر بوجود روابط قانونية تاريخية بين بعض قبائل الصحراء والمغرب، وروابط أخرى بين الإقليم وما سمّته المحكمة "الكيان الموريتاني". وعليه اتجه المغرب وموريتانيا إلى تثبيت ما ترتب على التقاسم في صيغة قانونية أوضح. تمثل ذلك في "اتفاقية بشأن خط الحدود بين الجمهورية الإسلامية الموريتانية والمملكة المغربية"، الموقعة في الرباط يوم 14 أبريل 1976، المسجلة في مجموعة معاهدات الأمم المتحدة تحت رقم 15406.
وما إن خرج الإسبان من الصحراء حتى دخل الموريتانيون الكويرة، لأنَّهم كانوا الأقرب إليها جغرافياً والأقدر على الوصول إليها من ناحية نواذيبو، امتداداً طبيعياً للمجال الجغرافي، كما يخبرنا ولد الشيخ سيديا. يضيف ولد الشيخ أن البوليساريو، بقيادة الولي مصطفى السيد، رفعت آنذاك شعار إنهاء الوجود الإسباني في الصحراء الغربية، قبل أن تدخل لاحقاً في مواجهة مع المغرب وموريتانيا عقب اتفاق مدريد سنة 1975 وتقاسم الإقليم.
يدعم هذا المعنى ما يورده يانوش بيسينيو، رئيس مركز إفريقيا للبحوث، في دراسته "غوريلا أوبريشنز إن ويسترن سهارا [. . .]" (عمليات حرب العصابات في الصحراء الغربية: البوليساريو ضد المغرب وموريتانيا) المنشورة سنة 2017. يذكر أن القوات الموريتانية احتلت الكويرة وتيشلة، وهي بلدة صغيرة في وادي الذهب، ضمن المجال الذي دخل تحت السيطرة الموريتانية بعد اتفاق مدريد، في حين كان الإسبان ينسحبون من الإقليم. ويردف أن الموريتانيين تمكنوا، بعد معركة قصيرة لكنها دامية، من السيطرة على الكويرة وإخراج مقاتلي البوليساريو والمتعاطفين معهم منها.
على ذلك، لم يُفضِ الحسم الأولي في نقطة قريبة إلى ضبط مجال صحراوي واسع ولا على تحويل الدخول العسكري إلى سيطرة مستقرة. ومن ثم يشير ولد الشيخ سيديا إلى أن البوليساريو اتجهت إلى حرب عصابات أكثر منها إلى تمركز تقليدي، فصار الصراع مفتوحاً في مجال يفضِّل فيه الطرف الأكثر مرونة الحركة والضغط والالتفاف على الطرف الأقل استعداداً. وتأكيداً على ذلك، يورد الداهية فال المختار أن ضربات البوليساريو استغلت ضعف الدولة الموريتانية وطول حدودها مع الصحراء التي كانت تمتد أكثر من ألف وستمئة كيلومتر. واعتمدت الجبهة أيضاً على ضعف وسائل الاتصال وتمركز القوات الموريتانية في المدن الصحراوية. كذلك راهنت على التداخل الاجتماعي وصعوبة التمييز أحياناً بين الصحراويين والموريتانيين في بعض مناطق الشمال، لتنفيذ عمليات خاطفة داخل التراب الموريتاني ثم الانسحاب سريعاً.
انتقلت الحرب تدريجياً من حدود وادي الذهب إلى عمق الشمال الموريتاني، وعلى الأثر صارت المدن التاريخية والممرات الداخلية جزءاً من مسرح الاستنزاف. وينقل الداهية عن المؤرخ الموريتاني سيدي أعمر ولد شيخنا في كتابه "موريتانيا المعاصرة: شهادات ووثائق" المنشور سنة 2009، أنَّ البوليساريو نجحت في الوصول إلى بئر أم كرين في تريس زمور، شمال البلاد، في 27 مارس 1976. وهناك هاجمت الحامية العسكرية ونهبت المكاتب الإدارية وأخذت أسرى ثم انسحبت.
وكانت العاصمة هدف أكثر هذه الهجمات رمزية. إذ يشير الداهية أنه في الخامس من مايو من ذلك العام، شنَّت قوة تابعة لجبهة البوليساريو من تندوف هجوماً باتجاه نواكشوط، مستخدمة أكثر من مئة سيارة لاندروفر إلى جانب عربات ملغمة ومزودة بالأسلحة ووسائل اتصال متطورة، بقيادة الولي مصطفى السيد. ومن ثم في يونيو وصلت قوة البوليساريو إلى مشارف العاصمة، في واحدة من أبرز عمليات الحرب في مرحلتها الأولى. ووفق ما أورده الصحفي بيير بيارني في تقريره لصحيفة "لوموند" الفرنسية "آبغي لو غايد كونتغ نواكشوت [. . .]" (بعد الهجوم على نواكشوط، القادة يخشون عمليات جديدة لجبهة البوليساريو)، المنشور في 22 يونيو 1976، فقد قُتل أمين عام الجبهة الولي مصطفى السيد مع نائبه العسكري يوم التاسع من يونيو، على بعد نحو مئة كيلومتر شمال العاصمة. وحسب الداهية، سُجلت كذلك عمليات أخرى حول مدينة شنقيط التاريخية بين 9 و13 مايو 1976.
اتسع نطاق المواجهة في السنة التالية ليشمل نقاطاً أخرى داخل العمق الموريتاني. وتشير فاتن العقاد، الباحثة في معهد إفريقيا للبحوث والسياسات، في دراسة "الصحراء الغربية: فهم النزاع وانسداده" المنشورة سنة 2004، أن البوليساريو استهدفت الزويرات، عاصمة ولاية تيرس الزمور وأم دريكة، في وادي الذهب. وهذه نقاط لم تكن عسكرية وحسب، بل مرتبطة أيضاً بالشمال المنجمي ومفاصل الاقتصاد الموريتاني. وفي الاتجاه نفسه، يشير الصحفي جون هاو في مقاله "ويسترن سهارا: آ وور زون" (الصحراء الغربية: منطقة حرب)، المنشور سنة 1978، إلى أن مقاتلي البوليساريو كانوا يتحركون بحرِّية عبر المجال الصحراوي، مستفيدين من اتساع المجال وصعوبة ضبطه عسكرياً.
دخول القوات الموريتانية إلى أرض قريبة مثل الكويرة تحوَّل تراكمياً إلى حرب وصلت العاصمة نواكشوط، وامتدت من الممرات الصحراوية إلى المناجم. فوقعت موريتانيا، الدولة الوليدة، في مغامرة سياسية وعسكرية لم تكن لها خبرة بإدارتها أمام خصم يتحرك خارج منطق الجبهات النظامية، كما يذهب المؤرخ مني ولد بونعامة في حديثه إلى برنامج "رواة التاريخ" على قناة العربية في يناير 2025. ويرى بونعامة أنَّ الدولة الموريتانية دخلت الصراع مصحوبةً بتصوّرٍ عن الصحراء امتداداً اجتماعياً وجغرافياً وسياسياً. ومن جهة أخرى، انخرطت في مواجهة فيما كانت دولة لا تزال تبني نفسها بجيش حديث التشكّل وموارد محدودة ومجال صحراوي مترامٍ.
هذا الانخراط المستنزف لم يضع موريتانيا أمام عبء حدودي فقط، بل أمام امتحان لقدرة الدولة نفسها على الاحتمال. وبهذا لم يلبث أن انتقل الصراع من الأطراف إلى قلب الدولة وبنيتها السياسية، معيداً تشكيل العلاقة بين أقطابها، سياسيين وعسكر.
دخلت البلاد الحرب وهي تراهن على عائدات الحديد شرياناً أساساً للاقتصاد الوطني، لكن هذا القطاع نفسه صار جزءاً من مسرح الاستهداف. فالهجمات التي وصلت إلى الشمال المنجمي، وإلى محيط الزويرات ومناطق سكك قطارات الحديد، كانت بمثابة ضربات موجهة إلى قلب الاقتصاد. ففي دراسة ديفيد سيدون، الأستاذ السابق في السياسة وعلم الاجتماع في جامعة إيست أنغليا البريطانية، "موروكو آند ذا ويسترن سهارا" (المغرب والصحراء الغربية) المنشورة سنة 1987، يذكر الكاتب أن هجمات البوليساريو على مركز الزويرات المنجمي في مايو 1977، وعلى خط السكة الحديد الواصل بين المناجم وميناء نواذيبو على الأطلسي، هددت بشلِّ صناعة الحديد الموريتانية. وبهذا دفعت الهجمات على سكك الحديد خبراء وفنيين أجانب، خصوصاً الفرنسيين العاملين في قطاع الحديد، إلى مغادرة البلاد خوفاً من اتساع الحرب.
بهذا لم تعد الجبهة بعيدة عن حياة الناس، لأن تعطل الحديد يعني تراجع الموارد، وتراجع الموارد يعني تضييقاً على الدولة والمجتمع معاً. ويرى أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة نواكشوط محمد المختار ولد سيدي محمد الهادي، في دراسته "حرب الصحراء الغربية 1975-1978م وآثارها في موريتانيا" سنة 2013، أنَّ آثار الحرب تزامنت مع موجة جفاف قاسية ضربت البلاد، فتراجعت الثروة الحيوانية وارتفعت أسعار المواد الأساس، وتأثرت مشاريع زراعية وتنموية كانت الدولة تراهن عليها. غير أن الضربة الأشد بمنظوره مسَّت قطاع الحديد، عصب الاقتصاد الموريتاني آنذاك. إذ تراجعت صادراته من 11.6 مليون طن سنة 1974 إلى 8.4 مليون طن سنة 1977.
يضيف أستاذ التاريخ أنه لم تعد الحرب بعيدة عن الاقتصاد اليومي للدولة، بل أصابت مورده الأهم، وعمَّقت عجزه، ودفعت البلاد إلى الاعتماد المتزايد على المساعدات الخارجية، حتى ارتفع الدين الخارجي من مئة وأربعين مليون دولار سنة 1973 إلى نحو سبعمئة مليون دولار في منتصف 1978.
امتدت آثار الحرب أيضاً إلى آليات توزيع الموارد داخل الدولة. فبحسب ولد سيدي محمد الهادي، تزامن إلحاق "تيرس الغربية" (وهي تسمية موريتانيا للجزء الجنوبي من وادي الذهب الذي تديره منذ أواخر 1975) بموريتانيا مطلع 1976 مع افتتاح فرع للمصرف الوطني الموريتاني في الداخلة، ومنح بطاقات تصدير وإيراد لبعض العائلات والشخصيات المتنفذة. وكانت هذه البطاقات تتيح لحاملها استبدال ما يعادل 198 ألف أوقية موريتانية شهرياً (وكان الدولار الواحد عندها يساوي تقريباً 46 أوقية) بالعملات الأجنبية، في حين كان المصرف يخسر نحو 12 بالمئة عن كل بطاقة. وتنقل الدراسة عن تقرير سري بعنوان "استعلامات اقتصادية"، أعدَّته إدارة الأمن الوطني بعد الحرب أن خسارة الخزينة العامة من هذه الآلية بلغ نحو ثلاث وثلاثين مليون أوقية (ما يعادل سبعمئة وسبعة عشر ألف دولار تقريباً) في سنة 1978.
هذا الاستنزاف لم يكن منفصلاً عن ضغط مالي أوسع فرضته الحرب. إذ تذكر الدراسة نفسها أن تضاعف الإنفاق العسكري جعل معظم التمويلات تتجه إلى المجهود الحربي. وتشير إلى أن أرقام الإنفاق لا تشمل أثمان الأسلحة والمعدات العسكرية التي قدمتها فرنسا بموجب معاهدة الدفاع المبرمة سنة 1976، في إطار تعاون دفاعي ثنائي مع فرنسا ارتبط بمرحلة الحرب في الصحراء الغربية وما فرضته من احتياجات عاجلة للتسليح والدعم الإسنادي. وهو ما كان ضمن ترتيبات أمنية ما بعد استعمارية في المنطقة. وقد أوضح ولد سيدي محمد الهادي أنَّ أغلب هذا العجز غُطي من مساعدات الخارجية في صورة قروض ميسَّرة قدمتها السعودية والكويت والإمارات، ما ساعد الدولة على دفع رواتب الموظفين والجنود المرابطين على الجبهة ومخصصاتهم.
أخذ هذا الضغط الاقتصادي يتراكم في حين كانت الدولة تراهن على مشاريع صناعية وتنموية طموحة. فبحسب ما يورده الداهية ولد محمد في دراسته، أغلقت الشركة الموريتانية لاستغلال أكسيد النحاس أبوابها في 31 يوليو 1978، بعد أن خسَّرت خزينة الدولة، وانتهى الأمر إلى تسريح مئات العمال. ونقل عن وزير الاقتصاد الموريتاني آنذاك، سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، تصريحاً لم يذكر تاريخه، يقول فيه: "إذا كانت في العالم دولةٌ غير مستعدة للحرب، فهي موريتانيا".
المفارقة أن الحرب التي بدأت بقرار سياسي سرعان ما فرضت على الدولة توسيع جهازها العسكري بوتيرة غير مسبوقة، وهو ما زاد الأعباء المالية والاقتصادية داخل دائرة بدت مغلقة من توالد الأزمات. وفي هذا السياق تفيد دراسة مكتبة الكونغرس الأمريكية، بأن عدد القوات المسلحة ارتفع من نحو ثلاثة آلاف جندي في بداية 1976 إلى نحو اثني عشر ألفاً في بداية 1977، ثم إلى ما بين خمسة عشر ألفاً وسبعة عشر ألفاً بحلول منتصف 1978. فقد ارتفع الإنفاق الحكومي بين 1975 و1977 بنسبة 64 بالمئة. وذهب معظم هذا الارتفاع إلى الدفاع في دولة كان اقتصادها أصلاً محدود الموارد، حسب نفس المرجع.
وتتضح قسوة هذا المنحى في فصل "ميزانية الدفاع والاقتصاد" من دراسة مكتبة الكونغرس. فهي تذكُر أن ميزانية الدفاع سنة 1976 زادت بنسبة 32.9 بالمئة مقارنة بسنة 1975، وأن الإنفاق العسكري استهلك سنة 1977 نحو 60 بالمئة من الميزانية الوطنية. وفي حديثه مع الفراتس أفاد محمدو ولد يعقوب، وهو ممن عاش تلك المرحلة في منطقة الزويرات واشتغل بالتجارة في شبابه، بأن بعض التجار، خصوصاً في تيرس والزويرات، وجدوا أنفسهم أمام مشاريع توقفت وتجارة اضطربت، وأمل في المكاسب تبدد مع اتساع الحرب واستهداف الشمال المنجمي. ويذكر أنهم كانوا يتلقون بين حين وآخر تحذيرات بضرورة إخلاء بعض المواقع حفاظاً على سلامتهم، ما جعل الحرب حاضرة في تفاصيل العمل التجاري واليومي، لا في الجبهة وحدها. ويذكرُ ولد يعقوب أن بعض القوى الاجتماعية التقليدية ضاقت بتزايد نفوذ القرار المركزي وبصرامة القوانين التي رأت فيها تضييقاً على مصالحها.
وعلى فداحتها، لم تتوقف التكلفة عند هذا الحد. فقد انتقلت الحرب إلى جيوب الموظفين وحسابات الشركات أيضاً. وهنا تشير دراسة مكتبة الكونغرس ذاتها إلى أن العاملين في القطاعين العام والخاص دفعوا ضرائب حرب واقتطاعات من الرواتب بين 1976 و1978. وفُرضت على الشركات مساهمة خاصة بلغت 2 بالمئة من مبيعاتها دعماً للدفاع.
مع اتساع التكلفة، أخذت الحرب تُحدث شقوقاً سياسية واجتماعية، فيما بدا تفكيكاً لشبكات الرضا التي استند عليها النظام داخلياً. وفي حديثه مع الفراتس يلفت سيدي أحمد ولد محمد فال، رئيس المركز الموريتاني للبحوث والدراسات الإنسانية "مبدأ"، إلى أن أثر حرب الصحراء امتد إلى المجال السياسي الداخلي. وهو ما عمَّق التناقض بين الاتجاهات السياسية المعارضة وتلك المنضوية تحت لواء حزب الشعب الحاكم، وكشف عن انقسام حاد داخل النخبة نفسها. فقد نظر التيار القومي العروبي، بحسب المتحدث، إلى الحرب تراجعاً عن خطاب كان يتحدث عن التحرر ومقاومة الاستعمار، في حين رأت اتجاهات يسارية أن الانخراط فيها أضعف شرعية النظام، وكشف حدود قدرته على الجمع بين الوحدة الداخلية ومغامرة عسكرية مكلفة.
أما داخل المؤسسة العسكرية، فقد بدا أثر الحرب أعمق. فالخسائر لم تكن مجرد أرقام، بل تجربة يومية عاشها الضباط والجنود في ميدان صعب واسع وقليل الموارد. فقد كانوا دائمي الانتشار في مساحة جغرافية مفتوحة أمام ضربات خاطفة، وهجمات تطال المدن التاريخية ومناجم الحديد وسكك القطارات وطرق الإمداد. وبسبب بُعد الجبهة عن التوثيق المستقل وتضارب روايات الأطراف، يصعب الوصول إلى رقم نهائي للخسائر. غير أن يانوش بيسينيو يورد في دراسته عن حرب العصابات، تقديراً يشير إلى مقتل ألف وستمئة عسكري موريتاني، وجرح تسعمئة وأسر ستة عشر.
وكلما اتسعت الجبهة ازداد شعور الضباط بأن الدولة تطلب منهم حماية مجال أوسع مما تسمح به الموارد المتاحة، فبدأ الخلل بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية يصبح سيد الموقف. فالقصر كما يبدو يتخذ القرار والجيش يدفع تكلفته في الصحراء، ولم يعد الحديث عن الأزمة وحدها، بل عن المتسبب فيها ضمن القيادة السياسية أيضاً. وهو ما نوَّه له مني ولد بونعامة في مقابلته مع برنامج "رواة التاريخ"، واصفاً دخول موريتانيا حرب الصحراء بأنه أحدث "زلزالاً سياسياً". فالحرب في قراءته كانت خللاً في تقدير الضرر والمنفعة، لأن الدولة دخلت حرباً "لا مجال فيها لضعيف"، في مواجهة خصم يتحرك خارج منطق الجبهات التقليدية، بينما كانت موريتانيا لا تزال تبني جيشها ومؤسساتها.
وتجد هذه القراءة سنداً في مذكرات المختار ولد داداه "لا موريتانيي كونتغ فان إي ماغي" (موريتانيا على درب التحديات) المنشورة سنة 2003. إذ يروي أن أجهزة الاستخبارات كانت منذ بداية السبعينيات تشير إلى أخبار عن ضباط ينوون الانقلاب، وأن تلك الأخبار أصبحت أكثر اطراداً بعد اندلاع الحرب. ويذكر الرئيس الأسبق أن أخباراً وصلته من الخارج بعد منتصف السبعينيات، تحديداً من الملك المغربي الحسن الثاني في أحد لقاءاتهما بمراكش، ومن الرئيس الغابوني عمر بونغو، تتحدث عن إعداد انقلاب ضده. لكن المختار، حسب ما أورد في المذكرات، لم يتعامل مع تلك المعلومات يقيناً كافياً لقمع الجيش أو تمزيق صفوفه. غير أنه سجَّل في مذكراته أن أنباء الانقلاب كانت تدور في محيط السلطة، وأنها صارت جزءاً من جو تلك المرحلة.
مدركاً التململ داخل الجيش، يذكر المختار ولد داداه في مذكراته كذلك أنه ترأس في الثالث من يوليو 1978 مؤتمراً ضم المسؤولين العسكريين على المستويين الوطني والجهوي، واستمر ثلاثة أيام. ويقول إنه نبَّه في افتتاحه إلى أن النقاشات يجب أن تسودها الحرية المطلقة، وأن يعبِّر كل واحد عما يدور في خلده دون تحفظ. وقد استعرض المؤتمر، بحسب روايته، الأوضاع العسكرية بكل جوانبها، وما يواجهه الجيش من صعوبات في الوسائل البشرية والإسنادية. ومع أنه يقول إنه لم يسمع يومها "أي كلام انهزامي"، إلا أنَّ أهمية هذا المؤتمر قد تكمن في أنه انعقد قبل أسبوع واحد فقط من الانقلاب. وكأن الدولة كانت تحاول في لحظتها الأخيرة أن تقيس حرارة المؤسسة التي ستنقلب عليها.
ثم جاء فجر العاشر من يوليو 1978 ليحوَّل كل ذلك التراكم إلى فعل سياسي مباشر. وفي هذا السياق يروي الرئيس السابق أنه كان نائماً في القصر الرئاسي حين استيقظ في حدود الرابعة صباحاً على أصوات محركات سيارات أمام المنزل، قبل أن يدخل عليه ضابطان يرافقهما جنود مسلحون. ويذكر أن الملازم الأول المختار ولد السالك خاطبه بتحية عسكرية ثم قال له: "لقد سحب منكم الجيش ثقته، فاستقيلوا بمحض إرادتكم". وبهذا أطاح ضباط موريتانيون بالرئيس المختار ولد داداه في أول انقلاب عسكري تعرفه البلاد بعد الاستقلال، وأُعلنت اللجنة العسكرية للخلاص الوطني بقيادة العقيد المصطفى ولد محمد السالك.
يصف مني ولد بونعامة في البرنامج هذا الانقلاب بأنه كان في بدايته "انقلاباً أبيض" لم ترق فيه الدماء، لكنه كان في الوقت نفسه إيذاناً بانقضاء حقبة وبداية أخرى. وهو بهذا المعنى لم يكن انتقالاً من رئيس إلى عسكر، بل انتقالاً في مركز الثقل داخل الدولة من سلطة مدنية قادت مشروع الاستقلال وبناء الدولة إلى مؤسسة عسكرية صعدت من قلب الحرب واستمدت شرعيتها الأولى من وعد إنهائها أو الخروج من كلفتها.
من هنا يمكن فهم المفارقة في حرب الصحراء لموريتانيا. فقد دخلتها الدولة وهي ترى في الكويرة ووادي الذهب امتداداً جغرافياً وسياسياً وأمنياً، لكنها خرجت منها وقد تغيَّر داخلها أكثر مما تغيَّرت حدودها. جعلت الحربُ الجيشَ القوة الأكثر حضوراً في تقرير مصير الحكم، وأنهت النظام المدني الأول بعد الاستقلال، وغيَّرت معنى الأولويات داخل الدولة. وما بدأ من الجبهة انتهى إلى القصر، معلناً أن النزاع الخارجي كان قادراً على إعادة تشكيلها من الداخل.
وقد التقطت جبهة البوليساريو هذا التحول سريعاً. فبحسب خبر نشرته صحيفة "واشنطن بوست" بعنوان "سيز فاير إن موريتانيا" (وقف إطلاق النار في موريتانيا) في 14 يوليو 1978، أعلنت الجبهة وقفاً لإطلاق النار ضد موريتانيا بعد سقوط نظام المختار ولد داداه، موضحة أن هذا القرار يهدف إلى منح السلطة الجديدة في نواكشوط فرصة لمراجعة سياسة النظام السابق عن حرب الصحراء.
وفي قراءة يعقوب ولد حبيب، كان الوقف المؤقت لإطلاق النار رسالة سياسية مباشرة إلى السلطة العسكرية الجديدة، مضمونها أن الحرب لم تعد قدراً لا يمكن الخروج منه. فقد منحت الحكم الجديد هامشاً أولياً لتمييز نفسه عن عهد المختار ولد داداه، وفتحت أمامه فرصة لالتقاط أنفاس دولة أنهكها الاستنزاف. غير أن يعقوب يلفت في الوقت نفسه إلى أن ملف الصحراء بعد الانقلاب لم يعد قراراً خارجياً مستقلاً، بل صار مرتبطاً بتوازنات الحكم داخل نواكشوط. فكل تغير في القيادة العسكرية برأيه كان ينعكس على طريقة التعامل مع المغرب والجزائر والبوليساريو، لأن السلطة الجديدة كانت في كل مرة تعيد تعريف موقعها الخارجي انطلاقاً من حاجتها الداخلية إلى الاستقرار والشرعية.
على ترحيبها بوقف إطلاق النار، كانت جبهة البوليساريو ترى أنه لا يكفي ما لم تنسحب موريتانيا من تيرس الغربية. وهو ما تشير إليه دراسة ديفيد سيدون "المغرب والصحراء الغربية"، إذ تذكر أن الجبهة أنهت وقف إطلاق النار بعد إحباطها من عدم انسحاب موريتانيا من تيرس الغربية. وأكد لنا إسماعيل ولد يعقوب ولد الشيخ سيديا أن تيرس الغربية كانت لموريتانيا ثمرة التقاسم الذي أقرته ترتيبات ما بعد اتفاق مدريد، لكنها أصبحت بعد الانقلاب عبئاً سياسياً وعسكرياً. فهي المنطقة التي أحكمت عليها موريتانيا سيطرتها قرابة أربعة أعوام، ثم صارت مطالبة بالخروج منها تحت ضغط الحرب والإنهاك الداخلي وتجدد العمليات.
ولم تكن السلطة العسكرية على اتفاقٍ فيما يخصّ إنهاء الحرب. إذ يشير للفراتس يعقوب ولد حبيب بأنَّ العقيد المصطفى ولد محمد السالك ظلَّ متردداً في الابتعاد السريع عن المغرب، أي بالانسحاب من التحالف السياسي والعسكري معها في حرب الصحراء الغربية، وفقاً للترتيبات التي نشأت بعد اتفاق مدريد وتقاسم الإقليم سنة 1975.
لكن هذا سرعان ما تغير بتبدل موازين الحكم من داخل المؤسسة العسكرية نفسها. وتعليقاً على ذلك، يقول ولد حبيب إنَّ صلاحيات السالك تراجعت منذ أبريل 1979، ليتولى المقدم أحمد ولد بوسيف رئاسة الحكومة، في لحظة بدا فيها أن الدولة تتقدم خطوة إضافية نحو التسوية. غير أن وفاة ولد بوسيف في حادث طائرة يوم 27 مايو 1979 عطَّلت هذا المسار مؤقتاً، ليتولى محمد محمود ولد لولي رئاسة الدولة، وهي المرحلة التي شهدت توقيع اتفاق السلام مع البوليساريو في الجزائر في أغسطس 1979 للخروج من الصحراء الغربية. وقد أدى ذلك إلى تدهور علاقة موريتانيا مع المغرب، قبل أن يزيح محمد خونا ولد هيدالة ولد لولي في يناير 1980. وبهذا تخلت موريتانيا عن مطالبها في وادي الذهب، وعن إدارتها ما سمَّته تيرس الغربية.
غير أن هذا الانسحاب لم يترك فراغاً طويلاً، ليتحرك المغرب سريعاً إلى ملء المجال الذي أخلته موريتانيا. وتذكر وثيقة من سلسلة "العلاقات الخارجية للولايات المتحدة"، الصادرة عن الحكومة الأمريكية وتعود إلى تاريخ توقيع الاتفاقية مع البوليساريو، أنَّ المغرب أدمج القسم الموريتاني السابق من الصحراء الغربية ولايته السابعة والثلاثين.
ويؤكد ولد الشيخ سيديا في حديثه مع الفراتس، أن هذا التحول لم يعنِ أن كل النقاط التي كانت داخلة في المجال الموريتاني السابق صارت خاضعة للسيطرة المغربية بالدرجة نفسها. فالكويرة تكشف عن تعقيد المشهد أكثر من غيرها، إذ تقع في أقصى الجنوب الغربي من المغرب، عند طرف شبه جزيرة رأس نواذيبو، وظلت بحكم الجغرافيا والامتداد الاجتماعي أقرب إلى المجال الموريتاني، مع حضورها الرمزي القوي في الخطاب الرسمي المغربي. ويظهر ذلك في خطاب العاهل المغربي محمد السادس في أكتوبر 2025، أي بعد عقود طويلة من الاتفاق، الذي نقلته القناة المغربية الثانية بعنوان "جلالة الملك: حان وقت المغرب الموحد من طنجة إلى الكويرة". إذ تَرِد الكويرة ضمن صيغة رمزية تؤكد امتداد المجال الوطني المغربي، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.
يضيف ولد الشيخ سيديا بأن الكويرة ظلت ذات صلة مباشرة بنواذيبو والمجال الاجتماعي الموريتاني المحاذي لها، وأن حضورها في الخطاب المغربي ظل أكبر من حضورها الإداري والميداني الحقيقي. لهذا برأيه قد لا يصح وصفها بأنها خضعت للمغرب بالطريقة نفسها التي بُسطت بها السيطرة على الداخلة ووادي الذهب. الأدق، كما يرى، أنها ظلت نقطة حدودية شديدة الالتباس.
وعن انعكاس التخلي عن تيرس الغربية على الداخل الموريتاني، يؤكد القيادي في حزب التكتل يعقوب ولد حبيب أن قرار الانسحاب بدا في ظاهره اعترافاً واقعياً بأن الدولة لم تعد قادرة على تحمّل تكلفة تلك المنطقة، وأن الخروج من الحرب صار أولى من التمسك بأرض تحولت من مكسب سياسي إلى عبء عسكري واقتصادي. غير أن القرار، في رأيه، خلَّف في الوقت نفسه موجة من الإحباط والحساسية داخل بعض الأوساط الموريتانية، خاصة بعدما بسط المغرب سيطرته على القسم الذي انسحبت منه موريتانيا. فقد رأى بعض الموريتانيين، بحسب ولد حبيب، أن الانسحاب انتهى عملياً إلى تمكين المغرب من مجال دفعت موريتانيا ثمناً باهظاً للسيطرة عليه، قبل أن تضطر إلى التخلي عنه تحت ضغط الحرب والإنهاك الداخلي.
لم يقف أثر الانسحاب عند الخريطة وحدها، بل عاد إلى الداخل الموريتاني نفسه. ويرى سيدي أحمد ولد محمد فال في حديثه للفراتس أن حرب الصحراء وما أعقبها من انسحاب، فتحا طوراً من الانكفاء الداخلي. دخلت موريتانيا في سلسلة من الانقلابات والتحولات العسكرية، بين ما نجح منها وما فشل، بما خلق تذبذباً في مركز القرار، وأجبر الدولة على ترتيب بيتها الداخلي قبل أي مبادرة خارجية كبرى. واعتبر أن موريتانيا منذئذ أخذت تميل تدريجياً إلى سياسة تجنب الاصطفاف الحاد، والحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع المغرب والجزائر والبوليساريو. لأن أي اختلال في هذا التوازن كان يُنظر إليه احتمالاً لعودة الضغط على الداخل الموريتاني نفسه.
وتساعد دراسة روبرت كلوسوفيتش، أستاذ التاريخ في جامعة ياغيلونيا ببولندا، بعنوان "بوليسيز أوف ذا مغرب كانتريز تواردز وسترن سهارا [. . .]" (سياسات بلدان المغرب العربي تجاه الصحراء الغربية: المنظور الموريتاني) المنشورة سنة 2022، على فهم هذا الموقع الحذر. تقول الدراسة إن الحَذر لم يكن ناتجاً عن حسابات دبلوماسية فقط، إنَّما هو واقعٌ فرضته أيضاً خصوصية موقع موريتانيا الجغرافي والاجتماعي. وتذهب إلى أن موريتانيا تملك أطول حدود مع الصحراء الغربية، وترتبط تاريخياً واجتماعياً بالمجال الصحراوي أكثر من بقية دول المنطقة. ولذلك لم يكن حيادها بعد الانسحاب ابتعاداً كاملاً عن الملف، إنَّما موقفاً حذراً فرضه القرب الجغرافي والاجتماعي من النزاع.
وفي سياق متصل، يذهب كل من لوولفرام لاتشر وإيزابيل فيرنفلز، الباحثان في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، في دراستهما "موريتانياس بالانسينغ آكت [. . .]" (لعبة التوازن الموريتانية وسط احتدام التنافس الجزائري المغربي) المنشورة سنة 2025، إلى أن موريتانيا أصبحت محوراً في التنافس السياسي الجغرافي بين المغرب والجزائر. وذلك بحكم حدودها مع الصحراء الغربية، واعترافها بالجمهورية الصحراوية منذ 1984، مع حفاظها في الوقت نفسه على ما يسميه الرؤساء الموريتانيون المتعاقبون "الحياد الإيجابي" مع جاريها الشماليين. وتشير الدراسة إلى أن هذا الحياد هو توازن دقيق تحكمه مصالح التجارة مع المغرب، وإمكانات الضغط الآتية من الجزائر والبوليساريو، والروابط العائلية القائمة بين شمال موريتانيا ومخيمات تندوف والجزء الخاضع للسيطرة المغربية من الصحراء الغربية.
ظهر هذا التوازن أيضاً في المسار الأممي اللاحق، لاسيما في جولات الموائد المستديرة التي رعتها الأمم المتحدة في جنيف بشأن نزاع الصحراء الغربية. فبحسب تقرير مجلس الأمن عن الصحراء الغربية، الصادر في أبريل 2019، عُقدت المائدة المستديرة الأولى يومي الخامس والسادس من ديسمبر 2018، بمشاركة المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا. ثم أعقبها لقاء ثانٍ في مارس 2019 بالصيغة نفسها.
ويكشف حضور موريتانيا في هذه اللقاءات عن طبيعة موقعها الجديد في النزاع. فهي لم تعد طرفاً عسكرياً أو مطالباً بجزء من الإقليم كما كانت في السبعينيات، وإنما دولة جوار معنية بأمن الحدود واستقرار المنطقة وبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين الأطراف. وفي الاتجاه نفسه، أشار تقرير مكتب الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في الثالث من أكتوبر 2023، عن الحالة المتعلقة بالصحراء الغربية، إلى أن المبعوث الشخصي للأمين العام ستافان دي ميستورا دعا بين 27 و30 مارس 2023 ممثلي المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو إلى مشاورات غير رسمية في مقر الأمم المتحدة بنيويورك عن سبل دفع العملية السياسية. ويوضح التقرير أنَّ موريتانيا أعادت تأكيد موقفها القائم على "الحياد الإيجابي"، وقَدَّمت رأيها بشأن العملية السياسية، وكررت استعدادها لدعم جهود المبعوث الشخصي للأمين العام.
بذلك فالحياد الموريتاني لم يبدُ غياباً عن الملف ولا ابتعاداً كاملاً عن تفاعلاته، إنما حضوراً محسوباً تمليه الجغرافيا وتضبطه ذاكرة الحرب، وكذلك تفرضه حساسية التوازن بين أطراف النزاع الحالية. ومن هنا ظلت موريتانيا معنية به بحكم الجوار والتداخل الاجتماعي والأمني، لكنها اختارت اليوم أن تدير هذا القرب من موقع الوسيط الحذر لا من موقع الطرف المنخرط.

