حين تحدّث الكليم.. صفحات قرائية تروي شهادة ولاء لمصر

إذا كان اليهود أقليةً في مصر قبل خمسينيات القرن العشرين، فالقرائين كانوا أقليةً داخل الأقلية، وكان أبناء الطائفة الأكثر ارتباطاً بمصر ورفضاً لقيام إسرائيل.

Share
حين تحدّث الكليم.. صفحات قرائية تروي شهادة ولاء لمصر
ظهر المذهب القرائي في القرن الثامن الميلادي في العراق وقد مثَّلوا تقريباً 10 بالمئة من يهود مصر | تصميم خاص بالفراتس

"يشعر الاسرائيليون المقيمون في الشرق العربي عموماً وفي المملكة المصرية على وجه الخصوص بمرارة شديدة وذلك بسبب تكدر العلاقات بين الشعوب العربية وبين الشعب الإسرائيلي … فنحن إن أغضضنا النظر برهة عما يحدث في هذه الأيام من حوادث مؤلمة بين هؤلاء وهؤلاء لوجدنا أن تاريخ الشعبين مملوء بأسطع البراهين على الرباط العظيم والتعاون المستمر الذي بينهما…".
كانت هذه العبارات جزءاً من مقال نشرته مجلة "الكليم" الصادرة عن جمعية الشبان الإسرائيليين القرائين في مصر في 16 مايو 1948، بعد يومين من إعلان قيام دولة إسرائيل. أسهب المقال في سرد الأمثلة على العلاقة الطيبة بين "الإسرائيليين" والعرب. ومصطلح "إسرائيلي" في لغة ذلك العصر كان يعني "يهودي"، ولم تشر لجنسية حديثة لم تكن قد وُجِدت بعد.
في نفس العدد وبالتزامن مع إعلان دول عربية الحرب على إسرائيل في 15 مايو 1948، نشرت المجلة خبراً عن توجه كبار رجال الطائفة اليهودية في مصر إلى قصر عابدين لتقديم الولاء والشكر للملك فاروق. وما لبثت المجلة أن أعلنت صراحةً في عددها في الأول من يونيو 1948 رفضها قيام إسرائيل. افتُتح العدد برسوم ساخرة لشخصيتيّ "المصري أفندي" التي اخترعها الفنان الأرمني أليكساندر صاروخان لتعبر عن المواطن المصري، و"أبو يعقوب" التي عبرت عن اليهودي، وابتكرها رسام الفن الساخر زكي أمين. جاءت الرسوم مع تعليق يقول: "المصري أفندي وأبو يعقوب جسدان وقلب واحد". تلت ذلك افتتاحية بعنوان "القرائين في مصر"، ذَكَرَ فيها المحرر أن القرائين استوطنوا مصر منذ القرن الثامن الميلادي، واندَمَجوا في المجتمع المصري حتى صاروا منه. واختتمت بالتأكيد على أنه "لا عجب أن يكون القرائي مواطناً مخلصاً … ولا عجب أن يستنكر بشدة قيام الدولة المزعومة في فلسطين". تضمن العدد كذلك خبراً عن تبرع أتباع الطائفة للترفيه عن الجنود المصريين المشاركين في الحرب، مع نشر قائمة طويلة بأسماء المتبرعين.
جاء العدد التالي في 16 يونيو على نمط مشابه، فنَشَرت المجلة مقالاً بعنوان "وطنية القرائين وإخلاصهم". استعرض المقال وثيقة تاريخية تعود للسنة الهجرية 1170 يوصي فيها علماء الأزهر الحاكمَ بالقرائين خيراً. وشدد المقال على دعم القرائين الجيشَ المصري واستنكارهم "الدولة المزعومة". وذكر المقال الصلاة التي أقامها الحاخام الأكبر "طوبيا ليفي" لنصرة الجيش المصري، إضافة إلى تبرعات المجلس الملّي للطائفة لصالح الجنود، ودعوته أفرادها للتبرع.
مع تصاعد الصراع العربي الإسرائيلي، أصرت مجلّة "الكليم" على التخندق مع الجانب المصري، إلا أن الأحداث كانت أعقد من أن تُخفف من وطأتها مقالات المجلة. تعرض اليهود المصريون لسلسلة من أعمال العنف، فواجهت المجلة تحدياً إما أن تنتقد تقاعس الدولة المصرية عن التعامل مع العنف ضد اليهود، أو تُؤثر السلامة في ظل الرقابة والأحكام العرفية. اختارت أسرة المجلة الحل الثاني واحتجبت مؤقتاً عن الصدور في سبتمبر 1948. لكنها عادت للصدور بعدها بشهر، واستمرت ثماني سنوات أخرى بعد قيام إسرائيل، لتكون "الكليمُ" الاستثناءَ الوحيد بين مطبوعات اليهود المصريين. فقد ظلت صفحاتها مرآةً عكست التحولات والتوترات الداخلية والتحديات التي واجهها يهود مصر. ومثلت مرجعاً وثق أحداثاً انتهت إلى اندثار الطائفة تدريجياً. في النهاية اختفت "الكليم" في صمت، لتُطوى معها صفحة من تاريخ طائفة القرائين العريقة التي امتد وجودها في مصر حوالي ألف عام.


تعددت طوائف اليهود الذين عاشوا في مصر. فكان هناك اليهود السفارديم، وهم الشرقيون الذين عاشوا في مصر والدول العربية قروناً طويلة. واليهود الأشكناز الذين هاجروا إلى مصر من أوروبا الشرقية، لاسيما روسيا وبولندا، في القرنين السابع عشر والتاسع عشر وأثناء الحرب العالمية الأولى، وكانوا غالباً من أبناء الطبقات الفقيرة.
مذهبياً، انقسم جل هؤلاء اليهود إلى قرائين وربانيين. وبحسب افتتاحية مجلة "الكليم" في عددها الصادر بتاريخ 16 مارس 1951، فكلمة "قرائي" مأخوذة من "قراءة"، أي ما يُقرأ من التوراة أو شريعة موسى. أما كلمة "رباني" فهي منسوبة إلى من يتبع تفاسير "الربانيم"، أي الحاخامات. وتضيف الافتتاحية أن القرائين هم الإسرائيليون الذين يعتقدون بالتوراة المخطوطة فقط كما أُنزلت، ولا يبنون اعتقادهم على أحكام وشرائع قيل عنها إنها شفهية وتناقض ما جاء في الكتاب. وإن كانوا الطائفة الأكثر عراقة وارتباطاً بمصر، إلا أنهم مثَّلوا تقريباً 10 بالمئة من يهود مصر، أي أنهم كانوا أقليةً ضمن الأقلية.
ظهر المذهب القرائي في القرن الثامن الميلادي في العراق على يد عنان الناسي، المعروف بعنان بن داود. ويجادل بعض القرائين بأن المذهب يعود إلى زمن النبي موسى عليه السلام، وأن كل ما فعله الناسي هو "الغيرة على الدين" والحثَّ على حفظه.
انتشر أبناء الطائفة في العراق وبلاد فارس والمغرب وفلسطين والأندلس، واستقر عدد كبير منهم في مصر في زمن الفاطميين بين القرنين العاشر والثاني عشر الميلادي. وبحسب دراسة لأستاذ العمارة والفنون بجامعة عين شمس أحمد زكريا بعنوان "دور ثقافة مجتمع الصاغة في نشأة الفنان إبراهيم مسعودة" صدرت سنة 2018، فقد سكن معظم اليهود القرائين الفسطاط في "حي المصاصة". وحسب الدراسة اشتغل الكثير منهم في صناعة الحلي والذهب وتجارته. وفي زمن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله سكنوا حارة "زويلة"، التي أصبحت معقلاً لهم. استمرت هجرة يهود الفسطاط إليها حتى عُرفت بحارة اليهود، حيث أقام القرائين أسواقهم للذهب والصرافات التي عُرفت لاحقاً بحي الصاغة.
اعترفت الحكومة المصرية بالطائفة سنة 1890، بعد سنوات من تولى الحاخام شبطاي إلياهو منجوبي رئاسة الطائفة. وتحت رئاسته تأسس المجلس الملّي للطائفة سنة 1901 مع عدد من التنظيمات القرائية، بمساعدة من الشاعر والمحامي والفقيه اليهودي مراد فرج ليشع وبدعم من عائلة مسعودة، إحدى أثرى عائلات القرائين.
برز اندماج الطائفة في المجتمع المحلي في تأثر مريديها بالثقافة الإسلامية. ووفقاً لعالم الاجتماع المصري عبد الوهاب المسيري في كتابه "من هم اليهود وما هي اليهودية" المنشور سنة 2008، تأثر القرائين بعلم الكلام والعقلانية الإسلامية. فقد كانوا يصومون سبعين يوماً في السنة، صياماً على طريقة المسلمين، ويصفون من توفي من كبارهم "ساكن الجنان"، وهو نفس الوصف المستخدم في المقابر الإسلامية. وإذا ذكروا الله، قالوا "سبحانه وتعالى". وعند وصف عقود الزواج، استخدموا تعبيرات مثل: "عقد زواجه بعقد زواج شرعي على سنة نبينا الكريم موسى الكليم عليه السلام".
ناهيك عن أن اسم مجلتهم "الكليم"، وهو لقب نبي الله موسى، مرتبط في الثقافة الإسلامية أكثر منه باليهودية، مستُمداً من الآية 164 من سورة النساء، "وكلم الله موسى تكليماً". ويظهر التأثر بالأدبيات الإسلامية ولغتها في افتتاحية العدد الأول من المجلة، التي بدأت بعبارات دينية إسلامية مثل "الحمد لله الذي هدانا وما كنا لنهتدي إلا به. سلام على نبيه ورسوله موسى الكليم.. وبعد".


لم تكن "الكليمُ" المجلةَ الأولى للطائفة، فقد سبقتها عدة صحف باللغة العربية. أولها صحيفة "التهذيب" التي صدر عددها الأول سنة 1901. تلتها صحف أخرى مثل "الإرشاد" سنة 1908، و"الاتحاد" سنة 1924. وفي سنة 1937، صدرت مجلة باسم "جمعية الشبان القرائين"، وتوقفت بعد خمسة عشر عدداً. حدثَ هذا في العام نفسه الذي أصدرت فيه جمعية الشبان الإسرائيليين القرائين مجلة "الكليم" لتكون لسان حالهم، ووسيلةً لإصلاح شؤون مجتمعهم.
صدر العدد الأول من المجلة نصف الشهريَّة في السادس عشر من فبراير سنة 1945، واستمرت في الصدور حتى سنة 1956، لتصبح وثيقة تاريخية حية تسجِّل أحوال الطائفة اليهودية في مصر. تولَّى رئاسة تحريرها في أعدادها الأولى مراد ليتو، ثم يوسف كمال في السنوات اللاحقة. ويوسف كمال هو ابن الموسيقار المصري ديفيد حاييم ليفي الشهير باسم داود حسني والمولود سنة 1870. كان أحد أبرز المجددين في الموسيقى العربية، ولحّن مئات الأعمال لعمالقة الطرب في عصره ومنهم أم كلثوم وأسمهان وليلى مراد، ثم توفي سنة 1937.
اهتمت "الكليم" في المقام الأول بشؤون الطائفة القرائية وأخبارها. ورصدت على صفحاتها قضايا دينية واجتماعية وعلمية، فضلاً عن قسم ثابت للأدب يتضمن قصصاً قصيرة. واهتمَّت بتوثيق المناسبات الشخصية للطائفة مثل الزواج والخطبة والمواليد والوفيات. فتضمن كل عدد نشرَ أسماء المواليد والوفيات التي قيدتها السلطات المصرية لليهود في الأيام السابقة على صدور المجلة، ما مكَّن محرر المجلة من رصد ارتفاعٍ في معدل وفيات الأطفال قبل إتمام عامهم الأول. ففي رصدٍ لوفيات سنة 1950، وجد المحرر أن ثلاثةً وعشرين طفلاً من أصل تسعةٍ وأربعين توفوا ولم تتجاوز أعمارهم السنة الأولى، ووصف هذه النسبة بأنها "مروّعة تبعث على الأسف"، ما يعكس الأوضاع الصحية الصعبة التي كانت سائدة في ذلك الوقت.
تَتَبُّع مقالاتِ المجلة يقودنا إلى التعرف على الكثير من عادات الطائفة، مثل "الدوطة"، وهي مبلغ تدفعه العروس للعريس عند الزواج، على عكس المهر. وكانت محل رفض الكثيرين من أبناء الطائفة.
ففي عدد الأول من نوفمبر سنة 1948 كتب الطالب بكلية الحقوق يونس حبيب سليم مستنكراً الدوطة، داعياً إلى إلغائها. وفي عدد الأول من أكتوبر سنة 1949 وصفتها الآنسة إستر يوسف فرج الطناني في مقال مطوَّلٍ بأنها "إهانة للمرأة"، وهو ما أثار ردوداً قاسية من رجال انتقدوا مقالها بشدة. بينهم مواطن يدعى إيلي يعقوب إلياهو شمعون، نشرت المجلة مقالاً له في عدد الأول من نوفمبر 1949 اتَّهم فيه البنات بأنهن يبحثن عن عريس "شيك وأفرنجي ومودرن". ثم توالى نشر الردود في الأعداد التالية من رجالٍ ينتقدون الآنسة إستر بقسوة على مقالها ذاك.
انشغلت "الكليم" بشؤون ثقافة أبناء الطائفة وتعليمهم. فانتقد موريس فريد موسى في عدد 16 يوليو 1950 بعض أبناء الطائفة الذين لا يرسلون أبناءهم إلى المدارس، ويفضلون أن "يمرمطوهم" (يرهقوهم)، على حد تعبيره، في الصاغة لتعلم تلك الحرفة. وتضمنت المجلة دعوةً لإنشاء متحف خاص بالطائفة القرائية على غرار المتحف القبطي، إلا أن هذا الاقتراح لم ير النور.
ولم تنجُ المجلة التي وجهت سهام نقدها للعادات والتقاليد، من التعصب والتزمت لدى كثير من أفراد الطائفة تجاه طائفة الربانيين انعكاساً للصراع والخلاف التاريخي بين الطائفتين. فقد اعتبرت كل طائفة الأخرى "غير شرعية"، بحسب ما أشار إليه عبد الوهاب المسيري في كتابه "من هم اليهود وما هي اليهودية". آمن القرائين بأن التوراة المكتوبة هي السلطة التشريعية الوحيدة. بينما رأى الربانيون أن التوراة والتلمود والمشنا (الشريعة الشفوية) كلها مصادر للتشريع. انطوى على ذلك اختلاف بين الطائفتين في تفسير التشريعات الدينية وسنها مثل الميراث والزواج والطلاق.
ظهرت هذه التوترات بوضوح في قضية الشاب موسى نيروز، الذي تزوج من فتاة يهودية من طائفة الربانيين في روما أثناء الحرب العالمية الثانية. وعندما عاد إلى مصر، رفض الحاخام تسجيل أبنائه في دار الشرع، وهي هيئة مسؤولة عن تطبيق الشريعة اليهودية لأبناء الطائفة، بحجة أن زواجه ليس شرعياً كون زوجته ليست من القرائين. ومع أن رئيس تحرير "الكليم" عرض القصة في عدد 16 ديسمبر سنة 1952 بهدف كسب التعاطف مع نيروز، إلا أنه فوجئ برسائل القراء التي أيّدت قرار الحاخام ورفضت زواجه لأنه مخالفٌ تقاليدَ الطائفة.
ظهرت هذه التوترات أيضاً في مقال نُشر في الأول من يوليو 1951، إذ أشار الكاتب إلى حرمان الطلاب القرائين من رحلة مصيف نظمتها مدارس الربانيين، بسبب خلاف بين إدارة المدرسة والمجلس الملي للقرائين حول الإعانة المالية.


لم تكتفِ مجلة "الكليم" برصد التوترات بين أبناء الطوائف اليهودية المختلفة، بل عكست في صفحاتها المزاج العام في المجتمع المصري تجاه اليهود، وكشفت عن صراع داخلي عاشه بعضهم بين رغبة الاندماج والخوف من الوصمة.
في عددها الصادر في 16 أبريل 1945، نشرت المجلة مقالاً قصيراً بعنوان "أنا يهودي"، وقّعه كاتبه بأحرفه الأولى فقط. تساءل فيه عن سبب تردد كثير من اليهود في التصريح بدينهم إذا سُئلوا عنه، وكأن الإجابة بكلمة "يهودي" بمثابة التلفظ بقول فاحش. ووجّه الكاتب حديثه إلى القارئ اليهودي قائلاً: "ألست تعبد الله الواحد؟ ألست تؤمن بنبيّ يعترف به أتباع كل الأديان؟ أليس لك كتاب أنزله الله؟ فلماذا هذا الجبن حين تُسأل عن دينك؟". وقد شدد على أن الخوف من تغيّر نظرة الآخرين لا يبرر التنكّر لهوية دينية "هي دين حقٍّ كسائر الأديان".
هذا الخطاب كان انعكاساً لأزمة هوية أوسع عاشها يهود العالم العربي في النصف الأول من القرن العشرين، مع صعود النزعات القومية العربية وتزايد التوتر السياسي بسبب القضية الفلسطينية. غيّرت هذه التطورات صورة اليهود في نظر قطاعات من المجتمعات الإسلامية والعربية، مع اندماج كثير منهم سابقاً في النسيج الاجتماعي والثقافي.
فسَّر بعض الباحثين اهتمام المجلة بمثل هذه القضايا على أنه جزء من خطة لدعم الهجرة إلى فلسطين، بإثارة مشاعر الانتماء الديني وإقناع اليهود بضرورة تأييد مشروع "الوطن القومي" في إسرائيل.
ومن هؤلاء الباحثين أحمد الغرباوي، المتخصص في الدراسات الإسرائيلية واللغة العبرية. وصف الغرباوي في دراسة نشرها في سبتمبر 2019 بعنوان "الرأسمالية اليهودية وتحييد النخبة"، مجلة "الكليم" بأنها أداة لدعم الهجرة اليهودية. وذهب الكاتب هيثم عبد الشافي في مقال نشره سنة 2017 بعنوان "الصحافة اليهودية في مصر.. في السياسة الغلبة للصهيونيين"، إلى الرأي نفسه، مستشهداً بما ورد في عدد الأول من يوليو 1945 من المجلة. زعمَ عبد الشافي أن محرر المجلة تساءل عن سبب تجاهل المجلس المالي للطائفة القرائية "أمر الهجرة إلى فلسطين وتحقيق حلم الوطن القومي".
إلا أن مراجعة العدد المشار إليه تكشف أن العبارة لم ترد في افتتاحية المجلة كما أشار عبد الشافي، بل في قسم "من بريد المحرر" الذي ينشر رسائل القراء. هناك، نُشرت رسالة من قارئ يدعى ليتو إبراهيم نونو، قال فيها إن القدس لم يعد بها سوى قرائي واحد يعتني بالكنيس، محذراً من اندثار الطائفة هناك بوفاته، وداعياً إلى هجرة بعض العائلات للحفاظ على الطائفة والمعبد. أضاف نونو في رسالته للمجلة: "بهذا وحده نستطيع أن نحيي شريعتنا في البقعة التي نشأت فيها وظهرت".
في مقابل هذه الروايات، وثقت دراسة لأستاذ العمارة والفنون في جامعة عين شمس، أحمد زكريا، عنوانها "ثقافة مجتمع الصاغة" منشورة سنة 2018، رواية معاكسة. أوضح أن القرائين الذين هاجروا إلى إسرائيل لم يُستقبلوا بالترحاب، إذ كانت هناك شكوك لدى مؤسسات إسرائيل في اعتبارهم يهوداً وفق التعريف الديني الرسمي. إضافةً إلى أن السلطات في ألمانيا النازية نفسها لم تصنفهم يهوداً حتى سنة 1944، الأمر الذي منح كثيرين منهم فرصة النجاة من المذابح النازية.


وعلى ما رصدته مجلة "الكليم" من توترات تجاه اليهود في مصر حينئذ، إلا أنها لم تفوّت فرصة للتعبير عن الولاء لمصر ونظامها السياسي. فمع صدور عددها الأول، تصدّر الغلاف صورة الملك فاروق، ثم ما لبثت أن كرّست صفحاتها للاحتفاء بالمناسبات الملكية. وقبيل زواج الملك من زوجته الثانية ناريمان، دعا الحاخام الأكبر أبناء الطائفة لإقامة صلوات خاصة في المعابد، "ليحفظ الله الملك". فيما خصصت المجلة عند الزواج عدداً كاملاً لهذه المناسبة، تلاه أعداد متتابعة تتصدرها صور الملك فاروق أو الملكة ناريمان أو كلاهما معاً.
وبعد ثورة يوليو 1952 وسقوط الملكيَّة وتحول مصر لجمهورية، واصلت المجلة ذات النهج. تصدر غلافها صورة اللواء محمد نجيب، رئيس الوزراء آنذاك، وهو يصافح الحاخام الأكبر حاييم ناحوم، ثم صورة أخرى له مع حاخام القرّائين طوبيا ليفي، وثالثة أثناء زيارته لكنيس موسى الدرعي بالعباسية. وفي تلك الزيارة، صرّح نجيب قائلاً: "كلكم تحملتم الظلم والإرهاب من العهد الماضي، وكلكم هللتم وباركتم للحركة [حركة الضباط الأحرار] … وأكرر القول إن حركتنا أبعد ما تكون عن التعصب الديني". لكن، ومع عزل نجيب وتولّي جمال عبد الناصر رئاسة الجمهورية، عكست "الكليم" التحوّل وصدرت مع صورة عبد الناصر أيضاً.
هذا الإصرار على إبراز الولاء لمصر والتماهي مع أنظمتها السياسية، دعمته المجلة بخطاب تأصيلي تاريخي. في عدد 16 مايو 1951، نشرت مقالاً بعنوان "صفحات من ولاء اليهود لمصر وحكامها"، استعرض فيه الكاتب محطات تمتد من قصة يوسف في مصر القديمة، مروراً بابن كلس وزير الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، وصولاً إلى موسى بن ميمون الطبيب في عهد الدولة الأيوبية. ثم عرّج الكاتب على إسهامات كبار الماليين اليهود في النهضة المصرية الحديثة، مثل شركات السكر في كوم أمبو ومصانع النسيج والمؤسسات التجارية الكبرى التي أسستها عائلات ليشع وعبد الواحد وشماس ومنشه ومسعودة، التي أسهمت في دعم استقلال الاقتصاد المصري.
وحتى في أحلكِ اللحظات التاريخية، لم تتخلَّ المجلة عن خطابها الداعي للوحدة. ففي نوفمبر 1945، اندلعت أعمال شغب ضد اليهود في القاهرة والإسكندرية تزامناً مع ذكرى وعد بلفور، الذي منح بموجبه وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور سنة 1917 فلسطين لتصبح وطناً قومياً لليهود. تحولت المسيرات إلى أعمال نهب وحرق استهدفت المتاجر والمنازل في الحي اليهودي ولم تسلم الكنائس والمدارس، وخلَّفت ستة قتلى بينهم خمسة يهود.
ردّت "الكليم" في عددها بصورة ساخرة لشخصيتي المصري أفندي وأبو يعقوب اليهودي، تحت عنوان "أولاد العم". وكتب المحرر معاتباً: "حتى أنتم أيها العرب! هل ينتقل التعصب الجنسي من ألمانيا إلى مصر؟ وهل تسري عدواه من الغرب إلى الشرق؟ … العرب الساميون أبناء عمومة اليهود، ووارثو مواريثهم الروحية، وما القرآن إلا تعزيز للتوراة وتمجيد لأنبياء بني إسرائيل". وأكد المقال أن اليهود والمسلمين عاشوا جنباً إلى جنب في مصر منذ القدم، لا يفرقهم إلّا ما يقدمونه من عمل صالح للوطن. مشيداً بمساهمات اليهود في الحياة الاقتصادية والسياسية والعلمية والفنية، وداعياً في ختامه إلى عدم السماح لأعداء الأمة بتمزيق وحدتها أو تعكير صفو العلاقات بين أبناء الوطن الواحد.


ومع تمسّك مجلة "الكليم" بنبرتِها التصالحية ودعواتها المستمرة للوحدة الوطنية، إلا أن إعلان ديفيد بن غوريون في 14 مايو 1948 قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين، كان بمثابة القطيعة الفعلية للعقد الاجتماعي بين الدولة المصرية ومواطنيها اليهود. في الخطاب الشعبي، تحوّل اليهود من مكوّن أصيل في النسيج الوطني إلى "طابور خامس" محتمل، ورُبط مصيرهم بمصير الدولة العدو.
ويشير غوردون كريمر في كتابه "ذا جوز إن موديرن إيجبت" (اليهود في مصر الحديثة) الصادر سنة 1989، أنه على إثر إعلان إسرائيل بدأت موجة من الاعتقالات في مصر شملت مئات اليهود، قدّر عددهم في يونيو 1948 بنحو 554 شخصاً. وُصف بعضهم بالصهاينة أو "الصهاينة المحتملين"، فيما لم يكن هناك دليل واضح ضد الكثير منهم. وبموجب الأحكام العرفية، وُضعت ممتلكات نحو سبعين فرداً وشركة يهودية تحت إشراف الدولة، من بينها متاجر شهيرة مثل عدس وشملا وجاتينو.
وفي اليوم التالي لإعلان إسرائيل، دخلت جيوش عربية من مصر والعراق ولبنان وسوريا وشرق الأردن الدولة الوليدة. وفي خضم هذه الأحداث، تأججت مشاعر عداء اليهود في العالم العربي، ووقعت في مصر اعتداءات على ممتلكات اليهود. في 20 يونيو 1948، انفجرت قنبلة في حارة اليهود القرائين، أسفرت عن مقتل اثنين وعشرين يهودياً وإصابة واحد وأربعين.
وحسب كتاب "ذا ديسبيرشن أوف إيجيبشن جوري" (تشتت يهود مصر) الذي صدر سنة 1998 للمؤرخ الأمريكي جويل بينين، فبعد أقل من شهر من تفجير حارة اليهود، تحديداً في 15 يوليو، شنَّ سلاح الجو الإسرائيلي غارة على القاهرة أثناء إحدى الموائد الرمضانية فقتل ثلاثين مصرياً. أشعلت الغارة موجة جديدة من الغضب وأعمال العنف ضد ممتلكات اليهود. شملت تفجير المبنى الرئيس لمحلات شيكوريل في 19 يوليو ومتجر عدس في 28 يوليو وجاتينو في الأول من أغسطس. وفي 22 سبتمبر استهدفت قنبلةٌ جديدة حارةَ اليهود، فقتلت تسعة عشر يهودياً وأصابت اثنين وستين. وبعدها فُجّرت الشركة الشرقية للإعلانات المملوكة لليهود في 12 نوفمبر من نفس العام.
منذ الأول من يونيو 1948، أعلنت "الكليم" موقف الطائفة القرائية الرافض قيامَ ما أسمتها "الدولة المزعومة"، في إشارة إلى إسرائيل، ونشرت مقالات تؤكد وطنية القرائين وإخلاصهم لمصر. لكن تسارع الأحداث كان أقوى من أي خطاب تهدئة. ففي الأول من يوليو، صدرت المجلة بعنوان: "حادث الانفجار المروع بحي اليهود"، مع صورة لرجال الإطفاء ينتشلون أنقاض المنازل. وتضمن العدد تحقيقاً عن القنبلتين اللتين استهدفتا منطقتي الربانيين والقرائين، وكشف عن العثور على قنبلتين أخريين ومواد متفجرة، مع شكر رجال الشرطة والإسعاف، ونشر قوائم التبرعات للمتضررين.
لكن في الأعداد اللاحقة، بدأ الحذر يطغى على تغطية المجلة. في الأول من أغسطس اكتفت المجلة بدعوة للتبرع للمنكوبين، ونشرت خبراً مقتضباً عن تحقيق النيابة في حادث التفجير الذي عزته في البداية إلى وجود ألعاب نارية مخزنة في أحد محال اليهود. ثم انتهى الأمر بحفظ التحقيق وتسجيله ضد مجهول.
لربما عكس ذلك تردّد حكومة محمود فهمي النقراشي باشا في مواجهة جماعة الإخوان المسلمين، وخشيتها من فقدان القاعدة الشعبية إذا دافعت عن الجالية اليهودية في ظل الحرب مع إسرائيل. لكن النقراشي حلّ الجماعة رسمياً في ديسمبر 1948 وهو ما رد عليه التنظيم الخاص في الجماعة باغتيال النقراشي نفسه بعدها بعشرين يوماً. لتبدأ بعدها سلسلة من أعمال العنف المتبادلة بين الجماعة والدولة، وفي سنة 1950 وجه الاتهام رسمياً أثناء محاكمة المتورطين بالاغتيال لأعضاء الجماعة بتفجير الحي اليهودي.
وسط الأجواء المشحونة التالية لتفجير حي اليهود، احتجبت "الكليم" للمرة الأولى منذ تأسيسها، في سبتمبر 1948، بذريعة "إجازة صيفية"، في وقت كانت أعدادها تصدر عادةً طوال العام. هذا الانقطاع فُسِّر محاولةً للابتعاد عن أجواء الرقابة المشددة التي فرضتها ظروف الحرب والأحكام العرفية. فبحسب جويل بينين خضعت المجلة لرقابة صارمة بعد حادث القنبلة، وترك محرروها مساحات فارغة في بعض الأعداد احتجاجاً على القيود وطريقة تعامل الحكومة مع الأحداث.
عادت المجلة في أكتوبر 1948 بزيادة في عدد الصفحات من ست عشرة إلى ثمانٍ وعشرين، لكنها ظلت تحت تأثير الرقابة. فلم تتطرق للأحداث الجارية، ولم تذكر شيئاً عن قنبلة أخرى فجرت في حارة اليهود في 22 سبتمبر سوى دعوات للتبرع للمتضررين، وخبر مقتضب عن ترميم مدرسة الحي. حتى نهاية العام، امتنعت "الكليم" عن التعليق على الشأن السياسي أو حوادث العنف، مكتفية بخبر عن مبادرة أفراد من الطائفة لحراسة حارة اليهود خشية تكرار الاعتداءات.


بنهاية سنة 1948، شعر كثير من يهود مصر أن الدولة التي اعتبروها وطنهم قد تخلّت عنهم، بل وشاركت في اضطهادهم. شعور الفقدان الكامل للأمان كان الشرارة التي أطلقت أول موجة هجرة جماعية في تاريخ الطائفة الحديث. فقبل 1948، كان عدد اليهود في مصر يتراوح بين خمسة وسبعين ألف نسمة وثمانين ألفاً. لكن ما بين 1948 و1950، غادر البلاد نحو عشرين ألفاً، أي ما يعادل ربع الطائفة، حسب الطبيب محمد أبو الغار في كتابه "يهود مصر في القرن العشرين" الصادر سنة 2021. غادر معظم هؤلاء إلى أمريكا وأوروبا وإسرائيل.
لم يكن سهلاً على "الكليم" مع تمسكها بخطها التصالحي تجاهل ظاهرة الهجرة المتنامية. ففي الأول من يوليو 1949، نشرت مقالاً بعنوان "الأسرة العلوية وعطفها على الأقليات"، أشادت فيه بتصريحات الملك فاروق الرافضةِ التمييزَ بين اليهود وبقية المصريين. ووصفت هذه الكلمات بأنها "نزلت علينا برداً وسلاماً"، مشيرة إلى زيارة وفد من كبار اليهود لقصر عابدين لتجديد الولاء.
قد يشي هذا المقال، جنباً إلى جنب مع تصريح الملك، أن أمور اليهود المصريين كانت آخذة في التدهور السريع باتجاه الهجرة الجماعية التي يعترف بها مقال إيلي أمين ليشع في عدد الأول من أكتوبر 1949 من "الكليم". إذ يشير بلهجة حزينة لبدء الهجرة الجماعية بعد أحداث 1948، ويقول إن "الكثير من أحبائنا وذوي قربانا رحلوا إلى خارج البلاد إلى حيث لا عودة". ثم يضيف أن أغلب من سافروا من الطبقة الفقيرة ثم من الطبقة المتوسطة، وأن الأغنياء لم يسافر منهم أحد حتى الآن. وقدّر ليشع عدد الطائفة آنذاك بأربعة آلاف نسمة فقط، محذراً من أن استمرار الهجرة لثلاثة أعوام أو أربعة قد يؤدي إلى رحيل الجميع.
أشار ليشع أيضاً إلى عقبات تنظيمية حكومية واجهت الراغبين في السفر، إذ اشترطت إدارة الجوازات تقديم شهادة من مصلحة الضرائب تثبت تسوية المستحقات المالية. وهي عملية معقدة بسبب اختلاف تقديرات الضريبة بين الممول والمصلحة. ودعا أفراد الطائفة إلى التريث وعدم الانسياق وراء الشائعات.
مع دخول الخمسينيات، تعقَّدت الأمور أكثر. ففي عدد الأول من يناير 1952 نشرت "الكليم" خبراً عن تقدم أفراد من الطائفة بطلبات لوزارة الداخلية للحصول على الجنسية المصرية أو تصريح بمغادرة البلاد، بعدما فُصلوا من أعمالهم تطبيقاً لقانون العمل الجديد الذي يشترط حمل الجنسية. وفي العدد نفسه، خبر آخر عن تزايد طلبات الحصول على وثائق من دار الشرع تمهيداً للسفر، مع إبداء أسف المجلة لتأثير ذلك على عدد مشتركيها وتكاليف إصدارها، خاصة مع ارتفاع أسعار الورق.
زاد حريق القاهرة في 26 يناير 1952 من حدة الأزمة، إذ استهدفت النيران والنهب ممتلكات يهودية بارزة، منها متاجر شيكوريل وداود وعدس وبنزيون وليون كوهين، بالإضافة إلى مدرسة الطائفة الإسرائيلية بميدان فاروق (ميدان الجيش حالياً) في القاهرة. ومع فرض الأحكام العرفية بعد حرب فلسطين (استبدلت الأحكام العرفية بقانون الطوارئ بعد ثورة 1952)، عادت الرقابة لتخنق محتوى "الكليم"، فظهرت المساحات البيضاء مجدداً، وغابت التعليقات على الأحداث السياسية.
يؤكِّد المؤرخ جويل بينين، في كتابه "تشتت يهود مصر" أن تجربة يهود مصر لا تختزل في الروايتين القومية المصرية أو الصهيونية، مشيراً إلى التفاعل المعقد بين صعود القومية المصرية والصراع العربي الإسرائيلي وسياسات الدولة التي أدت مجتمعة إلى تفكيك الطائفة. ويرى أن حرب 1948 جعلت وضع اليهود "مسألة عامة ملحة"، وأن اعتبارات الأمن القومي طغَت على مبادئ المواطنة المتساوية.
ويقول محمد أبو الغار في كتابه الآنف الذكر إن المناخ العدائي بعد سنة 1948 ساهم في أزمات يهود مصر، لكن كثيراً من تلك الأزمات كانت اقتصادية الطابع، بسبب سياسات "تمصير" الاقتصاد التي أضرَّت بكل الأجانب أو من لا يحملون الجنسية المصرية. ويرى أن الهجرة لم تكن حدثاً واحداً، بل كانت بتدرّج وكانت سنة 1948 الشرارة الأولى. ثم كان العدوان الثلاثي سنة 1956 حين شنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل الحرب على مصر بعد تأميم عبد الناصر قناةَ السويس، العاملَ الحاسم في رحيل الغالبية.
أثناء الحرب سنة 1956 صدر أمرٌ عسكريٌ بحجز ممتلكات كثير من البريطانيين والفرنسيين لأنهم رعايا دول معادية، وكان عدد كبير من اليهود يحملون هاتين الجنسيتين، وترافق ذلك مع أوامر إبعادٍ فردية وجماعية.
ويشير بينين في كتابه المذكور سابقاً إلى اعتقال نحو ألف يهودي، نصفهم من المواطنين المصريين، في مناطق مختلفة من القاهرة سنة 1956، فضلاً عن طرد ثلاثة عشر ألف مواطن فرنسي وبريطاني – بينهم عدد كبير من اليهود – من مصر رداً على العدوان الثلاثي. وشمل الطرد خمسمئة يهودي من غير البريطانيين والفرنسيين، وصودرت أربعمئة وخمسون شركة يملكها يهود.
في حرب يونيو 1967، أمر عبد الناصر باعتقال نحو خمسمئة يهودي من أصل ألفين وخمسمئة، هم من تبقى من الجالية اليهودية، وتقلّصت الجماعة أكثر بفعل موجة هجرة ثانية استمرت حتى أواخر الستينيات.
وبحسب أبو الغار لم تكن موجات عداء اليهود استثناءً مصرياً، إذ شهدت دول عربية وإسلامية أخرى، مثل ليبيا والعراق وسوريا واليمن والمغرب أحداث عنف مشابهة، أسفرت عن اقتلاع مجتمعات يهودية عريقة وهجرة نحو ثمانمئة وخمسين ألف يهودي من المنطقة. اتجه كثير منهم لإسرائيل.


الهجرة المتزايدة لليهود من مصر منذ سنة 1948 لم تمنع مجلة "الكليم" وفريق عملها من الاستمرار في الصدور. حتى أن أحد كتّابها تمنّى أن تواصل المجلة عملها حتى سنة 2000. ففي عددها الصادر في أول يناير 1949، نشرت المجلة مقالاً بعنوان "الطائفة سنة 2000!" تضمّن تنبؤات الكاتب عن حال طائفة اليهود القرّائين المصريين بعد واحدٍ وخمسين عاماً.
تناول المقال بأسلوب ساخر أوضاع الطائفة متوقعاً أن تبقى كما هي: مشروعات مؤجلة لا تكتمل وديون متراكمة لا تسدَّد، وتبرعات هزيلة من الأعضاء لا تكفي لإنجاز ما بدأ. وأشار إلى استمرار بعض السلبيات، مثل إصرار العريس على الحصول على دوطة ضخمة من العروس، ولعب بعض أفراد الطائفة للقمار واندثار مقابر البساتين (مقابر اليهود في حي البساتين في القاهرة) وانتهائها بالموت. وتنبأ أن المجلة ستصدر في خمسين صفحة برئاسة تحرير إستر كمال حسني، حفيدة رئيس التحرير.
وقد صدقت نبوءة الكاتب بشأن مقابر البساتين، التي نهبت وأقيمت على أجزاء منها مبانٍ سكنية. أما بقية تنبؤاته المتشائمة فقد كان الواقع أشد قسوة، إذ انتهى وجود الطائفة. فمع العدوان الثلاثي، وما أعقبه من قرار الرئيس جمال عبد الناصر في نوفمبر 1956 بحلِّ مجالس إدارة جميع الجمعيات والمؤسسات الخاصة، حُلّت جمعية الشبان الإسرائيليين القرّائين وتوقفت مجلة "الكليم" عن الصدور نهائياً. وبهذا طويت صفحة كاملة من تاريخ يهود مصر بعد أن باتت البيئة السياسية غير مواتية لهم، فخرجوا منها وانتقل كثير منهم لإسرائيل والولايات المتحدة، والبعض الآخر لأوروبا.

اشترك في نشرتنا البريدية