وتجاوزت تداعيات هذا القرار حدود الرياضة، ليتحول الملف إلى سجال دبلوماسيٍ وإعلاميٍ واسع امتد من بيانات الاتحادات الكروية الإفريقية إلى وسائل الإعلام وشبكات التواصل. وفتح ذلك الباب أمام قراءة كأس أمم إفريقيا فضاءً للتنافس السياسي والرمزي بين الدول الإفريقية، أكثر من كونها بطولة تُحسم فقط داخل الملعب. بدا الأمر وكأن البطولة القارية لا تنتج بطلاً رياضياً فحسب، بل تعيد أيضاً رسم توازنات النفوذ والصورة والزعامة داخل القارة.
هذا التداخل بين السياسة وكرة القدم ليس جديداً في تاريخ كأس الأمم الإفريقية. فمنذ دورتها الأولى سنة 1957، لم تكن البطولة منافَسة رياضية فقط، بل مشروعاً سياسياً رافق تشكل إفريقيا الحديثة بعد الاستعمار. وارتبط بإعلان الوجود الإفريقي داخل عالمٍ تحكمت فيه الهيمنة الأوروبية، سواء داخل مؤسسات كرة القدم الدولية أو في صورة القارة نفسها داخل النظام العالمي. لذلك تحولت البطولة مبكراً إلى فضاء رمزي لإثبات السيادة الوطنية والقدرة التنظيمية وإرادة الشعوب الخارجة لتوها من الاستعمار.
تطورت البطولة لعقود بالتوازي مع تحولات القارة نفسها. ففي مرحلة التحرر الوطني، أصبحت كرة القدم أداةً لتأكيد الاستقلال السياسي ووحدة إفريقيا الناشئة، قبل أن تتحول لاحقاً داخل بعض الدول إلى ساحة لصراعات السلطة وإنتاج الشرعية السياسية. ومع تصاعد أسئلة الهوية والهجرة والتمثيل، استُثمرت البطولة لبناء روايات وطنية تتجاوز حدود الرياضة. ثم دخلت اليوم مرحلة جديدة تُستخدم فيها أداةً للتأثير السياسي بالتنافس على التنظيم أو توظيف الإنجاز الكروي لتحسين صورة الدول وتسويق مشاريعها السياسية والاقتصادية عالمياً.
ظهرت هذه الصبغة السياسية في القرارات الأولى للاتحاد الناشئ. فأقصى جنوب إفريقيا من بطولة كأس أمم إفريقيا لأنها رفضت تشكيل منتخبٍ وطنيٍ يجمع البيض والسود، بسبب نظام الفصل العنصري الحاكم فيها آنذاك. انطلقت أول نسخة من كأس أمم إفريقيا بثلاثة منتخبات فقط، مصر والسودان وإثيوبيا. وسبق الاتحاد الإفريقي في هذا القرار الاتحادَ الدولي، الذي لم يُعلّق عضوية جنوب إفريقيا إلا سنة 1961، ولم يُقصِها نهائياً إلا سنة 1976.
أظهر هذا القرار طبيعة اللحظة السياسية التي وُلدت فيها البطولة. إذ كانت معظم دول القارة وقتها تحت الاستعمار الأوروبي. فكانت فرنسا تحكم أكثر من عشر دولٍ إفريقيةٍ، وبريطانيا تمسك بزمام مستعمراتٍ ممتدة من كينيا إلى نيجيريا، بينما تواصل بلجيكا استنزاف ثروات الكونغو. وتأسس الاتحاد الإفريقي في سياق يسعى لتجاوز هذا النموذج الاستعماري. فقبل سنة 1957، مثَّل إفريقيا في الاتحاد الدولي لكرة القدم أربعة اتحادات فقط، وهي مصر والسودان وإثيوبيا وجنوب إفريقيا، مقابل عشرات الدول الأوروبية التي هيمنت على قرارات الهيئة الدولية منذ تأسيسها سنة 1904.
بعد تأسيسه، دخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم صراعاً داخل أروقة الاتحاد الدولي لكرة القدم. لم يكن هذا الصراع نتيجة خلافٍ على عدد المقاعد، بل انعكاساً لصدامٍ أعمقٍ بين قارةٍ صاعدة تطالب بحقها في الوجود، ومنظومةٍ دوليةٍ استعمارية الجذور. هذا الصدام لا يمكن فهمه بمعزل عن سياق الجغرافيا السياسية الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، وصعود كتلة العالم الثالث.
تجاوزت معركة ترسيخ سيادة الدول الإفريقية في ملاعب الكرة سؤال تنظيم بطولةٍ قاريةٍ إلى انتزاع تمثيل القارة داخل المؤسسات الكروية الدولية التي أسسها الأوروبيون. ولعل أكثر الأرقام فضحاً لهذه المعادلة تنافس خمسة وستين اتحاداً إفريقياً وآسيوياً على مقعدٍ واحدٍ فقط في نهائيات كأس العالم، مقابل ثمانية إلى عشرة مقاعد خصصت لمنتخبات أوروبا. وجسد هذا الغياب الذي فُرض على القارة الإفريقية داخل هياكل الاتحاد الدولي لكرة القدم امتداداً لتصورات الوصاية التي حكمت نظرة قادة الاتحاد إلى القارة. فمن الفرنسي جول ريميه، الذي قاد الاتحاد قرابة ثلاثة عقود، إلى الإنجليزيين آرثر دروري وستانلي روس، ساد خطاب يعتبر إفريقيا مجالاً للتقويم لا شريكاً في القرار.
وتتجلى هذه الوصاية في تشبيه بول داربي، الأستاذ المشارك في سوسيولوجيا الرياضة بجامعة ألستر في أيرلندا الشمالية، برامج التدريب التي أطلقها الاتحاد الدولي في إفريقيا وأمريكا الجنوبية بالعمل التبشيري العام، وذلك في كتابه "أفريكا، فوتبول آند فيفا بوليتيكس، كولونياليزم أند ريزِستانس" (إفريقيا، كرة القدم وسياسات الفيفا: الاستعمار والمقاومة) الصادر سنة 2002. ويوافقه باحثا علم اجتماع الرياضة جون سوجدين وألان توملينسون في كتابهما "باور آند ريزِستانس إن ذا غافرنَنس أوف وورلد فوتبول: ثيُرايزينغ فيفا ترانزناشونال إمباكت" (السلطة والمقاومة في حوكمة كرة القدم العالمية: تنظير التأثير العابر الحدود للفيفا) الصادر سنة 2014. إذ خلصا لنظر قادة الاتحاد الدولي لكرة القدم "مثل المسيحية، على أنها شيء جيد للهمج". كان هذا الإقصاء مركباً: إقصاء عددي داخل هياكل الفيفا، وإقصاء رمزي في التصور الذي تحمله المؤسسة الحاكمة عن الرياضة الإفريقية. وهنا اكتسبت البطولة الإفريقية معناها الأعمق لتصبح رداً مؤسسياً على هذا الإقصاء المزدوج.
ومثلما واجهت الدول النامية القوى الصناعيةَ الكبرى في أول مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية سنة 1962 للمطالبة بنظامٍ اقتصادي عالمي عادل، خاض الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، معركته الكبرى ضد الاتحاد الدولي لكرة القدم سنة 1964. فقرر مقاطعة مونديال إنجلترا 1966، احتجاجاً على التوزيع غير العادل للمقاعد. أثمرت المقاطعة مكسباً سياسياً، إذ صوّت مؤتمر الاتحاد الدولي لمنح إفريقيا مقعداً مستقلاً في النسخ اللاحقة. وهنا تبرز العلاقة العضوية بين كأس إفريقيا والنضال الدبلوماسي الكروي. إلا أن الاختلال في توزيع المقاعد ظل جلياً، فلم تجد إفريقيا فضاءً دولياً يتيح لها الحضور والتعبير عن نفسها كروياً سوى كأس أمم إفريقيا.
ارتبطت منتخبات البلاد بهوياتها والتصورات السياسية لقادتها. مثلاً، أطلق كوامي نكروما، أول رئيس لغانا المستقلة، على منتخبه اسم النجوم السوداء مستلهماً إياه من النجمة السوداء على علم البلد. وجعل من كل انتصار للمنتخب امتداداً للمشروع الوحدوي الإفريقي الذي حلم به. وحين فاز منتخب غانا بكأس إفريقيا سنة 1963، واحتفظ باللقب سنة 1965، زينت صورة المنتخب مع نكروما البيوت. يقول بول داربي، في كتابه "أفريكا، فوتبول أند فيفا بوليتيك [. . .]" (إفريقيا وسياسة الفيفا [. . .]) إن "نكروما آمن إيماناً راسخاً بأن كرة القدم تمشي جنباً إلى جنبٍ مع ميلاد إفريقيا الجديدة، وأن الانتصارات الرياضية قادرة على خلق الفخر الوطني الذي تعجز عنه الخطب السياسية. لذلك أرسل المنتخب الوطني في جولة أوروبية سنة 1962 أداةً دبلوماسيةً لتحدي الأحكام الأوروبية المسبقة عن الأفارقة".
وتجلى اعتبار وجود المنتخب علامة الاستقلال في دورة كأس الأمم التي أقيمت في إثيوبيا سنة 1968. إذ شارك فيها المنتخب الجزائري للمرة الأولى بعد استقلاله، وصدح النشيد الوطني "قسماً" للمرة الأولى في الملاعب القارية. ضم الفريق لاعبين تركوا أضواء الدوري الفرنسي وانتقلوا سنة 1958 إلى تونس لتأسيس فريق جبهة التحرير الوطني. فريق خاض معركة الكفاح من أجل الاستقلال بتدويل القضية الوطنية عبر العالم للتعريف بها في إفريقيا وآسيا وشرق أوروبا. تحدٍ قابله الفيفا بمعاقبة كل فريق يواجهه وأولهم المغرب، البلد الجار، الذي دفع الثمن بتجميد عضويته في الفيفا لمدة سنة.
وبرزت كرة القدم في البطولة هويةً جامعةً أبناءَ البلد الواحد، يتجاوزون بها خلافاتهم الدينية والعرقية. مثلاً، حين فاز المنتخب النيجيري على ضيفه الجزائري في نهائي البطولة الإفريقية سنة 1980، تخلى الرئيس شيخو شاغاري عن رصانته المعهودة، وأقبل يعانق اللاعب سيغون أودغبامي بحرارة. لم يكن المشهد مجرد احتفال رئاسي بانتصار رياضي. فشاغاري ينتمي إلى طبقة غنية من شمال نيجيريا الذي تسكنه غالبية من المسلمين الذين اعتبر كثيرون منهم كرة القدم رياضة دون مستواهم الاجتماعي، أما اللاعب الذي عانقه الرئيس من مناطق جنوب البلاد التي مزقتها الانقسامات العرقية والدينية. وفي الصباح التالي، ناقش مجلس الشيوخ النيجيري منح اللاعبين منازل وإرسالهم للخارج لتعلم أسرار اللعبة، وكأن الكأس فتحت أبواباً من الحلم الجماعي ظلت موصدة طويلاً. في دولة بحجم نيجيريا، تضم أكثر من مئتي مجموعة عرقية وتنقسم دينياً بين المسيحية والإسلام، ظلت كرة القدم أحد الفضاءات القليلة التي يشعر فيها النيجيري بانتماءٍ مشتركٍ يسبق الانقسامات.
تكرر هذا بعد فوز الجزائر بالبطولة سنة 1990. قبلها بعامين، هزت البلاد احتجاجاتٌ شعبية واسعة بسبب أزمة اقتصادية أفقرت الطبقة الوسطى. ورُفعت أصوات تطالب بإصلاح سياسي جذري تعاملت معها السلطة بحذر وتوتر. في هذا السياق الحرج، كانت البطولة الخيطَ الرفيع الذي منع تفتت الوحدة الوطنية في لحظة الشرخ السياسي، كان الفوز لحظة تماسكٍ وطنيٍ نادرةٍ.
وبعد عقود من الإقصاء وغياب لأكثر من ثماني عشرة نسخة، عادت جنوب إفريقيا إلى المسابقة الكروية لتجعل منها رمزاً للمصالحة. فنظمت البطولة سنة 1996، بعد سنوات قليلة من انهيار نظام الفصل العنصري. ظهر نيلسون مانديلا في المدرجات بقميص المنتخب، وبات الملعب فضاء يجلس فيه جنباً إلى جنب من كانوا بالأمس طرفي الصراع. وقبل المباراة النهائية، عانق نيلسون مانديلا اللاعب الاحتياطي مارك ويليامز ونظر في عينيه وقال: "اليوم نحن ذاهبون إلى الحرب. مهما حدث، تذكر أن الأمة بأكملها تقف خلفك". دخل ويليامز بديلاً في الشوط الثاني وسجل هدفين مانحاً جنوب إفريقيا أول كأس في تاريخها، فأُطلق عليه لقب باني الأمة.
تجلى هذا في علاقة الحكام بمنتخبات بلادهم. في كوت ديفوار مثلاً، تباين تعامل الأنظمة السياسية المتلاحقة مع البطولة القارية بين الاستثمار الدعائي (مثلما فعل الرئيس بوانيي في استضافة البطولة القارية سنة 1984 لتعزيز شعبيته) والعقاب العسكري (مثلما حدث سنة 2000 حين احتجز النظام العسكري اللاعبين في ثكنة ياموسوكرو إثر الخروج المبكر من كأس إفريقيا). وصولاً إلى استثمار تتويج 2024 أداةً لترميم الشرعية السياسية والتماسك الاجتماعي.
وفي الغابون، سعى الرئيس عمر بونغو إلى صياغة تصورٍ سياسيٍّ يربط نجاح الدولة واستقرار نظامه بالإنجازات الكروية. وبعد توليه الحكم سنة 1967، استطاع بونغو بدعمه المادي تحويل إنجازات المنتخب الغابوني في كأس أمم إفريقيا إلى رمزٍ للوحدة الوطنية يتجاوز الانقسامات العرقية والقبلية التي كانت تتصارع في الغابون. وظهر النظام في صورة الأب الراعي لمنجزٍ يلتف حوله الجميع، وهو ما تحقق جزئياً بتأهل الغابون لأول مرة في تاريخها سنة 1994 لنهائيات الكأس الإفريقية. أما خارجياً، فهدف الاستثمار في البطولة إلى تقديم الغابون دولةً صاعدةً وآمنةً قادرة على استقطاب الاستثمارات، ومؤهلةً لدورٍ رياديٍ في الدبلوماسية الإفريقية.
حكم بونغو البلاد ثلاثاً وأربعين سنة. وبعد وفاته سنة 2009، تولي ابنه علي الحكم واستمر فيه أربع عشرة سنة قبل أن يطيح بحكمه انقلاب عسكري سنة 2023. في هذه السنوات، سار بونغو الابن على خطى والده، فاستضافت الغابون في عهده البطولة سنة 2017، وحوَّل الحدث الرياضي إلى أداةٍ لانتزاع اعترافٍ إقليمي ودولي بشرعيته المهتزة بعد اتهامه بتزوير الانتخاباتٍ الرئاسية سنة 2016.
واستغل الزعيم الليبي معمر القذافي البطولة لفرض الخطاب الموجه لزعيمٍ لا يحظى بفرصٍ كبيرةٍ مشابهةٍ للظهور على الساحة القارية والدولية. لم يكن القذافي مهتماً بكرة القدم رياضةً جماهيريةً، بل انتقدها واعتبرها نشاطاً استهلاكياً للجماهير، وتوجَّس منها بالنظر إلى قدرتها على التعبئة الجماهيرية. وكتب في فصل "الرياضة والفروسية والعروض" من الكتاب الأخضر، الصادر سنة 1975، أن "الجماهير التي تصطف في طوابير لمشاهدة مباراة، هي جماهير عاجزة عن ممارسة الحياة.. إنهم يملأون الفراغ في حياتهم بجهد غيرهم". وعلى موقفه هذا، فإنه لم يتردد في توظيف البطولة القارية لخدمة أهدافه السياسية. فحين استضافت ليبيا البطولة سنة 1982، ألقى خطاباً مدة ساعتين في حفل الافتتاح تناول فيه قضايا مثل السودان والتدخل الفرنسي في تشاد، وهاجم "الإمبريالية الأمريكية" وبعض الدول العربية والإفريقية المعادية نظامَه. واختتم الخطاب بعبارة ساخرة موجهة للجمهور قائلاً: "أيها المتفرجون الأغبياء، استمتعوا بلعبتكم الغبية".
وفي أوغندا شرق القارة، اتخذت العلاقة بين السلطة والملاعب صبغةً عسكريةً صريحةً. فاستغل الرئيس عيدي أمين، الذي حكم البلاد ثماني سنوات بعد قيادته انقلاباً عسكرياً سنة 1971، البطولةَ أداةً سياسيةً لتأميم الفضاء الرياضي وإلحاقه بالمؤسسة العسكرية. فتابع مباريات المنتخب أثناء مشاركته في البطولة سنة 1978، وفرض ضغوطاً على اللاعبين داخل غرف الملابس، وتوعدهم بعقوبات في حالة الخسارة، حتى أصبح أداؤهم على الملعب امتداداً لقوته العسكرية، وفقاً لدراسة "أوجه استغلال كرة القدم لخدمة أغراض سياسية في إفريقيا على مدار التاريخ"، التي نشرها زين العابدين فوغالي، الباحث المتخصص في التاريخ الرياضي بجامعة محمد خيضر بسكرة في الجزائر، سنة 2025. وصل المنتخب الأوغندي للمباراة النهائية، لكنه انهزم فيها أمام المستضيف غانا.
أما في الكاميرون غرب إفريقيا، فتحولت البطولة الإفريقية إلى أداةٍ لترسيخ العقيدة السياسية للرئيس بول بيا، المتجسدة في التجديد الوطني. وأدرك بيا منذ تسلمه السلطة سنة 1982 أن المنتخب الوطني هو المؤسسة الوحيدة التي تحظى بإجماعٍ يتجاوز الانقسامات العرقية واللغوية. ولأن كرة القدم في الكاميرون ذات تاريخٍ وشعبيةٍ واسعةٍ، إذ فاز المنتخب بكأس الأمم الإفريقية خمس مراتٍ، وشارك في نهائيات كأس العالم مراراً، فقد حرص النظام على جعلها ركيزةً أساساً في مشروع بناء الدولة وتثبيت أركانه. فوظَّفها لامتصاص الغضب الشعبي، وتصدير صورة المحارب الفسادَ، الذي خلَّف نظام أحمد أهديجو القائم على عقيدة الحزب الواحد والقبضة الأمنية المشددة. وظهر ذلك حين تدخل بيا مباشرة للمطالبة بالتحقيق في معايير اختيار اللاعبين أو في قضايا تدبير المنتخب. هذا التدخل منح الرئيس شعبيةً مضاعفة، إذ ظهر منحازاً لرغبات الشارع الرياضي، محولاً أي نجاحٍ كروي إلى ثمرةٍ رعايته.
بلغ هذا التدخل المباشر ذروته في جمهورية الكونغو الديمقراطية، بتحويل البطولة القارية إلى منصةٍ للترويج الشخصي وتمجيد شخصية الحاكم. إذ كان المارشال موبوتو سيسي سيكو، الذي تولى الحكم سنة 1965، وغير اسم البلاد إلى زائير سنة 1971، متعلقاً بكرة القدم. ووضع صورته على قميص المنتخب الزائيري، ولعب به ثماني مباريات رسمية بين تصفيات كأس إفريقيا وكأس العالم. وأرسل طائرته الخاصة للعودة باللاعبين عقب فوزهم بكأس إفريقيا في مصر سنة 1974.
وفي كل مرحلةٍ، كشفت كأس أمم إفريقيا أن الملعب الإفريقي أكبر من مساحةٍ رياضيةٍ مغلقة. فقد كان أحياناً امتداداً لمعركة التحرر، وأحياناً أداةً بيد الأنظمة، وأحياناً أخرى فضاءً استطاعت الشعوب داخله أن تعثر على صورةٍ مشتركةٍ لنفسها وسط الانقسامات العرقية والدينية والسياسية. لذلك ظلّت البطولة تحمل وظيفةً رمزيةً لا تقل أهمية عن بعدها الرياضي، لأنها منحت القارة مساحةً لرؤية نفسها بعيونها، بعيداً عن الصور التي صاغها الآخرون عنها عقوداً طويلة.
واليوم، بينما تتحول كرة القدم إلى إحدى أدوات النفوذ الدولي والاستثمار السياسي والاقتصادي، تبدو كأس أمم إفريقيا أمام مرحلة جديدة. فالتنافس لم يعد فقط على اللقب، بل أيضاً على الصورة والمكانة والقدرة على التأثير داخل إفريقيا وخارجها. ومع ذلك، يبقى جوهر البطولة ثابتاً: أنها واحدة من المساحات القليلة التي استطاعت فيها القارة أن تكتب روايتها بنفسها، وأن تجعل من كرة القدم أكثر من لعبة بل جزءاً من تاريخ إفريقيا الحديث.

