شيعة البقاع اللبناني.. كيف صار مصيرهم معلّقاً بمصير حزب الله

نعود إلى تاريخ البقاع الشمالي في لبنان لمقاربة واقع الشيعة اليوم، نتاجاً تاريخياً لسلطة غير مكتملة لم تتبلور فيها هيمنة مركزية قادرة على فرض السيطرة المباشرة.

Share
شيعة البقاع اللبناني.. كيف صار مصيرهم معلّقاً بمصير حزب الله
المنطقة العالقة في دوامة الاضطرابات الأمنية | تصميم خاص بالفراتس

في زيارتي الأخيرة إلى الهرمل بعد الحرب الإسرائيلية، شعرتُ أنّي أصبحتُ غريباً عن المكان الذي وُلدتُ وعشتُ فيه أقصى شمال شرقي لبنان. ملأَت الشوارعَ صورُ الضحايا الذين قتلتهم إسرائيل من أبناء المدينة، وقارب عددهم مئتين وخمسين. وصدحت في المتاجر والأسواق أصواتٌ ولهجاتٌ غير مألوفة. دخل الهرملَ عشراتُ آلاف النازحين، أغلبهم من الشيعة والعلويين، قادمين من ريف حمص الغربيّ بعد سقوط نظام الأسد في نهاية سنة 2025، وما أعقبه من انسحاب حزب الله من سوريا. وبعد أشهرٍ قليلةٍ، انضمّ إليهم شيعةٌ لبنانيون من سكّان القرى الحدودية الذين تركوا بيوتهم بعد معارك بين العشائر اللبنانية وفصائل تابعةٍ للإدارة السورية الجديدة.

يخيّم الخوف وعدم اليقين على الفضاء الشيعيّ في البقاع منذ تراجُع قوة حزب الله العسكرية بسبب الحرب الإسرائيلية سنة 2024، ثم انسحابه من سوريا. بسبب هذا التراجع، اختلّ ميزان القوة الذي حمى المنطقة عقوداً، مع اعتماد نسبةٍ معتبرةٍ من السكّان مالياً وخدمياً على مؤسسات الحزب، حتى ترسّخت بينهم قناعةٌ بأنّ مصيرهم معلّقٌ بمصيره. تنفست المنطقة الصعداء قليلاً مع تراجع الضربات الإسرائيلية على البقاع في يوليو 2026 وتركّزها على الجنوب، لكنها سرعان ما واجهت مصدراً آخر للقلق مع تصاعد الحديث عن احتمال امتداد المواجهة مع الحزب عبر الحدود السورية. فظهر ما يشبه التعويل على عشائر بعلبك الهرمل لمواجهة هذا الخطر القادم من سوريا. ومع تراجع الحزب وتقدّم الجيش، أرّقت المنطقةَ أسئلةٌ عن الجهة القادرة على حماية الحدود، وطبيعة السلطة التي ستملأ الفراغ، والعلاقة التي ستنشأ بين الدولة والسكّان بعده.

ليس هذا السؤال جديداً على المنطقة. في مذكّراته حول زيارته إلى البقاع الشمالي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كتب الرحالة والمبشّر البروتستانتي وليام تومسون في كتاب "ذا لاند آند ذا بوك" (الأرض والكتاب) الصادر سنة 1886: "تُعتبر الهرمل أبعد قريةٍ تتبع حكومة جبل لبنان. تتوزع بيوتها في أوديةٍ ضيقةٍ عالية الخصوبة تنحدر عبرها ينابيع صغيرةً وأشجار الفاكهة. لكنّ الخارجين عن القانون حوّلوا هذا الفردوس إلى برّيةٍ مخيفةٍ، في وقتٍ تذهب الهرمل نفسها في تدهورٍ متزايد". جمعت الصورة الاستعمارية منذ ذلك الحين بين جمال المكان ووحشيته، وبين تبعيته الاسمية للسلطة وبُعده الفعليّ عنها، وتذرّعت بحجة "الخارجين عن القانون" تفسيراً جاهزاً لعجز الدولة عن حكمه.

استمر هذا التصوّر بعد تأسيس دولة لبنان الكبير سنة 1920. دخل سهلُ البقاع الدولةَ الجديدة ابناً غير معترَفٍ به، أو ظِلّاً نقيضاً حرصت الذات اللبنانية على إبعاده عنها. وسنة 1926، درس الفرنسيون ضمّه إلى سوريا بسبب تمرّد السكّان المسلّح تلبيةً لنداء الثورة السورية الكبرى ضدّ الاستعمار الفرنسي، وصراعات العشائر وخروجهم الدائم عن القانون. لاحظ الصحفي ميشال سلامة خلال زيارته البقاع الشمالي سنة 1955، بعد اثني عشر عاماً من استقلال لبنان عن فرنسا، أنّ اللبنانيين يجدون السفر إلى الولايات المتحدة أسهل من الذهاب إلى الهرمل التي لا يسمعون بها إلا عند حصول صراعٍ عشائريٍّ أو اصطدام السكّان بالقوى الأمنية.

وبعد أكثر من قرنٍ ونصفٍ من زيارة تومسون، ما زال البقاع الشمالي يُرى من الزاوية نفسها. يتأرجح بين سردياتٍ تنسبه لفضاءٍ شيعيٍّ أوسع يمتدّ من جبل عامل إلى إيران، وأخرى تختزله في خاصرةٍ رخوةٍ تهدد أمن البلاد. وتغيب خلف الصورتين منطقةٌ حَكَمتها الدولة المركزية دون أن تدمجها، وبسطت فيها قوّتها دون أن تنشئ مؤسساتٍ تُغني سكّانها عن الوسطاء المحليّين.

وانطلاقاً من حاضرٍ مأزومٍ يخيّم عليه الخوف من المستقبل، لا بدّ من عودةٍ إلى تاريخ البقاع الشمالي — على ندرة المراجع الوجيهة — من أجل فهم المسارات التي شكّلت واقعه الحالي. والعودة إلى التاريخ أيضاً لمقاربة واقع شيعة البقاع، نتاجاً تاريخياً لبنية سلطةٍ غير مكتملةٍ، لم تتبلور فيها هيمنةٌ مركزيةٌ قادرةٌ على فرض السيطرة المباشرة. فحلّت محلّها أنماط حكمٍ تقوم على الوساطة والتفاوض من الإمارة الحمادية والحرفوشية في الحقبة العثمانية، حتى الاندماج المتوتر مع دولة لبنان الكبير خلال مرحلتَي الانتداب والاستقلال، مروراً بتحوّلاتٍ سياسيةٍ ودينيةٍ عجزت رغم حجمها عن تغيير الوضع الملتبس للمنطقة.


كثيراً ما استقبل البقاع موجاتٍ متتاليةً من التهجير الشيعيّ الآتية من جبل لبنان. ولهذا، سمّاه المؤرخ وابن الهرمل سعدون حمادة "دار الهجرة" في كتابه "تاريخ الشيعة في لبنان" الصادر سنة 2008. أولى الهجرات ترافقت مع حملاتٍ مملوكيةٍ طالت شيعة مناطق كسروان (محافظة جبل لبنان) بين سنتَي 1292 و1305، وكان حينها البقاع مقصداً أساساً للهاربين من العسكر المملوكيّ، ما ساهم في تحوّل الشيعة إلى جماعةٍ سكانيةٍ وازنةٍ في المنطقة.

استقبل البقاع موجاتٍ متتاليةً من التهجير الشيعيّ | تصميم خاص بالفراتس

أفضت هذه الهجرات إلى نشأة إمارةٍ قويةٍ بقيادة آل حرفوش، إحدى الأسر العربية الشيعية التي برزت في المناطق المحيطة ببعلبك إبّان القرن الرابع عشر. أرسى حكم الحرافشة استقراراً أمنياً وازدهاراً اقتصادياً للبقاع، وامتدّ نفوذهم في بعض المراحل إلى حمص وتدمر. فقد قام حكمهم على تحالفٍ عشائريٍّ وعائليٍّ واسعٍ، ووفّروا الأمن للسكّان والحماية ضدّ غارات البدو، وسهّلوا أيضاً عمل الفلاحين ونظّموا استغلال المصادر المائية القليلة. وقد أصبحت مدينة بعلبك بفضل هذا الازدهار محطةً تجاريةً، في حين ازداد تعداد سكّانها لتصبح المدينة الثانية من حيث الحجم ضمن ولاية الشام.  

تراجع هذا الازدهار بداية النصف الثاني من القرن السابع عشر، مع فقدان الاستقرار الأمنيّ وتراجع قدرة الحرافشة على الحكم وتثبيت الاستقرار. وظلّ البقاع قروناً في دوامة الاضطرابات التي عزّزتها النزاعات بين الأمراء الحرافشة، والتنافس على البقاع بين ولاية دمشق وإمارة جبل لبنان. وانتشرت في ظلّ هذا الانقسام جماعات السلب وقطّاع الطرق، فتفادت القوافل المرور في المنطقة. في مقابلةٍ مع الفراتس، يقول عالم الاجتماع اللبناني وضاح شرارة إنّ الحرافشة عُرفوا حيناً عند العثمانيين بقطّاع الطرق العنيفين. ورغم توكيلهم بجمع الضرائب في البقاع من جهةٍ، أَوكلت السلطات العثمانية إلى عرب الموالي (في البادية السورية) من جهةٍ أخرى حماية الأموال من الحرافشة عند نقلها إلى إسطنبول.

اتّخذ التشيّع في البقاع في ظلّ حكم الحرافشة طابعاً شعبياً ريفياً. في كتابه "الشيعة في لبنان تحت الحكم العثماني" (1516 - 1788)، الذي تُرجم إلى العربية سنة 2016، يقول المؤرخ الكندي المتخصص في دراسات سوريا العثمانية ستيفن ونتر إنّ "الروح العشائرية لعبت دوراً في عدم مشاركة البقاع بالدرجة نفسها في تقاليد التقى المتنسّكة العاملية [نسبةً إلى جبل عامل]. بينما حافظت الأضرحة القديمة والمقابر الرومانية على إخلاص جمهورها البقاعيّ الرعويّ الزراعيّ والريفيّ، وبقيت قادرةً على تشكيل صورته الدينية". ولم يكن بالبلدة "منبرٌ ولا واعظٌ ولا إمام"، كما ينقل ونتر عن الرحالة وعالِم الدين عبد الغني النابلسي.

في الوقت نفسه، ارتبطت بعض العشائر الشيعية بمقاماتٍ اتخذت طابعاً شبه حصريٍّ لها. فكان رعاة عشيرة آل ناصر الدين في وادي الشربين (غرب الهرمل) يقصدون مقام عليّ الطويل في أعالي الجبال مع بداية كلّ موسمٍ رعويّ، يذبحون الخراف ويوزّعونها طلباً للبركة. أما آل دندش الذين سكنوا الأودية في جنوب الهرمل، فقد ارتبطوا بمزار سيدة رأس بعلبك ونسجوا حوله رواياتٍ تمزج بين عناصر شيعيةٍ ومسيحيةٍ وما قبل توحيديةٍ، ما يعكس طبيعة التديّن المركّبة في المنطقة. انتشرت كذلك عادةُ زيارةِ مراقد آل البيت خارج لبنان، مثل ضريح الإمام الحسين في العراق والسيدة زينب في دمشق، اللذَين شكّلا في بعض الفترات بديلاً عن الحجّ إلى مكة.

ومع ذلك، لم يشمل هذا النمط الريفيّ كلّ مناطق البقاع. يُشار كثيراً إلى النهضة العلمية التي شهدتها مدينة كرك نوح، وبدرجةٍ أقلّ بعلبك، في أواخر العهد المملوكي والقرن الأول من العهد العثماني. ساهمت الكرك في تخريج علماء دينٍ ارتبط بعضهم بالحراك العلميّ المتزامن في إيران. أشهر هؤلاء علي بن حسين بن عبد العالي الكركي العاملي، المعروف بالمحقق الكركي الذي حَظِيَ بمكانةٍ مرموقةٍ في الدولة الصفوية، والمعماري والعالم الشهير بهاء الدين العاملي المولود في بعلبك. غير أنّ هذه المرحلة تبدو محدودة التأثير زمنياً واجتماعياً، ولم تنجح في ترسيخ بنيةٍ دينيةٍ مستدامة.


لم يقتصر النفوذ الشيعي في البقاع على الحرافشة. فقد تزامن مع صعودهم ظهور إمارةٍ شيعيةٍ في جبل لبنان بقيادة آل حمادة. ترجّح المصادر أنّ أصولهم فارسية، وقد انتقلوا في القرن الخامس عشر إلى كسروان قادمين من العراق. فحكموا شمال جبل لبنان منذ القرن السادس عشر حتى نهايات القرن الثامن عشر، لكن ظلّوا أصحاب يدٍ طولى في البقاع حتى سبعينيات القرن العشرين.

خلال القرن الثامن عشر، شهدت السفوح الجبلية المطلّة على البقاع تحوّلاً مع تسارع هجرة الشيعة من جبل لبنان بموازاة تراجع الإمارة الحمادية هناك، وصعود برجوازيةٍ مارونيةٍ مدعومةٍ أوروبياً تَمدَّد نفوذها في كسروان وجبيل. بلغت هذه الهجرات ذروتها سنة 1782 بعد هزيمة آخر الأمراء الحماديين في معركةٍ بمواجهة الأمير يوسف الشهابي تلاها تنكيلٌ بالسكّان وتهجيرهم. وقد استمرت الهجرات إلى السفوح الجبلية المطلّة على البقاع حتى منتصف القرن التاسع عشر.

استقرّ ورثة الإمارة الحمادية المندثرة في الهرمل بحماية الحرافشة، في حين توزّعت العشائر على سفوح البقاع الغربية. فاستقرّ القادمون من كسروان في شمسطار، ونازحو جبيل في الوسط بين بعلبك والهرمل، فيما قصد جرود الهرمل القادمون من جبة المنيطرة وعكار والضنية. فنشأ شريطٌ عشائريٌّ شيعيٌّ يمتدّ من بلوزا وحاويك، قرب القصير، إلى شمسطار.

لم يطل العهد بآل حمادة بعد وصولهم الهرمل حتى أصبحوا ملتزمين (جباة ضرائب) في البقاع الشمالي والمناطق الجبلية المطلّة عليه، ثم أضافوا لاحقاً بعض قرى القصير. يُشير عالم الاجتماع البقاعي فؤاد خليل، في كتابه "العشيرة دولة المجتمع المحلي" الصادر سنة 1990، إلى أنّ المجتمع العشائريّ الذي استعاد عافيته في الهرمل منتصف القرن التاسع عشر قام على ثلاثة أسس. زعامةٌ موحدةٌ بيد مشيخةٍ من آل حمادة في الهرمل، وعصبيةٌ عشائريةٌ بصيغتين — واحدةٌ موسّعةٌ بين العشائر الحمادية المنقسمة بين فرعٍ زعيتريّ وفرعٍ شَمَصيّ وأخرى ضيقةً داخل كل عشيرة — والقدرة الدائمة على استخدام العنف آليةً سياسيةً تحفظ التماسك الداخليّ. وعلى هذه الأسس، استعاد الحماديون بعض النفوذ، خاصةً في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر.


دخل هذا المجتمع العشائري الناشئ، بزعامةٍ حماديةٍ مستعادةٍ وقدرةٍ منظّمةٍ على استخدام العنف، في ترتيبٍ سياسيٍّ جديدٍ مع قيام نظام المتصرفية سنة 1861. ضمّت المتصرفية الهرمل وشمسطار، لكنها لم تُخضعهما لحكمٍ مركزيٍّ مباشر. فقد فرض موقعهما الاعتماد على المشيخة الحمادية ووجهاء العشائر في إدارة المنطقة، وجمع الضرائب وضبط الأمن وحماية الحدود. منح هذا الدور المشيخة والعشائر مساحةً من الاستقلال الإداريّ والعسكريّ، أتاحت لهما التعاون مع السلطة حيناً ومقاومتها حيناً آخر.

نشأ هذا النظام عقب الحرب الأهلية الكبرى بين الدروز والموارنة سنة 1860، وأقرّته الدولة العثمانية بالاتفاق مع الدول الأوروبية حكماً ذاتياً لجبل لبنان. أُلحقت الهرمل بقضاء البترون، وشمسطار بقضاء كسروان، فدخلتا نظاماً كرّس الطائفية في الإدارة والتمثيل السياسيّ. فرضت الدول الأوروبية أن يكون المتصرّف مسيحياً ولو من خارج جبل لبنان، وأن ينشأ مجلسٌ تمثيليٌّ للطوائف مؤلفٌ من اثني عشر عضواً لم يكن بينهم سوى شيعيٍّ واحدٍ، ممثلاً أقليةً سكّانيةً أمام أكثريةٍ مسيحية. وغالباً ما كان العضو الشيعيّ جبيلياً أو كسروانياً، عدا مرةٍ واحدةٍ نجح فيها آل حمادة في الهرمل في كسر هذه القاعدة.

كان أول من عُيّن رئيساً على مديرية الهرمل محسن حمادة، الذي تصدّر المشيخة الحمادية آنذاك. يشير فؤاد خليل إلى أنّ حمادة عمل منذ تسلّمه المنصب على توطيد ارتباط أفخاذ العصبية الحمادية، بشِقَّيها الشَمَصي (نسبةً لآل شمص) والزعيتري (آل زعيتر)، والتي تمتدّ مساكنها من جرود بعلبك حتى ريف القصير. ثم جاء ابنه محمد سعيد، المعروف لاحقاً بالباشا، ليواصل المسار نفسه عبر تنظيم الإدارة والاستعانة بوجهاء العشائر قوةً عسكريةً لضبط الأمن وجمع الضرائب.

جعل الموقع الحدودي الهرمل هامشاً أمنياً وملاذاً للمطلوبين والفارّين من الخدمة الإلزامية في ولاية دمشق. واتخذت السلطات العثمانية، المنزعجة من استقلالية جبل لبنان، هذا الوضع ذريعةً للقضاء على الحماديين سنة 1862 وإخراج الهرمل وجرودها من حكم المتصرفية. قاد الحرافشة الحملة في سنواتهم الأخيرة، لكنّ الحماديين صدّوا الهجوم في معركةٍ كادت تؤدي إلى تدخلٍ فرنسيٍّ لمنع خرق حدود المتصرفية. ولا تزال ذاكرة سكّان الهرمل تتحدث عن مشهد المشانق التي علّقها العثمانيون على الحدود بين قسم البلدة الواقع في ولاية دمشق، لإخافة القسم الواقع في جبل لبنان.

ملحم قاسم المصري مع ولديه، أحد أبرز المطلوبين في البقاع خلال المرحلتين العثمانية والفرنسية | من أرشيف استديو شمص

دفعت التوترات الأمنية المتتالية نظام المتصرفية، ومن خلفه الفرنسيين، لدعم المنطقة عسكرياً. تركّز الدعم بيد العشائر التي تسكن المناطق المحاذية ولاية دمشق. تكررت الصدامات العسكرية بين الحرافشة والحماديين، وصاحَبَها عمليات اغتيالٍ متبادلةٍ، قبل أن يحسم والي دمشق الصراع مع انقلابه على الحرافشة سنة 1865. قضى ذلك على حكم الحرافشة قضاءً مبرماً.

انعكس هذا التطوّر في دور العشائر العسكريّ، ثم في حماية المطلوبين والهاربين من السلطنة، في مختلف جوانب الحياة بالأودية. يقول فؤاد خليل إنّ العمران مثلاً توزّع في أودية آل دندش على أساس الاتجاهات التي يمكن أن تسلكها الحملات العسكرية. وقد اختيرت مواقع البيوت وتصميماتها على الأساس نفسه: أن يكون البيت مشرفاً وكاشفاً ومتحكمّاً بمداخل الطرقات، احتراساً لمباغتةٍ على حين غرّة. أما في حالة السكن الصيفي في مرتفعات الهرمل، تحديداً منطقة جباب الحمر، فكانت تصل المسافة بين كلّ خيمةٍ وأخرى إلى حدود ثلاثة كيلومترات أحياناً.

ظهر تأثير المطلوبين السياسيّ والأمنيّ في البقاع خلال الحرب العالمية الأولى، مع زيادة المضايقات ضدّ الجيش العثماني وتفلّت عصابات العشائر القادرة على الهروب إلى المناطق الجبلية. وعندما أرسلت القيادة العثمانية ممثلاً إلى الهرمل من أجل التفاوض على تقدّم شباب العشائر للخدمة الإلزامية في الجيش، استصعب الحماديون الموافقةَ على الطلب. يروي الرئيس صبري حمادة (أول رئيس لمجلس النواب بعد الاستقلال) أنّ محمد سعيد حمادة، آخرَ مشايخ العشائر الحمادية وحاكمَ الهرمل الفعليَّ في العقود الأخيرة من عهد المتصرفية، استقبل الوفدَ العثماني قرب جسر العاصي بجيشٍ كبيرٍ من الفرسان المسلّحين. ظاهرُ المشهد بدا احتفالياً، لكن باطنه رسالة تحذير. ويقول في مذكراته "صفحات من حياة الرئيس صبري حمادة"، التي دوّنها الصحفي أحمد زين الدين وصدرت سنة 1997، إنّ هذه المناورة انتهت بالفشل الكارثيّ. فسرعان ما حاصر الجيش العثماني البلدةَ، وطالَبَ محمد سعيد حمادة وأقاربَه بالاستسلام. نُفيت عائلة حمادة بعدها إلى الأناضول، بمن فيهم النساء والأطفال، بتهمة التعامل مع الفرنسيين. ولم ينجُ من النفي سوى قلّةٍ فرّت إلى جرود الهرمل.

محمد سعيد حمادة وعائلته سنة 1900 للمصور الألماني هرمان بورخارت | من مجموعة المتحف الاثنولوجي في برلين

أعادت السنوات التالية للحرب العالمية الأولى تشكيل القوى المحلية في البقاع، وفتحت النزاع على الجهة السياسية التي سينتمي إليها. فمع هزيمة العثمانيين في الحرب وخروجهم من سوريا ولبنان سنة 1918، عاد آل حمادة إلى الهرمل بمرافقةٍ عسكريةٍ في محاولةٍ لاستعادة الهيبة. لكنهم لم ينجحوا في استعادة النظام الذي حكم المنطقة، إذ خرجت العشائر من سنوات الحرب أكثر استقلالاً عن المشيخة الحمادية. وتزامن هذا مع صدع المشيخة واحتدام الصراع على وراثتها، فانقسمت نخب البقاع بين الارتباط بالحكم العربي في دمشق والانضمام إلى الكيان اللبناني الخاضع للانتداب الفرنسي.

هذا الاستقلال عن وصاية المشيخة الحمادية صيّر العشائر كياناتٍ سياسيةً منفصلة. ووفق فؤاد خليل، فقد عبّر عن هذا الانفصال تولّي كلّ عشيرةٍ بنفسها ضبط السلوك العنفيّ وتنظيمه. فبدأ زعيم كلّ عشيرةٍ يكتسب الصلاحيات العرفية، مثل الطرد والعزل وقمع أفراد العشيرة ورفع الحماية.

ومع دخول الأمير فيصل دمشق إثر انسحاب القوات العثمانية، سارعت العشائر في بعلبك الهرمل إلى إعلان الولاء للحكم العربيّ. وهو ما شمل أيضاً العائلات الشيعية الأخرى. عبّر الانحياز إلى فيصل عن ميلٍ استقلاليٍّ عن المشيخة التقليدية التي فضّلت الانتداب الفرنسي والانضمام إلى لبنان، بما يتماشى مع توجّهها التاريخي نحو الجبل وتحالفها حينئذٍ مع البطريركية المارونية. بقيَ الثقل الأكبر في دعم الدولة العربية بين آل حيدر في بعلبك وبدنايل، وهم من كِبار ملّاك الأراضي الشيعة الذين صعدوا منذ عهد الحرافشة، ثم استفادوا من التنظيمات العثمانية لتسجيل مساحاتٍ واسعةٍ من أراضي البقاع. ارتبطوا أيضاً بعلاقةٍ جيدةٍ مع أعيان دمشق وتجّارها، ومنهم خرج رستم حيدر، أحد مؤسّسي جمعية "العربية الفتاة" والمقرّب من الأمير فيصل حتى وفاة الأخير. 

الأمير فيصل في مؤتمر باريس للسلام سنة 1919 ويظهر رستم حيدر بالأسود على يمينه | من مجموعة أوراق ماريست لويل توماس

حسم مؤتمر سان ريمو سنة 1920 الصراع على البقاع بانتداب فرنسا على سوريا ولبنان، رغم رفضٍ ضمن الفئات المسلمة. أظهرت عرائض البقاع انقساماً واضحاً: مسلمون يفضّلون الارتباط بسوريا تحت الحكم العربي، ومسيحيون يطالبون بالانضمام إلى جبل لبنان تحت الانتداب الفرنسي. استند دعاة لبنان الكبير من الموارنة إلى حجةٍ اقتصاديةٍ مفادها أنّ ضمَّ البقاع ضروريٌّ لكفاية جبل لبنان من الغذاء، لاسيما بعد المجاعة التي قضت على ثلث السكّان في الحرب العالمية الأولى. لكن هذه الحجة اقترنت أحياناً بتصوّراتٍ استعماريةٍ عن البقاع ترى أرضه مورداً مهملاً وسكانه عاجزين عن الاستثمار. تبنّى بعض السياسيين الموارنة هذه الدعاوى، ومنهم أوغست أديب، الذي ألّف أول حكومةٍ في الجمهورية اللبنانية في عهد الانتداب سنة 1926. ووفق كتاب المؤرخ وعالم الاجتماع اللبناني فواز طرابلسي "تاريخ لبنان الحديث"، الذي صدر سنة 2008، يقول أديب: "يُعتبر البقاع منطقة قليلة السكاّن. أراضيها مهجورة وسكّانها عاجزون عن استثمارها بطريقةٍ ناجعة. لذلك، إن وُضعتْ بأيدي اللبنانيين، ستزدهر على أكمل وجه".

بعد إعلان قيام دولة لبنان الكبير سنة 1920، اختبر المسلمون واقعاً سياسيّاً وبشرياً جديداً. فقد باتوا أقليةً داخل كيانٍ يهيمن عليه المسيحيون، لاسيما الموارنة. رأى كثيرون هذا الكيان فصلاً قسرياً عن سوريا، ومشروعاً سياسياً يخدم المصالح الأوروبية على حساب القوى المحلية. في الوقت نفسه ومع تفاقم أزمة الخارجين عن القانون في البقاع، ثم ظهور بوادر امتداد الثورة السورية الكبرى إلى بعلبك والهرمل سنة 1926، بدأ داخل الإدارة الفرنسية نقاشٌ حول حدود الدولة الجديدة. فظهر، وفق فواز طرابلسي، من يرى أنّ مشروع "لبنان الكبير" جاء نتيجة طموحٍ مسيحيٍّ مفرط. ذهب روبير دو كيه، المندوب السامي الفرنسي على المشرق بين سنتَي 1922 و1923، إلى حدّ الاعتراف بأنّ رسم الحدود كان خطأ. فاقترح إعادة مناطق ذات غالبيةٍ مسلمةٍ، كطرابلس والبقاع وعكار، إلى سوريا. لكنّ هذا الاقتراح لم يصبح واقعاً، خصوصاً مع تراجع وحدة الموقف الإسلامي مطلع الثلاثينيات. وهو تراجعٌ ساهم فيه الانتداب بنفسه بتكريس الفصل الطائفيّ بين السنة والشيعة والدروز.


أعاد الانتداب الفرنسي تنظيم دولة لبنان الكبير إلى طوائف ذات مؤسساتٍ ومصالحَ منفصلةٍ، وربطها بالدولة عبر زعاماتٍ محليةٍ تتوسط بينها وبين السلطة. حُسم هذا المسارُ بعد الاعتراف الرسميّ بالطائفة الشيعية سنة 1926. فصار لها نظامُ أحوالٍ شخصيةٍ مستقلٌّ، وقضاءٌ جعفريٌّ، وحصةٌ من الوظائف الرسمية والتمثيل السياسيّ. بالتوازي، تخلّت السلطات الفرنسية عن محاولتها إضعاف الزعامات الريفية الشيعية لمصلحة طبقةٍ فلاحيةٍ جديدةٍ، واتجهت إلى دعمها وإدخالها في مؤسسات الدولة.

ترافقت هذه التحوّلات مع تبدلٍ تدريجيٍّ في المزاج السياسيّ لدى الشيعة. فمع تراجع المشروع العربيّ الهاشميّ، بدت فكرة البقاء ضمن لبنان أكثر واقعيةً، لاسيما وأنّ الشيعة يشكّلون فيه نسبةً وازنةً بخلاف موقعهم في سوريا ذات الغالبية السنية. فصار الانخراط في الدولة اللبنانية فرصةً أكبر لنيل مواقع ونفوذٍ، وتَراجَع خطاب الوحدة مع سوريا، وازداد التركيز على مطلب الاستقلال عن الانتداب الفرنسي.

ضمن هذا المشهد، دعمت السلطات الفرنسية بعض العائلات الشيعية النافذة، كآل حيدر. برز صبحي حيدر الذي تولى مناصب إداريةً مهمّةً، أميناً لرئاسة مجلس النواب ثم مديراً عامّاً للمعارف العامة والفنون الجميلة. وقد مُنحت إجازة بناء تسع مدارس في قرى بعلبك. يعكس ذلك رغبة شريحةٍ من وجهاء الشيعة بأن تمتلك الطائفة مؤسساتٍ تعليميةً خاصةً، على غرار ما كان قائماً لدى المسيحيين والسنة. واللافت أن سلطات الانتداب الفرنسي أوكلت المهمة إلى مفتي بعلبك الشيخ حبيب آل ابراهيم ضمن مسارٍ يهدف لتسهيل عمل رجال الدين، للمساعدة في تكريس صيغةٍ قانونيةٍ تسهّل التعامل مع العشائر.

وازنت السلطات الفرنسية نفوذ آل حيدر في بعلبك بدعم صعود صبري حمادة في الهرمل. انتُخب حمادة نائباً سنة 1925 وهو في العشرين من عمره، جامعاً بين إرث المشيخة الحمادية وصِلاتٍ تؤهله للعمل داخل النظام السياسيّ الجديد. فهو حفيد محمد سعيد حمادة من جهة والدته، ووالدُه أحدُ أنصار الملك فيصل. تولى فترةً قصيرةً منصب حاكم منطقة القصير. درس صبري في مدرسة القديس يوسف في عينطورة، وهي مدرسةٌ فرنسيةٌ مرتبطةٌ بالبطريركية المارونية والسلطات الفرنسية، خرّجت العديد من رجال السياسة. وبعد وفاة تامر حمادة، أبرز شخصيات العائلة تعليماً ومكانةً، اقترح مدير المدرسة سنة 1924 ترشيح صبري حمادة لتولّي النيابة. هكذا، قلب الانتداب مركز الثقل داخل الزعامة الحمادية. ففي أواخر العهد العثماني، تمركزت السلطة الفعلية في البقاع بيد محمد سعيد حمادة، في حين مثّل تامر حمادة فرع العائلة المتصل ببيروت. أما في النظام الجديد، فانتقلت المركزية إلى بيروت، حيث مثّل صبري حمادة العائلة داخل مؤسسات الدولة. وتحوّل سعد الله حمادة في البقاع تدريجياً إلى زعيمٍ بلا سلطةٍ فعليةٍ، لاسيما أنّه عجز عن إعادة إنتاج سلطة محمد سعيد حمادة ضمن العشائر، بسبب إلغاء الانتداب الفرنسي الأدوار الأمنية التي كانت تؤدّيها الأخيرة.

ثبّت صبري حمادة حضوره سريعاً في بعلبك الهرمل بالتوسط بين سلطات الانتداب والسكّان. وبنى شبكة حلفاء من الوجهاء وزعماء العشائر. وواجه أول اختبارٍ حقيقيٍّ لزعامته سنة 1926، مع تصاعد خطر امتداد الثورة السورية الكبرى إلى البقاع. فتوسّط بين السلطات والعشائر وسعى إلى احتواء النزاعات الانفصالية عند البقاعيين، عبر جمع التواقيع الداعمة لدولة لبنان الكبير ضمن القرى البقاعية. ومع الزمن، ازداد نفوذه حتى تولّى منصباً وزارياً سنة 1938، ثم انتُخب سنة 1943 رئيساً لمجلس النواب. وتكرر انتخابه للموقع نفسه خمس مرّاتٍ قبل وفاته سنة 1976.

أفضى تكريس صبري حمادة طرفاً أساساً في المعادلة اللبنانية إلى تعزيز نفوذه الشخصيّ أكثر من حضور مؤسسات الدولة فيها. فلم يتحسن التعليم والأمن والخدمات بالقدر الذي أوحت به مكانته السياسية، وتركّز دوره في تسوية أوضاع المطلوبين للدولة وتأمين وظائف لمناصريه، خاصةً ضمن السلك العسكري. وزادت أعداد المتعلّمين نسبياً خلال الحقبة الفرنسية، لكن قلّةً من أبناء المنطقة وصلوا إلى الوظائف العليا.

خلال الانتداب الفرنسي، ظلّ البقاع يعتمد على الزراعة وتربية الماشية. حينئذٍ تطوّرت التجارة في المراكز الحضرية، خاصةً مع إضافة قطاع الحطب والفحم الذي حَمَل فرصاً جديدةً للسكان، ونشطت صناعته في جرود الهرمل. أصبحت الهرمل مركزاً لتوزيع الفحم عبر وسطاء في النبك والقصير ويبرود، ونتج عن ذلك تحريك الاقتصاد المحلّي وانتشار النقد بدل المقايضة، إضافةً إلى بروز فئاتٍ جديدةٍ من زعماء العشائر الوجهاء والوسطاء والتجّار. طوّر الفرنسيون سوق الهرمل بتصميمٍ عصريٍّ، وأسّسوا البنى التحتية في المدينة. وسمح تطويرهم للتعليم الرسميّ، وما وازاه من افتتاح مدارس الإرساليات البروتستانتية والكاثوليكية، في ظهور طبقةٍ وسطى جديدةٍ لا تزال بيوتها الحجرية الفخمة ظاهرةً حتى اليوم في المدينة.

من الناحية الدينية، شهدت حقبة الانتداب الفرنسي أيضاً تحولاتٍ ملحوظة. لعلّ أهمها تزايد اهتمام المؤسسة الدينية الشيعية في النجف بالبقاع، بتسهيلٍ من الفرنسيين الراغبين بتوطين العشائر وخلق صيغةٍ قانونيةٍ تقلّل من خروجهم عن القانون بالتعاون مع رجال الدين. سنة 1932، وصل إلى بعلبك بدعوةٍ من وجهائها حبيب آل إبراهيم، الملقب "المهاجر العاملي". وهو رجلُ دينٍ شيعيٌّ من قرية حناويه قضاء صور، درس في النجف حتى بلغ رتبة الاجتهاد، ثم انتقل للتبليغ في الكوت والعمارة بالعراق. كانت المدينة تفتقر إلى علماء دين منذ وفاة الشيخ محمد علي عز الدين أواخر القرن التاسع عشر. حمل الشيخ حبيب خبرةً سابقةً في التعامل مع مجتمعاتٍ عشائريةٍ في جنوب العراق، ما أهّله لمحاولة تنظيم الحياة الدينية في البقاع. لكنّه واجه واقعاً صعباً، إذ كانت المنطقة تعاني ضعفاً شديداً في الالتزام الدينيّ مع قلّة المساجد وغياب الشعائر المنتظمة. شجّع الشيخ حبيب علماء دينٍ متخرّجين حديثاً من النجف للمجيء إلى المنطقة، بينهم موسى شرارة الذي وصل الهرمل سنة 1939، والشيخ علي شرارة الذي استقرّ في النبي أيلا للتبليغ والإرشاد. لم يتحمّل الشيخ علي شرارة صعوبة المنطقة و"استخفاف السكان بالواجبات الدينية"، فعاد بعد فترةٍ قصيرةٍ إلى بلدته بنت جبيل في جبل عامل".

أما موسى شرارة، فوجد عند وصوله مسجداً في كلّ حيٍّ من أحياء الهرمل الخمسة، في حين لم يكن في بعلبك سوى جامعٍ واحدٍ للشيعة. بالإضافة إلى عائلةٍ علميةٍ، مثل آل محفوظ الذين انتمى إليهم مفتي البلدة السابق محمد جواد محفوظ. ومن قبلهم آل العميري، الذين انتمى إليهم الشيخ خليل العميري في نهايات الحقبة العثمانية، وشغل مركز مدير مدرسة الهرمل التي أغلقت أبوابها بعد وفاته سنة 1913. لاحظ شرارة أيضاً ضعفاً في معرفة العامة بأمور الدين، ما دفعه إلى التركيز على التعليم والإرشاد. في المقابل، بقيت العشائر متمسّكةً بهويتها الشيعية بلا التزامٍ دينيٍّ ولا اهتمامٍ بالشعائر ولا جوامع في أوديتها. لكن حضرت رمزياً شخصياتٌ مثل الإمام عليّ، الذي رمز للشجاعة والرجولة في المخيال الشعبيّ.


لم يستمر الازدهار الذي شهده البقاع الشمالي خلال ثلاثينات القرن العشرين وأربعيناته. فقد تراجعت حصة المنطقة من الاهتمام الرسميّ بعد استقلال لبنان سنة 1943. وفق كتاب "تاريخ بعلبك" الذي ألّفه حسن عباس نصر الله، الأستاذ بالجامعة اللبنانية سنة 1984، "حَرَمَ استقلال لبنان مدينة بعلبك بعض الإصلاحات القليلة التي شهدها أيام الانتداب الفرنسي، ولم تتذوق المدينة من حلاوة الاستقلال إلا شارعاً واحداً في عهد الرئيس بشارة الخوري، أول رؤساء لبنان بعد الاستقلال". يشير نصر الله أيضاً إلى ازدياد تدخلات السلطة التي كانت تفرض ترشيح نوابٍ من خارج المنطقة.

صورة التُقطت نهاية الأربعينيات في الهرمل مأخوذة من كتاب غسان تويني (ناشر جريدة النهار) "سر المهنة وأسرار أخرى"،
يظهر فيها نقيب الصحافة السابق رياض طه (يمين) خلال عمله على تحقيقٍ حول زراعة الحشيش بالتعاون مع تويني

لعلّ انفصال لبنان وسوريا سنة 1952 كان الحدث الأكثر تأثيراً على الحياة الاقتصادية في البقاع. إذ إنه أفقد البقاعَ امتداده السوريّ، وقطع العلاقة الوثيقة بين الهرمل وحمص من جهةٍ، وبين بعلبك ودمشق من جهةٍ أخرى. فعادت المنطقة إلى موقعها، هامشاً أمنياً وحدودياً. تضاعف الخطر بظهور قطاعاتٍ اقتصاديةٍ تعتاش على الواقع الجديد. فالتهريب، مثلاً، أصبح مصدر عيش العائلات والعشائر التي تسكن قرب الحدود. وتطوّرت زراعة الحشيش تدريجياً منذ الحرب العالمية الثانية، فكانت خياراً يرغب فيه المزارعون لعدم حاجتها إلى كثيرٍ من الريّ والاهتمام خلال العام، عكس الأصناف التي كانت سائدةً في ذلك الوقت مثل البطاطس والحبوب.

في الوقت نفسه، كان على المنطقة دفع الثمن عبر تجريم شرائح سكانيةٍ واسعةٍ من العشائر الذين أصبحوا يُعَدّون خارجين عن القانون، فتكرست بذلك بعلبك الهرمل هامشاً أمنياً يعيش خارج الدولة.

وسط هذه التبدّلات، شهدت جرود الهرمل وبعلبك منذ خمسينيات القرن العشرين تحولاتٍ في أنماط العيش، رافقها نزوحٌ من الأودية التي استقرّ فيها السكّان منذ أواخر القرن الثامن عشر إلى أحياءٍ جديدةٍ في أطراف الهرمل وبعلبك، وإلى قرىً شيعيةٍ نشأت بمحاذاة الطريق الرئيسة في سهل البقاع. فصار السهل أول مرةٍ منطقةً مسكونةً بهذا العدد من البلدات، بالاضافة إلى فئةٍ نزحت مباشرةً من الأودية إلى بيروت.

إبان الخمسينيات أيضاً، شهدت الرأسمالية الزراعية الموجَّهة نحو التصدير توسّعاً ملحوظاً في لبنان، ترافَقَ مع نموّ الشبكات التجارية والائتمانية التي ساهمت بتفكك أنظمة الإنتاج التقليدية. تضرر المزارعون من تقنين الدولة اللبنانية أبواب الاستيراد. وجد المزارعون اللبنانيون أنفسهم في مواجهة السوق العالمية، في حين كانت الزراعة اللبنانية لم تزَل تقليدية. هكذا، ضعفت قدرة المنتجات المحلية على المنافسة وتراجع إنتاج الحبوب في البقاع، وتأثر أيضاً قطاع المواشي بعمليات استيراد اللحوم ومنتجات الألبان.

بالتوازي، بدأ النزوح الشيعيّ من البقاع إلى بيروت في الأربعينيات. ووصلت أول موجةٍ من النازحين إلى الضاحية الشرقية، خاصةً حي النبعة. موجةٌ أخرى وصلت إلى مناطق السكن الشيعية في الضاحية الجنوبية، مثل الغبيري وبرج البراجنة. ثم بدأ التدفق الكبير خلال الخمسينيات والستينيات، وامتدّ إلى مناطق مختلفةٍ من الضواحي. من جهتها، استقبلت المخيمات الفلسطينية حصةً معتبرةً من النازحين، مثل تل الزعتر وجسر الباشا وبرج البراجنة. وخلال عقدين من الزمن، أتمّت الطائفة الشيعية تحوّلها من طائفةٍ ريفيةٍ في الأربعينيات إلى طائفةٍ يسكن الجزء الأكبر من أبنائها في المدن مع بداية السبعينيات.

وسط تبدّل التوازنات البشرية على الأرض وحجم اللاعدالة في الثروة بين الفئات الاجتماعية، ظهرت قوى جديدةٌ بَنَت نفوذها على أزمة الأرياف والضواحي، وشعور سكّانها بالتهميش. شملت هذه القوى بعض الأحزاب اليسارية والعروبية، ثم حركة السيد موسى الصدر التي جعلت "الحرمان" أساساً للتعبئة وتنظيم الشيعة مؤسساتياً. أسهمت هذه التعبئة في إعادة تشكيل المجال السياسيّ الشيعيّ، على نحوٍ ساعد في ظهور حزب الله وصعوده.

حاولت الدولة استدراك اتساع الفجوة بين المركز والأطراف بدمج الأرياف تدريجياً في بنيتها الإدارية والاقتصادية. بلغت المحاولة ذروتها في عهد الرئيس فؤاد شهاب بين سنتَي 1958 و1964، حين وسّعت الدولة شبكات الطرق والمياه والكهرباء وأوصلتها إلى قرىً نائيةٍ، منها تلك الواقعة في البقاع الشمالي. استمر هذا المسار خلال عهد الرئيس شارل حلو بين سنتَي 1964 و1970. شدّد شهاب أيضاً على المناصفة الطائفية، ما رفع من تمثيل الشيعة في الوظائف العامة. تضخم في عهده جهاز الدولة، وأُقِرَّت قوانين توظيفٍ جديدة تُخضِع الموظفين لاختبارات الكفاءة وتراقبهم عبر هيئات التفتيش، ما أضعف دور النواب في توظيف محسوبيهم وحدَّ من الفساد. في المقابل، شكّل التعليم في عهد شهاب رافعةً أساساً للحراك الاجتماعي، مع انتشار المدارس الرسمية في القرى وتطوير الجامعة اللبنانية التي أمّنت التعليم العالي لأبناء الفقراء في بيروت. ومن هذا التحوّل، برزت طبقةٌ وسطى جديدةٌ من أساتذةٍ وموظفين ومهنيين ورجال أمنٍ، كان قسمٌ كبيرٌ منها غير مرتبطٍ بالزعامات التقليدية.

رسم تصويري للنائب صبحي حيدر وهو يزيل البقاع من خارطة لبنان، مع تعليقٍ يُنسب إليه وهو يطالب بجعل لبنان "كانتونين"، أي منطقتين | مجلة الأحرار المصوّرة، مارس 1926

يبقى التدخل الأبرز للشهابية على مستوى البقاع عبر جهاز مخابرات الجيش، الذي عُرِف حينها بالمكتب الثاني. توسّع نفوذ المكتب الثاني في جميع المناطق اللبنانية، بما في ذلك البقاع، بعد محاولة انقلاب الحزب القومي السوري سنة 1961. هدفت المحاولة إلى اعتقال الرئيس فؤاد شهاب والاستيلاء على الحكم، لكنّ السلطات اللبنانية استطاعت استدراك الموقف وإجهاض المحاولة قبل أن تلقي القبض على قادة الانقلاب. ولكسب ولاء العشائر، استَخدم المكتب الثاني التنفيعات والتعيينات، حتى أنّه تدخل في تشكيل اللوائح الانتخابية وتأمين رخص السلاح عبر تسجيل زعماء ووجهاء من العشائر عناصر متعاونين في المكتب للاستفادة من الامتيازات الأمنية. في الوقت نفسه، غضّ المكتب الطرف عن بعض الأنشطة غير الشرعية، كالتهريب وزراعة الحشيش، وتدخّل في النزاعات والمصالحات بدفع التعويضات للعشائر المتضررة أحياناً. دعم شهاب أيضاً مشاريع تنمويةً جديدةً، وساهم في صعود زعاماتٍ عشائريةٍ بوجه صبري حمادة، أبرزها فضل الله دندش الذي عاد وانحسرت قوّته سريعاً بعد انتهاء الحقبة الشهابية.

انطلق اهتمام شهاب بالبقاع من قناعته بأنّ اضطراب علاقة المنطقة بالسلطة المركزية تجعلها خاصرةً رخوةً للكيان اللبناني وعرضةً للتدخل السوري. برز هذا الخطر خلال حرب 1958، بالتزامن مع قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا، حين عبرت البقاع شحناتٌ من الأسلحة إلى القوى العروبية اللبنانية المؤيدة جمال عبد الناصر. اندلعت الأزمة بعد انقسامٍ حادٍّ بين نظام الرئيس كميل شمعون، المنحاز إلى المعسكر الغربيّ والمتهم بالسعي إلى تمديد ولايته، وبين معارضةٍ ضمّت قوىً عروبيةً وإسلاميةً تقاربت مع عبد الناصر ودولة الوحدة. الصراع السياسيّ تطوّر إلى مواجهاتٍ مسلّحةٍ امتدت بين مايو ويوليو 1958، واستدعت إنزال قواتٍ أمريكيةٍ في بيروت، قبل أن تنتهي بتسويةٍ أوصلت قائد الجيش فؤاد شهاب إلى رئاسة الجمهورية.

أسهم المكتب الثاني، وفق تحليل فؤاد خليل، في إضفاء طابعٍ طائفيٍّ على الصراعات التي دارت بين عشائر البقاع الشيعية وسكّان المناطق السنّية المجاورة، المؤيدين الوحدةَ المصريةَ السوريةَ، وفي مقدّمتها عرسال في السلسلة الشرقية وعكار غرباً. ظهر هذا في الاشتباكات التي اندلعت بين آل ناصر الدين، إحدى أكبر عشائر جرود الهرمل، وسكّان منطقة فنيدق في محافظة عكار. بدأ النزاع عشائرياً ومناطقياً، ثم اتخذ طابعاً طائفياً مع توجّه البقاعيين الشيعة إلى الهرمل لدعم أبناء طائفتهم واستقبال فنيدق متطوّعين من باقي مناطق عكار ومدينة طرابلس.

شهدت تلك الحقبة أيضاً زيادة الصراعات داخل العشائر، في ظلّ انتشار السلاح الذي شجّعه المكتب الثاني وتفكّك الروابط الاجتماعية في الأودية الجردية. فقد أخذ سكّان هذه الأودية ينزحون إلى سهل البقاع وبيروت، ما أفقد سمةَ التجاور المكانيّ، وهي إحدى أهم عناصر التماسك والتلاحم بين أفراد العشائر.

تصاعدت هذه الصراعات في عهد الرئيس شارل حلو بين سنتَي 1964 و1970، الذي مثّل امتداداً للعهد الشهابي. وقعت عشرات الاشتباكات بين عشائر البقاع، ومنها دندش وزعيتر وشمص وعلوه وناصر الدين. فأصبحت بعض أجزاء البقاع غير قابلةٍ للعيش بسبب مخاطر الاقتتال الدائمة. وارتبطت هذه الصراعات جزئياً بتنافس زعماء العشائر على الامتيازات التي تزايدت خلال الحقبة السابقة، أو على صفقات الحشيش والتهريب ولاحقاً تجارة الاسلحة، التي شاركت فيها الأحزاب اليسارية والعروبية. هدفت هذه الأحزاب إلى تسليح الذين بدؤوا تنفيذ عملياتٍ في جنوب لبنان ضدّ إسرائيل بعد هزيمة 1967، ثم ازدهرت أكثر خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت سنة 1975.

تراجعت الدولة في حين غيابٍ شبه كاملٍ لشخصياتٍ قادرةٍ على الوساطة بين العشائر المتصارعة، خصوصاً بعد خسارة فضل الله دندش مقعده النيابي سنة 1968، وتراجع نفوذ صبري حمادة وعجزه عن أداء دورٍ جامع. ومع تعثر المشاريع التنموية وعودة الفلتان الأمنيّ، أخذت بعلبك الهرمل تخسر المكاسب التي حققتها سابقاً. في الوقت نفسه، تسلل الفساد والرشوة إلى أجهزة الدولة التي أنشأها العهد الشهابي، وتورّط موظفون حكوميون وعناصر من المكتب الثاني في ممارساتٍ خارجةٍ عن القانون، فتحوّلت أدوات الإصلاح نفسها إلى جزءٍ من الأزمات التي تأسست لعلاجها. وبمجرد تراجع الشهابيين بعد انتخابات 1968 البرلمانية، عاد صبري حمادة إلى الواجهة بصفته الشخصية الوحيدة القادرة على ضبط المنطقة من جديد. ولو بدا ذلك بعيد المنال، بعد التحوّلات الكبرى التي شهدها البقاع ولبنان.

أعادت تطورات السبعينيات إنتاج المعضلة القديمة في علاقة الدولة بالبقاع: كيف تستعيد الأمن دون أن يدفع الضغط على العشائر إلى تمرّدها، أو يفتح الباب أمام التدخل السوري. وفق أطروحةٍ قدّمها الباحث في جامعة مانشستر، ريموند آدمز سنة 1978، بعنوان "ذا سوشل أورغَنايزيشن أوف آ شيَيْت كوميونيتي [. . .]" (التنظيم الاجتماعي لجماعة شيعية في شمال لبنان)، احتاج استمرار نشاط العشائر في تجارة السلاح والحشيش إلى "الإهمال الحميد" من قِبل الدولة اللبنانية. فالسلطات لم تكن راغبةً في مواجهةٍ مباشرةٍ مع عشائر تتحرك في منطقةٍ استراتيجيةٍ حساسةٍ على الحدود اللبنانية السورية. فكلما ازدادت نقمتهم، ارتفع خطر التدخل السوري. لذلك لجأت الدولة إلى صبري حمادة، الوسيط الوحيد المتاح بينها وبين العشائر.

انقسم المجتمع السياسيّ في الهرمل خلال السبعينيات بين قوىً تُدافع عن استمرار استقلال العشائر وأخرى تطالب بتوسيع سلطة الدولة. وبحسب آدمز، مثّل صبري حمادة الاتجاه الأول، وتركزت شعبيته بين العشائر المستفيدة من بقاء الوضع على حاله. في الجهة المقابلة، استند رياض طه، نقيب الصحافة المولود في الهرمل، إلى عائلات البلدة وقطاعاتٍ من الموظفين والتجّار والمتعلّمين المتأثرين بالتيارات القومية واليسارية. طالب هؤلاء باستعادة الأمن وإنهاء ما تمتعت به العشائر من حكمٍ ذاتيٍّ فعليٍّ، ما وضعهم في مواجهةٍ سياسيةٍ مباشرةٍ مع صبري حمادة وحلفائه.

استفادت الأحزاب العروبية واليسارية من هذا التفلّت لافتتاح مراكز تدريبٍ عسكريةٍ في الفترة التي شهدت سباقاً للتسلّح بين مختلف الأطراف اللبنانية، ما ينسحب أيضاً على حركة رجل الدين الإيراني اللبناني موسى الصدر التي انتشرت ضمن شيعة البقاع في السبعينيات.


بعد وصوله لبنان سنة 1959، قدّم موسى الصدر نموذجاً جديداً للزعامة الشيعية، ناقلاً رجل الدين إلى الفضاء العام والعمل الاجتماعيّ والسياسيّ. ولم تمنعه أصوله الإيرانية من الاندماج داخل المجتمع الشيعي اللبناني. ساعدته مكانة عائلته الدينية في العراق، إضافةً إلى صِلاته الوثيقة بالمرجعيات الدينية. فقد اقترح المرجع العراقيّ محسن الحكيم تسميته خلفاً لعبد الحسين شرف الدين، المرجع الشيعي اللبناني في الخمسينيات. تميّز حضور الصدر بالخروج عن الإطار التقليدي لرجل الدين، متكلّماً عن قضايا الحرمان والعدالة وتحسين الخدمات، وعن تمثيل الشيعة داخل الدولة.

شكّل حضور موسى الصدر في منطقة بعلبك الهرمل منذ ستينيات القرن العشرين نقطةَ تحوّلٍ في الوعي الدينيّ والطائفيّ لأهل المنطقة. وقد ارتبط نشاطه بثلاثة مساراتٍ أساس. أوّلها، تأسيس هيئات تحكيم الخلافات العشائرية سنة 1966 من أجل ضبط النزاعات المحلية ضمن إطارٍ دينيٍّ واجتماعيٍّ جديد. ثانيها، إحياء المناسبات الدينية وإلقاء المحاضرات، ما ساهم في رفع مستوى التديّن وتنظيم الممارسات الشعائرية. وثالثها، المهرجانات الجماهيرية الواسعة التي بلغت ذروتها قبيل الحرب الأهلية، وأصبحت لحظات تعبئةٍ جماعيةٍ كثيفةٍ يتداخل فيها البُعد العاطفيّ بالدينيّ والسياسيّ. يَرِد هذا الوصف في كتاب "سوسيولوجيا الحرب في لبنان" لعالِم الاجتماع سليم نصر، الذي صدر سنة 2013. يخبرنا الكتاب كيف نشأت بفعل أسلوب الصدر "زعامةٌ بديلةٌ" جمعت بين المرجعية الدينية والتنظيم السياسيّ، بلا صدامٍ مباشرٍ مع الزعامات التقليدية، وأسهمت في تعبئةٍ جماهيريةٍ غير مسبوقةٍ ترافقت مع بدايات العمل المسلَّح في البقاع. 

كرّس الصدر زعامته الشيعية مع إنشاء المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى سنة 1967، بالتعاون مع صبري حمادة وزعاماتٍ شيعيةٍ أخرى. شكّل المجلس إطاراً مؤسساتياً لتنظيم شؤون الطائفة، وانتُخب الصدر رئيساً له سنة 1969. بالتوازي، وسّع الصدر نشاطه في المصالحات العشائرية مستفيداً من علاقته المتينة مع صبري حمادة، ما ساعده على التقرّب من المجتمع العشائريّ، حتى الأكثر انعزالاً في جرود الهرمل.

في السبعينيات، تبلورت عصبيةٌ شيعيةٌ جديدةٌ جمعت قطاعاتٍ من شيعة البقاع والجنوب تحت راية الصدر وحركته، والتي سمّاها "حركة المحرومين". تعززت هذه العصبية مع تراجع الأطر المحلية القديمة وتنامي الشعور بالتهميش عند المجتمع الشيعيّ، الذي اختلط فيه الجنوبيون والبقاعيون بضواحي بيروت. ولم يعُد الصدر يطالب بزيادة تمثيل الشيعة وتحسين الخدمات وحدهما، بل اتجه تدريجياً إلى تبنّي المقاومة المسلّحة مع اتساع حضور الفدائيين الفلسطينيين في لبنان. وفي مهرجان بعلبك سنة 1974، رفع شعار "السلاح زينة الرجال" الشهير، جامعاً بين خطاب الحرمان والاستعداد لاستخدام القوة دفاعاً عن المجتمع الذي سعى إلى تنظيمه.

الإمام موسى الصدر والشيخ محمد يعقوب مع مقاتلين من البقاع في أحد المخيمات التدريبية بجرود بعلبك سنة 1974
من أرشيف آل البزال

أسّس الصدر بعد المهرجان تنظيماً عسكرياً سرّياً تدرّب مقاتلوه في جرود بعلبك، تحت اسم "أفواج المقاومة اللبنانية"، واشتُق منه اختصار "أمل". اضطر للإعلان عن التنظيم سنة 1975 بعد انفجارٍ في أحد معسكرات التدريب أوقع عشرات القتلى والجرحى. حظيت بعلبك والقرى المحيطة بها، ومنها النبي شيت وقصرنبا والخضر واليمونة، بتمثيلٍ مُعتبرٍ في قيادة التنظيم الجديد. وبرز بين كوادره أبناء قرى بعلبك، ومنهم مصطفى الديراني ونجيب وهبة وحسين الموسوي.

في نهاية السبعينيات، دخلت المنطقة مرحلةً جديدةً تداخلت فيها العوامل الإقليمية والمحلية. أوّلها دخول الجيش السوري لبنان سنة 1976 لوقف تقدّم التنظيمات الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية إلى المناطق المسيحية. أحكم النظام السوري برئاسة حافظ الأسد قبضته سريعاً على البقاع عبر سياسته القمعية التي لم تتهاون مع أيّ معارضةٍ، دون أن تأخذ بعين الاعتبار الحساسيات المحلية التي يحرص النظام اللبناني عادةً على مداراتها. وفق مقالٍات مشتركة لحازم صاغية وبيسان الشيخ نُشرت في جريدة الحياة على ثلاثة أجزاء سنة 2013، بعنوان "بعلبك بوّابة سوريّة [. . .]"، قدّم الأمن السوري نماذج عديدةً على كسر شوكة العائلات والعشائر معاً قبل ترميمها بما يلائمه. من جهتها، لا تزال ذاكرة الهرمل تحفظ الحملة الأمنية التي نفّذها الجيش السوري ضدّ آل علوه الذين لاحقتهم قوات الأمن في الجرود، والسجن والتنكيل بسبب انتمائهم إلى حزب البعث العراقي.

بعد انتصار الثورة الايرانية سنة 1979، تسارعت التحوّلات في البقاع وأصبحت أبرز ساحةٍ لنشاط رجال الدين الإيرانيين وعناصر الحرس الثوري الإيراني. تزامن ذلك مع عودة رجال دينٍ لبنانيين درسوا في النجف وأسّسوا ما عُرف باسم "تجمّع علماء البقاع"، ومن أبرز أعضائه صبحي الطفيلي وعباس الموسوي ومحمد يزبك. كذلك ساهم منشقّون عن حركة أمل، أبرزهم إبراهيم أمين السيد وحسين الموسوي، في بلورة النواة الأولى التي قادت إلى تأسيس "حزب الله" بعد الاجتياح الإسرائيليّ سنة 1982. وقد استفاد المؤسِّسون من الدعم الإيراني والرعاية السورية التي هدفت إلى إيجاد توازنٍ جديدٍ مع حركة أمل.

أعلن حزب الله عن نفسه رسمياً سنة 1985 بنشر "رسالة مفتوحة إلى المستضعفين"، مقدّماً نفسه تنظيماً دينياً وسياسياً وعسكرياً غير محصورٍ في لبنان، بل ينتمي إلى "أمة حزب الله" التي تربط المسلمين في أنحاء العالم برباطٍ عقائديٍّ سياسيٍّ متين هو الإسلام. في الوقت نفسه، يتبع الحزب ولاية الفقيه قائد الأمة ونائب الإمام المهدي في غيابه، من منطلق الطاعة والالتزام بالتكليف الشرعي. وقد عدّ الحزبُ النظامَ اللبنانيَّ بنيةً ظالمةً مرتبطةً بالغرب، وحدّد خصومه في الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل وحلفائهم المحليين.

منذ بداياته، لم يكتفِ الحزب بالعمل العسكريّ، بل نسج شبكةً اجتماعيةً متكاملة. شملت الشبكةُ الحوزاتِ الدينيةَ وتجمّعاتِ العلماء، ومؤسسةَ الشهيد التي ترعى عائلات الضحايا الذين سقطوا في المعارك، بالإضافة إلى الهيئة الصحية التي تؤمّن الخدمات الطبية، والأندية الرياضية التي شكّلت عامل جذبٍ أساس للمراهقين والشباب. ركّز الحزب أيضاً على إنشاء شبكة مدارس تعليميةٍ تتبع المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم، وتهدف إلى "بناء جيلٍ رساليٍّ ملتزم بالنظام المعياري الإسلامي للقيم". تعتمد هذه المدارس في مناهجها على مؤلفاتها الخاصة بأغلب المواد، وتركّز على تعظيم قيمة الشهادة والشهداء وسِير الأئمة، وتلتزم خطاب الثورة الاسلامية الذي يقوم على أفكار روح الله الخميني، المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، وخليفته علي الخامنئي، ومعهما عددٌ من أبرز الشخصيات منذ اندلاع الثورة الإيرانية سنة 1978. يُذكر هنا أنّ المناهج الدينية التي تتبعها مدارس المؤسسة لا ترجع إلى المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى ولا مؤسسات التعليم الرسمية، وهو ما يحررها من رقابة الدولة اللبنانية.

بهذا أعاد حزب الله تشكيل حياة المنتسبين إليه منذ الولادة حتى الوفاة، داخل بنيةٍ مغلقةٍ تضمن ولاء أجيالٍ من الشيعة لمبادئ الثورة الإسلامية. تُحفر هذه المبادئ عميقاً في وجدانهم، منذ الطفولة حتى التخرّج من الجامعة، لتبنيَ ما يسمّيه وضاح شرارة — في كتابه "دولة حزب الله" الصادر سنة 1994 — "المجتمع النقيض" أو بكلام نعيم قاسم "مجتمع المقاومة" الذي يمهّد الطريق لظهور الإمام المهدي.

في أول انتخاباتٍ نيابيةٍ أُجريت بعد انتهاء الحرب الأهلية سنة 1992، ثبّت حزب الله حضوره في البقاع حين أوصل ثمانية نوابٍ إلى البرلمان اللبناني مقابل نائبٍ واحدٍ عن حركة أمل ومرشّحٍ عشائريّ. تراجع هذا التفوّق لاحقاً تحت ضغط دمشق التي امتلكت حينئذٍ اليد العليا في لبنان، فدفعت الحزب إلى فتح المجال أكثر أمام "أمل" وحلفائها. أما في الحكومة، فبقيت حصة الشيعة عملياً بيد حركة أمل والوزراء المدعومين من سوريا، في حين آثر حزب الله الابتعاد عن السلطة التنفيذية رافضاً الانخراط الكامل في مؤسسات النظام السياسيّ اللبنانيّ. لم يتغيّر ذلك حتى سنة 2005، حين قرر المشاركة بالحكومة للمرّة الأولى، واستمرّ ذلك في جميع الحكومات اللاحقة حتى سنة 2026.

من ناحيةٍ أخرى، وكما حصل قبل نصف قرنٍ مع صبري حمادة، لم يُترجَم نفوذ الحزب السياسيّ إلى تعزيز حضور الدولة في البقاع. فقد بقيَ أهل المنطقة يعانون من الإهمال الحكوميّ لناحية الطرق والجامعات، واستمرّ التفلّت الأمنيّ والنشاطات الخارجة عن القانون — مثل التهريب وزراعة الحشيش وتجارة المخدرات — ولم تلبث أن انتعشت من جديدٍ فئة المطلوبين الذين صارت أعدادهم تقدَّر بعشرات الآلاف. حتى إنّ الوظائف الادارية المتوفرة في الدولة غالباً ما ذهبت الى شخصيات تُوالي النظام السوري، أو أحياناً حركة أمل التي لم تولِ اهتماماً بالبقاع مثلما فعلت في الجنوب حيث مركز ثقلها الانتخابيّ.

أثار قرار حزب الله الانخراط في العملية السياسية اعتراضاً داخل أوساطه الثورية، قاده أمينه العام السابق صبحي الطفيلي. أُقصيَ الطفيلي من قيادة الحزب سنة 1992. وفي سنة 1997، أعلن عن "ثورة الجياع" ضدّ حكومة رفيق الحريري، داعياً إلى عصيانٍ مدنيٍّ في بعلبك. وقد ساهمت الضائقة المعيشية وملف المطلوبين في زيادة الالتفاف الشعبيّ حول الطفيلي.

لجأت السلطة إلى الوساطة السياسية لاحتواء الحركة قبل الصدام، فتدخل رئيس مجلس النواب وزعيم حركة أمل نبيه برّي. وبموافقة الطفيلي، أعلن نواب المنطقة ووزرائها من داخل سرايا بعلبك عن نيّتهم إقرار العفو العام عن جرائم المخدرات المرتكَبة قبل سنة 1995. يربط محمود حمادي وعباس هدلا في كتابهما "تاريخ شيعة لبنان"، الذي صدر سنة 2023، هذا التنازل بالتفاف حوالي خمسة آلاف مطلوبٍ حول الطفيلي. أثار ذلك قلق الدولة اللبنانية، خاصةً أنّ اشتباكاً في 30 كانون الثاني 1997 بين أنصار الانتفاضة وعناصر من حزب الله، أسقط عدداً من القتلى، بينهم النائب عن حزب الله الشيخ خضر طليس.

أنهى قانون العفو العام أزمةً بدأت بعد انتهاء الحرب الأهلية سنة 1990، عندما قررت الدولة اللبنانية — تحت ضغوطاتٍ من المجتمع الدوليّ — منع زراعة الحشيش والقيام بحملاتٍ دوريةٍ لإتلاف محاصيله التي طالت مساحاتٍ شاسعةً في سهل البقاع والمناطق الجبلية المحيطة. طرحت الحكومة يومئذٍ مجموعةً من الزراعات البديلة، مع وعودٍ للمزارعين بشراء المحاصيل، لكنها عادت ونكثت بوعدها. وقد أدّت هذه السياسات المتناقضة إلى زيادة الغضب الشعبيّ تجاه الدولة في البقاع، لاسيما مع الزيادة المتسارعة في أعداد المطلوبين. ساهمت هذه العوامل في الدفع لإقرار العفو العامّ الذي دعمه نواب المنطقة ووزراؤها، وأُقرّ سنة 1997. وقد شمل العفو يومئذٍ واحداً وثلاثين ألف متّهمٍ بجرائم المخدرات من مختلف مناطق لبنان.

أظهر تمرّد الطفيلي فجواتٍ في علاقة حزب الله مع العشائر. فقد تركّز نشاط الحزب منذ انطلاقته في الثمانينيات على الفئات الاجتماعية الأضعف، بما في ذلك الأفخاذ الطرفية من العشائر التي لم يكن لها مكانةٌ وسلطةٌ ضمن العشيرة والعائلات السهلية الصغيرة التي عانت من موقعٍ ضعيفٍ تاريخياً. هكذا وجد هؤلاء في الانتماء إلى الحزب تعويضاً معنوياً يحقق لهم نوعاً من التوازن في العلاقة مع الفئات الاجتماعية الأقوى. لكن مع انخراط حزب الله في الصراعات الداخلية وشعوره بالتهديد، تغيّرت سياساته في المنطقة تدريجياً، خصوصاً مع اندلاع الثورة السورية سنة 2011 وما لحقها من صراعٍ مسلَّح.


مالت سياسات حزب الله بعد الحرب السورية إلى نمطٍ أكثر تقليديةً في حكم البقاع، اقترب فيه من أساليب القوى التي هيمنت على المنطقة قبله. فدَعَم زعاماتٍ محليةً جديدةً واستثمر التناقض بين الحاجة إلى الأمن والاقتصاد غير الشرعيّ. وسّع الحزب نفوذه إلى مجالس الصلح التي أسّسها موسى الصدر في الستينيات، عبر شخصياتٍ قريبةٍ منه، قبل أن يصبح تدريجياً الجهة المهيمنة عليها. يظهر ذلك في معظم المصالحات العشائرية التي تُعقد في بعلبك الهرمل برعاية رئيس الهيئة الشرعية في الحزب محمد يزبك، الذي بقيَ سنواتٍ طويلةً أقوى الشخصيات الدينية والسياسية بقاعياً، وفق الصحفي صبحي أمهز في مقاله "عشائر بعلبك الهرمل... من البيارق إلى سطوة حزب الله" الذي نُشر سنة 2022.

في موازاة نفوذه الأمني والاجتماعي استجاب الحزب جزئياً للانتقادات المتعلّقة بتقصيره الإنمائيّ. فعمل على رفع حصّة مدينة بعلبك من الميزانيات والمشاريع الحكومية، وفتح المجال أمام البلديات للتعاون مع مؤسساتٍ داعمةٍ من الخارج. واستقدم مشاريع تنمويةً وبنىً تحتيةً ممولةً من إيران.

واكتسبت علاقة الحزب بالعشائر طابعاً جديداً بعد تحرير الجنوب سنة 2000. ففي مقابلةٍ مع الفراتس، يشير صبحي أمهز إلى أنّها أصبحت منذئذٍ تنطلق "من موقع قوةٍ، خاصةً بعد العرض العسكري الكبير الذي نظّمه الحزب في البقاع بعد التحرير". مثّلت تلك اللحظة منعطفاً في نظرة العشائر إلى الحزب، الذي ظهر طرفاً أقوى ورمزاً للحماية والهيبة الشيعية واللبنانية. وأتاح ذلك للحزب التحوّل إلى قوة ضبطٍ اجتماعيّ. فتوسَّط بين العشائر المتخاصمة عبر مجالس الصلح، وتحالف مع العشائر في منع الحملات الأمنية الواسعة ضدّ المطلوبين أو عبر التغاضي عن زراعة الحشيش التي تشكّل مورداً مهماً لأهل المنطقة، في حين أعطى الضوء الأخضر للدولة للتدخل عندما تبدأ الأمور تخرج من يده. استفاد الحزب من استمرار غياب الدولة ليُبقي مراكز التدريب في الجرود بعيدةً عن العيون، وللمحافظة على خطّ نقل السلاح عبر سوريا.

اتسع حضور حزب الله داخل الدولة والمجتمع بعد تحرير الجنوب سنة 2000. فزاد نفوذه في توزيع حصة الشيعة من الوظائف العامة ومؤسسات الدولة، ووسّع شبكاته المالية والاجتماعية المتصلة بالمغتربين الشيعة في إفريقيا وأوروبا وأمريكا الجنوبية. 

ثم دخل الحزب مرحلةً جديدةً بعد اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري في فبراير 2005، وما أعقب ذلك من احتجاجاتٍ واسعةٍ أنهت الوجود العسكريّ السوريّ في لبنان. تركزت الاتهامات الأولى على النظام السوري، ثم اتُّهم عناصر من حزب الله لاحقاً بالمشاركة في الاغتيال. وفي مواجهة تصاعد معارضة الوجود السوري وسلاحه، أطلق الحزب تعبئةً سياسيةً وإعلاميةً مضادةً، ونظّم تظاهرةً حاشدةً في بيروت عُرفت بتظاهرة "8 آذار" (مارس) لشكر سوريا وللتشديد على حماية "سلاح المقاومة". ثم وقّع في فبراير 2006 تفاهمه مع التيار الوطني الحرّ، أبرز القوى المسيحية شعبيةً آنذاك، فاكتسب حليفاً مسيحياً وفّر له غطاءً سياسياً يتجاوز البيئة الشيعية. وعززت "حرب تموز" (يوليو) 2006 مكانته بين مؤيديه، بعد صموده أمام الهجوم الإسرائيلي. وجسّد خطاب نصر الله، عند استهداف البارجة الإسرائيلية، هذه اللحظة بعبارته الشهيرة: "انظروا إليها تحترق في عرض البحر".

بلغت قدرة الحزب على فرض شروطه داخل الدولة ذروتها في "أحداث 7 أيار" (مايو) 2008. فقد قررت الحكومة تفكيك شبكة اتصالاته الخاصة وإقالة رئيس جهاز أمن مطار بيروت المقرّب منه، فواجه الحزب القرار بالقوة وسيطر مع حلفائه على أجزاءٍ من بيروت الغربية بعد اشتباكاتٍ أوقعت عشرات القتلى. لم تُنهِ المواجهةُ الانقسامَ اللبناني لصالح الحزب نهائياً، لكنها أثبتت تفوقه العسكري وعجز الدولة عن اتخاذ قرارٍ يمسّ بنيته الأمنية من دون موافقته. وأفضت الأزمة إلى اتفاق الدوحة، الذي منح المعارضة بقيادته قدرةً أكبر على تعطيل قرارات الحكومة.

في هذه المرحلة، نظر الحزب إلى العشائر قوةً عسكريةً يمكن الاعتماد عليها في أيّ تدهورٍ أمنيٍّ لاحق. فرفع تمثيلها النيابي ووسّع إدماجها في جهازَيه العسكريّ والإداريّ، مع تعزيز انتشاره الأمنيّ في جرود الهرمل المطلّة على عكار وسير الضنية، حيث استأجر أراضيَ واسعةً من العشائر مقابل مبالغ ماليةٍ كبيرةٍ وأنشأ مراكز عسكريةً جديدةً تحسّباً لأيّ خطر.

مع اندلاع الثورة السورية سنة 2011 ثم تحوّلها إلى صراعٍ مسلّحٍ، دخل حزب الله الحربَ إلى جانب النظام السوري، مدفوعاً بحساباتٍ تتصل بحماية خط الإمداد القادم من إيران عبر سوريا والريبة المتزايدة من حصاره جغرافياً. انطلقت عملياته من الهرمل وجرود بريتال باتجاه الداخل السوري، بقصد السيطرة على القصير ثم القلمون، لما يشكّلانه من بوابةٍ استراتيجيةٍ للأمن البقاعي ولشبكة الإمداد العسكرية.

مثّلت معركة القصير سنة 2013 محطةً مفصليةً في انخراط حزب الله في الحرب السورية، نظراً لموقع البلدة الاستراتيجيّ لكلٍّ من المعارضة السورية والحزب. فقد شكّلت القصير عقدة اتصالٍ بين مقاتلي المعارضة في حمص ومسارات إمدادهم عبر الحدود اللبنانية، في حين أتاحت السيطرة عليها لحزب الله تأمين الطريق بين سهل البقاع والساحل السوري. ولتبرير تدخّله في الحرب السورية أمام جمهوره، ركّز حزب الله على شعار حماية القرى التي يسكنها لبنانيون داخل سوريا وتُعدّ امتداداً حضرياً لقرى الهرمل، أبرزها مطربا وزيتا والبرهانية وحاويك والعقربية وبلوزة وجرماش. ثم أضاف شعار حماية المقامات الدينية في دمشق، وفي مقدمّها مقام السيدة زينب، ما جعل مشاركته في الحرب نوعاً من "القتال المقدس".

أحد أهم التحوّلات التي نتجت عن الحرب كان تبدّل التركيبة السكانية في حوض نهر العاصي. فقد ساهمت المعارك في خروج المسلمين السنّة من القصير ومناطق غرب العاصي والقلمون، ثم عند انتهاء القتال عرقل الحزب عودة قسمٍ منهم مقابل تسهيل عودة الأقليات. فاستطاع تكريس فرزٍ طائفيٍّ واضحٍ في المناطق المجاورة البقاعَ أيضاً، بعد تشجيع التبادل السكانيّ السنيّ الشيعيّ مع مناطق ريف حلب وإدلب.

أصبحت القصير قاعدةً عسكريةً رئيسةً لحزب الله داخل سوريا، في حين كانت مناطق منها تتحوّل إلى فضاءٍ خارجٍ كلياً عن مرصد الدولة. ازدهرت زراعة الحشيش في الأراضي الخصبة بحوض العاصي إلى جانب صناعة الكبتاغون، التي أضحت من أبرز علامات الحرب السورية. وتوسّع اقتصاد التهريب الذي أنمى القرى الحدودية بتسارعٍ بعد سنة 2011. نعني هنا خاصةً بلدة القصر الحدودية، التي أصبحت أهمّ محطة تهريبٍ في البقاع الشمالي، في حين تكوّنت في الهرمل طبقةٌ من أثرياء الحرب وتجّار السلاح الذين يتمتعون بالحماية السياسية والأمنية. فشهدت المدينة زيادةً في نسبة التسلّح عند مختلف الفئات السكّانية، بما في ذلك عائلات البلدة القديمة، البعيدة تاريخياً عن ثقافة السلاح والقوة.

لقد فتح حزب الله الباب على مصراعيه لانضمام جميع الفئات إلى جهازه العسكريّ خلال هذه الحرب، متخلّياً عن الضوابط السلوكية والشروط الإيمانية التي كان يجب توفّرها في الماضي. أدّى ذلك إلى انخراط العشائر أفراداً وجماعاتٍ في صفوفه. في الوقت نفسه، تواطأ الحزب مع سكّان القرى الحدودية وعشائر المناطق الجبلية لإبقاء النشاطات الخارجة عن القانون، التي تشكّل مصدراً اقتصادياً أساساً لهم، محافظاً بالمقابل على حرية عمله بما يخصّ مخيمات التدريب والمراكز الأمنية الحساسة. وإن دلّ هذا التواطؤ على شيءٍ، فهو أنّ حزب الله أصبح هو نفسه مرآةً للصورة النمطية التي يجاهد عددٌ كبيرٌ من البقاعيين لتغييرها، رغم التغيير الاجتماعي والثقافي والديني الكبير الذي فرضه. 


بعد دخول حزب الله "حرب الإسناد" دعماً لغزة في 2023، ومع سقوط نظام الأسد أواخر 2024، صار البقاع جنوباً آخر: حربٌ إسرائيليةٌ عنيفةٌ وقلقٌ من اجتياحٍ برّي.

إبان حربها على لبنان سنة 2024، قصفت إسرائيل البقاع بمئات الغارات التي مَسحت أحياءً كاملةً وأوقعت مجازر في مختلف أنحاء السهل قُتل فيها المئات، مع تركيزٍ خاصٍ على بعلبك وقرى محيطها، لاسيما النبي شيت وشمسطار وبريتال وبوداي وشعث وبدنايل. لم تسلم الهرمل وقرى جرودها من الضربات. فسقط مئات الضحايا من سكّان البلدة القديمة وعشائرها، بينهم عائلاتٌ كاملةٌ قضت نحبها تحت القصف. شهدت بعلبك والقرى المحيطة موجات نزوحٍ نحو سوريا والعراق، فيما لجأت الفئات الأفقر إلى مراكز إيواءٍ في القرى البقاعية ذات الغالبية السنية والمسيحية.

ثم مع سقوط نظام الأسد وانسحاب حزب الله من سوريا، انطلقت موجة نزوحٍ شيعيةٌ وعلويةٌ من ريف حمص والقصير نحو البقاع. استقبلت الهرمل وحدها في الأيام الأولى نحو مئة ألف نازحٍ، فيما تولّى حزب الله خلال الأسابيع اللاحقة توزيع النازحين على البلدات الشيعية بالتساوي.

بعد أشهرٍ قليلةٍ من سقوط الأسد، دخلت الفصائل السورية القرى الحدودية التي يسكنها لبنانيون شيعة. في البداية، واجهتها مجموعاتٌ عشائريةٌ بدعمٍ غير معلنٍ من حزب الله. لكنّ الفصائل تمكّنت من حسم المعركة، فغادر السكّان القرى بالكامل خوفاً من أعمالٍ انتقاميةٍ لا تميّز عادةً بين المنتسبين إلى حزب الله وسائر الشيعة. بلغ عدد المهجّرين أكثر من خمسةٍ وعشرين ألفاً توزّعوا بين القصر والهرمل ومناطق أخرى في البقاع.

اقتصادياً، كان إغلاق الحدود ضربةً قاسيةً للبقاع الشمالي، لاسيما القرى الحدودية التي تعتاش من التهريب. ومع انقطاع الامتداد السوري عن البقاع مرّةً أخرى بدا المشهد وكأنه عودةٌ إلى أزمة الخمسينيات حين طال البقاعَ ركودٌ اقتصاديٌّ بعد فصل لبنان وسوريا.

ومع اندلاع حربٍ أمريكيةٍ إسرائيليةٍ على إيران سنة 2026، وإطلاق حزب الله صواريخ على إسرائيل — التي لم تكفّ عن اغتيال عناصره طوال عامٍ ونصفٍ من اتفاق وقف إطلاق النار — عادت إسرائيل لتكمل تدمير الجنوب. وكما الحرب الماضية، أخذت بعلبك والقرى المحيطة بها حصّةً من القصف دمّر البيوت وقتل المئات، بمن في ذلك المسعفون والصحفيون. لكنّ النزوح لم يكن خيار الجميع. فقد فضّل كثيرٌ من البقاعيين البقاء في منازلهم، لاسيما أنّ بدائل اللجوء أصبحت محدودةً بعد إغلاق الحدود مع سوريا، ومع ارتفاع إيجارات البيوت في المناطق الآمنة وعدم الرغبة بخوض تجربة اللجوء في مراكز الإيواء الحكومية. وما صعّب الأمر أكثر على الراغبين بالخروج من المنطقة، ازدياد الارتياب ضمن باقي الطوائف من الشيعة، بعد استهداف عناصر الحزب وسط مناطق مسيحيةٍ وسنّيةٍ، حيث امتنع كثيرون عن تأجير أبناء البقاع الذين صار يُنظر إليهم خطراً محتملاً. في الوقت نفسه، استقبل العديد من البقاعيين عائلاتٍ هاربةً من الجنوب والضاحية الجنوبية لم يجدوا مكاناً يلجؤون إليه.

بموازاة الحرب الإسرائيلية، بقي القلق من اشتعال "الجبهة السورية" على حاله. منذ نهاية 2024، دأب حزب الله بحضوره غير المعلن على الحدود السورية اللبنانية إلى جانب الجيش اللبناني. وقد أظهرت المداهمات التي نفذها الجيش ضدّ خارجين عن القانون في القرى الحدودية، وتشدّده في منع إطلاق النار العشوائي والمظاهر المسلّحة، أنه أصبح موجوداً أكثر من أيّ وقتٍ مضى. لكنّ مهمة فرض الأمن على الحدود بالنسبة للجيش تبدو مثل المشي في حقلٍ مليءٍ بالألغام، بسبب التداخل بين المجتمع المحلّي وحزب الله وفئة المطلوبين. مثلاً، خلال مداهمةٍ في قرية حوش السيد علي، واجه الجيش تظاهرةً نفذها الأهالي حين قرّر مصادرة سلاح دوشكا مثبتٍ على أحد السطوح. لقي الجيش مواجهةً من مئات الأشخاص الذين وقفوا حاجزاً بينه وبين الوصول إلى السلاح. وقال المتظاهرون بأن الدوشكا "سلاح للمقاومة والدفاع عن المنطقة من التنظيمات التكفيرية". وقد اتضح لاحقاً أنه يعود لحزب الله، وهو من يقف خلف تنظيم التظاهرة لتفادي مواجهةٍ مباشرةٍ مع الجيش، الذي فضّل بدوره عدم الاصطدام بالأهالي. 


وُلدتُ في الهرمل لأبٍ ينتمي إلى إحدى العائلات الشيعية التي سكنت البلدة منذ مئات السنين، والتي طالما عدّت نفسها أول ضحيةٍ للمحيط الخارج عن القانون. أما والدتي فتنتمي إلى العشائر التي تعود أصولها إلى السفوح الجبلية المجاورة، قبل أن تسكن الأحياء الجديدة التي ظهرت على أطراف الهرمل في الخمسينيات. لم يكن هذا الزواج المختلط شائعاً بين عائلات البلدة والعشائر. سمع أبي تحذيراتٍ كثيرةً من الأقارب لثنيه عن قراره الزواج بأمّي. فقد رأى أهالي البلدة العشائرَ رعاةً غير متحضّرين وكثيري الصراعات. أما العشائر فقد رأوا الأهالي مجرّد فلاحين وحضرٍ قليلي الحيلة عند غياب الحماية الأمنية.

صورةٌ التقطها كاتب المقال لوالده في الهرمل

تركتُ الهرمل في عمر المراهقة مع العائلة إلى بيروت، هرباً من الاضطرابات الدائمة وكي نتمكن أنا وإخوتي من إكمال تعليمنا، فالمنطقة كانت خاليةً حينها من الجامعات. مع ذلك لم أنقطع عن زيارة الهرمل، إما خلال المناسبات، أو لقضاء عطلةٍ في بيت العائلة الذي بناه أبي في الثمانينات مكان بيت جدّه الترابي في حيّ الحارة، أحد الأحياء الخمسة التي تشكّل نواة المدينة الحالية. 

منذ أن عشتُ في الهرمل، كنت أُسائل عن سبب بقاء هذه المنطقة عالقةً في دوامة الاضطرابات الأمنية، ولماذا تعثّرت كلّ محاولات إخراجها من هذه المعضلة. وبعد الغوص أكثر في تاريخ البقاع، يتضح أنّ المنطقة المتصلة بين بعلبك والهرمل لم تخرج سوى فتراتٍ قصيرةً من دوامة العلاقة المتوترة مع السلطة المركزية. ويتضح أيضاً أنّ الخارجين عن القانون، الذين طالما شكّلوا فئةً وازنةً من سكّان المنطقة، حالوا بشكلٍ أو بآخر دون تطوّرها بتواطئ الدولة.

ومع مساهمة حزب الله بتحسين المستوى المعيشيّ لجزءٍ من البقاعيين ضمن البيئة الاجتماعية المرتبطة به، إلا أنّ المعادلة بقيت خاسرةً على المدى الطويل بالنسبة للبقاعيين. ليس فقط لأنّ مشاكل المنطقة لا تزال نفسها منذ زمن صبري حمادة وفؤاد شهاب، أي الاستقلالية الأمنية للعشائر والارتباط باقتصاد الظلّ، بل أيضاً لأنّ العلاقة المضطربة مع المركز قد تكون أسوأ اليوم من غالبية المراحل السابقة. ومع انعكاس التناقض بين حزب الله والدولة اللبنانية، تكوّنت لدى البقاعيين قناعةٌ متزايدةٌ بأنّ مصيرهم أصبح معلّقاً بمصير حزب الله حتى لو أصبح خارجاً عن القانون.

اشترك في نشرتنا البريدية