المساعدات الأمريكية على طاولة صفقات ترامب

تحولت المساعدات الخارجية في ولاية ترامب الثانية من برامج تنموية تراعي المصالح الأمريكية طويلة الأمد إلى أداة أكثر مباشرة للضغط والمقايضة.

Share
المساعدات الأمريكية على طاولة صفقات ترامب
إدارة ترامب غيَّرت آليّة توظيف المساعدات | تصميم خاص بالفراتس

"إن منظومة المساعدات الخارجية وهياكلها البيروقراطية لا تتماشى مع المصالح الأمريكية، بل تتعارض في حالات كثيرة مع القيم الأمريكية". بهذه العبارة استهل دونالد ترامب الأمر التنفيذي رقم 14169، الذي أصدره بعد ساعاتٍ من تقلّده رئاسة الولايات المتحدة لولايةٍ ثانيةٍ في 20 يناير 2025. أوقف الأمرُ الالتزاماتِ الجديدةَ وصرْفَ أموال مساعدات التنمية مدّة تسعين يوماً، وأخضع البرامج القائمة لمراجعةٍ تَمِيزُ كفاءتها ومدى اتفاقها مع سياسة الرئيس الخارجية. ثم أنهت الإدارة في الشهور التالية معظم برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وشرعت في نقل ما أبقته منها إلى وزارة الخارجية.

حمل هذا الأمر التنفيذي زعماً بأن المساعدات الخارجية قبل ترامب منقطعةُ الصلة بالمصالح الأمريكية، لكن الحقّ أنها لم تنفصل عنها يوماً. فمنذ مشروع مارشال بعد الحرب العالمية الثانية، ثم إنشاء الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية سنة 1961، جمعت واشنطن بين تمويل التنمية والصحة والإغاثة، وتوسيع نفوذها ودعم حلفائها ومواجهة خصومها. وظلت الولايات المتحدة طيلة عقودٍ أكبر مانحٍ منفردٍ للمساعدات الخارجية في العالم. 

لم تكن إدارة ترامب أول من يربط المساعدات الخارجية بالمصالح الأمريكية، لكنها غيّرت آلية ارتباطهما. فقد اعتمدت الإدارات السابقة على برامج مؤسسيةٍ طويلة الأمد تجمع بين تحقيق نتائج تنمويةٍ وبناء النفوذ، حتى حين ربطت التمويل بشروطٍ سياسيةٍ واقتصادية. أما إدارة ترامب الثانية، ففككت جانباً كبيراً من هذه البنية، وربطت ما أبقته من مساعداتٍ بمقابلٍ محددٍ وفوري: موقفٌ سياسيٌ، أو تعاونٌ أمنيٌ، أو امتيازٌ اقتصاديٌ، أو وصولٌ إلى الموارد والبيانات. وهو ما يمكن رصده من تحولات المساعدات الخارجية الأمريكية لعددٍ من الدول الإفريقية.


بدأت الحقبة الحديثة للمساعدات الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، مع صعود الولايات المتحدة أحدَ قطبَي النظام الدولي. وجسّد مشروعُ مارشال، الذي اقترحه وزير الخارجية جورج مارشال وبدأ تنفيذه سنة 1948، المنطقَ الذي حكم هذه المساعدات منذ نشأتها. فقد موّلت واشنطن إعادة بناء الاقتصادات الأوروبية التي أنهكتها الحرب، وربطت التعافي الاقتصادي بترسيخ نفوذها في أوروبا الغربية واحتواء الشيوعية. افترض صانعو السياسة الأمريكيون أن الحدّ من الفقر والاضطراب الاجتماعي سيُضعِف الأحزاب الشيوعية الموالية للاتحاد السوفييتي. 

توسعت برامج المساعدات وتمأسست مع اشتداد الحرب الباردة. فقد آنست الإدارات المتعاقبة قدرةً على تعزيز نفوذ الولايات المتحدة في مواجهة الاتحاد السوفييتي. لكن تعدد الجهات المسؤولة عن هذه البرامج وغياب التنسيق بينها حالا دون استفادةٍ مُثلى منها. فأعاد الرئيس جون كينيدي تنظيمها بسنّ قانون المساعدات الخارجية سنة 1961، وإنشاء الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لتوحيد إدارة المساعدات ضمن إطارٍ مؤسسيٍ دائم. ووسعت الوكالة نطاق برامجها من دعم النمو الاقتصادي إلى مجالات الصحة والتعليم والزراعة. ورسّخت هذه المأسسةُ مكانةَ الولايات المتحدة أكبرَ مانحٍ للمساعدات الإنمائية الرسمية طوال العقود التالية. وفي سنة 2024، قُبيل عودة ترامب إلى الحكم، قدّمت واشنطن 42 بالمئة من إجماليّ المساعدات العالمية.

ويكشف توزيع المساعدات التاريخي عن أثر الاعتبارات الاستراتيجية في توجيهها. فبين سنتَيْ 1946 و2024، استحوذت إسرائيل ومصر وفيتنام الجنوبية السابقة وأفغانستان وكوريا الجنوبية على نحو 30 بالمئة من مجموع المساعدات الأمريكية، بحسب تقريرٍ صادرٍ عن مبادرة "يو إس إيه فاكتس" في أغسطس سنة 2024، بعنوان "هاو دَز يو إس فورين آيد وورك آند وير دَز إت غو" (كيف تعمل المساعدات الخارجية الأمريكية وإلى أين تذهب؟). ولم يجمع بين هذه الدول مستوى الفقر أو حاجتها إلى التنمية، بل موقعها في الحروب والتحالفات والأولويات الأمنية الأمريكية.

تبدلت أولويات المساعدات الأمريكية مع تغير القضايا التي شغلت السياسة الخارجية، فاتسعت برامجها من مكافحة الفقر ودعم النمو إلى مجالات الصحة والتعليم والبيئة وحقوق الإنسان والاستقرار في مناطق الصراع. وبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، أضيفت مكافحة الإرهاب إلى أهدافها المركزية، بعدما ربطت واشنطن بين ضعف التنمية وانتشار التطرف، وجعلت تحسين أوضاع الدول المتلقية جزءاً من حماية أمنها القومي. وكرّس التصنيف الذي اعتمدته سنة 2006 هذا التداخل، إذ وزّع برامج المساعدات على خمسة أهداف: السلام والأمن، والحكم العادل والديمقراطي، والاستثمار في البشر، والنمو الاقتصادي، والمساعدات الإنسانية.


ساهم اتساع برامج المساعدات الخارجية في ظهور الدراسات التي تمحص جدواها ومدى تحقق أهدافها الإنمائية في الدول المتلقية، وكذلك علاقتها بأهداف السياسة الخارجية الأمريكية. يستعرض بيتر إيزارد وآخرون سجلاً متبايناً لهذه المساعدات في بحث "ذا ماكروايكونوميك مانِجمِنت أوف فورين آيد" (إدارة الاقتصاد الكلي للمساعدات الخارجية) الصادر عن صندوق النقد الدولي سنة 2006. وفقاً للبحث، أسهمت المساعدات في إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، ودعمت النمو والحد من الفقر في دولٍ مثل تايوان وبوتسوانا وكوريا الجنوبية، ثم بوليفيا وغانا وأوغندا وفيتنام، وموّلت برامج ساعدت على مكافحة الأيدز والملاريا. وفي المقابل، لم تحقق تدفقاتٌ ماليةٌ كبيرةٌ نمواً مماثلاً في دول مثل جمهورية إفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية وبابوا غينيا الجديدة، وأسهم بعضها في تضخم الأجهزة الحكومية وتعزيز مواقع النخب المستفيدة.

ارتبط الجدل في نتائج المساعدات الإنمائية بوظيفتها في السياسة الخارجية الأمريكية. فإبان الحرب الباردة، استخدمتها واشنطن لدعم الحكومات الحليفة، واجتذاب الدول المترددة، وثَنْيِها عن قبول العون من الاتحاد السوفييتي. وامتد استخدامها إلى الضغط على سياسات الدول المتلقية ومواقفها الخارجية. في ستينيات القرن العشرين، قيّدت إدارة ليندون جونسون شحنات برنامج "الغذاء من أجل السلام" إلى الهند، مع وجود حاجةٍ ملحّةٍ إلى الحبوب، حتى حصلت على ضماناتٍ بسنّ إصلاحاتٍ زراعيةٍ وتخفيف انتقادات نيودلهي للسياسة الأمريكية في فيتنام.

استقر اتجاهٌ واسعٌ في أدبيات العلاقات الدولية على أن المساعدات الأمريكية جمعت بين بلوغ غاياتٍ إنسانيةٍ وتنمويةٍ وخدمة الأمن القومي وبناء النفوذ، حتى حين اتخذت صورة برامج صحيةٍ أو تعليمية. صاغ عالم السياسة الأمريكي هانز مورغنثاو هذا التصور مبكراً في مقاله "آ بوليتيكال ثيري أوف فورين إيد" (نظرية سياسية للمساعدات الخارجية)، المنشور سنة 1962، حاجج فيها بأن المساعدات امتدادٌ للقوة السياسية والعسكرية والدعائية ولا تنفصل عنها. 

استمر ربط التعاون التنموي بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية إلى عهد الرئيس جو بايدن، ولاسيما مع تصاعد التنافس على المعادن الحيوية في إفريقيا. ففي ديسمبر 2022، وقَّعت الولايات المتحدة مذكرة تفاهمٍ مع كلٍّ من جمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا لدعم إنشاء سلسلةٍ إقليميةٍ لإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية. وجمعت المبادرة بين مساعدة الدولتين على تصنيع مواردهما محلياً والاحتفاظ بقدرٍ أكبر من قيمتها المضافة، وجذب الاستثمارات الأمريكية والحليفة، وتنويع سلاسل إمداد المعادن التي تحتاج إليها الصناعات النظيفة الأمريكية بعيداً عن الهيمنة الصينية. 


تحول سياسة المساعدات الأمريكية جاء من تراكم مقدماتٍ في عهد أكثر من إدارة. فبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، توثقت الصلة بين التنمية والأمن القومي، ثم جعلت ولاية ترامب الأولى "الاعتماد على الذات" وتوسيع دور القطاع الخاص غايتين مركزيتين لبرامج الوكالة. وواصلت إدارة جو بايدن ربط أدوات التنمية بمصالح استراتيجيةٍ جديدةٍ، منها تأمين سلاسل الإمداد ومنافسة الصين على المعادن الحيوية. لكن هذه التحولات ظلت تعمل من خلال الوكالة وبرامجها المؤسسية طويلة الأمد، قبل أن تنقلها إدارة ترامب الثانية إلى طورٍ جديد.

أدخلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 الاعتباراتِ الأمنيةَ في قلب برامج المساعدات. إذ ربطت الإدارات الأمريكية بين الفقر وضعف المؤسسات وانتشار التطرف وعدم الاستقرار، فحرصت على توجيه البرامج التنموية إلى المناطق التي رأت فيها تهديداً أمنياً. وتجسد هذا الربط في خطة الرئيس جورج بوش الطارئة للإغاثة من الأيدز (بيبفار)، التي أطلقت سنة 2003 لتمويل الوقاية والفحص والعلاج ودعم البنية الصحية في الدول المتضررة. حقق البرنامج نتائج صحيةً وإنسانيةً واسعةً، لكنه انطلق أيضاً من اعتبار انتشار الوباء تهديداً للاستقرار والتنمية والأمن الأمريكي. وواصلت إدارة باراك أوباما هذا النموذج الذي يجعل التنمية والصحة جزءاً من بناء النفوذ ومواجهة الأخطار عابرة الحدود.

سعت إدارة ترامب الأولى بين سنتَي 2017 و2021  إلى تغيير هذا النموذج من داخله. فأطلقت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إطار "رحلة الاعتماد على الذات"، التي تُحِلّ بناء القدرات المحلية محلّ المساعدات. ووفقاً للباحثين جيمس روبرتس وماكس بريموراك في بحثهما الصادر عن "ذا هيريتِج فاونديشن" (مؤسسة التراث) سنة 2021 بعنوان "يو إس إيه آي دي 2017-2021: ذا جيرني تو سيلف ريلاينس" (الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية 2017-2021: رحلة الاعتماد على الذات)، أظهر هذا التحول رغبة الإدارة الأمريكية في التمهيد لإعادة صياغة تشريعات تفويض المساعدات الخارجية وتخصيص اعتماداتها المالية في المستقبل.

أعادت إدارة جو بايدن تثبيت النموذج المؤسسي للمساعدات، مع توجيهه نحو أولويات مثل المناخ والصحة ومنافسة الصين. وفي سنة 2022، دعمت شراكةً مع الكونغو الديمقراطية وزامبيا لإنشاء سلسلة إقليمية لبطاريات السيارات الكهربائية، جامعةً بين تنمية التصنيع المحلي وتنويع إمدادات المعادن التي تحتاج إليها الصناعات الأمريكية.

ومع وصول ترامب للحكم ثانيةً في بداية سنة 2025، أخضعت إدارته المساعدات الخارجية لتفسيرٍ أضيق وأكثر مباشرةً لشعار "أمريكا أولاً". فقاست قيمة البرامج بمقدار ما تحققه للولايات المتحدة من عائدٍ سياسيٍ أو اقتصاديٍ محددٍ، وقدمت حساب التكلفة والعائد المباشر على المنافع التنموية وبناء التحالفات والنفوذ على المدى الطويل. ومهّد هذا المنطق للانتقال من مراجعة برامج المساعدات وإصلاحها إلى تفكيك مؤسساتها، ثم إخضاع ما بقي منها للمقايضة مع الدول المتلقية.

بدأ تنفيذ هذا التوجه يوم عودة ترامب إلى البيت الأبيض، حين وقّع الأمر التنفيذي رقم 14169. علّق الأمرُ الالتزاماتِ الجديدةَ وصرف أموال مساعدات التنمية مدة تسعين يوماً، وأخضع كلّ برنامجٍ لمراجعةٍ تقيس كفاءته ومدى اتساقه مع السياسة الخارجية للرئيس، تمهيداً لاستمراره أو تعديله أو إنهائه. وفي مارس، أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو عن إلغاء 83 بالمئة من برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ثم أخطرت الإدارة الكونغرسَ بخطّتها لإعادة تنظيمها وتسريح معظم موظفيها. وتوقفت الوكالة في يوليو عن تنفيذ برامج المساعدات، وانتقلت البرامج القليلة المتبقية إلى وزارة الخارجية. 


كانت إفريقيا من أكثر الساحات تأثراً بتفكيك منظومة المساعدات الأمريكية، ثم أصبحت ميداناً رئيساً للنموذج الذي حلّ محلّها. وظهر الأثر الأول في مصير مبادرة "باور أفريكا"، التي أطلقتها إدارة أوباما سنة 2013، وأدارتها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لتوسيع الوصول إلى الكهرباء من خلال الشراكة بين الحكومات والقطاع الخاص. ففي فبراير 2025، أدرجت إدارةُ ترامب معظمَ برامج المبادرة على قائمة الإلغاء وسرّحت غالبية موظفيها، في حين درست الإبقاء على بعض البرامج التي تربط مشروعات الطاقة بالشركات الأمريكية. وكشف هذا الانتقاءُ المعيارَ الجديدَ، إذ يتراجع البرنامج الذي تُقاس قيمته بأثره التنموي البعيد، في حين ترتفع فرص بقائه إذا قدّم عائداً مباشراً للمصالح التجارية الأمريكية.

أحدث تعليقُ التمويل فجواتٍ فوريةً في البرامج الصحية والإنسانية التي اعتمدت على الوكالة. تقدِّر دراسةٌ صادرةٌ عن مجلة ميشيغان للاقتصاد في مايو 2025، بعنوان "ذا ديفاستيتنغ إمباكتس أوف ذا يو إس آيد بول أوت أون أفريكا" (الآثار المدمرة لانسحاب الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية من إفريقيا)، أن ما يقرب من 5.7 مليون إفريقيٍ سيكون مهدداً بالفقر المدقع بحلول 2030، وستتوقف خدماتٌ صحيةٌ جوهريةٌ مثل فحص وعلاج مرضى فيروس نقص المناعة البشرية (الأيدز) وغيره من الأمراض المتفشية في إفريقيا.


تكشف حالات جنوب إفريقيا ونيجيريا وزامبيا عن ثلاثة أوجهٍ مختلفةٍ للتحول في سياسة المساعدات الأمريكية. فقد استخدمت إدارةُ ترامب وقفَ التمويل لمعاقبة جنوب إفريقيا على مواقفها الداخلية والخارجية، وربط الكونغرسُ استمرارَ المساعدات لنيجيريا بشروطٍ أمنيةٍ وحقوقيةٍ، في حين اقترنت المفاوضات الصحية مع زامبيا بمطالب تتعلق بالبيانات والوصول إلى المعادن الحيوية. وسوّغت الإدارة الأمريكية هذه الخطوات بالسعي إلى إعادة صياغة علاقتها بالقارّة على أساس الشراكات التجارية الثنائية، ولا سيّما في قطاعات الطاقة والمعادن الحيوية، بدلاً من البرامج التنموية طويلة الأمد. وتوضح الحالات الثلاث انتقال المساعدات من برامج مؤسسيةٍ ترمي إلى بناء النفوذ على المدى الطويل إلى أداةٍ تفاوضيةٍ تطلب مقابلاً سياسياً أو اقتصادياً محدداً من كلّ دولة.

اتخذ هذا التحول صيغةً أوضح مع إطلاق "استراتيجية أمريكا أولاً للصحة العالمية" في سبتمبر 2025. فقد أعادت واشنطن بموجبها تقديم التمويل الصحي من خلال اتفاقياتٍ ثنائيةٍ بشروطٍ محددةٍ، تشترط زيادة مساهمة الدول المتلقية في تمويل أنظمتها الصحية والوصول تدريجياً إلى الاعتماد على الذات. وكانت كينيا أول دولةٍ إفريقيةٍ توقّع اتفاقاً من هذا النوع في ديسمبر 2025، قبل أن يرتفع عدد الدول الموقعة إلى أربعٍ وثلاثين دولةً حتى يوليو 2026. ومع أن هذه الاتفاقيات اشتركت في عنصر المساهمة المحلية، فقد ظهرت في بعض المفاوضات شروطٌ إضافيةٌ تتعلق بالبيانات الصحية أو بالمصالح الأمريكية في المعادن الحيوية. وبذلك، لم تنسحب الولايات المتحدة كلياً من مجال المساعدات الصحية، بل أعادت تنظيمه في صورة اتفاقياتٍ ثنائيةٍ تفاوضيةٍ تمنحها قدرةً أكبر على تحديد المقابل المطلوب من كلّ دولة.

تجلّى هذا التحول في المساعدات الأمريكية إلى جنوب إفريقيا. إذ استُخدمت أداةً للعقاب والضغط السياسي، لا حافزاً لعقد صفقةٍ اقتصادية. ففي فبراير 2025، أصدر ترامب أمراً تنفيذياً بوقف المساعدات الأمريكية لبريتوريا إلى أقصى حدٍّ يبيحه القانون. واستند القرار إلى اتهام حكومة جنوب إفريقيا بالجَوْر على الأقلية البيضاء، وإلى اعتراض واشنطن على قانون نزع الملكية رقم 13 لسنة 2024، الذي يجيز التعويض الصفري (أي بقيمةٍ ضئيلة جداً لا تَجْبر شيئاً من الضرر) عن الأراضي في ظروفٍ محددة. ووجَّه القرار بإنشاء مسارٍ لإعادة توطين أفرادٍ من الأفريقان في الولايات المتحدة باعتبارهم لاجئين (وهم جماعةٌ عرقيةٌ في جنوب إفريقيا، ينحدر معظم أفرادها من المستوطنين الأوروبيين الذين وصلوا إلى المنطقة منذ القرن السابع عشر). ورفضت حكومة جنوب إفريقيا هذه الاتهامات، مؤكدةً أن القانون لا يستهدف فئةً عرقيةً بعينها، وأنه ينظم نزع الملكية للمصلحة العامة ضمن الضوابط الدستورية. امتد الخلاف إلى قضايا السياسة الخارجية، إذ أشار الأمر التنفيذي إلى الدعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا على إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، وإلى تقاربها مع إيران، ضمن ما وصفه بالمواقف العدائية تجاه الولايات المتحدة وحلفائها. 

قطع المساعدات عن جنوب إفريقيا منذ فبراير 2025 يعكس توظيفها أداةً للضغط السياسي في ظل تصاعد الخلافات الدبلوماسية بين البلدين. فقد تجاوز الأمر التنفيذي الاعتراض على سياسات جنوب إفريقيا الداخلية، ليصير وسيلةً لمعاقبتها على مواقف دوليةٍ تتعارض مع توجهات واشنطن وحلفائها.


تكشف حالة نيجيريا عن وجهٍ آخر لتسييس المساعدات الأمريكية، ألا وهو سعي المشرعين إلى ربط استمرارها بأداء الحكومة في حماية الحريات الدينية. ففي مايو 2026 وافق مجلس النواب الأمريكي على مشروع قانونٍ بحجب نصف المساعدات الموجهة إلى نيجيريا، إلى أن يشهد وزير الخارجية باتخاذ حكومتها خطواتٍ فعّالةً لمنع العنف ومحاسبة مرتكبيه وحماية ضحاياه. وفي يوليو 2026، أُقرّ تعديلٌ بزيادة نسبة الحجب المقترحة إلى 100 بالمئة. ولم يصبح هذا المقترح قانوناً نافذاً بعدُ، لكنه يظهر اتجاهاً داخل الكونغرس نحو استخدام المساعدات للضغط على أبوجا وربطها بمعايير سياسيةٍ وأمنيةٍ تحددها واشنطن.

سبق هذا التحركَ إعلانُ ترامب في أكتوبر 2025 عن إعادة تصنيف نيجيريا "دولةً تثير قلقاً خاصاً" بسبب ما وصفه بتقاعس حكومتها عن حماية المسيحيين من القتل والاختطاف على أيدي جماعاتٍ متشددةٍ ومسلحة. واستند مؤيدو حجب المساعدات إلى هذه الرواية، إذ رأى النائب الجمهوري غريغ ستوبي أن دافعي الضرائب الأمريكيين لا ينبغي أن يمولوا حكومةً تسمح باختطاف المسيحيين وتعذيبهم وقتلهم. 

يثير حجبُ المساعداتِ المحتملُ مفارقةً تتصل بالغاية المعلنة منه. إذ قد يؤدي تقليص التمويل الصحي والإنساني والأمني إلى إضعاف قدرة الدولة على مواجهة الجماعات المسلحة وحماية السكان المتضررين من نشاطها، وفقاً لما خلُص إليه الباحث النيجيري ألكوكوما أوكولي في مقاله "يو إس فَندِنغ كَتس ماي إيفيكت نيجيريَز فايت أغينست تيروريزم" (تخفيضات التمويل الأمريكية وتأثيرها على جهود نيجيريا في مكافحة الإرهاب) المنشور على موقع "ذا كونفرزيشن أفريكا" في مارس 2025. ومن ثمّ لا تكشف حالة نيجيريا عن قطع المساعدات فعلياً بقدر ما تكشف عن توسع نطاق المشروطية. فبدلاً من توجيه التمويل عبر برامج مؤسسيةٍ طويلة الأمد، أصبح استمرار المساعدات عرضةً لقراراتٍ تشريعيةٍ تربطه بمدى امتثال الحكومة المتلقية للتشخيص السياسي والأمني الذي تتبناه واشنطن.


تقدِّم زامبيا أوضح نماذج الانتقال من المشروطية السياسية إلى المقايضة المباشرة بين المساعدات والمصالح الاقتصادية. فقد تفاوضت واشنطن ولوساكا خلال الأشهر الأولى من سنة 2026 على اتفاقٍ صحيٍّ لخمسة أعوامٍ، تعرض الولايات المتحدة بموجبه تمويلاً يصل إلى ملياري دولار لمكافحة الأيدز والملاريا ودعم صحة الأم والطفل والاستعداد للأوبئة. غير أن المفاوضات تعثرت بسبب شروطٍ قالت الحكومة الزامبية إنها تمسّ سيادتها ومصالحها الوطنية. وأوضح وزير الخارجية مولامبو هايمبي أن واشنطن طلبت مشاركة بياناتٍ صحيةٍ بما قد ينتهك خصوصية المواطنين، وسعت في اتفاق موازٍ للمعادن الحيوية إلى منح الشركات الأمريكية معاملةً تفضيلية. وأضاف أن الجانب الأمريكي ربط إتمام مذكرة التفاهم الصحية بالتوصل إلى اتفاق المعادن، في حين أصرّت لوساكا على تقييم الاتفاقين باستقلال. وفي المقابل، نفى السفير الأمريكي لدى زامبيا اشتراط الوصول إلى المعادن لاستمرار التمويل الصحي، ولم تكشف وزارة الخارجية الأمريكية عن تفاصيل المفاوضات.

اكتسب اقتران الاتفاقين المُدَّعى أهمّيتَه من موقع زامبيا في التنافس على المعادن الحيوية. فهي ثاني أكبر منتجٍ للنحاس في إفريقيا، وتحوز على احتياطياتٍ من المعادن الداخلة في صناعات البطاريات والطاقة المتجددة، في حين تسعى واشنطن إلى تقليص هيمنة الصين على سلاسل توريدها. ومن ثمّ يكشف الخلاف، بصرف النظر عن الروايتين المتعارضتين بشأن تفاصيل التفاوض، عمّا تتيحه الاتفاقيات الثنائية الجديدة من وصل التمويل الصحي بملفاتٍ اقتصاديةٍ واستراتيجيةٍ أخرى. فلم يعُد التفاوض يدور حول حجم المساعدات ونتائجها التنموية فحسب، بل امتد إلى ملكية البيانات وأولوية الشركات الأمريكية والوصول إلى الموارد الطبيعية. وتوضح مقاومة زامبيا هذه الشروط أيضاً أن الدول المتلقية ليست أطرافاً سلبيةً في هذه الصفقات، بل تستطيع الاعتراض على المقابل المطلوب ورفض دمج المساعدات الصحية بالمفاوضات التجارية.


دفعت التحولاتُ في سياسة المساعدات الأمريكية الدولَ المتلقيةَ إلى اتباع مسارين متوازيين، أحدهما تعبئة الموارد المحلية لسدّ فجوات التمويل، والآخر تنويع الشراكات الخارجية لتقليل الاعتماد على واشنطن. واختلفت الاستجابة من دولةٍ إلى أخرى. فبينما ركزت جنوب إفريقيا ونيجيريا على احتواء آثار تقليص البرامج الصحية، رفضت زامبيا شروط الاتفاق المقترح وأصرت على الفصل بين التعاون الصحي والمصالح الأمريكية في قطاع المعادن.

اتجهت جنوب إفريقيا إلى زيادة التمويل المحلي لبرامج مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية، وخصصت صندوق طوارئ لحماية الخدمات المتضررة من تقليص التمويل الأمريكي. وشملت جهودُ التكيّف تدريبَ العاملين في الرعاية الصحية وتحسين متابعة المرضى في المراكز التي اعتمدت سابقاً على برنامج بيبفار. وقد تناول لايل دبليو موراي وفرانسوا فنتر آثار هذه التقليصات في دراستهما "ذي إمباكت أوف يونايتد ستيتس غفرنمنت كَتس تو فَندِنغ أون ساوث أفريكان هيلث كير آند ريسيرش" (تأثير تقليصات التمويل الحكومي الأمريكي في الرعاية الصحية والبحث العلمي في جنوب إفريقيا)، المنشورة في مجلة "ويتس للطب السريري" سنة 2025، محذّرين من اتساع الفجوة التي يتعين على التمويل المحلي تغطيتها.

وفي نيجيريا، تحولت تقليصات المساعدات إلى دعواتٍ لتوطين الصناعات الصحية وتقليل الاعتماد على التمويل الخارجي. وأشارت ديبورا تولو في مقالها "بروبوزد يو إس آيد كَت شود سبر نيجيريا تو سيلف ريلاينس" (ينبغي لمقترح خفض المساعدات الأمريكية أن يحفز نيجيريا على الاعتماد على الذات)، المنشور على موقع مؤسسة "بانش" في يوليو 2026، إلى ضرورة استثمار الأزمة في تنويع الشراكات وتحسين إدارة الموارد المحلية. واتخذت الحكومة خطواتٍ في هذا الاتجاه، منها تخصيص تمويلٍ إضافيٍ للبرامج الصحية ودعم منشأةٍ محليةٍ لإنتاج أدوات فحص الملاريا وفيروس نقص المناعة البشرية، وفق تقرير "نيجيريا ريسبوندز تو يو إس آيد كَتس باي بروديوسِنغ إتس أون إتش آي في آند ملاريا كيتس" (نيجيريا ترد على تقليص المساعدات الأمريكية بإنتاج أدواتها لفحص الإيدز والملاريا)، الذي نشرته "مجموعة صوت إفريقيا" في سبتمبر 2025.

أما زامبيا، فاختارت مقاومة الشروط الأمريكية والمطالبة بتنويع شركائها في قطاع المعادن، بدلاً من منح الشركات الأمريكية معاملةً تفضيلية. وبذلك تجاوز موقفها محاولة تعويض التمويل المفقود إلى الاعتراض على استخدام المساعدات الصحية وسيلةً لإعادة ترتيب علاقاتها الاقتصادية الدولية.

شجعت هذه التطورات حكوماتٍ إفريقيةً على البحث عن مصادر تمويل بديلةٍ، وفي مقدمتها الصين والاتحاد الأوروبي. فقد وسّعت بكين تعاونها الصحي مع القارة من خلال تمويل المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض ودعم إنتاج اللقاحات والأدوية، وقدّمت نفسها شريكاً لا يربط التمويل بشروطٍ سياسيةٍ معلنة. وتناولت إيبيري أوكيريكي هذه البدائل في مقالها "أفريكا أفتر يو إس إيه آي دي: هو ويل باي فور هيلث كير؟" (إفريقيا بعد الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية: من سيدفع تكلفة الرعاية الصحية؟)، المنشور على منصة "تشاتام هاوس" سنة 2025. ويتيح الاتحاد الأوروبي بدوره مصدراً آخر للتمويل عبر مبادرة "البوابة العالمية" ومشروعاتها طويلة الأمد في البنية التحتية.

يتيح تنويعُ الشركاء للدول الإفريقية هامشاً أوسع للمناورة، لكنه قد يستبدل الاعتماد على مانحٍ بالاعتماد على آخر. لذلك يظل تقليل التبعية مرهوناً ببناء قدرات التمويل والإنتاج محلياً، وتعزيز التعاون الإقليمي عبر مؤسساتٍ مثل المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض. وهذا ما يؤكده فاران رحيم وآخرون في مقالهم "لايف أفتر يو إس إيه آي دي: أفريكا ديفِلوبمنت، إديوكيشن، آند هيلث كير" (الحياة بعد الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية: التنمية والتعليم والرعاية الصحية في إفريقيا)، المنشور على موقع "ثينك غلوبال هيلث" في مارس 2025، إذ يدعون إلى الجمع بين التعاون الإقليمي والاستثمار الخاص وتوسيع القاعدة المحلية لتمويل الصحة والتعليم والتنمية.


لم تستحدث إدارة ترامب توظيف المساعدات لخدمة المصالح الأمريكية بقدر ما غيَّرت آليّة هذا التوظيف. فقد جمعت الإدارات السابقة بين الأهداف التنموية وبناء نفوذٍ أمريكيٍ طويل الأمد، في حين عطَّلت إدارةُ ترامب الوكالةَ الأمريكيةَ للتنمية الدولية وفكّكت معظم برامجها، وربطت ما استمر من تمويلٍ بمكاسب سياسيةٍ واقتصاديةٍ أكثر مباشرةً. وبذلك انتقل معيار المساعدات من قدرتها على تحقيق التنمية وتعزيز النفوذ على المدى البعيد، إلى ما تستطيع واشنطن انتزاعه في كل اتفاقٍ من مقابلٍ سياسيٍ أو تجاريٍ أو استراتيجي.

قد تحقق هذه السياسة مكاسب مباشرةً، لكنها تهدد في المقابل بإضعاف القوة الناعمة الأمريكية ودفع الحكومات المتلقية إلى تنويع شراكاتها، بما يتيح للصين والاتحاد الأوروبي توسيع حضورهما في إفريقيا ودول الجنوب العالمي. وقد تخسر الشركات الأمريكية بدورها بعض المزايا التي وفرتها برامج التنمية طويلة الأمد، إذا تحول الضغط الأمريكي إلى حافزٍ للبحث عن شركاء آخرين.

تكشف محاولة وصل التمويل الصحي بالوصول التفضيلي إلى المعادن الحيوية والبيانات الصحية عن حدود العلاقة غير المتكافئة بين المانح والمتلقي، وهشاشة البرامج التي تظل خاضعةً لأولويات الدولة المانحة. لكنها تكشف أيضاً عن قدرة الدول المتلقية على التفاوض والرفض والبحث عن بدائل. ومن ثمّ لا تقتصر العقبات أمام هذه الدول على تعويض التمويل الأمريكي، بل يمتد إلى بناء قدراتها المحلية وتنويع شراكاتها، حتى لا تستبدل التبعية لمانحٍ بالتبعية لآخر.

اشترك في نشرتنا البريدية