يصوَّر هذا الجدل تجلياً لصراع بين العلم والدين. في هذا التصوير، يُقدَّم الاعتماد على الحسابات الفلكية طريقاً علمياً يؤدي سلوكه لتوحيد مواعيد بداية الشهور، بقطع النظر عن تباين نتائج الرؤية واختلاف البلدان. ما يجعل إصرار المؤسسات الدينية على تقديم الحس باعتماد الرؤية البصرية معاندةً للعلم، ومنعاً لضبط التقويم الضروري لانتظام الحياة. وبهذا تتجدد مقابلة بين العلم والدين تعود أصولها لعصر التنوير الأوروبي، فيصوَّر الدين سبباً في اضطرابٍ ينبغي تهميشه لتنتظم الحياة.
يفتقر هذا التصوير للدقة. فالمؤسسات الشرعية المتهَمة برفض العلم تُقر بدقة الحسابات الفلكية. وجلها يستند إلى هذه الحسابات في فتاواها، فلا يقبل دعوى رؤية الهلال إن خالفت الحسابات القطعية. وتستعمل هذه المؤسساتُ أيضاً الوسائلَ الحديثة في استطلاع الهلال، وفي نقل خبر رؤيته.
أما الخلاف الحقيقي فسببه تغير العلاقة بين تصوُرين للزمن. التصوُّر الأول إسلامي، ينصب التركيز فيه على الحاضر محلاً للاختبار الأخلاقي، وعليه تأسست الأحكام الفقهية. والتصوُّر الثاني إداري يقصد لتنظيم الالتزامات الآجلة. تعاصر التصوُّران قروناً دون اعتبار أيهما أكثر علميةً من الآخر. ومع نهايات القرن التاسع عشر، تعاضدت تطورات اقتصادية وسياسية وتقنية فرضت على الزمن أنماطاً جديدة من الانضباط، وغيرت وظيفة الزمنين الإداري والإسلامي والعلاقة بينهما، فبدا التقويم القمري باعتماده على الرؤية قاصراً عن الوفاء بوظيفته في هذا التنظيم الجديد الذي جعل من الزمن أداة من أدوات الحكم.
قبل نحو قرنين من البعثة، استحدث العرب تقويماً جديداً تنضبط به مصالحهم، وهو التقويم القمري الشمسي. استمر الاعتماد في هذا التقويم على استطلاع الهلال، وأضيف شهرٌ كل سنتين أو ثلاث ليستمر ارتباط الأشهر بمواسم السنة. هذه الزيادة بحسب الرازي هي إحدى صورتي النسيء عند العرب. وصورته الأخرى التأجيل، أي تأجيل حرمة بعض الأشهر الحرم، الممنوع القتال فيها من زمن إبراهيم، إلى شهر آخر ليست له تلك الحرمة.
بسط العرب سلطانهم على الزمن بهذا النسيء فانتظمت مصالحهم. من جهةٍ ضبطت الزيادةُ في الشهور المواسمَ على النحو الذي تكشفه أسماءُ الأشهر العربية التي يرجح المؤرخون استقرارها في هذا الوقت. إذ يدل ارتباط أسمائها بمواسم معينة على استقرارها فيها. فاسم ربيع مثلاً سمي على موسم الارتباع بعد المطر الذي يقع في أول الشتاء، وجمادى على شهري تجمد الماء في ذروة الشتاء، ورمضان على شهر اشتداد الحرارة. ومن جهة أخرى أزاح تأجيلُ الأشهر الحرم العقباتِ التي حالت بينهم وبين مصالحهم. في تفسيره المسمى "جامع البيان"، ينقل محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 923، عن ابن زيد قوله أن العرب قبل النسيء كانوا "لا يغِير بعضهم على بعض في الشهر الحرام: يلقى الرجل قاتل أبيه فلا يمد إليه يده". ثم صاروا مع اعتمادهم النسيء أقدر على تحقيق مآربهم، يقول أحدهم إذا تعارض مأربه مع شهر المحرَّم مثلاً: "ننسئه العام، وهما العام صَفَران. فإذا كان عام قابل قضينا، فجعلناهما محرَّمين".
ارتبط هذا التحوُّل بظهور تصور جديد للزمن، يبدو فيه كتلةً واحدةً باقيةً على تعاقب السنين، وفاعلاً باطشاً لا مقياساً محايداً للأيام. يتجلى هذا التصور في شِعر ما قبل الإسلام، إذ تبدأ القصائد بالبكاء على الأطلال شهادةً على عنف فعل الزمن الذي لا يذر شيئاً من آثار البشر ولا سبيل للنجاة منه. ويُصوِّر الشعراء الزمنَ فاعلاً عشوائياً مهلِكاً باقياً. من ذلك قول امرئ القيس الكِندي "ألم أخبرك أن الدهر غول، ختور العهد يلتهم الرجالا. أزال من المصانع ذا رياش، وقد ملك السهولة والجبالا". وقول زهير بن أبى سلمى المزني، في معلقته "رأيت المنايا خَبطَ عشواء مَن تُصِب، تُمتهُ ومن تخطئ يُعمَّر فيَهرم". أما لبيد بن ربيعة العامري، فيشير قوله "وما المال والأهلون إلّا وديعةٌ، ولا بد يوماً أن تُردَّ الودائعُ" لبقاء الزمن يسترد الودائع بفناء الناس.
تبدو محاولة العرب السيطرة على الزمن مقاومةً لهذا البطش المُتخيَّل. إذ تكشف أشعارهم الفخر بالسيطرة على الزمن والتحكم في حله وحرمته، حتى نقل عبد الملك ابن هشام، المتوفى سنة 833، في "السيرة النبوية" عن بعض شعراء ما قبل الإسلام قوله "ألسنا الناسئين على معد، شهور الحل نجعلها حراماً". وينقل القرآن قولهم "نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر". ويُفهم منه هيمنة الزمن على المستقبل بإهلاكهم، وتحديهم هذه الهيمنة باعتبار حياة أبنائهم واستمرار ذكرهم بعد مماتهم حياة لهم يقاومون بها فعله كما يشير إليه الطبري في تفسيره. من هذا المنظور، تبدو السيطرة على التقويم جزءاً من معركة العرب مع الزمن.
فتحت هذه التدخلاتُ بابَ تصوُّر جديد للزمن. إذ لم يعد كما كان في السابق فاعلاً مستمر الوجود على تعاقب الأمم، وشاهداً يعرِف آباء الناس من الأمم السابقة ويستمر بعدهم إلى أبنائهم من الأمم التالية. بل تحوَّل إلى وحداتٍ ذَرِّيةٍ، كل لحظة منها خلقٌ إلهي جديد، كما يقول غيرهارد باويرنغ أستاذ دراسات الأديان بجامعة ييل في بحثه "ذا كُنْسِبْت أُوف تايم إن إسلام" (مفهوم الوقت في الإسلام) المنشور سنة 1997. أي لم يعد للزمن نفسه تاريخ ولا مستقبل، لأن كل وقت يوجد بخلق الله إياه في لحظة معينة، ثم ينعدم في اللحظة التالية ليحل محله وقت آخر خلقه الله فيها. يعبر عن هذا المعنى الفخر الرازي بقوله في كتابه "المطالب العالية" إن "الماضي والمستقبل كل واحد منهما عدمٌ محض" لعدم اتصال أيهما بالحاضر. فالحاضر خلقه الله في لحظة وجوده، لم يبق من الماضي ولا يبقى إلى المستقبل.
استند هذا التصور للخطاب الكلامي الأشعري المهيمن في التاريخ الإسلامي. وفق هذا الخطاب، لم يجعل الله للكون حين خلَقه وجوداً مستقلاً. بل أسند وجوده في كل لحظة لتعلق قدرة الله في هذه اللحظة بإيجاده على الصورة المخصوصة التي يوجد عليها، وفق الإرادة الأزلية. فكل شيء يُخلَق في كل لحظة من العدم، ولا يستمد وجوده في أي لحظة من وجود في اللحظة السابقة، ولكن من خلق جديد، أي "كُن" جديدة، تتجلَّى في وقتها "فيكون".
هذا التفتيت للزمن يجعل الحاضرَ الحقيقةَ الوحيدةَ، فينحصر فيه الوجودُ ومسؤولياته الأخلاقية. يظهر هذا في الخطابات الصوفية والفقهية. مثلاً، ينقل أبو القاسم القشيري المتوفى سنة 1072 في "الرسالة" بعض تعريفات التصوف، منها "أن يكون العبد في كل وقت مشغولاً بما هو أولى به في [هذا] الوقت،" أي يكون مشغولاً بالحاضر عن الماضي والمستقبل. لأن "من نظر إلى الماضي والمستقبل" – كما في كتاب "مفتاح المعية في الطريقة النقشبندية" لعبد الغني النابلسي، المتوفى سنة 1731 – "اشتغل عما هو فيه من الزمان والحال"، مع أن الزمن الحاضر هو وحده محل المسؤولية. وعلى هذا الأساس يميز ابن عطاء الله السكندري، المتوفى سنة 1309، في "الحِكَم" بين بعض الواجبات العملية المؤقتة التي يسميها "حقوقاً في الأوقات"، والتي يمكن قضاؤها لاحقاً لو غُفل عنها في وقتها، وبين ما يسميه "حقوق الأوقات" أي الحضور في كل وقت والاشتغال به، وهي حقوقٌ لا يمكن قضاؤها لو فاتت، "إذ ما من وقت يرد إلا وللّه عليك فيه حق جديد وأمر أكيد." ويُنقَل عن عدد من أئمة التصوف قولهم "الصوفي ابن وقته"، ينشغل به ولا يتخطاه لغيره.
ويرصد أستاذ القانون بجامعة مكغيل الكندية عمر فرحات أثر هذا التصور على أصول الفقه في دراسته "تايم آند مورَل تشويس إن إسلامِك جورِسبرودنس" (الوقت والخيار الأخلاقي في الفقه الإسلامي)، المنشورة سنة 2021. ويخلص فيها إلى اعتبار الفقهاء كل لحظة تمر على الإنسان لحظة خيار أخلاقي جديد لطاعة الله أو معصيته، منفصل عن خيارات اللحظة السابقة ولا ينظر إلى اللحظات اللاحقة. ويمكن رصد الأثر الفقهي العملي لهذا التصور في أحكام بعض العبادات المؤقتة. فالتكليف بالصلاة مثلاً لا يحصل إلا بدخول وقتها. فمن نام قبله لم يكلَّف بالاستيقاظ لها، إذ لا تكليف بما لم يحن وقته. وأرباب الأعمال الشاقة المرخِّصة للفطر في رمضان يجب عليهم عقد نية الصوم والامتناع عن المفطرات من الفجر وحتى تحصل المشقة المرخِّصة للفطر، ولا يجوز ترك ذلك بناء على المعرفة المسبقة بحصول المشقة في المستقبل، بل يمسك عن المفطرات حتى تحصل المشقة. وكذلك من قرر السفر في ظهر يوم من أيام رمضان يبقى على صومه من الفجر حتى السفر، ولا يفطر قبلها بناء على خططه.
ولا يُفهم من هذا انقطاع النظر إلى الزمن الآجل. فبعض أحكام الشرع ونصوصه تتعلق به. مثلاً، تحكي عائشة ادخار النبي قوت أهلة سنةً وإخراجه ما زاد عنه. وأخذ منه بعضهم اعتبار مدة السنة الحد المشروع في النظر للزمن الآجل في أحكام الزكاة ونحوها. ولكن تفتيت الزمن وجعل الحاضر الحقيقة الوحيدة يؤسس علاقة مختلفة مع الزمن الآجل. فإعدام اللحظة التالية يفتح الحاضرة على الدار الآخرة مباشرة. وتصير كل لحظة موضع حساب محتمل. ويتأسس السلوك لا على تخطيط المستقبل وضمانه، بل على أداء حقّ الوقت عند وروده، والانفتاح في كل لحظة على مراد الله منها الذي لا يظهر إلا فيها والخضوع له.
ربطت النصوص دخول الشهر الجديد برؤية المجتمع الهلال، رآه الفرد أو لم يره. ورد في الحديث مثلاً قول النبي "فطركم يوم تفطرون"، وقوله "الفطر يوم يفطر الناس"، أي بقطع النظر عن رؤية الشخص نفسه الهلال الذي رآه غيره. وفي حياة النبي، صام مسلمو المدينة كلهم أو أفطروا بناء على رؤية بعضهم الهلال. بل اعتُبرت رؤية غيرهم أحياناً، فقَبِل النبي في اليوم الثلاثين من رمضان شهادة أعرابيين قدما من خارج المدينة برؤية الهلال في الليلة السابقة، وأمر أهل المدينة، الذين استطلعوا الهلال ولم يروه في الليلة السابقة، أن يفطروا.
على أن ذلك لم يسرِ على الجميع خارج المدينة. إذ حكى كريب بن أبي مسلم دخول شهر رمضان ليلة الجمعة وهو بالشام في خلافة عمر أو عثمان، وعلمه بعد عودته المدينة أن أهلها رأوه ليلة السبت. ونقَل رفض ابن عباس وقتها العمل برؤية أهل الشام، وإصراره على استطلاع الهلال بعد تسع وعشرين ليلة من صيام أهل المدينة لا من صيام أهل الشام، وقوله في ذلك "هكذا أمرنا رسول الله".
تأسست على هذه النصوص أحكامٌ شرعية لضبط التقاويم، اتسقت مع تصور معنى الوقت في الخطابات الإسلامية المختلفة. من هذه الأحكام تعريف الشهر ومدته. قاس أهل الحساب والنجوم المدة بين ميلاد الهلال، أي مفارقة القمر الشمس بحيث يمكن رؤيته، وميلاد الهلال الذي يليه، وقدَّروها بتسع عشرين ليلةً وكسور، فجعلوا هذه مدة الشهر القمري. ومع عدم منازعة الفقهاء في دقة هذه الحسابات، فإنهم لم يوافقوا على جعلها مدة الشهر. بل هو، كما يقول تقي الدين السبكي المتوفى سنة 1355 في كتابه "العلم المنشور في إثبات الشهور"، يكون ثلاثين تارة وتسعة وعشرين تارة، "لا يخرج عن هذين الأمرين"، ولا تُعرف مدته إلا بعد تسع وعشرين ليلة منه. لأن الشهر تقسيم إلهي للزمن، حدد الشارع علامة دخوله برؤية الناس الهلال لا مجرد مفارقته الشمس. يؤكد السبكي أن عدم اعتبار الحساب في تحديد أول الشهر ليس جحوداً للعلم، وليس ذماً ولا تنقيصاً من الحساب، "بل هما فضيلة فينا"، ولكن الحكم الشرعي أناط تسمية الشهر برؤية الهلال لا بالحساب.
يساعد تباينُ مدة الشهر وعدم انتظامه على هذا النحو في حصر الإنسان في الحاضر. نهت نصوص الشريعة عن صوم "يوم الشك"، أي الثلاثين من شعبان والأول من شوال. فلا يعرف المرء قبل استطلاع الهلال في الليلة الثلاثين من بداية شهري شعبان ورمضان إن كان صومه في اليوم التالي واجباً أم حراماً. ويرى محيي الدين ابن عربي، المتوفى سنة 1240، في هذه المسألة توجيهاً للعبد لعدم الانشغال بالشيء قبل أوانه، ولحصر الذهن في الحاضر. فالقمر موجود في السماء أبداً. لكن هذا الوجود، كما يقول في كتابه "الفتوحات المكية" لا يؤثر شيئاً. ولا ينشغل الإنسان به إلا في لحظة واحدة أمر الشرع باستطلاعه فيها. "فإذا رأيناه فإنه الوقت الذي نراه فيه لنعلمه فيحكم علينا بما يعطيه ذلك التجلي. فإن كان رمضان أثَّر فينا نية الصوم، وإن كان هلال فطر أثَّر فينا نية الفطر". وإن لم يُر استمرت حالة الصوم أو الفطر ليلة أخرى.
اعتبار الشهر تقسيماً إلهياً يدخل برؤية الهلال فرض اتخاذَ التدابير لمنع التلاعب في هذه الرؤية. تأسس هذا المنع على أمرين، أولهما الخطاب الفقهي عن شروط القبول بشهادة رؤية الهلال، وثانيهما عدم قبول دعوى الرؤية إن خالفت الحسابات القطعية.
يختلف الفقهاء في كفاية الشاهد الواحد لإثبات دخول الشهر. فيذهب جمهورهم لاشتراط شاهدين، ويميز بعضهم بين الرؤية في الصحو والغيم وبين اجتماع الشاهدين في بلد واحد أو تفرقهما في بلدين قريبين، وبين الشهادة لابتداء الصوم والشهادة لانتهائه. كل ذلك بقصد تقليل هامش الخطأ في الرؤية، ومنع التلاعب بالزمن والتحكم فيه.
وأما الأساس الثاني لمنع التلاعب في الرؤية، فيفصِّله نص السبكي في "العلم المنشور في إثبات الشهور" برفضه الشهادة بالرؤية إذا خالفت الحساب القطعي، لأن "المشهود به [أي رؤية الهلال] شرطه الإمكان [أي بأن يكون القمر فارق الشمس بحيث تمكن رؤيته]"، فإن عُرفت الاستحالة بأن دلَّت الحسابات القطعية على عدم مفارقة القمر الشمس، أُبطلت الشهادة قطعاً.
وينبني على تصوّر الزمن ذرياً ومحلاً للاختبار الأخلاقي عدمُ اشتراط التزامن في التقويم. فكل وحدة زمنية يتعلّق بها حكم شرعيّ في حق كل مكلَّف بحسب حاله، ولا يُشترط اتحاد التكليف بين الكافة في اللحظة نفسها. ودخول الشهر، في هذا التصوُر للزمن، ليس حقيقةً معرفيةً كليةً سابقةً على إدراك الأفراد وملزِمةً لهم جميعاً على نحو واحد، بل هو حكمٌ شرعيٌّ يتعيّن في حقّ كلّ مكلَّف بناء على ما قام عنده من دليل. لذلك فإذا كان الشرع جعل رؤية من رأى الهلال دليلاً لغيره على دخول الشهر بشروط، منها كونه مستوفياً لشروط الشهادة، ووجود شاهد غيره في حالة اشتراط شاهدين، فإن دخول الشهر يثبت في حق الرائي نفسه بمجرد الرؤية، وبقطع النظر عن هذه الشروط. لأن علامة دخول الشهر، وهي الرؤية، حاصلة في حقه فتحصل نتيجتها حتى لو كان وحده الذي يصوم أو يفطر. ويتجلّى أثر هذا التصوّر كذلك في اعتبار بعض المذاهب اختلاف المطالع — أي اختلاف أفق رؤية الهلال من بلدٍ إلى آخر — سبباً لاختلاف التقويم، وإجازتهم بناءً على ذلك أن يكون يومٌ بعينه متمّماً رمضان في بلد، وأولَ شوّال في بلدٍ آخر، دون اشتراط تزامنٍ جامعٍ بين الجميع.
سلكت جلُّ الحضارات القديمة مسلك العرب قبل الإسلام في تعديل التقويم القمري. في مصر مثلاً، حيث كانت الزراعة عماد الحياة، اعتُمد تقويمٌ حسابي يأخذ من القمري اعتبار السنة اثني عشر شهراً، لكنه يجعل الشهر ثلاثين يوماً ويضيف إلى شهور السنة خمسة أيام مجردة عن الأشهر لتكتمل السنة 365 يوماً هي في حسابهم مدة دورة الأرض حول الشمس. ضبط هذا التقويم مواسم الزراعة بربطها بشهور السنة، لكن تجرده عن رؤية الهلال ظاهرةً طبيعيةً يمكن للعامة رصدها جعله تقويماً إدارياً تابعاً للسلطة، تقرره وتعلنه ويلتزم به جمهور المحكومين. وفي اليونان، دفعت تعقيدات الحياة المدنية والحاجة لضبط مواعيد المناسبات الدينية مسبقاً لصعود التوقيت الإداري الذي اعتمد فيه دخول الشهر على إعلان السلطات، لا على استطلاع الناس. ومع الوقت، تأكدت سلطة الحكام في إعلان دخول الشهر على نحوٍ يظهر في مسرحية السُحب التي ألفها أريستوفانيس وعُرضت للمرة الأولى في أثينا سنة 422 قبل الميلاد. إذ يظهر فيها استربسيادِس قلقاً من دخول الشهر الجديد الذي ستحل فيه ديونه. ويضاعف قلقه أن الشهر قد يدخل في أي وقت، لأنه يدخل إما بالرؤية الفعلية الهلالَ أو بأمر الحاكم وفق ما تقتضيه حاجته.
ظهرت حاجة المسلمين لضبط الزمن مع اتساع الفتوحات في عهد عمر بن الخطاب. إذ كانت رسائله – بحسب أبي موسى الأشعري – "ليس لها تاريخ"، أي سنة، على نحو أدى لاضطراب إداري. جمع عمر الناس واتفقوا على التأريخ بالهجرة، ثم اختلفوا في بداية السنة حتى اختار عمر المحرمَّ لأنه "منصرف الناس من حجهم" فيمكن ضبطه في سائر الأقطار، "فاتفقوا عليه".
على أن معرفة الوقت لم تكف لإدارة شؤون الحكم في دولة تتسع كل يوم. إذ احتاجت المعاملات التجارية والعقود ومالية الحكم بعض المعرفة بالزمن الآجل محل الالتزامات. لهذا السبب، وبحسب موسوعة الإسلام الصادرة عن جامعة بريل سنة 1998، لجأ المسلمون لتقاويم افتراضية تجعل الشهور الفردية مثل المحرم وربيع الأول ثلاثين يوماً، والزوجية مثل صفر وربيع الثاني تسعة وعشرين يوماً، وتضيف يوماً لذي الحجة لتجعله ثلاثين يوماً أحد عشر مرة كل ثلاثين سنة، لينضبط التقويم مع طول الشهر القمري الحقيقي. لم يستعمل المسلمون هذه التقاويم بديلاً عن الرؤية، بل اعتمدوا الاستطلاع طريقاً حصرياً لتعريف الشهر الذي تنبني عليه أحكام شرعية مثل الصوم والحج والعدة والكفارات والإيلاء ومواقيت المعاملات. لكنهم استفادوا من معرفتهم المسبقة بعدد أيام السنة – وإن لم يكن الموعد المحدد لبداية كل شهر معروفاً – في تحديد التزاماتهم المستقبلية بالتقريب، مع هامش من الخطأ ينحصر في يوم أو يومين، فكان هذا التقويم المنظم بحسب الموسوعة "افتراضاً رياضياً ميسِراً، لا يطابق الممارسة الفعلية".
يَسهُل تصوُّر العقبات التي حالت دون انتشار هذا التقويم. فهو على فوائده في تنظيم الوقت على المدى البعيد يؤدي في الحاضر لتضارب الأوقات. فقد يكون الثلاثاء مثلاً اليوم الأول من ذي القعدة في التقويم الافتراضي، والثاني منه في التقويم الفعلي أو العكس. وما ينتج عن ذلك من خلل في التنظيم جلي، سواء في المعاملات المؤقتة المرتبطة بالتقويم الهجري مثل العقود الآجلة، أو في أحكام العِدد والكفارات ونحوها. إضافة لذلك لم تكن لهذا التقويم فائدة كبيرة في المجتمعات الزراعية. إذ لم يضبط الشهور القمرية مع مواسم الزراعة.
انتشرت في العقود والقرون اللاحقة تقاويم أخرى أفيد في تنظيم المعيشة. من هذه التقاويم التقويم اليولياني المنتشر في أنحاء الإمبراطورية الرومانية، الذي اختلفت بداية السنة فيه فجعلها المغاربة يناير والمشارقة سبتمبر أو أكتوبر. وبحسب موسوعة الإسلام، استُعمل هذا التقويم ومعه التقويم القبطي على نطاق واسع في البلدان الإسلامية. فاعتُمد عليهما في إدارة الضرائب والجزية، وفي تنظيم الحياة الزراعية. واعتمد العثمانيون التقويم اليولياني أساساً لسنتهم المالية. وفي سنة 1677 نقلوا بداية السنة من سبتمبر إلى مارس لتوافق بداية السنة الهجرية، وصار التقويم بعدها خليطاً: يُكتب فيه الشهر اليولياني مع السنة الهجرية، مع إسقاط سنة واحدة كل ثلاثٍ وثلاثين سنة.
انفصلت التقاويم بعد ذلك بالكلية أو كادت، على نحو استمر إلى القرن التاسع عشر. في كتابه "أُون تايم" (في الوقت) المنشور سنة 2013، يرصد أون بَراك تعدد التقاويم في مصر في هذه الفترة. يؤكد براك أنه مع بقاء التقويم الهجري "مبدأً تنظيمياً لا تُنازَع هيمنته"، فإن إدارة الحياة اليومية لم تقتصر عليه. بل اعتمدت تقاويم أخرى تناسب الحاجة، مثل التقويم القبطي الشمسي الذي نظَّم الحياة الزراعية لارتباط مواسمها به.
لم يجعل هذا التعددُ التقويمَ الهجري تقويماً دينياً فحسب. بل استمر تقويماً معيشياً يشترك مع غيره في إدارة شؤون الحياة. وتخطت وظيفته تحديد مواعيد عبادتي الصوم والحج فارتبطت به آجال بعض العقود، وتحددت به العِدد في الطلاق والوفاة وتأسست عليه الكفارات، واستُعمل في المخاطبات الرسمية. وازدحمت التقاويم المحلية بموالد الأولياء وغيرها من المناسبات الدينية المحلية التي تحولت مواسم للتجارة وقضاء الديون، فتأكدت بذلك هيمنة هذا التقويم.
ساهم تطور المعارف في زيادة الوثوق بدقة الحسابات الفلكية، فزاد اعتماد الفقهاء عليها. وفي منتصف القرن، ألَّف شهاب الدين المرجاني، المتوفى سنة 1889، رسالته "ناظورة الحق في فرضية العشاء وإن لم يغب الشفق". اعتبر فيها "الحسابيات كلها أموراً قطعيةً برهانية لا سبيل إلى مجاحدتها بعد فهمها ومعرفتها". ومع اعتبار الشرع رؤية الهلال علامة دخول الشهر، استُعملت هذه الحسابات "في النفي دون الإثبات". فأُهدِرت الشهادة برؤية الهلال وإن تعدد الشهود العدول، إذا قطعت الحسابات باستحالة رؤيته. واستُطلع الهلال إن دلت الحسابات على إمكان رؤيته. وبحلول منتصف القرن العشرين، هيمن هذا الموقف على المؤسسات الإفتائية، فنصَّ قرار مجمع البحوث الإسلامية المنعقد في القاهرة سنة 1966 على عدم قبول دعوى الرؤية البصرية للهلال "إن خالفت الحسابَ الفلكي"، وهو الموقف الذي كررته فتوى دار الإفتاء المصرية المطبوعة في موسوعة "الفتاوى المؤصلة من دار الإفتاء المصرية" الصادرة سنة 2013، وعللته بأن "الحساب قطعيٌ والشهادة والخبر ظنيان، والظن لا يعارِض القطع".
قَبِل الفقهاء استعمال الوسائل الحديثة في الاستطلاع وفي نقل الخبر بالرؤية. أما الاستطلاع فتطورت وسائله وآلاته بتسارع. في مصر مثلاً، أنشئت المراصد الفلكية من ثلاثينيات القرن التاسع عشر. وفي بدايات القرن العشرين تأسس مرصد حلوان وزُوِّد بمرقب كبير، ثم أُنشئ مرصد المقطم، وتوالى إنشاء المراصد واستعمال المراقب فيها والاستناد إليها في الرؤية بلا أي اعتراض على ذلك من العلماء في فتاواهم أو رسائلهم. بل انتقدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية إصرار البعض على الرؤية بالعين المجردة، لأن المراد بحديث "صوموا لرؤيته" الأمر بالصوم والفطر إذا ثبتت الرؤية بالعين المجردة أو بالوسائل التي تُعِين العين على الرؤية.
واعتُمدَت الوسائل الحديثة في نقل خبر الرؤية منذ القرن التاسع عشر. مثلاً، يحكي زين العابدين شمس الدين نجم في كتابه "بورسعيد: تاريخها وتطورها" المنشور سنة 1987، ثبوت رؤية هلال رمضان عند محكمة مصر الشرعية في القاهرة مساء يوم الثلاثاء 22 أكتوبر 1873، ونقل الخبر بذلك لسائر محافظات القطر بالتلغراف. وفي سنة 1910، ألَّف بخيت المطيعي وقت رئاسته المحكمة الشرعية بالأسكندرية رسالة "إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة"، يحاج فيها بجواز الاعتماد على التلغراف، ويرد دعاوى عدم كفايته لتوقف قبول الدعوى عند الجمهور على وجود شاهدين. وأفتت اللجنة الدائمة في السعودية بالاكتفاء بالخبر المنقول عبر المذياع الرسمي ونحوه في ثبوت الهلال.
ومع هذا القبول بالوسائل الحديثة في تحري الهلال والإخبار به، أصر الفقهاء على غلَّ يد السلطة السياسية عن إدارة الزمن. في مصر، حاولت مصلحة المساحة العمومية بعد تأسيسها سنة 1898 ضبط إدارة الزمن بطباعة نتيجة سنوية فيها التقويمين الميلادي والهجري. ومع مفارقة التقويم الهجري المستند إلى الرؤيةِ التقويمَ الحسابي، أرسل مدير الهيئة سنة 1902 لمحمد عبده مفتي الديار المصرية، يستفسر عن جواز تعيين أوائل الشهور العربية بالحساب مع استثناء رمضان وشوال لخصوصيتهما الدينية. فأجاب أن "المقرر شرعاً أن أول الشهر إنما يُعرف برؤية الهلال [. . .] لا فرق في ذلك بين رمضان وشوال وغيرهما". وفي السنة التالية، أرسل رضاء الدين أفندي قاضي القضاة في أوفا الروسية، لمجلة المنار التي أسسها رشيد رضا في القاهرة سنة 1898 يستفتي في جواز اعتماد سكان القاطبة الشمالية على التقاويم الحسابية، لأن صعوبة رؤية الهلال تزيد من الخلاف في بداية الشهر فيتردد بين ثلاثة أيام. أفتاه رضا أن "اعتبار رؤية الهلال في المواقيت الدينية لازم متعين، وهو لا يجب في الأمور الدنيوية".
حوَّلت التقاويمُ الزمنَ الآجل من غيبٍ لم يُخلق بعد، لمستقبلٍ موجود ومقسّم إلى وحداتٍ متساويةٍ فارغةٍ يسهل ترتيبها وتنظيمها وتوزيع المهام والاستحقاقات عليها. كان التقويم الذي طبعته مطبعة وادي النيل سنة 1870 أول تقويم يوزَّع على نطاق واسع، واستعمله التجار لضبط تجارتهم والتزاماتهم. على ورقة التقويم ظهر الاستحقاق الآجل مدوناً في يومه المعيَّن ثابتاً، وقصرت المسافة بينه وبين الزمن الحاضر على الورقة بتحرك الزمن إليه بانتظام كل يوم. ساعد هذا التوزيع المكاني للزمن في الصفحة على إعادة تصويره كُلاً باقياً يتحرك الإنسان فيه، لا ذرات تظهر كل واحدة منها ثم تختفي لتظهر غيرها كما تبنى المفهوم الإسلامي. ومع انتظام الحركة نحو الالتزام الآجل، صار هذا الالتزام معياراً يحكم تصرفات الحاضر ويوجّه سياساته قيداً يُحدِّد الممكن والمشروع.
على أن هذا التصوُر للزمن ظل محدوداً. إذ احتاجت طباعة التقويم لتحديدٍ دقيق قطعي مسبق لتاريخ كل يوم، سمح به التقويمان الإداريان القبطي والغريغوري، دون الهجري القائم على استطلاع الهلال. اقتصرت طباعة التقاويم على هذين التقويمين واستُعملت في ضبط بعض الالتزامات المالية. واستمرت هيمنة التقويم الهجري على سائر مناحي الحياة لارتباط المعاملات الحكومية والقضائية به، ولكثرة المواسم والمناسبات التي ينظمها.
أنهت أزمة الديون هيمنة التقويم الهجري. بلغت الأزمة ذروتها سنة 1875 حين عجزت الحكومة العثمانية عن الوفاء بالتزاماتها المالية للمقرضين. وتكرّر المشهد في مصر في العام التالي، فاضطرت حكومة الخديوي لإنشاء صندوق الدَين العمومي الذي تولّى توحيد الديون وجمع إيرادات الدولة واقتطاع نصيب الدائنين منها قبل تحويل المتبقي إلى الخزانة. فرض الصندوق جدولةً زمنية صارمة، فألزم الحكومةَ بسداد أقساط الدين مرتين سنوياً، وفق التقويم الغريغوري. تحوّلت هذه المواعيد أياماً مركزية في إدارة الزمن، يعرفها موظفو الحكومة ويعرفون تاريخ يومهم بالتقويم الغريغوري ليعرفوا موقعهم منها ويستعدوا لها بجمع مبلغ القسط. ولم يقتصر ذلك على موظفي الحكومة. يرصد جون تشالكرافت، في كتابه "سترايكنغ كابيز أُوف كايرو [. . .]" (سائقو الحناطير المضربون في القاهرة وقصص أخرى: الحِرف والطوائف المهنية في مصر 1863–1914) المنشور سنة 2004 جباية الضرائب من أرباب المهن المختلفة قبيل هذين الموعدين لتمويل الأقساط، وتحوُّل ذلك ظاهرةً رئيسةً في الحياة الاجتماعية. وهكذا تحوَّل التقويم الغريغوري إطاراً ناظماً للحياة، يعرفه الناس لمعرفة موعد وصول جُباة الضرائب والاستعداد لهم إمّا بتجهيز المال أو بالفرار.
يرصد أُون بَراك هذا التهميش بقراءة مذكّرات علي باشا مبارك "حياتي". كتب مبارك هذه المذكرات قبيل وفاته سنة 1893 يؤرخ فيها لحياة طويلة من العمل الحكومي، ولم تُنشر إلا سنة 1894 بعد وفاته بعام. وفقاً لبَراك، اعتمد مبارك على التقويم الهجري في تأريخ الأحداث السابقة على تأسيس صندوق الدَين العمومي سنة 1876. أما الأحداث اللاحقة، فسردها اعتماداً على التقويم الغريغوري، وأهمل الهجريَّ حتى مع استمرار استعماله في الوثائق الرسمية جنباً إلى جنب مع الغريغوري.
تساعد هذه التحولات في فهم السؤال الذي وجَّهه مدير مصلحة المساحة للمفتي. إذ أنتج اجتماع أزمة الديون وانتشار التقاويم تصوراً للعلاقة بين وحدات الزمن ينصب التركيز فيه على المستقبل الذي تحدد التزاماتُه سياساتِ الحاضر. تحول التقويم في هذا السياق وسيلةً رئيسة لإدارة العمل الحكومي. ومع ارتباط هذا العمل في كثير من أبعاده بالتقويم الهجري، أرادت الحكومة إضافته للتقويم، وهو ما تطلّب معرفة سابقة قطعية بموعد دخول كل شهر هجري ليقابَل بالتقويم الغريغوري لنفس اليوم فينتظم الزمن. وفي هذا السياق، بدا انتظار الليلة التاسعة والعشرين من كل شهر لاستطلاع الهلال نقصاً تقنياً وإدارياً، فتوجّه السؤال إلى محمد عبده عن جواز إصلاحه باعتماد على الحسابات الفلكية.
أكّدت هذه الصبغة الدينية التي أُسندت للتقويم الهجري حاجته للإصلاح. فالمجال الديني، الذي تشكّل في سياق صراعات التحديث الأوروبي في القرن السابع عشر، تأسس مقابلاً للعلم. ومع "انتصار العلم" وإنهاء الهيمنة الكنسية على الحياة، صوِّر الدين مجالاً يحتاج إلى إصلاح يعيد ربطه بالعلم ويخلّصه من الخرافة ليلائم مقتضيات العالم الحديث.
عمّم الاستعمار الأوروبي هذه التصورات خارج سياقها التاريخي، واستخدمها لتفسير أوضاع المجتمعات المستعمَرة وتشخيص "تأخرها". فتأسست على هذا التصوير خارطة التقدم، وركنها الإصلاح الديني. وشاركت قطاعات من النخب المحلية هذا التصور، فرأت في صورة الدين المهيمنة عقبة في طريق العقلانية والتقدم، وأطلقت دعوات إصلاحه.
ساعد هذا السياق على تصوير استطلاع الهلال أسلوباً غير علمي، ينتمي لماض لا بد من تجاوزه لدخول العصر الحديث. وساهمت الصحف المطبوعة في تأكيد هذه الصورة. مثلاً، في سنة 1939، أدى الاعتماد على الاستطلاع إلى اختلاف البلدان في تحديد يوم عرفة. إذ بدأ ذو الحجة في مصر يوم السبت 20 يناير، وفي السعودية يوم الأحد، وفي الهند يوم الإثنين. ونقلت صحيفة المقطم خبر إعلان الحكومة السعودية يوم الأحد بداية ذي الحجة، وعرف المصريون خبر بداية الشهر في مومباي من صحيفة البلاغ. استفز هذا الوضع أحمد شاكر، فألَّف كتابه "أوائل الشهور العربية" الذي طُبع سنة 1939، ودعا فيه لاعتماد الحساب في تحديدها.
صوَّر شاكر الإصرار على الاستطلاع أسلوباً غير علمي يضر بالأمة. وحاجج أن هذا الأسلوب كان مقبولاً في صدر الإسلام لأن العرب حينئذٍ "لم يكونوا يعرفون شيئاً عن العلوم الفلكية، فجعل الشرع الاستناد للرؤية لأنها المقدورة لديهم". أما وقد "خرجت الأمة من أمِّيتها" وصارت في مجموعها محيطةً بتلك العلوم فقد "وجب أن يرجعوا إلى اليقين الثابت وأن يأخذوا في إثبات الأهلة بالحساب وحده."
يبدو أثر مقابلة العلم بالدين جلياً في مشروع شاكر. فالمشكلة التي أراد علاجها هي تباين التقاويم. وثورة الاتصالات التي أقر بأثرها في زيادة الإدراك بالمشكلة، تصلح أيضاً حلّاً لها. فسرعة نقل خبر رؤية الهلال بين الأقطار فتح المجال أمام تزامن التقاويم بالتزام الأقطار المختلفة برؤية من رأى الهلال، وهو رأي سهُل الاستناد إليه لتوافقه مع مذهبي الحنفية والحنابلة في عدم اشتراط وحدة المطالع في ثبوت الرؤية. ومع ذلك، عدل شاكر عن تفسير تباين التقاويم برفض كل دولة العمل بمقتضى رؤية غيرها – وهي قضية سياسية –، لتفسيره بإصرار التيار الرئيس من المؤسسات الشرعية الاعتماد على الرؤية وعدم الاكتفاء بالحسابات الفلكية، وهو تفسير يعيد إنتاج مقابلة الدين والعلم ويؤكد حاجة الدين للإصلاح. وهذا الإصلاح عند شاكر هو شرط الانتماء للعصر الحديث، وإزاحة المعرفة الإسلامية إلى الماضي.
اجتمع عاملان رئيسان على إكساب توحيد التقويم هذه الأهمية. أولهما تحوُّل مفهوم الأمة من انتماء أخلاقي لرابط سياسي. ارتبط المفهوم الأول بتصور الزمن في الخطاب الإسلامي خلقاً إلهياً متجدداً ومجالاً للفعل الأخلاقي. لم يكن هذا الزمن الذَرِّي المُفتَت يصلح إطاراً يجتمع فيه الناس، فانتمى الفرد للأمة بالاشتراك في انفتاح الوجود على الآخرة بقطع النظر عن التزامن. لذلك لم يضر عمل من رأى الهلال بمقتضى رؤيته وإن لم يشاركه فيها أحد، ولم يخرجه عدم التزامن من الأمة.
وثانيهما هو اكتساب الزمن أهمية سياسية جديدة في العصر الحديث. بحسب بِنِدِكت أندِرسُن في كتابه"إيماجِند كُميونِتيز" (المجتمعات المتخيلة) المنشور سنة 1983، ساهمت "الرأسمالية الطباعية" في إنتاج زمن متجانس فارغ يسير خطيِّاً إلى المستقبل وتُؤرَّخ فيه الأحداث وتُرتَّب تعاقبياً. إذ حلَّت قراءة الصحف اليومية بأخبارها المتجددة، محل قراءة الكتاب المقدس في الصباح. وفي هذا الإطار، لم يعد الانتماء للأمة قائماً على الانتماء لنفس الفضاء الأخلاقي الذي تخلقه النصوص الدينية المتداوَلة. بل صار التزامن شرط الانتماء للأمة جماعةً متخيَّلة، تعيش اللحظة نفسها وتسير معاً في مسار تاريخي واحد. ولم يكن غريباً بالتالي أن يرى شاكر اختلاف التقاويم تهديداً لقدرة المسلمين على أن يكونوا أمة.
أكّد هذه الحاجةَ لتوحيد الكلمة الظرفُ السياسي. حين استفتى رضاء الدين أفندي في اختلاف التقاويم سنة 1903، كانت الدولة العثمانية قائمة رمزاً لوحدة المسلمين. لم يهتم رضا حينها كثيراً بتزامن المسلمين كافة في العبادة، بل اكتفى بتأكيد قصد الشرع "اتفاقَ المسلمين في كل قطر من الأقطار" فيها. وفي نفس السنة سأله مقبل الذكير من جزيرة البحرين عن ثبوت رمضان فيها وفي "بعض الأقطار البعيدة كخليج فارس والعراق" ليلة السبت، قبل أن تنقل الصحف أثناء الشهر ثبوته في مصر ليلة الجمعة، فلم يجد غضاضة أن يفتيه بعدم العمل بما ثبت في مصر. في السنوات التالية هُزم العثمانيون في الحرب العالمية الأولى واحتل الأوروبيون الأقطار العثمانية وقسموها وأسسوا فيها دولاً مستقلة وشبه مستقلة. وفي سنة 1924 ألغيت الخلافة التي رمزت لوحدة الأمة، فتأكدت الحاجة للتزامن سبيلاً للوحدة وصارت إدارة الوقت أداة للحكم تعرِّف حدود الجماعة السياسية.
على أن استعمال إدارة الوقت أداة سياسية لم يقتصر على تعريفه حدود الجماعة السياسية، بل امتد لتحديد موازين القوى فيها. يؤكد ذلك السياق الذي كتب فيه المطيعي رسالة "إرشاد أهل الملة" يناقش فيها حكم نقل خبر ثبوت الهلال بالتلغراف. يروي المطيعي في مقدمة الكتاب ثبوت رؤية هلال شوال لدى قاضي المحكمة الشرعية في أسوان، ونقل التلغراف الخبر بذلك لمحمد سعيد باشا رئيس مجلس النظار. ولما "اشتبه الأمر على كثيرين من الفضلاء فضلاً عن غيرهم في نقل حكم القاضي بالتلغراف والعمل به [. . .] أرسل عطوفته إلينا بهذا الخبر ليأخذ رأينا في العمل به". يبدو السؤال عن جواز العمل بمقتضى الخبر المنقول بالتلغراف في هذا السياق غريباً، إذ سبقه بربع قرن عمل أهل بورسعيد بخبر ثبوت هلال رمضان المنقول إليهم تلغرافياً من القاهرة. بل يبدو سبب التردد في قبول الخبر أنه جاء من الهامش إلى العاصمة لا العكس. لم يتردد الحكام في حقهم فرض زمنهم على أهل الأقاليم، لكنهم ترددوا في قبول تحديد الزمن بناء على استطلاع أهل الأقاليم. فالمتحكم في الزمن الذي يعلن دخول الشهر هو الطرف الأقوى الذي يفرض بها التحكم سيادته.
تنبع هذه الرمزية من الفرصة المتكررة التي يوفرها التقويم الهجري لانتقاد المؤسسات الدينية. فتأطير الخلاف في كيفية تحديد بداية الشهر خلافاً تقنياً بين وسائل بدائية وأخرى علمية متطورة، يسمح بتسليط الضوء على الخطاب الديني وتصويره رافضاً العلم، وتحميله مسؤولية التخلّف واضطراب الحياة وتشتّت المسلمين. وفي المقابل يحمي هذا التأطير السلطة السياسية من مساءلة دورها في تفريق كلمة الأمة، وفي تهميش التصورات الإسلامية لمعنى الزمن، ويحمي منتقدي استطلاع الهلال من مساءلة تصوراتهم معنى الزمن وجعلهم إياه أداة للحكم، يُضبط به المستقبل وتُحدَّد معالمه ثم يُعاد به تنظيم الحاضر، وتُقصى مواقف أخلاقية وسياسية ومصالح مترتبة عليها باعتبارها من الماضي الذي لم يعد يلائم العصر. أي أن التحكم في الزمن يصبح وسيلة من وسائل ممارسة السلطة.
وتفتح مساءلة هذه التصورات نافذةً إلى التصور الإسلامي الزمنَ. ليس الزمن في هذا التصور أداةً للحكم. بل هو لحظات متعاقبة، لكل واحدة منها تكليفها ومسؤوليتها وخطابها الإلهي الذي لا يظهر إلا فيها وينبغي الخضوع له. الحاضر في هذا التصور ليس أسيراً لماضٍ يقيّده، ولا لمستقبل رُسمت معالمه سلفاً ثم استُدعي لضبطه. بل هو لحظة خُلقت في وقتها وانقضت بانقضائه فلا يُلتفت فيها إلا لأداء حقوقها.

