في تلك الليلة وفي الوقت الذي كانت فيه أم كلثوم تصدح بأغانيها في القاهرة، كانت شابّةٌ إيرانيةٌ تبلغ نصف عمر أم كلثوم تغنّي بصوتٍ آسِرٍ. اسم الشابة معصومة دده بالا ولقبها "هايدِه". يحمل صوتها بصمة الفلكلور الفارسي، وتغنّي بكلماتٍ تُقرأ فيها دواوين الفارابي ونصوص الرومي. حملت أم كلثوم بصوتها خلجات الشعر العربي الفصيح منه والعامّي، من إبراهيم ناجي إلى نزار قباني وأحمد رامي وبيرم التونسي. بينما صدحت هايده بأشعار حافظ وسعدي الشيرازي، تشدو بها عن العشق الروحي والوطن.
لم تكن أم كلثوم وهايده محضَ مطربتين، بل جسّدتا تراثاً غنائياً أبرز ثقافتيهما. فقد تجلّت بينهما علاقةٌ روحيةٌ عبر ما قدّمتاه من فنّ. غنّت أم كلثوم في "الأطلال" للحبّ الضائع الذي يتوه بين الذكريات. وشَدَت هايده بأغنيتها "سوغاتي" لتستحضر معنى الوفاء والعشق الفارسي الذي يخلّد الحبّ والمحبوب. وإن لم تلتقيا وإن اختلفتا لغةً ووطناً، فإن أم كلثوم وهايده تشابهتا في جوانب عدّة من ظروف نشأتيهما وتحدّيات وصولهما إلى الأضواء. وتشكّلت اتجاهاتهما الفنّية تأثراً بالتغيّرات السياسية المحورية في بلديهما، تقريباً في الحقبة الزمنية ذاتها، على جانبَي جغرافيا الشرق. وفي فنَّي أم كلثوم وهايده، تلاقت الموسيقى العربية والفارسية وتعانقتا من خلال الشعر الفارسي والعربي، فتشابهتا وجداناً وتعبيراً. وكأن أم كلثوم وهايده نتاجُ تلاقحٍ فكريٍّ وأدبيٍّ وفنيٍّ ولغويٍّ امتدّ قروناً بين بلاد فارس والعرب.
انتشرت آنذاك الحانات والنوادي الليلية. وكان الرائج غنائياً "الطقاطيق" الخفيفة، جمع "طقطوقة"، وتعني الأغنية الصغيرة. وقد انتشر هذا النمط الغنائي في مصر مطلع القرن. وحسب ما جاء في كتاب "مذكرات كوكب الشرق أم كلثوم" الصادر سنة 1990، وأعدّه الكاتب الصحفي محمد رفعت عن مذكراتها التي نشرتها مسلسلةً صحيفة "الدنيا" بالأربعينيات، فإن هذه الطقاطيق كانت جارحةً لحَياءِ بعض المستمعات الإناث في المسرح. بلغ الأمرُ حدَّ تخصيص السيدة بديعة مصابني –الراقصة من أصولٍ لبنانيةٍ وسوريةٍ والمعروفة حينئذٍ بملكة المسارح– مقاعدَ للسيدات بعيدةً عن الرجال في صالتها في شارع عماد الدين في القاهرة سنة 1926.
وقت ظهور الشابّة الصغيرة أم كلثوم في كازينو بديعة، كان عسيراً على أيّ مطربٍ جديدٍ أو حاليٍّ أن يخالف التيار السائد. كذلك فإن أغلب المطربات أو العاملات في مجال الترفيه والغناء وقتذاك كنّ من أصولٍ غير مصرية. لم تحبّذ العائلات المصرية عمل بناتها، وحتى أبنائها، في هذا المجال. يُذكر أن الملحّن زكريا أحمد، وعندما أخبر والده أنه يرغب بالعمل في الغناء والتلحين، أجابه والده: "بقى يا ابني تبقى من عائلة مرزبان وتطلع من بتوع يا ليل يا عين؟".
تذكر أم كلثوم في مذكراتها أحد المواقف الأليمة التي مرّت بها، وكانت المرّة الوحيدة التي يصفعها فيها والدها. ففي قريةٍ تتبع مركزَ "أجا" في محافظة الدقهلية، أصرّ أحد المستمعين –وكان ابنَ عمدة قريةٍ– أن تغنّي الأغاني الهابطة قائلاً: "إيه الغمّ ده؟ عايزين نفرفش، عايزين شويّة مياعة". تجاهلت أم كلثوم وأكملت غناءها فأخرج مسدّسه مهدّداً إياها والجمهور. إلّا أن أم كلثوم ثبتت على موقفها بعدم الغناء تهديداً، فصفعها والدها الذي خالفها الرأي. من هول الفزع، فرغت جميع الكراسي في ثوانٍ، قبل أن يدخل صديقٌ لعائلة المطربة من خلف المستمع الغاضب المخمور، ويسحب السلاح منه.
عندما انتقلت إلى القاهرة، واجهت أم كلثوم صعوبةً في تقبّل الوسط الفنّي لها، خصوصاً مع المنافسة بين المطربات الألمع في ذلك الوقت. ومنهن منيرة المهدية، سيدة الغناء حينئذٍ، ونعيمة المصرية وتوحيدة وفتحية أحمد. ولم يقتصر الأمر على المنافسة، بل تجاوَزَه إلى هالة القدسية التي أحاطت بهؤلاء المطربات. فلم يكن سهلاً أن يمرّ انتقادٌ لفنانةٍ ما مرور الكرام بلا إثارة حفيظة جمهور المستمعين.
يذكر محمود عوض مثالاً عن ذلك في كتابه "أم كلثوم التي لا يعرفها أحد"، المنشور سنة 1969 وأعيد طبعه مرّاتٍ عديدةً. ويشير إلى أنّ ناقداً وجّه قلمَه صوبَ منيرة المهدية، فأرسلت من "يتفاهم" معه ويثبت له أن العصا أصدق إنباءً من القلم. في وقته، أدّت أم كثلوم أغاني الدرجة الثانية، وهي أغانٍ لم تُكتب أو تُلحَّن لها خصيصاً، بل كانت لأعمدة الطرب الذين اشتهرت أغانيهم. بَيْد أن الجماهير أحبّتها في السنوات اللاحقة لمثابرتها وصبرها وصوتها الاستثنائي، وباتت المطربةَ التي يتنافس الشعراء والملحّنون على العمل معها وكسب رضاها.
ومثل أم كلثوم، واجهت هايده، التي كانت مغنّيةً بارعةً منذ صغرها، تحدّياتٍ كبيرةً في مجتمعٍ إيرانيٍّ محافظٍ بغالبيته. وُلدت هايده بطهران في أبريل سنة 1942 لأسرةٍ تقليدية. ولا مصادر موثوقةً تشرح سبب تحوّر اسمها من معصومة دده بالا إلى هايده. والدُها من أصلٍ تركيٍّ واسمُه محمد ديدي بالع. وُلد في مدينة كاشان، رابع أكبر المدن التاريخية في إيران، وامتَهَن الموسيقى والتلحين. وكانت أمّها زينات بلغاري، تحيي المناسبات والحفلات الدينية. عمّة هايده المقيمة في بيتهم كانت تشجّع ابنة شقيقها بالقول: "لا تهمسي، غنّي بصوتٍ مرتفع". تعلّمت هايده الغناءَ من الإذاعة والتلفاز الوطني. وكانت رغبتها في أن تصبح مغنّيةً تقابَل بالتردّد والتحفّظ من المجتمع، ومن عائلتها تحديداً، بدءاً بأخيها ثمّ زوجها لاحقاً.
كانت هايده وأختها المطربة ماهستي، إضافةً إلى أخٍ ثالثٍ، أبناءَ الزوجة الرابعة لوالدها. وبوفاة والدها ووصاية الأخ الأكبر من الزوجة الأولى لأبيها، لم تكن هناك أيّ فرصةٍ لكي تغنّي هي أو ماهستي. ليس هذا فحسب، بل زوَّجها أخوها في عمر الثالثة عشر وأصبحت هايده أمّاً بعدها بعام. أختها الصغرى ماهستي لم تتزوج، ما أتاح لها بعد مدّةٍ أن تخرج عن المألوف وتبدأ رحلة الغناء. وكلّما كانت ماهستي بين الفينة والأخرى تستفزّ هايده كي تنضمّ لها في الغناء، كان الزواج يحول بين هايده وبين حلمها.
لم تنتهِ التعقيدات هنا. فقد عمل زوج هايده العشريني ضابطاً في بلاط شاه إيران محمد رضا بهلوي وأقام مع زوجته في سكن الضباط، حيث لاحقتها نظرات الزوجات الأخريات وهمساتهنّ نظراً لخلفيّتها الاجتماعية المغايرة. دفع هذا هايده للعزلة والانكفاء على الذات، حسب الذكريات التي شاركها أصدقاؤها في الفيلم الذي أعدّته عنها هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".
كانت سنة 1968 هي سنة انتقال هايده من عادية الحياة وعوائقها إلى الوسط الفنّي. في ذلك العام فيما بدا محض صدفةٍ، مرّ الموسيقار والمطرب الإيراني علي تجويدي بسكن الضباط. فطلبت منه هايده أن يستمع لغنائها، وانتهى به المطاف زائراً في مسكنها ومستمعاً لها كما طلبت. يقول تجويدي في مقابلةٍ معه إنه لم يشأ أن يحرجها أو يرفض طلبها، وتوقّع سماع صوتٍ عادي. لكنه فوجئ بما سمع، فقرّر أن يعطيها فرصتها ودرّبها على أهمّ الأغاني الفارسية. ثم ضمّها إلى برنامج "أوركسترا غولها"، وهو برنامجٌ إذاعيٌّ موسيقيٌّ تبثه إذاعة طهران. شاركت هايده بالأغنية الأولى "آزاده" وتعني حرّية، التي كتبها الشاعر رهى معيرى ولحّنها تجويدي، ومن بعض كلماتها، مترجمةً للعربية:
مع أنّي غارقٌ في الحزن واليأس مثل زهرةٍ
أنا سعيدٌ بنقاءِ روحي غيرَ ملوّث
[. . .]
يا ربّ أين ذاك الذي سقط كما سقطتُ؟
أين ذاك الذي سقط وما زال حرّاً؟
لأنه عندما غادر روحي شوق الحياة
ها أنا أعيش في سلامٍ بعيداً عن ضجيج الوجود
بعد بثّ الحلقة ما انفكّ هاتف تجويدي يرنّ. وسرعان ما وضع رنينُه هايده على درب النجومية. ومن الإذاعة انطلقت مطربةً في الحفلات والمناسبات، مستفيدةً من دعم النخبة المثقفة التابعة للبلاط، والتي كانت تحتفي بالأدب والشعر والموسيقى على خلاف العامة.
عاشت أم كلثوم عصراً ذهبياً في ظلّ الملكية المصرية، فقد كانت مقرّبةً من الملك فاروق ولاقت تشجيعه. كان البلاط الملكي يدعوها للحفلات التي يقيمها، وكانت تغنّي في مناسباتٍ رسميةٍ، منها أعياد جلوس الملك التي غنّت فيها أغنيتها الشهيرة "يا ليلة العيد" التي لا تزال بعض مقاطعها تستدعى في احتفالات الأعياد في مصر. ومن المناسبات الملكية التي غنّت فيها أيضاً حفل زواج الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي بالأميرة فوزية، شقيقة الملك فاروق، في طهران.
لكن مع ثورة 23 يوليو 1952 التي أنهت الحكم الملكي في مصر، تكيّفت أم كلثوم مع النظام الجمهوري الجديد. اقتربت من الرئيس المصري الأول محمد نجيب الذي أشاد بها لمساهمتها في "رفع مستوى الغناء"، ثم تمتّعت فترةً مطوّلةً بعلاقتها القريبة من جمال عبد الناصر.
وتحت مظلّة عبد الناصر، أصبحت أم كلثوم صوتاً للوطنية والمقاومة. فقد غنّت لثورة يوليو والجمهورية الجديدة صادحةً بأغانٍ، مثل "والله زمان يا سلاحي". زاد هذا من شعبيتها بين الطبقات كافّةً حتى باتت جزءاً أساساً من الهوية المصرية الجمعية.
ومع تطورات المشهد السياسي ووفاة عبد الناصر سنة 1970، واصلت أم كلثوم تأقلمها، بل حتى حافظت على قدرتها على المناورة في بحرٍ هائجٍ من التغيرات السياسية. فنجحت في الحفاظ على مكانتها في عهد أنور السادات، وبقيت العلاقة بينها وبين الدولة المصرية قويةً حتى وفاتها في 1975.
أما هايده، فقد عاشت تجربةً مختلفةً في إيران زمن تقلّباتٍ سياسيةٍ هائلة. ففي سنة 1925، أي قبل ميلاد هايده بنحو ثمانية عشر عاماً وقبل قيام الدولة البهلوية، كانت مقاومة الانفتاح والتغيير تأتي غالباً من الداخل. فلم يكن سهلاً لقطار الحداثة أن يشقّ طريقه عبر إيران في ظلّ التباين الكبير بين السلطة والشعب. من هنا، كانت مشاركة النساء في الغناء أمراً مستهجناً، وإن حقّقت الحركة الفنية –ولا سيّما النسائية– حينها طفرةً في التاريخ الإيراني.
بدأت هايده حياتها في ظلّ حكم الشاه الذي شجّع الفنون وأتاح للمغنّيات الحرية في التعبير عن أنفسهن، متحدّياً قيود المجتمع المحافظ. كان الشاه بهلوي آخِرَ حكام المملكة الإيرانية، أو كما تسمى "شاهنشاهي إيران". وهي كيانٌ ذو توجّهٍ قوميٍّ فارسيٍّ يتجاوز الدين، ويسعى لصهر جميع القوميات في بوتقةٍ واحدةٍ داخل الدولة البهلوية.
ركّز النظام الإيراني حينئذٍ على اللغة الفارسية وحاول إحياء التقاليد ما قبل الإسلامية والاتجاه نحو ما اعتبر نموذجاً غربياً حداثياً، من غير التضحية بالسمة الفارسية للهوية الإيرانية، لاسيّما في المجال الفنّي ومنه الموسيقى. أتاحت مساحة الانفتاح هذه المجال لهايده لتغنّي في حفلاتٍ عامّةٍ وتحظى بشعبيةٍ واسعةٍ بين الإيرانيين. وعلى غرار أم كلثوم بتمثيلها للهوية الجمعية لمصر، باتت هايده أيقونةً في الغناء الفارسي وانعكاساً للهوية الجمعية للشعب الإيراني.
لكن مع الثورة الإيرانية سنة 1979 وسقوط نظام الشاه وقيام نظام الجمهورية الإسلامية، بقيادة رجل الدين آية الله الخميني، تغيّر كلّ شيء. وبدا أن مساحة الانفتاح الفنّي قد انتكست. وافترقت حياة هايده عن أم كلثوم.
انعكست غربة هايده في صوتها، فأصبحت صوتاً للحنين لدى المغتربين الإيرانيين، وأيقونةً ترمز للماضي الذي سلبته السياسة والصراع. وبعيدةً عن بيتها وأحبابها، كانت تجد في الغناء عزاءً، كما تجلّى في رائعة الغربة الخالدة "روزايي روشن" (الأوقات المشرقة) من كلمات الشاعر الإيراني المغترب في ألمانيا أردلان سرفراز وألحان الأفغاني فريد زلاند. كتب سرفراز:
وداعاً لوطني وداعاً وداعاً
أخبرني [يا وطني] أين ذهبت تلك الأيام الجميلة؟
هل أصبحت حكايات خيالٍ أم أنها تلاشت فقط؟
يبدو أن لا أحد يعيش هنا
الكثير من العويل والقليل من الضحك
الجميع عَبوسٌ الجميع متحفّظ
الأيام تشبه الليالي والليالي كئيبةٌ جدّاً
وفي المنفى، كالحال في الوطن، لم يكن طريق هايده سهلاً. فقد واجهت مضايقاتٍ داخل الجالية الإيرانية في الولايات المتحدة. أحياناً بسبب تصريحٍ هنا، أو حفلٍ هناك، خصوصاً وأن قبضة طبقة رجال الأعمال الإيرانيين في المنفى كانت لا يُستهان بها. يذكر أصدقاء هايده أن إشاعةً نُسبت إليها عن رضاها بحرق اليهود في الهولوكوست خلال الحرب العالمية الثانية. استفزّت الإشاعةُ التي لم تَثبُت الجاليةَ الإيرانيةَ اليهوديةَ في الولايات المتحدة، لاسيّما في جنوب كاليفورنيا حيث عاشت هايده. وكان لهذه الجالية نفوذٌ قويٌّ، ما سبّب لها كثيراً من الضرر المعنوي والعملي لها.
يُعتقد أنه من أجل الحفاظ على عملها في منفاها، اضطرّت هايده إلى إحياء حفلةٍ في تل أبيب سنة 1986، ترضيةً أو بطاقة صعودٍ لمنصة النجاح من جديد. يُذكر أن الجالية اليهودية في إيران كانت ثاني أكبر تجمّعٍ لليهود في الشرق الأوسط بعد إسرائيل قبل الثورة الإسلامية سنة 1979. ويُعتقد أن أصولهم تعود إلى يهود أورشليم الذين أخذهم السبي البابلي إلى إيران والعراق. ثم حظوا بحياةٍ كريمةٍ تحت حكم كورش، أوّل ملوك فارس الذي حرَّر اليهودَ لاحقاً وسمح لهم بالعودة إلى فلسطين. بعد الثورة الإسلامية تفرّق معظم هؤلاء اليهود بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإسرائيل، على شكل زمراتٍ تحميها العائلات الثرية وتنظّم أمورها.
الأغرب من حكايا المنفى والعقبات والحنين أن هايده ما زالت تبدو محظورةً في إيران، حتى بعد وفاتها بسنوات. يتداول سكان طهران قصةً مفادها أن السلطات قررت إغلاق أحد المطاعم بسبب تشغيل أغاني هايده الممنوعة. من المدهش أن الظروف لم تتغير بعد، رغم مرور سنوات كثيرة، مع العلم أن أسطوانات هايده وأشرطتها كانت تُهرَّب سرّاً إلى البلاد بُعَيد الثورة. وحتى الآن يتداول الإيرانيون أغانيها على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن ليس في الأماكن العامة.
تتشابه الأغاني الفارسية والعربية في المقامات المستخدمة فيها، إلّا أن طول المقام يختلف من مكانٍ لآخَر، مثل مقام "سيكا" الذي يقصر في مصر ويطول في سوريا وإيران. وتتطابق أسماء المقامات الموسيقية في إيران والدول العربية وتركيا. وتعود في معظمها إلى أسماءٍ فارسية أو تركية، مثل نهاوند وأصفهان ورهاوي، وهي أسماء مدنٍ فارسية. وتشير الدراسات إلى أن علماء موسيقيين عرباً وعجماً، مثل الكِنْدي والفارابي والخوارزمي وابن سينا وابن زيلة وصفيّ الدين الأموي، استخدموا الأسماء العربية للمقامات. إلّا أن قطب الدين الشيرازي كان أوّل من استخدم المصطلحات الفارسية لتلك المقامات، وقد درج استخدامها فيما بعد في الأقطار المتأثرة بالثقافة الإسلامية أو الثقافة الشرقية كافّة. وتتكون المقامات من أجناسٍ، أي نغماتٍ متكررةٍ موجودةٍ في السلم الموسيقي، تُصفّ بأشكالٍ مختلفةٍ لتشكّل مع كلّ توليفةٍ جديدةٍ مقاماً مختلفاً. تتقارب المقامات الفارسية والعربية لدرجة أن المستمع الغربي لا يستطيع التمييز بينها.
ومع اختلاف اللغة بين أم كلثوم وهايده، إلّا أن ثمّة تقارباً واضحاً في أسلوب الغناء ونوع الصوت والمقامات التي اعتمدتا عليها. فأم كلثوم سلكت نهجاً طربياً يمزج بين قوّة الصوت والقدرة التعبيرية على أداء المقامات الشرقية المتباينة، بأسلوبٍ يمتاز بالوقار والبساطة والتكرار. أسلوبها في الغناء يعتمد على الإلقاء الشعري والغنائي ببطءٍ وتركيزٍ، ممّا يمكّن المستمعين من التعمق في المعاني والتأثر بالكلمات. كانت أم كلثوم ماهرةً في الأداء العاطفي وأتقنت التلاعب بالألحان لتدخل المستمعين في حالةٍ من النشوة العاطفية.
تنقلت أم كلثوم بقوّة صوتها وعمقه من طبقاتٍ منخفضةٍ إلى مرتفعةٍ، بلا أن تفقد التحكم أو النغمة. حنجرتها الفريدة كانت تتيح مثلاً الانتقال بين مقام الحجاز والصبا والنهاوند برشاقةٍ وبلا عواقب صوتية. نرى مثلاً كيف تخاطب الستّ بمقام الصبا الوجدانَ، وتلقي بموجاتٍ من الشجن على الجمهور، كما هو الحال في أغنية "هو صحيح الهوى غلّاب" التي لحّنها زكريا أحمد وكتبها بيرم التونسي. وكذا نرى كيف للستّ أن تتحكم بمقام البياتي ببراعةٍ بالغةٍ، فتلقي من خلاله ثلّةً من الأحاسيس التي يختلط فيها الشجن والرقة والفرح، كما خطّت بصوتها رائعة الموسيقار بليغ حمدي وكلمات عبد الوهاب محمد "حبّ إيه اللي إنت جاي تقول عليه".
من جهتها، اعتمدت هايده في غنائها على قوة الصوت والإغراق العاطفي والشجن. وكذلك دمجت وتنقّلت بين المقامات الفارسية في الأغنية ذاتها أحياناً، مستعينةً بالأسلوب الطربي المستمدّ من الموسيقى الإيرانية التقليدية. النبرة الشجية في صوتها وما فيها من حزنٍ وغربةٍ كانت من عناصر قربها من الجمهور، خاصّةً الإيرانيين المغتربين.
ومثل أم كلثوم، اعتمدت هايده على التفخيم والتمهل في الأداء لتمنح المستمعين فرصةً للشعور بعمق الكلمات وتفاصيل اللحن. صوت هايده أيضاً كان قوياً وعميقاً، بمدىً صوتيٍّ واسعٍ ممّا مكّنها من تجسيد ألحانٍ فارسيةٍ معقدةٍ. مثل مقام "شور"، ومقام "سهگاه" الذي يتطلب مهاراتٍ فائقةً في التحكم بالصوت. كان بإمكانها التنقل بين نغماتٍ عاليةٍ ومنخفضةٍ مع المحافظة على عذوبة الصوت.
وكما جمعت المقامات الموسيقية بين بلاد فارس وبلاد العرب وبين أم كلثوم وهايده، فكذلك حدث مع الشعر. ففي فترة ما قبل الإسلام، وبينما كانت روح التنافس تسيطر على الأجواء ما بين القبائل العربية والممالك الفارسية خصوصاً في مناطق الالتقاء في الخليج العربي، كان التواصل يختصر على التجار والعلاقات العائلية بين المناطق المتقاربة. شكّل هذا الوضع رافعةً لانتقال تأثير الشعر العربي لبلاد فارس، وتأثرت أشعار الفرس بمقدمات الأشعار العربية. فوقفوا على الأطلال وبَكَوها، ووصفوا الصحارى ومشقّة اجتيازها.
ناهيك عن أن شعراء الفرس قلّدوا في وصفهم الخمر، مثلاً، أبا نواس وغيره من شعراء العربية. فوصفوا مجالسها والاستمتاع بشربها، ووصفوها هي وتتبعوا تولّدها ومراحل تكوينها. وصل هذا التأثر حدّ قول الشاعر الفارسي من القرن الخامس الهجري منوجهری دامغاني متفاخراً ومتحدياً: "إنني أحفظ كثير من دواوين أشعار العرب، وأنت لا تستطيع قراءةَ ألا هبّي بصحنِكِ فاصبِحينا"، مقتبساً بهذا الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم.
المكانة العميقة التي حظيَ بها الشعر عند العرب وجدت مثيلتها عند الفرس. فتجد ديوان حافظ شيرازي وقد أصبح جزءاً أساساً من طقوس عيد النيروز. كما بات الشعر الصوفي والتأملي جزءاً محورياً من الهوية الفارسية. يقابلها المعلقات وعمالقة الشعر العربي، مثل المعرّي الذي تأثر به عمر الخيّام، ثم المتنبي الذي نُقلت كثيرٌ من قصائده إلى الفارسية.
وقد تجلّت العلاقة بين الموسيقى العربية والفارسية أيضاً في التقاء الشعر الفارسي والعربي في الغناء. كانت قصائد الشعراء، مثل حافظ وسعدي في إيران، تُكتب لأجل التعبير عن الحب والوجدان. وكانت قصائد الشعراء العرب، مثل أحمد شوقي وبيرم التونسي، تحمل لغةً مفعمةً بالشغف والأحاسيس الجياشة.
كانت أم كلثوم وهايده حريصتين جداً في اختيار شعرائهما. فالستّ لم ترضَ عن قصيدةٍ إلّا بعد تهذيبٍ وتشذيبٍ وجلساتٍ متكررةٍ مع الشعراء. نذكر منها قصيدة الأطلال لإبراهيم ناجي، التي كتب في مطلعها "يا فؤادي رحم الله الهوى كان صرحاً من خيالٍ فهوى"، فارتأت أم كلثوم أن الأنسب أن تغنّيها "يا فؤادي لا تَسَلْ أين الهوى". وفي "نهج البُردة" لأحمد شوقي، التي تستفتح ببيت "ريمٌ على القاع بين البان والعَلَمِ [. . .] أَحلَّ سفكَ دمي في الأشهُر الحُرُمِ"، تركت أم كلثوم كلمة "مُنْتَصِتٍ". وغنّت البيتَ بكلمة "مستمعٍ" في "فرُبّ مستمعٍ والقلبُ في صممِ".
وفي لحظةٍ ما تلاقت هذه القصائد الغنائية العربية والفارسية في صوت أم كلثوم، وتحولت إلى جسرٍ يربط بين العرب وفارس. فقد أبدع الشاعر أحمد رامي ترجمةً وشعراً في نقل رباعيات عمر الخيام (الشاعر الفارسي) للعربية بشكلٍ قريبٍ من وجدان المستمع العربي، مع الحفاظ على روح التأمل والوجد الفلسفي الذي حمله النص الأصلي. وسنة 1950 غنّت أم كلثوم رباعيات الخيام التي لحّنها رياض السنباطي على مقام رست، فأخرجت لنا قطعةً فنّيةً خالدة. وإن كان كثيرٌ من النقاد يعتبر ترجمة أحمد رامي وغناء أم كلثوم قد زادا من شهرة الرباعيات في العالم العربي، فقد غنّتها أم كلثوم في إحدى وعشرين حفلةً على مدى مسيرتها الفنية التي امتدت حتى وفاتها سنة 1975.
ومع اختلاف الجغرافيا واللغة، إلّا أن أم كلثوم وهايده مثّلتا إرثاً موسيقياً يُدرَّس اليوم، ليس على صعيد الصوت والكلمات فحسب. وإنما رمزاً للهوية الثقافية والاعتزاز بالأصول ووسيلةً لاستعادة الماضي.
وعندما يستمع الجيل الجديد لأغاني أم كلثوم وهايده، يجد فيها صدى العراقة والتحديات التي واجهتها كلٌّ منهما، وكيف استطاعتا بالموسيقى أن تعبّرا عن طموحات شعبيهما وآمالهما.
