كيف أَلهَمَ النضالُ الفلسطيني جماهير "الألتراس" في مصر

تحتل القضية الفلسطينية موقعاً مركزياً لدى روابط مشجعي أندية كرة القدم المصرية تجلّى في خطابها ونشاطها منذ تأسيسها سنة 2007.

Share
كيف أَلهَمَ النضالُ الفلسطيني جماهير "الألتراس" في مصر
تبوّأَت القضيةُ الفلسطينية موقِعاً في قلبِ خطابِ مجموعات الألتراس منذ تأسيسها | الصورة من صفحة "منتاليتي" على فيسبوك

"جمهور الأهلي كبير... الكورة للجماهير"

"ماتش إيه يا عم!... فلسطين أهم"

بَثَّ التلفزيون المباشرُ هذه الهتافات التي أطلقها مشجّعو النادي الأهلي المصري في مباراة فريقِهم مع فاركو السكندري في مسابقة دوري كرة القدم في يونيو 2024، مع صور صِدامٍ بين المشجعين الذين رفعوا أعلامَ فلسطين وقوّاتِ الأمن. لَم يستمرّ البثُّ إلا ثوانيَ، كَتَمَ المخرجُ بعدَها صوتَ الجماهير، ثمّ عادت الكاميرا إلى الملعب تنقلُ أحداثَ المباراة. وفي المدرّجات مَنعت قوّاتُ الأمن المشجّعين من رفع الأعلام، وقَبضت على بعضهم وأحالتهم للنيابة التي أخلت سبيلهم. فتحت هذه الواقعةُ بابَ تراشقٍ وجدلٍ بين مشجعي الكرة المصرية على مواقع التواصل الاجتماعي. دعا بعضُ المشجعين إلى تجنّبِ أخطاء الماضي والنَأْيِ بالمدرّجات عن الشعارات السياسية التي يؤدّي رفعُها إلى حرمان المشجّعين من دخول المدرجات. واتَّهَمَ آخَرون أصحابَ هذا الموقف بالتخاذل، داعين إلى مقاطعة المباريات بسبب التضييق الأمني على المشجعين ومنعهم من إظهار تضامنهم مع القضية الفلسطينية في المدرّجات كما تفعل روابطُ المشجّعين في سائرِ الأقطارِ العربية.

كان خلافُ مشجعي كرة القدم في التضامن مع فلسطين جديداً. فمنذ تأسيسها، وَضَعَت روابطُ مشجعي كرة القدم المصريةِ المنظَّمةُ فلسطينَ في قلب تصوّراتها عن العالَم، وجَعَلَت التضامنَ مع نضالِ الفلسطينيين أوّلَ مبادئِها، وتجلّى ذلك في هتافاتها وشعاراتها وتصميماتها ولوحاتها التي تُعدّها للمباريات. ومع تغيّر الواقع السياسي المصري على نحوٍ اضطَرَّ الروابطَ إلى تفادي التعليق على الأحداث المحلّية، ظَلَّ إظهارُ التضامن مع فلسطين سمةً أساسيةً في نشاطِ أفراده. بل ساهم هذا التضامنُ في إبقاءِ المجموعاتِ حيّةً حتى بعد حَلِّها رسمياً، ما برز في حملة التضامن التي أطلقها المشجّعون في المدرّجات وعلى مواقع التواصل الاجتماعي بالتزامن مع حرب الإبادة التي شَنَّتها إسرائيلُ على غزّة في أكتوبر 2023. 


تأسّست روابطُ مشجّعي الأندية سنة 2007 في خضمّ الصراع على المدرّجات بين فئاتٍ مختلفةٍ من المشجّعين. كانت المدرّجاتُ حتى مطلع القرن الحالي أشبَهَ بالمقاهي الشعبيةِ التي يرتادُها الرجال من مختلف الطبقاتِ الاجتماعيةِ، ولا تكاد النساءُ تدخلها. بلغ متوسّطُ سعر التذكرة آنذاك نحوَ خمسةِ جنيهاتٍ مصريةٍ (حوالي دولارٍ أمريكيٍ واحدٍ بسعر الصرف وقتَها)، يدفعها المشجّعُ ليحجزَ مكاناً على مصطبةٍ أسمنتيّةٍ غيرِ مريحةٍ للجلوس، ليَقِفَ وقتَ المباراة يؤازِرُ فريقَه بالهتافات التي تقودها مجموعةٌ من "الهتّيفة" يستخدمون بعضَ آلاتِ الإيقاع وتقنياتِ النداءِ والردِّ، ويردِّد الحضورُ من بعدِهم الهتافات والأهازيج. اعتيادُ اتحادات المشجّعين سبَّ اللاعبين واستخدامَ ألفاظٍ نابيةٍ في هتافاتهم ساهَمَ في صَدِّ النساءِ وأُسَرِ الطبقة الوسطى والعليا عن المدرّجات، لنُفورِهم من تلك الهتافات التي يَرَوْنَها خادشةً الحياءَ.

تغيّرت الأوضاعُ مع استعدادات مصر لاستضافة كأس الأمم الإفريقية سنة 2006. قادت الحكومةُ في السنتَيْن السابقتَيْن مشروعاً لتجديدِ البنية التحتية الرياضية وتأهيلِها لاستضافة المسابقة، فطَوَّرَت أرضيةَ الملاعب وأَحَلَّت الكراسيَ البلاستيكية محلَّ المصاطب الأسمنتية في المدرّجات، وبَنَت في الملاعب دوراتَ مياهٍ ومطاعم. أعقب ذلك ارتفاعٌ ملحوظٌ في أسعار التذاكر، حتى بلغ متوسّطُ سعر التذكرة في تلك البطولة عشرةَ أضعافِ سعرِها قبلاً، وهو ما سَوَّغَه اتحادُ الكرة حينَها بالحاجة لمساهمة المشجعين في تكلفة تطوير الاستادات.

ارتفاعُ الأسعار أَبْعَدَ الطبقاتِ الاجتماعيةَ المهمَّشةَ عن المدرّجات. فمع عجزِ غالبية هؤلاء عن تدبير أسعار التذاكر، بدأت عائلاتُ الطبقة الوسطى والعليا، الأقدرُ على تحمّل فَرقِ التكلفة، في الوفود إلى الملاعب. جلبت الطبقاتُ الميسورةُ للاستادات جمالياتٍ تشجيعيةً مختلفةً عن المألوفة في بدايات الألفية. إذْ نقلت كاميراتُ البثّ التلفزيونيّ مشاهدَ الأُسَرِ والفتياتِ وهُنَّ يرتدِين القبّعاتِ الكبيرةَ بوجوهِهنّ الملوَّنة بألوانِ عَلَم مصر، وبحوزتِهنّ لافتاتٌ كُتِبَ على بعضِها عباراتُ تشجيعٍ بالإنجليزية. وبسبب هيمنةِ الطبقاتِ المحافظةِ على المدرّجات، قلّ سُبابُ اللاعبين والفِرَقِ المنافِسةِ، واختفى دورُ "الهتّيفة"، لتتحوّل المدرّجاتُ إلى لوحةٍ جماليةٍ متناغمةٍ تنقلها الكاميرا. واحتفى إعلامُ الدولة الرياضيُّ بهذه التحوّلات، واصفاً الجمهورَ المصريَّ في هذه البطولة بأنّه "واجهة مشرّفة" لمصر بسبب أخلاقه الرياضية وسلوكه الرشيد.

تزامَنَ إقبالُ هذه الطبقات على المدرّجات مع صناعةِ خطابٍ وطنيٍّ جديد. فبدءاً من سنة 2002، صعد نجمُ جمال مبارك، الابنِ الأصغرِ لرئيسِ الجمهورية حينئذٍ محمد حسني مبارك ووريثِ عرشِه المحتمَلِ، في لجنةِ السياسات بالحزب الوطنيّ الحاكم. مع صعودِ جمال، عُيِّنَت حكومةٌ جديدةٌ ضَمَّتْ وزراءَ من رجال الأعمال ومن العاملين السابقين في المؤسسات الدولية، وانتَهَجَت سياساتٍ محدَثةً لتحريرِ الاقتصاد، أي عدم التدخل الاقتصادي من الحكومة في حركة رأس المال، وقلّصت الدعمَ الاجتماعيَّ ممّا أدّى لإفقار قطاعاتٍ واسعةٍ من المجتمع وتهميشِها.

كانت جماهيرُ الطبقة الوسطى التي تَحضُر مبارياتِ المنتخب الوطني أقلَّ تضرّراً من هذه التحوّلات، وأكثرَ ارتباطاً بالعالَم وحرصاً على صورتها فيه من جمهورِ المهمَّشين التقليديّ، فكانت العمودَ الفقريَّ للمشروع السياسي الجديد الذي تقلّصت فيه الأبعاد الاجتماعية. ركّز الخطابُ الإعلاميُّ وقتَها على نجاحات المنتخب، الذي فاز بكأس الأمم الإفريقية ثلاثَ مرّاتٍ متتاليةٍ بين 2006 و2010، وجعلها معياراً للنجاح الوطني، بقَطع النظرِ عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. ظَهَرَ جمال مبارك راعياً للمنتخب، الذي رآهُ كثيرٌ من المحلّلين بسبب هذه الرعاية أحدَ أدواتِ "مشروع التوريث". هكذا اكتملت أركانُ تصوّرٍ وطنيٍّ جديدٍ، انشغالُه الأساسيُّ "صورة مصر في العالم"، والتي تُقاس بنجاحات المنتخب في الملاعب والسلوكيات "الحضارية" للجماهير في المدرجات. بينما هُمِّشَت في هذا المشروع قطاعاتُ المشجّعين التي استُبعِدَت من المدرّجات وهُمِّشَت معهم همومُهم الاجتماعية. بَلَغَ هذا ذروتَه في التصفيات الإفريقية المؤهِّلة لكأس العالم 2010، وهَوَى مع هزيمة المنتخب المصري أمام نظيره الجزائري في المباراة الفاصلة التي أُجْرِيَت بينهما في السودان في نوفمبر 2009.

استعادت اتّحاداتُ المشجّعين مكانتَها في المدرّجات بتأسيس مجموعاتِ مشجّعي الأندية. ففي مارس 2007، أَسّسَ مشجّعو نادي الزمالك "ألتراس وايت نايتس" أو "أولتراس" كما ينطقها بعضُ المؤسّسين، وتَبِعَهم مشجّعو النادي الأهلي بتأسيس "ألتراس أهلاوي" في أبريل من السنة نفسها. رمى المؤسّسون من وراء مجموعات الألتراس إلى استعادة الكرة "للجماهير"، فأسّسوا شبكاتِ تضامنٍ على مستوى الجمهورية تُمكِّنُهم من تحمّل تكلفة التذاكر، وساعد تنسيقُهم على إعلاء أصواتِهم في المدرّجات. يقول أحدُ مؤسِّسي "وايت نايتس" في حديث مع الفِراتْس إنّ المجموعات ساعدت المشجّعين على التجمّع بأعدادٍ كبيرةٍ وتنظيم التشجيع في المدرجات، إذْ أصدرت بطاقات عضوية وجمعت من الأعضاء رسومَ الاشتراكاتِ لتمويلِ شراءِ أدواتِ التشجيع. وبينما لم يكُن للمجموعات في هذه المرحلة المبكرة جدولُ أعمالٍ واضحٌ، اقتصر دورُها على ضمان موقعِها في المدرّجات للتشجيع. وقد عبّرت عن هذا المسعى في الهتافات والأغاني التي ألّفتها. فمثلاً، أصدر "ألتراس أهلاوي" سنة 2012 أغنيةَ "حكايتنا" التي بدأت بمقطعٍ قالت المجموعةُ فيه:

الكورة لما جِينا كانت كِدب وكانت خداع

كانت مَغْيَبة للعقول، كانت للسلطة قناع

بيحاولوا يجمِّلوها وتِبقى همّ للبلاد

وناسيين المدرّج اللي ماليينه آلاف

بدا تكوينُ مجموعات الألتراس حدثاً ثوريّاً. استطاعت تلك المجموعاتُ التي شكّل قوامَها آلافُ الأطفال والشباب، فرضَ وجودِها على المدرّجات في مدّةٍ قياسية. فبينما استمرّت هيمنةُ الطبقات الوسطى والعليا على المدرّجات في مباريات المنتخب المصري، عادت المدرّجات إلى الجماهير في مباريات الأندية. أَدْخَلَ الألتراس على المدرّجات أنماطَ تشجيعٍ جديدةً، منها الغناءُ لفِرَقِها طوالَ المباراة بغَضِّ النظرِ عن النتيجة، والارتحالُ خلف فِرَقِها داخل البلاد وخارجها مهما كانت التكلفة، والانتماءُ للمجموعة على حسابِ الفردِ بإنكارِ الذاتِ ونَسْبِ المجدِ للنادي. وحين اتّخَذَت منذ تأسيسها موقفاً معادياً ممّا أَسْمَتْه "دوري أندية الشركات" لكونِه تجسيداً لهيمنة المال على اللعبة، كَثُرَت المواجهات بينها وبين قوّات الأمن بسبب التضييق على الشعارات الرئيسة والتصميمات واللافتات التي يرفعونها في المدرجات، ومنها الشعاراتُ الداعمةُ لفلسطين.


تبوّأَت القضية الفلسطينية موقِعاً في قلبِ خطابِ مجموعات الألتراس منذ تأسيسها. كان الرابطُ الأولُ عاطفياً، إذْ نَمَا وعيُ مؤسّسي الروابط على مشهدِ استشهادِ الطفلِ محمد الدرّة بجوار والدِه مستنداً على الحائط في الانتفاضة الفلسطينية الثانية سنة 2000. استفَزّ هذا المشهدُ المشجّعين واستفَزّ طلبة المدارس الثانوية والجامعات في مصر. يَستذكِر أحدُ مؤسّسي ألتراس "وايت نايتس" هذه المشاهدَ في حديثِه مع الفِراتْس قائلاً إن "الشباب وقتها كانوا يحرقون علم إسرائيل في المدارس والجامعات، حتى أسّسنا الأولتراس، فصارت القضيةُ أوّلَ مبدأٍ ندافع عنه".

بَحَثَ المؤسّسون في تاريخ أنديتِهم عن مواقفِ دعمِ فلسطينَ فصاروا يتباهون بها. يَستحضِرُ أفرادُ "ألتراس وايت نايتس" تاريخَ نادي الزمالك الطويلَ في التضامن مع المظلومين، بدءاً من فتح النادي أبوابَه للنازحين من مدن القناة بعد العدوان الثلاثي على مصر في أكتوبر ونوفمبر 1956، وصولاً لسَفَرِ فريق النادي لكرة القدم للعبِ مباراةٍ مع منتخب فلسطين في غزّة في أبريل 2000، قبل اندلاع الانتفاضة الثانية بخمسة شهور. أمّا أفرادُ "ألتراس أهلاوي" فيتفاخرون بسَفَرِ فريقِ ناديهم إلى فلسطين سنة 1943، ومشاركتَه في ثلاث مبارياتٍ دعماً للقضيةِ العربيةِ، ويتباهون بنجوم الأهلي الفلسطينيين وعلى رأسهم مروان كنفاني، حارسُ المرمى الذي صار بعد ذلك قيادياً في منظمة التحرير الفلسطينية. يقول أحدُ مؤسّسي "وايت نايتس" للفِراتْس إن التضامن مع فلسطين صار من أسبابِ فخرِ كلِّ جمهورٍ بناديه ومن أرسخِ مبادئِ عقليةِ فردِ الألتراس، إذ اتّفَقَ مؤسّسوها على أن يتعاونوا على "مساندة الحق"، وأن تكون قضاياهم هي "الزمالك، الوايت نايتس، فلسطين. وهي قضايا لا يختلف عليها اثنان في الالتراس".

تأثَّر مؤسّسو مجموعات الألتراس بنموذج الوطنية الذي قدّمته المقاومة الفلسطينية. فحين كان الإعلام المصري يحتفي بوطنيةٍ مفرَغةٍ من المحتوى الاجتماعي والنضالي أبطالُها أبناءُ الطبقة الوسطى والعليا، قدّمت فلسطينُ لهؤلاء المؤسّسين نموذجاً للوطنية المقاوِمةِ الاحتلالَ الساعيةِ لتحقيقِ العدل. أَلْهَمَهم هذا النموذجُ بسببِ التضييقِ الأمنيِّ عليهم. بدأ التضييقُ على الألتراس سنة 2008، إذ مَنَعَ الأمنُ إدخالَ أدواتِ التشجيع، مثلَ الطرومبيطة (طبلة كبيرة) واللافتات والصنانير (حاملات الأعلام الطويلة) والشماريخ (الألعاب النارية)، إلى المدرّجات في إطار سعيِه لفرضِ الانضباط و"المشهد الحضاري". تسبّب هذا التضييق في مواجهاتٍ متلاحقةٍ قَبَضَ فيها رجالُ الشرطة على بعضِ أعضاءِ الألتراس. كذلك لجأت الشرطةُ في بعض الأحيان للقبض على قيادات الألتراس استباقاً قبل المباريات الكبرى. رأت الألتراس أن قضيّتَها والفلسطينيّين واحدةٌ، وهي السعيُ للحرية. ففي حينِ يناضِلُ الفلسطينيون من أجل الحرية ضدّ المشروع الصهيوني الاستعماري، يخوض أعضاءُ المجموعات صراعاً ضدّ الشرطة لانتزاعِ المدرّجات فضاءً عامّاً من يدِ قوّات الأمن ورَدِّه إلى الجماهير.

سرعان ما صارت القضية الفلسطينية موضوعَ الاشتباكِ بين الألتراس وقوّات الأمن. كانت بدايةُ المواجهة سنة 2008، حين اتُّهِم النظامُ المصري بالتواطؤِ مع الاحتلال الإسرائيلي في فرض الحصار على قطاع غزّة بعد سنتَيْن من تولّي حركة حماس السلطةَ فيها. فمع بداية العدوان الإسرائيلي على القطاع في نهاية السنة، صمّم ألتراس "وايت نايتس" تصميماً مرسوماً يدوياً فيه خريطةُ العالم العربي ملوَّنةً بألوان عَلَمِ فلسطين، بجانب لافتةٍ مكتوبٍ عليها "وطنٌ واحدٌ، قلبٌ واحدٌ". حاول أفرادُ الألتراس إدخالَهما إلى المدرّجات أثناء مباراة الزمالك والأهلي، إلّا أنّ قوّات الأمن منعتهم وقبضت على بعضِهم. بدأت حينها سلسلةٌ من المواجهات والفرّ والكرّ بين أفراد الألتراس وقوات الأمن استمرّت حتى اندلاع ثورة يناير سنة 2011.


أَبْلَت مجموعاتُ الألتراس بلاءً حسناً في ثورة يناير 2011. تجلّى هذا يومَ الثامن والعشرين من يناير المعروف بجمعةِ الغضب، حين بلغت المواجهاتُ بين المتظاهرين وقوّات الأمن ذروتَها. حينها، استغلّ أفرادُ الألتراس خبراتِهم في مواجهةِ قوّات الشرطة ومناورتِها في الشوارع لترجيحِ كفّةِ الثوّار في معارك محيطِ ميدان التحرير وكوبري قصر النيل. وفي الأشهر التالية للثورة، صعد خطابُ الألتراس المتضامنُ مع فلسطين والداعي إلى تحريرها حتى بلغ أَشُدَّه في سنة 2013.

أدخل النضالُ من أجلِ الحرّيةِ الألتراس إلى قلبِ الحركةِ الاحتجاجيةِ في مصر بُعَيد تأسيسِها. شهدت فترةُ تأسيسِ الألتراس صعودَ هذه الحركةِ الاحتجاجيةِ في أعقابِ الغزوِ الأمريكيِّ العراقَ سنة 2003. وبعدها ظَهَرَت حركةُ "كفاية" سنة 2005 مناهِضةً تمديدَ حُكمِ الرئيسِ محمد حسني مبارك أو توريثَ ابنِه جمال الحُكمَ، وحركةُ 6 إبريل التي دَعَمَت إضرابَ عمّالِ الغزلِ والنسيجِ في المحلّة سنة 2006. أَثْمَرَ ذلك حراكاً سياسياً واسعاً تجلّى في تعديلِ الدستور والسماحِ بانتخاباتٍ رئاسيةٍ تعدّديةٍ أوّلَ مرّةٍ سنة 2005، والصعودِ السياسيِّ لجماعةِ الإخوان المسلمين بدءاً من حصولِهم على خُمسِ مقاعد البرلمان في السنة نفسِها، ونشاطِ الاشتراكيّين الثوريّين في دعم الحركات العمّالية. تأثّرت مجموعاتُ الألتراس بهذا الحراكِ الذي كانت القضية الفلسطينية جزءاً أساساً منه، ورأت نفسَها جزءاً من هذا النضالِ المشترَك. انخرط بعضُ أفرادِها في هذه الحركاتِ، وحاولت التعبيرَ عن تضامنِها مع فلسطين بالهتافات والغناء و"الدخلات" في المدرّجات (أي ترتيب لافتات وأغانٍ بين الجمهور الحاضر في المباراة)، فدخلت بذلك في مواجهاتٍ متكرّرةٍ مع أجهزةِ الأمنِ أدّت إلى القبضِ على بعضِهم في حوادثَ متعدّدة.

انخرط أفرادُ الألتراس في الحركات الثورية وصَبَغوها بصبغتِهم على نحوٍ ظَهَرَ جليّاً في الهتافات. ففي حينِ اعتادت القوى السياسيةُ على الهتافات التي يقودها شخصٌ واحدٌ تُردِّدُ الجماهيرُ مِن خلفِه، هَيْمَنَت الألتراس على الميادين بأغانٍ يحفظُها الأفرادُ مسبَقاً ويؤدّونها مجتمِعين، بحركاتِ أيدٍ منظّمةٍ وسُبابٍ للنظام وقوّات الأمن كالذي اعتادوا كَيْلَه للفِرَقِ المنافِسةِ في المباريات. مثلاً، رَدَّدَ المتظاهرون مع أفراد "ألتراس أهلاوي" هتاف:

خافي منّنا يا حكومة جايين الليلة ناويين

جمهور الأهلي يولعوها [كذا] أُمّ الظابط على الأمين

بينما قادَ أفرادُ ألتراس "وايت نايتس" الهتافَ في مرّاتٍ أُخرى:

مش ناسيين التحرير يا ولاد الوسخة

الثورة كانت بالنسبة لكم نكسة

هنروح ونقول لمين ظبّاطنا معرصين

أخذتوا علقة ماخذتوهاش في سنين

تأثّرَت الألتراس بسنواتِ الثورةِ وأثّرت فيها، فأصبحت المدرّجاتُ ساحاتٍ لإعلان المواقف السياسية الثورية التي اجتمعت عليها رابطتا مشجّعي الأهلي والزمالك. انتقلت الهتافاتُ السياسيةُ من الميادين إلى المدرّجات وصارت مكوّناً رئيساً فيها. أصبح الموقفُ من إسرائيل أكثرَ صِداميّةً، فلَم تعُد المجموعات تكتفي بالهتافات المألوفة مثل "بالروح بالدم نفديكي يا فلسطين". ففي أغسطس سنة 2011، أحرق أفرادُ "ألتراس أهلاوي" العلمَ الإسرائيليَّ في المدرّجات، وهتفوا "شمال يمين [كذا] أُمّ إسرائيل".

افترق مسارا رابطتَي الأهلي والزمالك بعد ما عُرِفَ بمجزرةِ بورسعيد في فبراير 2012، عندما قُتِلَ اثنان وسبعون مشجّعاً من جماهير النادي الأهلي في أحداثِ شغبٍ تَلَتْ مباراةَ فريقِهم مع النادي المصريّ في محافظة بورسعيد. أَدَّت المذبحةُ إلى إلغاءِ مسابقةِ الدوريّ، ومنعِ الجماهيرِ من حضور المباريات إلّا في المسابقاتِ الإفريقيةِ المشترَط فيها السماحُ للجمهور بالحضور. اتّهَمَ "ألتراس أهلاوي" المجلسَ العسكريَّ الحاكمَ حينها وقوّاتِ الشرطةِ بتدبير المذبحة انتقاماً من المشجّعين بسببِ مشاركتِهم في الثورة وهتافاتِهم ضدّ النظام. بسبب توقّف النشاط الكرويّ، انشغل أفرادُ المجموعةِ الأخيرةِ بالسعيِ للقصاصِ، فنَظّموا مَسيراتٍ بأعدادٍ هائلةٍ بَلَغَت حدَّ الاعتصامِ أمامَ مجلس الشعب في الشهر التالي للمذبحة. أمّا "ألتراس وايت نايتس" فاستمرّوا في نشاطهم الثوريّ في الميادين وشعارِ الكرةِ للجماهير وانشغلوا أكثرَ بقضيةِ فلسطين.

يَسهُل تتبّعُ اهتمامِ "ألتراس وايت نايتس" بفلسطين بدراسةِ محتوى صفحتِها على يوتيوب. تُظهِر الفيديوهات أفرادَ المجموعة متوشّحين الكوفيّةَ الفلسطينيةَ أثناء الفعالياتِ في الشوارع ورسمِ التصميمات والجداريات. كذلك أصدرت المجموعةُ سنةَ 2012 ألبوماً غنائياً بعنوان "الزمالك هو الحياة" ضَمَّ خمسَ عشرةَ أغنيةً، منها أغنيةُ "عقيدة الفرسان"، التي غنّت مجموعتُها

افتحولنا الحدود خلّوا الفرسان تفوت

جيش يكسر القيود وفلسطين هتعود

وهيجي اليوم الموعود

كذلك أصدرت المجموعةُ نفسُها بعد أشهرٍ أغنيةَ "أسلوب حياة"، احتفالاً بمرورِ خمسِ سنواتٍ على تأسيسِها، لتُؤكِّد ثانيةً على موقفِها من قضيّةِ فلسطين، إذ قالت في آخِرِ مقطع:

في يوم هنضَمّ للمقاومة وهشارك في الانتفاضة

فلسطين هي سبيلي وأنا مليان عزم وإرادة

في الضفّة هنزف بدمّي وفي غزّة بتمنّى أموت

وفي بيت لحم هساند أهلي وفي القدس هنُول الشهادة

ساهم المدُّ الثوريُّ الإقليميُّ في تعميق الأواصر بين المشجّعين المصريّين والفلسطينيّين في تلك الأشهُر. ففي صيف 2012، تأسّسَت أُولى فروعِ "ألتراس وايت نايتس" خارج الحدود المصرية، والذي احتفى بأنشطتِه أفرادُ المجموعة في مصر وفي غزة والضفة الغربية. نشرت صفحةُ الفرع في فلسطين على مواقع التواصل الاجتماعي الجدارياتِ التي رَسَمَها أفرادها وصورَ بعضِ الأفراد ملثَّمين في المسجد الأقصى، ونظّمت فعالياتٍ تضامنيةً مع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال. وحين أصدرت المجموعةُ في مصر ألبومَها الثانيَ بعنوان "صوت الفرسان" سنة 2013 خَصَّصَت أغنيةً كاملةً فيه للقضية الفلسطينية، هي أغنيةُ "حرب نهاية الزمان" التي أُنتج لها فيديو مدّتُه ستُّ دقائق، تظهر فيه جداريةٌ عن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بجانب الكاتبِ غسان كنفاني وشخصيةِ "حنظلة"، الأيقونة الكاريكاتيرية للفنان الفلسطيني ناجي العلي. تُفتَتَح الأغنيةُ بصوت الموسيقار محمد عبد الوهاب "أخي جاوَزَ الظالمون المَدى". ثم تغنّي مجموعةُ الألتراس:

من يوم ما وعيت وأنا بحلم بالتحرير

أرض الأحرار

وترجع فلسطين

تستمرّ الجوقة في غنائها مع مَشاهدَ من الانتفاضتَيْن الأُولى والثانية، وصورِ تشييعِ الشهداء، ومشاهدَ للمقاوِمين يواجِهون الدبّابات. ثمّ تنتهي الأغنيةُ بتنبّؤِ المجموعةِ بمعركةِ نهاية الزمان حينما تنتصر المقاومةُ وتُحرر فلسطين. مزجت تلك الأغنيةُ بين التوجُّهَيْن القومي العُروبي والإسلامي الشعبي، واستَعمَلَت عباراتٍ مثل "الغزو العربي" و"القدس عربية"، لكنها في الوقت ذاته تضمّنت إشاراتٍ للْجَنَّة والجهاد المفروض لأجل العقيدة والدين. ولَم تميِّز الأغنيةُ بين الديانة اليهودية والفكر الصهيوني. يَعزو المحلّلون هذا المزجَ إلى هيمنةِ الخطاب السياسي الإسلامي إبّان حُكمِ جماعةِ الإخوان مصرَ بين عامَيْ 2012 و2013، وانعكاسِ ذلك على خطابِ الألتراس.


انعكس انحسارُ الموجةِ الثوريةِ صيفَ 2013 على المجموعاتِ وموقفِها من فلسطين. فبعد عزلِ الرئيس محمد مرسي وهيمنةِ العسكريّين على الحُكمِ، واجهَت المجموعاتُ تحدّياتٍ جديدةً تمثّلَت في سعيِ الحكّامِ الجددِ إلى تقويضِها وفي ارتفاعِ حدّةِ العنفِ المادّي والمعنويّ الذي واجهَتْه من أجهزةِ الدولة. أدّى ذلك إلى انقسامِ المجموعاتِ داخلياً فدعا بعضُ أفرادِها لقَصْرِ أنشطتِها على تشجيعِ أنديتِها، وأَصَرَّ آخَرُون على اتّخاذِ مواقفَ واضحةٍ من القضايا السياسية المركزية وعلى رأسِها القضية الفلسطينية.

تزامَنَ صعودُ العسكريين سدّةَ الحُكمِ مع إعادةِ ترتيبِ المشهدِ الرياضي. أُجرِيَت في سنة 2014 انتخاباتٌ لمجالس إدارات الأندية الرياضية، أَسْفَرَت عن فوز محمود طاهر برئاسةِ النادي الأهلي ومرتضى منصور برئاسة نادي الزمالك. بادَرَ الأخيرُ فورَ تولِّيه منصبَه بإعلانِ العداءِ لمجموعاتِ الألتراس، وجَيَّشَ مواردَه الإعلاميةَ والقانونيةَ للحرب عليها. فوَصَفَ مرتضى أفرادَ "ألتراس وايت نايتس" بالإرهابيين، وأصدر قراراً بمنعِهم من حضورِ تدريباتِ الفريقِ في مدرّجاتِ النادي التي كانت سبيلَهم الوحيدَ لإظهارِ مؤازرتِهم ناديَهم في ظلِّ منعِ الجماهيرِ من حضورِ المباريات. تحدّى أفرادُ المجموعةِ قراراتِ منصور وتظاهَروا أمام النادي للمطالبةِ بالسماحِ لهم بحضورِ تدريباتِ فريقِ الكرةِ، فاتّهَمَهم رئيسُ النادي بمحاولةِ اغتيالِه، وصَدَرَت أحكامٌ قضائيةٌ بمعاقبةِ بعضِهم بالحبس. ومع نجاحِ المجموعة في انتزاعِ حقِّ العودةِ لحضورِ المبارياتِ في فبراير 2015، قُتِلَ عشرون من مشجّعي الزمالك بسببِ التدافعِ أثناء مرورِهم عبرَ قفصٍ حديديٍّ فَرَضَت الشرطةُ عليهم المرورَ منه لدخول مباراةِ فريقِهم ضدّ نادي إنبي على ملعب الدفاع الجوّي العسكري بالقاهرة. أمّا سعي مجموعة "ألتراس أهلاوي" للقصاص فقد بَاءَ بالفشلِ، وواجَهَ أفرادُها اتّهاماتٍ بالإرهابِ والبلطجةِ. حمَّل أفراد "ألتراس وايت نايتس" إدارة النادي مسؤولية قتل زملائهم، بيد أن سلطات التحقيق وَجّهت إليهم هم (أفراد الألتراس) تهم القتل الخطأ وحيازة الألعاب النارية، وأَفْضَتْ المحاكمةُ لتبرئتهم من التهمة الأولى وإدانتِهم بالثانية.

أَعْجَزَتْ تلك الظروفُ المتلاحقةُ الألتراس عن التضامنِ مع فلسطين. فمع العدوانِ الإسرائيليِّ الثالثِ على غزّة في صيف 2014، لَم تصدرْ عن المجموعاتِ أيُّ أغانٍ أو بياناتٍ أو فعالياتٍ تضامنيةٍ مع فلسطين. اكتفى "ألتراس وايت نايتس" بنشرِ بيانِ نعيِ عضوِ فرعِهم في فلسطين، محمود فايز الشريف ذي الواحد وعشرين عاماً الذي انتمى في الآنِ نفسِه إلى كتائبِ القسّامِ، الذراعِ العسكريِّ لحماس في غزّة، وقُتل أثناء العدوانِ في يونيو. في فلسطين، يُدلِّلُ مقتلُ هذا العضو على أنّ الألتراس لَم يكتفوا بتشجيع الكفاح الفلسطيني ضدّ الاحتلال الإسرائيليّ، بل حين سَنَحَت الفرصةُ للمشجِّع الفلسطينيّ أَصْبَحَ هو كذلك مقاوِماً.

ألتراس وايت نايتس
محمود فايز الشريف، عضو فرع "ألتراس وايت نايتس" في فلسطين

اشتدّ التضييقُ الأمنيُّ على الألتراس في السنوات التالية. فمع عودةِ النشاط الرياضي بعد أسابيع من أحداث الدفاع الجوّي، استَصدَرَ مرتضى منصور في مايو 2015 حكماً قضائياً بحظر جميعِ مجموعاتِ الألتراس باعتبارِها "كياناتٍ إرهابية". فَتَحَ الحكمُ البابَ أمام الملاحَقة القانونية لأفراد الألتراس بمختلفِ أعمارِهم، بالتوازي مع منعهم مجدّداً من دخول الاستادات. اقتصر تواجدُ المجموعات آنذاك على الفضاءات الافتراضية بالبيانات المكتوبة والمرئية والألبومات الغنائية. قدّمت جماهيرُ الألتراس بذلك المحتوى روايةً مغايرةً لرواية السلطة عن الأحداث الرئيسة التي مرّت عليها وأثّرت فيها. أصدر "ألتراس أهلاوي" سنة 2013 ألبوماً بعنوان "لن نتوقّف عن الغناء"، خَصَّصوا أغلبَ أغانيه لعرضِ روايتِهم عن مذبحةِ بورسعيد. أمّا "ألتراس وايت نايتس" فأنتجوا فيلماً وثائقياً بعنوان "المَمَرّ" سردوا فيه روايتَهم لأحداث الدفاع الجوّي.

ومع مرورِ نحو عقدٍ على تأسيس الروابط، رَأَى أعضاؤها أنفسَهم في مأساةِ فلسطين. في 2016، أصدر "ألتراس وايت نايتس" ألبوماً بعنوان "8 فبراير" مؤلّفاً من اثنتي عشرة أغنيةً تحكي التاريخَ المأساويَّ غيرَ الرسميّ لمشجّعي الأندية المصرية. تضمّن هذا الألبومُ أغنيةَ "فلسطين: الأرض العربية"، التي تُعَدُّ تحوّلاً في خطاب المجموعة يُبرِزُ التداخلَ بين رؤيتِها لمعركتِها مع الأمن وبين معركةِ المقاومة الفلسطينية مع الاحتلال. ففلسطين فيها هي "قبلة الثورة". وبينما يَعِدُ الألتراس الأولادَ والبناتِ الفلسطينيّين في المسجد الأقصى بزيارتِهم، تُظهِر الصورةُ في الفيديو عَلَمَ فلسطين في المدرّجات بجانب رقم "20" الذي يرمز لضحايا حادثة الدفاع الجوّي، محاطاً بسنابل الزيتون من الجانبين. وتغنّي المجموعة بصوتٍ هادئٍ عن الخطوط الحمراء التي تزيّن الصدورَ (إشارةً إلى شعار نادي الزمالك) والتي أصبحت تحمل دمَ أصدقائِهم الذين قضوا على أعتاب استاد الدفاع الجوّي. خلافاً للأغاني السابقة ذات التوجّه الشعبوي، تخلو هذه الأغنيةُ من أيِّ ذكرٍ لليهود، مستعيضةً عن ذلك بالحديث عن الصهاينة والاحتلال وإسرائيل.

شَهِدَت تلك السنواتُ تصاعدَ وتيرةِ التضييقِ الأمنيِّ وملاحقةِ أفرادِ المجموعات، بإحالةِ بعضِهم للمحاكمات المدنية والعسكرية، على نحوٍ دفع كابوهات الألتراس (وهم المسؤولون عن اختيار الأغاني والهتافات وتوقيتها) لإصدار بياناتٍ يُعلِنون فيها حَلَّ المجموعات، ويؤكّدون تأييدَهم الدولةَ وأجهزتَها. في مايو 2018، حَرَقَت بعضُ القيادات الشعارات الرئيسةَ، عملاً بالطقوس المتعارَف عليها عند إنهاء الوجود الرسمي لمجموعات الألتراس. ولَم يَقْبَل بعضُها الآخَرُ بحَلِّها في ظلِّ الضغطِ الأمنيِّ، فدَبَّتْ بينهما الخلافاتُ على مواقع التواصل الاجتماعي، واحتفى الإعلامُ الرسميُّ بهذا الخلاف. وبينما تَمَرَّدَ أفرادُ "ألتراس وايت نايتس" على قيادته ونَفَى على صفحته الرسمية على وسائل التواصل الاجتماعي حَلَّ المجموعة، أَغلَقَ "ألتراس أهلاوي" صفحتَه الرسمية.


لَمْ تَنتَهِ حكايةُ مجموعاتِ الألتراس بحَلِّها. فقد ظلَّ التواصلُ بين أفرادها قائماً، فنَسَّقوا تصميمَ "الدخلات" قبل المباريات المهمّة، وطوّروا أساليبَ تشجيعٍ لمقاوَمةِ القبضةِ الأمنيّةِ ونظّموا أنشطةً إلكترونيةً هادفةً لدعم القضية الفلسطينية. وفي السنوات اللاحقة، تَراوَحَ الموقفُ الأمنيُّ من وجود الألتراس في المدرّجات بين التسامح والقمع، لهذا تباينت قدرتُهم على التعبير عن تضامنهم مع فلسطين.

جاء الاختبارُ الأوّلُ للعلاقة بين الأمن والمشجّعين صيفَ 2019، عندما استضافت مصرُ مسابقةَ كأس الأمم الإفريقية، التي يُلزِم الاتحادُ الإفريقيُّ مستضيفَها بالسماح للجماهير بحضور مبارياتها. استعدّت أجهزةُ الأمن للبطولة بإطلاق نظامٍ جديدٍ لحجز التذاكر إلكترونياً عبر شركة "تذكرتي". فرضت هذه الشركةُ على المشجعين الراغبين في حضور المباريات تقديمَ بياناتِهم الشخصيةَ للحصول على موافقةٍ أمنيةٍ قبل إصدار "بطاقة المشجّع" كي يشتروا بها تذاكرَ المباريات، والتي ارتفعت أسعارها. أَقْصَت هذه الإجراءاتُ قطاعاتٍ واسعةً من الجماهير التي لَم تستطِعْ تحمّلَ سعر التذكرة الجديد، وأَقْصَت قطاعاتٍ أُخرى غيرَ مُلِمّةٍ بالمعرفة الرقمية اللازمة لحجز التذاكر. تمكّنت أجهزةُ الأمن عبر الشركة من منعِ بعض قيادات الألتراس من حضور المباريات، وأصبح مَن استَخرَج بطاقةَ المشجّع منهم مهدَّداً بالحبس في حالةِ خروجه عن النظام المفروض على المدرجات.

تعاملَت أجهزةُ الأمن بحزمٍ مع كلّ مظاهر الاحتجاج السياسي للجماهير في المدرجات. فمنذ السماحِ بحضورٍ جماهيريٍّ محدودٍ في مباريات الدوري المصري بدءاً من سنة 2021، ألقى الأمنُ المنتشرُ في المدرّجاتِ القبضَ على أعدادٍ متفاوتةٍ من المشجّعين، ليواجهوا تهمةَ الانضمامِ لجماعةٍ أُسِّسَت بالمخالفةِ للقانون. لهذا طَوَّرَ الألتراس ممارساتٍ تشجيعيةً غيرَ معتمدةٍ على الصوت، إذ يُضِيءُ المشجّعون المدرّجاتِ بإضاءةِ هواتفِهم في الدقيقة العشرين، ثم الدقيقة الرابعة والسبعين، من زمن المباريات تخليداً لذكرى شهداءِ أحداث الدفاع الجوّي وبورسعيد على التوالي. تزامنت تلك العودةُ مع تجدّدِ العدوان الإسرائيليّ على سائر الأراضي الفلسطينية المحتلّة، عقب محاولاتِ إسرائيل تهجيرَ أُسَرِ حَيِّ الشيخ جرّاح في القدس من منازلها. لكنّ محدوديةَ أعداد المشجّعين والقبض على مَن يقود الهتافات حالَ دون تمكُّنِهم من إظهار التضامن مع فلسطين خلال هذا العدوان.

نجاحُ القبضة الأمنية في تقويضِ نشاطِ الألتراس فَتَحَ البابَ أمام بعض التسامح مع الحضور الجماهيري، فعاد معه التضامنُ مع فلسطين. فبعد العودة المحدودة للمشجعين، زادت أعدادُ الجماهير المسموح لها بحضور المباريات ووصلت سنة 2022 إلى خمسةِ آلافِ مشجّعٍ، ثمّ وصلت في العامِ الذي يليه إلى عشرة آلافٍ، وأخيراً وصلت في مايو 2024 إلى ثلاثين ألفَ مشجّع. سمحت هذه العودةُ للألتراس بإعادة تنظيم صفوفهم، فهذه المجموعاتُ تستعيد قوّتَها عندما تُفتَحُ أبوابُ الاستادات أمامَها. فالاستاد هو الفضاءُ التنظيميُّ والسببُ الرئيسُ لوجود هذه المجموعات. ومع استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة، عاد المشجّعون للهتافِ لفلسطين ورفعِ الأعلام الفلسطينية. إلّا أنّ المدرّجات تحوّلت إلى فضاءٍ تنظيميٍّ وحيدٍ تستطيع الجماهيرُ من خلالِه التعبيرَ عن تضامنِها مع القضيّة، في دولةٍ يتخطّى عددُ سكّانِها المئةَ مليون نسمة.

لَم يقتصر دورُ الألتراس في الحرب الأخيرة التي بدأت في أكتوبر 2023 على الهتاف. فشكّلوا  على شبكة الإنترنت جماعاتِ ضغطٍ تخدم القضية الفلسطينية. ومع اشتداد الحملة الأمنية على المشجّعين بسبب تضامنِهم مع القضية، انطلقت حملاتٌ إلكترونيةٌ تدعو لمقاطعة المباريات لتَحْمِلَ إداراتِ الأنديةِ على اتّخاذِ مواقفَ أكثرَ حزماً في الدفاع عن المشجّعين. كذلك انطلقَت حملاتٌ أُخرى تُطالِب الأنديةَ بالالتزام بمقاطعة الشركات والكيانات التي تدعم الاحتلال الإسرائيلي. وطالَبَت مجموعاتُ مشجّعي الأهلي والزمالك أنديتَها بفسخِ عقودِ الرعاية مع الشركات المتّهَمة بدعم الاحتلال، وهدّدَت بمقاطعة المباريات إنْ لَم ترضخ الإدارات.


ليست فلسطينُ عند الألتراس مِثلَها عند عمومِ المصريين. فإذا كان التضامن مع فلسطين في المخيّلة الشعبية المصرية واجباً وطنياً ودينياً وعروبياً، فإنّ أفرادَ الألتراس يَرَوْن فيها أنفسَهم ونضالَهم من أجل الحرّية. ولهذا فهُم، على قَبولِهم تجنُّبَ الخوضِ في القضايا السياسية التي خاضوها وقتَ الثورة، يَأْبَوْنَ السكوتَ عن العدوان الإسرائيلي المستمرّ على الفلسطينيين.

ولا يزيد القمعُ الأمنيُّ الألتراس إلّا إصراراً على هذا الموقف. فهذا القمعُ يزيد من أوجُهِ التشابهِ بين خبرةِ أفرادِ الألتراس والفلسطينيين، على اختلافِ حدّةِ المأساةِ وحجمِها، على نحوٍ يَظهرُ في الأحداث الدموية التي وقعت لجماهير الكرة في السنوات الماضية. فلا يمكن إنكارُ أَثَرِ هذه الأحداثِ على رؤيةِ الألتراس لفلسطين، وقد صاروا يُدرِكون أكثرَ من غيرِهم وطأةَ أن تَشهدَ بعينيكَ مقتلَ أقربِ الناسِ إليك.

اشترك في نشرتنا البريدية