بين العلاج والاستعمار: تجربة الأخصائي النفسي الفلسطيني داخل المؤسَّسة الإسرائيلية

الممارسة العلاجية النفسية في المؤسسات الإسرائيلية ليست محايدة، إذ تتأثر بالبنية الاستعمارية ما ينعكس على العلاقة العلاجية وفهم الصدمة وتشكّل دور المعالج.

Share
بين العلاج والاستعمار: تجربة الأخصائي النفسي الفلسطيني داخل المؤسَّسة الإسرائيلية
المعاناة ليست دائماً خللاً داخلياً | تصميم خاص بالفراتس

"أُعالج بالعربية وأُرشَد بالعبرية" عبارةٌ ربما تبدو تفصيلاً مهنياً في مسار أخصائية نفسية من الداخل الفلسطيني تعمل داخل المؤسسات الإسرائيلية، لكنّها تختصر تناقضاً سببه محاولة مرافقة ألم فلسطيني يتشكّل داخل واقع استعماري، من داخل منظومة لا تفهم هذا الواقع دائماً، وأحياناً تساهم في محوه أو إعادة تسميته. يبدو كل شيء منظّماً ومحايداً في غرفة العلاج: مواعيد وملفات وتشخيصات وخطط علاج وإحالات. لكن ما إن يبدأ الكلام، حتى تتسلّل أسئلة وهواجس عن أي لغة يوصف بها الألم أو عن من يملك حق تفسيره. 

عملت خمس سنوات في المؤسسات الإسرائيلية في حيفا وتل أبيب. ولم يقتصر التحدي في عملي على اللغة، رغم مركزيّتها، ولا على الاختلاف الثقافي، رغم حضوره. تمثّل التحدي الأعمق في موقعي ذاته. فأنا قريبة من المتعالجين بلغتهم وذاكرتهم وعالمهم الذي جاؤوا منه لكني التقيهم داخل مؤسسة إسرائيلية تحمل في وعيهم، كما في وعيي، تاريخاً من الشك والحذر وانعدام الأمان. لهذا، لم تكن الثقة تُمنح تلقائياً، حتى حين نتكلم العربية. فأحياناً كان المتعالج يحتاج وقتاً أطول ليصدّق أنني أصغي إليه فعلاً، لا أني أمثِّل عليه لغةً أقرب داخل منظومة استعمارية تضطهده.

بهذا أستعيد تجربتي أخصائيةً نفسيةً فلسطينيةً عملت داخل مؤسسات إسرائيلية، حيث لا تكون اللغة محايدة ولا تكون المؤسسة ولا الغرفة العلاجية نفسها بمنأى عن علاقات القوة. وفي هذا الإطار، يتكشّف ما يحدث حين يُساء فهم الألم الفلسطيني، وحين تُختزل سياسات القهر في صعوبات عائلية، أو حين يُطلب من الأخصائيين العرب، خصوصاً في لحظات التصعيد السياسي، الحفاظ على "حياد" لا يقدم شيئاً سوى إعادة إنتاج الصمت والقهر داخل غرفة العلاج.


لا يتكوّن الأخصائي النفسي الفلسطينيفي الداخل مهنياً ضمن فضاء عربي، ولا يدخل المهنة من باب لغة تشبه العالم الذي جاء منه. وقد لا يكون هذا واضحاً لمن هم خارج هذا السياق.

نحن نحمل الجنسية الإسرائيلية، وندرس غالباً في الجامعات الإسرائيلية، ونتعلّم علم النفس بالعبرية: في المحاضرات والقراءات والنقاشات والتقارير، وفي عرض الحالات والإشراف. غير أنّ العبرية هنا ليست مجرد لغة ثانية، فهي لغة الدولة التي استعمرت المكان وأعادت تنظيمه على صورتها. وهي لغة المؤسسة التي تحتكر تعريف ما يُعدّ معرفة مهنية، وما يُعدّ قراءة موضوعية، وما يمكن أن يدخل إلى ملف التعليم والإشراف والاعتراف الأكاديمي. 

بهذا المعنى، لا نصل إلى المهنة فقط عبر لغة لا تشبهنا أو تشبه ظروفنا، بل عبر لغة سيادية يُطلب منا أن نترجم أنفسنا وتجارب متعالجينا لها كي نصبح مفهومين، وكي تغدو معاناتهم قابلة للتداول داخل النظام.

يتقاطع ذلك مع ما تبيّنه الباحثتان في علم النفس نيرمين توخي وأفيتال غيرشفيلد-ليتفين في دراستهما "بيوند كلتشرال ديفرنسِز [. . .]" (ما بعد الاختلافات الثقافية: الأثر الاجتماعي السياسي في الإشراف بين متدرّبين عرب ومشرفين يهود في إسرائيل) المنشورة سنة 2021. تقول الباحثتان إنَّ علاقة الإشراف لا يمكن فصلها عن السياق الاجتماعي والسياسي الذي تُمارَس فيه ولا تُختزل في اختلافات ثقافية أو لغوية، إنما تتشكّل ضمن إطار أوسع ينعكس على ما يُفهم ويُعترف به مهنياً. وفي هذا الإطار، لا تبدو العبرية مجرد لغة تواصل في الإشراف، بل جزءاً من البنية التي تُحدَّد من خلالها معايير المعرفة المهنية والتقييم والاعتراف.

سِرت أيضاً في هذا المسار مثل كثيرين غيري. درستُ الماجستير في مدرسة تُعدّ من أبرز مدارس علم النفس في الداخل. وتعلّمتُ، كما معظمنا في المجال، أن أفكر بالحالة وأكتبها وأناقشها بالعبرية. حتى المصطلحات التي استقرّت في ذهني المهني تشكّلت بهذه اللغة. ومع هذا التشكّل اللغوي، لا تعود العبرية مجرد أداة للشرح، إنما تصبح لغة المهنة نفسها: اللغة التي تنظِّم الفهم وتمنح الشرعية، وتحدِّد ما يعتبر "سريرياً" (يمكن تشخيصه وعلاجه) وما يُدفع إلى هوامش "السياسي" أو "الذاتي" أو "غير المهني" فيفقد فرصته بأن يشخَّص ضمن سياقه النفسي الفعلي. وبهذا المعنى، يبدو مسار التكوين ملتبساً منذ بدايته: أن تتأهَّل لتصير أخصائياً نفسياً فلسطينياً عبر لغة لا تأتي فقط من خارج بيتك ومجتمعك، بل من خارج واقعك السياسي والتاريخي أيضاً.

يشير لهذا السياق الأخصائي النفسي محمد حاج يحيى وأستاذة علم النفس الاجتماعي دوريت روير-شتراير في دراستهما "أون ذا إنكاونتر بتوين جويش سوبرفايزرز آند أراب سوبرفايزييز إن إزرائيل" (عن اللقاء بين مشرفين يهود ومتدرّبين عرب في إسرائيل) المنشورة سنة 1999. يبين الكاتبان أن عملية التأهيل المهني تجري داخل سياق اجتماعي سياسي يتسم بعدم التكافؤ بين الأطراف. إذ تتداخل الفروقات الثقافية واللغوية مع علاقات القوة، بما ينعكس على تجربة المتدرّبين العرب داخل الإشراف، وعلى أنماط تواصلهم وتعبيرهم والحاجة إلى التكيّف مع معايير الإطار المهني السائد ليُعترف بهم ضمنه.

لذلك، كان في الأمر شيء من المفارقة، وربما من الانكشاف أيضاً، حين بدأت مرحلة التخصص بعد الماجستير في مركز لعلاج الصدمة. هناك للمرة الأولى بدأتُ العمل مع متعالجين عرب فلسطينيين بالعربية. وقد جاء ذلك بعد سنوات من الدراسة والتدريب لم تتح لي فعلياً الاستماع إلى وجع يُقال بلغته الأولى، لا باللغة التي تعلّمتُ أن أفكر بها مهنياً.

وفي ذلك المكان ظهر لي الفارق، فالعبرية تجلت كما هي: لغة الدولة والمؤسسة والشرعية التي يُطلب من الألم أن يمرّ عبرها كي يصبح فهمه وتداوله ممكناً. أما العربية داخل غرفة العلاج فكانت تصطدم بما لا يكتمل في الترجمة: الخوف والحياء والتهديد والذاكرة، وطبقات من المعنى تحمل عالم أصحابها الخاص خارج تأطير وسطوة المؤسسة الناطقة بالعبرية.

تشير في هذا السياق الباحثة في علم اللغة والتواصل ليلى فيركيرك وآخرون في دراسة بعنوان "لانغويج تشويس إن سايكوثيرابي [. . .]" (اختيار اللغة في العلاج النفسي لدى المتعالجين متعددي اللغات) المنشورة سنة 2021، إلى أن اختيار اللغة يرتبط بالتعبير العاطفي داخل العلاج النفسي. وتضيف أن المحتوى الانفعالي ربما يُعبَّر عنه بشكل مختلف بحسب الغة المستخدمة، وهو ما يؤثر على كيفية صياغة تجربة المتعالج وفهمها داخل الجلسة.

ومع أن العلاج ربما يكون بالعربية إلا أن ذلك لم يلغِ أنّ الإرشاد ظلّ بالعبرية، وكان عليّ بعد كل جلسة تقريباً أن أعود بما سمعته إلى لغة أخرى ترجمةً واختصاراً وإعادة صياغة، لأُكيفها مع لغة المؤسسة ولتصبح تجربة المتعالج المروية بالعربية قابلة للمرور داخل إطار المؤسسات العبرية. هذا ما تلتقطه دراسة "ما بعد الاختلافات الثقافية" حين تشير إلى أن الترجمة في الإشراف ليست خطوة تقنية، إنما نوعاً من إعادة الصياغة. السبب أن المعالج يضطر إلى قول ما سيُفهم بالعبرية، لا ما قيل فعلاً بالعربية، ويجد نفسه يفكر بكلمات عبرية حتى وهو يحاول إيصال تجربة (بما فيها من حمولة عاطفية واجتماعية) وُلدت في لغة أخرى. في تلك الفجوة بالذات كنت أرى أثر البنية الأوسع التي تجعل العربية لغة اللقاء الحي، والعبرية لغة الاعتراف به.

اللغة ليست كياناً مستقلاً بريئاً ومحايداً، فالعبرية في العيادة لم تكن منفصلة عن العبرية في الشارع أو الجامعة أو المستشفى أو البلدية أو المحكمة أو الملف الأمني. كانت تحمل، حتى وهي تتحدث عن العلاج، أثر موقعها لغةً سياديةً واستعماريةً. لذا لم يكن الانتقال بين اللغتين مجرد انتقال لساني، بل انتقال من لغة تحمل وجع تجربة فلسطينية عابرة للأجيال دامت ثمانية عقود ونيف إلى لغة تطلب من هذا الوجع أن يصبح قابلاً للتداول داخل المؤسسة الاستعمارية وقوانينها وهي ذاتها المؤسسة التي خلقت هذه التجربة.

تلك هي الظاهرة، في سياقها الأوسع، التي تعاملت معها مراراً دراسات ما بعد الاستعمار. ففي كتابه "بلاك سكين، وايت ماسكس" (بشرة سوداء، أقنعة بيضاء) الصادر سنة 1952، يربط عالم النفس فرانتس فانون – المنحدر من جزر المارتينيك الفرنسية – اللغة عضوياً بالهوية والسلطة. فهو يرى أن تبنّي لغة المستعمر (الفرنسية في حالته) تتجاوز مسألة التواصل، لتصبح محاولة للارتقاء الاجتماعي والتماهي مع المستعمر. ويؤدي ذلك إلى حالة اغتراب نفسي وثقافي.

وفي سياق أقرب، يناقش إدوارد سعيد في كتابه "أورينتلزم" (الاستشراق) الصادر سنة 1978، كيف تُنتج المعرفة (ومنها اللغة) ضمن علاقات القوة. يرى أن من يملك سلطة إنتاج الخطاب – ومنها المؤسسات الأكاديمية والإعلامية – يحدد ما يُقال والكيفية التي يُقال بها، وبالتالي يقنن ما يمكن اعتباره حقيقياً. هنا تهمش أصوات من هم تحت الاستعمار، وحتى إن استخدموا لغة المستعمر فلا يمنحهم هذا تمثيلاً حقيقياً. وذلك وفقاً للأكاديمية والناقدة الأدبية الهندية غاياتري تشاكرافورتي سبيفاك في مقالتها المطولة "كان ذه سبلاتيرن سبيك؟" (هل بإمكان التابع أن يتكلم؟) الصادرة سنة 1988. 

لذلك، لم يكن الأمر بالنسبة إليّ مجرد أنّ العربية أسهل من العبرية. لكن الفارق أنّ الحالة بالعبرية، حتى حين تكون مربكة (أي تتداخل فيها عدة عوامل وصدمات نفسية)، لا تطلب من المتعالج أن يخرج من عالمه كي يصبح مفهوماً. أما العربية، فكانت في أحيانٍ تشعرني بأنّ عليّ أن أقرّب الحالة من لغة المؤسسة أولاً، قبل أن أطالب المؤسسة بأن تقترب من الحالة.

كان عليّ أن أبرّر طريقة فهمي للحالة إلى جانب تقديمها، وأن أشرح لماذا لا يمكن فصل ما يحدث داخل البيت عمّا يحدث خارجه، ولماذا لا يكفي اختزال الحديث أو التشخيص في "الثقافة" أو "العائلة" إذا كانت أسباب العلل النفسية أوسع من ذلك تحكمها سياقات تاريخية وخبرة جمعية للفلسطينيين عموماً. لذلك، كان الإسناد والدعم أحياناً يأتي من وجود زملاء عرب. فأمامهم بدا أنني لا أبدأ من الصفر، ولا أحتاج في كل مرة إلى شرح البديهيات أو الدفاع عن وجودها أصلاً. تبين لي مع الوقت أن تجاهل الفروق القومية والسياسية داخل غرفة العلاج لا يصنع "مهنية أنقى"، إنما يفتح الباب لسوء الفهم والتوتر والقطيعة الصامتة بين ما اختبرته متخصصةً وبين ما يبدو الإرشاد الناطق بالعبرية مستعداً لسماعه.

من هنا فالمعاناة النفسية لدى الفلسطينيين (داخل الخط الأخضر في هذه الحالة) لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الأعرض للاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، وفق كتاب "سايكوأناليسِس أندر أكويبيشن [. . .]" (التحليل النفسي تحت الاحتلال: ممارسة المقاومة في فلسطين) الصادر سنة 2022 للمختص بالدراسات الثقافية ستيفن شيحي والمختصة بالتحليل النفسي اللبنانية الأمريكية لارا شيحي. فاختزال العلاج النفسي في الثقافة أو آليات التفاعل العائلي، وفقاً للكاتبين، ممارسة مختلة في العلاج النفسي، على انتشارها.

وإلى معنى مشابه تشير عالمة الأنثروبولوجيا الهندية فينا داس في كتابها الصادر سنة 2007 عن العنف في الحياة اليومية بعنوان "لايف آند ووردز [. . .]" (الحياة والكلمات: العنف وتطبيعه). إذ تقول أن الأحداث السياسية الكبرى تتسرب إلى الحياة المنزلية واليومية والعائلية. لذا يبدو صعباً الفصل في تشخيص الحالة بين ما يحدث داخل البيت وبين ما هو خارجه، ناهيك عن السياق التاريخي الذي يحكم الاثنين.  

ربما لهذا لا أستطيع القول إنني درستُ بالعبرية ثم عالجتُ بالعربية، كما لو أنّه مجرّد انتقال بين أداتين. فقد دخلتُ المهنة من لغة، ثم وجدتُ نفسي أمارسها بلغة أخرى. وبين اللغتين، بل بين موقعين في السلطة، تكوّن جزء كبير من التوتر الذي رافقني لاحقاً في الإرشاد النفسي. وقد تمثل ذلك بيِّناً في مسألة بناء الثقة مع المتعالجين الفلسطينيين. وتكشَّف خلال هذا مفارقة أخرى تتعلّق بالهوية المشتركة وحدود قدرتها على صناعة الأمان.


ظننت في البداية أنّ فهمي اللغة العربية سيجعل التعامل المتعالجين العرب الفلسطينيين أسهل، وأنّ كوني فلسطينية من الداخل سيختصر بعض المسافة بيننا. 

فتحت العربية هذا الباب أحياناً، لكنها لم تزِل الشك بالكامل بين المعالج والمتعالج. لأن ما يدخل الغرفة ليس اللغة وحدها، إنما المؤسسة أيضاً. إذ أن المتعالج لا يلقاني عربيةً فحسب، بل عربيةً تعمل داخل منظومة إسرائيلية يعرفها أو يتوجّس منها أو يحمل تجاهها تاريخاً طويلاً من الحذر والخوف والكراهية. لذلك كانت الثقة بيني والحالة لا تُمنح في أول جلسة ولا بمجرّد سماع المتعالج لغته، بل يحتاج وقتاً كي يقتنع أن هذه الغرفة لن تعيده بشكل أو بآخر إلى الخارج الذي جاء منه، حيث سطوة المنظومة الاستعمارية.

غياب الثقة وما صاحبَها من تردد كان يظهر في كلام محسوب أكثر من اللازم، أو في الالتفاف حول الموضوع، أو في الصمت. وقد بدا لي أحياناً أن الحالة قيد العلاج تحاول تقييم حجم المخاطرة أو الحرية فيما ستقوله. أو إلى أي حدّ يمكن الحديث عن الشرطة أو المؤسسة الأمنية أو الاعتقال أو العنف من دون أن ينقلب الكلام على صاحبه، فيصبح ضحية للمؤسسة مرة أخرى في مكان قُدِّم له أنه آمن. 

يتقاطع ذلك مع ما يطرحه ستيفن ولارا شيحي في كتابهما حول استحالة فصل العلاج النفسي عن السياق السياسي. ويتوافق مع ما تشير له دراسة للأخصائية النفسية سمدار بيزي-ناثانيئيل وآخرين بعنوان "سايكوثيرابي أوف أن آراب بيشنت باي أ جويش ثيرابست إن إسرائيل دورينغ ذا إنتفاضة" (العلاج النفسي لمتعالج عربي على يد معالجة يهودية في إسرائيل أثناء الانتفاضة). المنشورة سنة 1991. إذ تبين الدراسة أنّ الواقع السياسي في سياقات الصراع لا يبقى خارج الإطار العلاجي، إنما يتداخل معه بطريقة معقدة قد تؤثر في بناء الثقة والتحالف العلاجي. فالعلاقة بين المعالِج والمتعالِج لا تُبنى في فراغ محايد، إنما ضمن علاقات قوة وهويات قومية متوترة. ففي الحالة التي تناقشها الدراسة (بين معالجة يهودية ومتعالج فلسطيني عربي)، يتبين كيف يمكن لاختلاف الانتماء القومي أن يخلق طبقات إضافية من الحذر والصمت، أو حتى سوء الفهم.

وفي بعض أماكن العمل، لم تقتصر المسألة على متعالجين عرب، إذ قد يصل متعالج إسرائيلي يهودي أيضاً. عندها، لا يكون التوتر نابعاً فقط من اختلاف اللغة أو الخلفية، إنما من شيء أعمق وهو أنّ الشخص الجالس أمامي ينتمي إلى الجماعة المهيمنة وإلى الدولة ومؤسساتها، أي إلى المنظومة نفسها التي تنتج القهر الاستعماري الذي أعيش داخله.

قد يأتي هذا الإسرائيلي اليهودي إلى الجلسة متعالجاً يحمل ألمه الفردي الخاص، لكن ذلك لا يمحو كونه يأتي أيضاً من موقع امتياز سياسي وتاريخي. ففي الخلف منه منظومة كاملة تؤطِّره وتشرعن مخاوفه ومحاور قلقه خارج البعد الشخصي. وهو ربما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي، بيير بوردو، "السلطة الرمزية". تلك التي تمنح متحدثاً ما (اليهودي في هذه الحالة) شرعية تلقائية، بينما يطلب من الآخرين اثبات مصداقيتهم، حتى في سياقات العلاج النفسي التي عادةً تُصنف "محايدة" رغم عدم دقة هذا التصنيف.

فالمتعالج اليهودي هو نتاج الرواية الرسمية الكبرى التي تربط عضوياً الذاكرة الجمعية المرتبطة بالهولوكوست، مثلاً، بالتجارب الفردية لليهود في إسرائيل وحول العالم. هذه الذاكرة لا تختزل حدثاً تاريخياً مكانه الماضي، إنما تُستحضر في الخطاب السياسي والثقافي والإعلامي، وتساهم بثقل في تشكيل إدراك كثير من الأفراد اليهود لذاتهم والآخرين، خصوصاً الفلسطينيين. لذا قد يدخل المتعالِج إلى الجلسة وهو يحمل ألمه الفردي، لكنه في الوقت نفسه يأتي مشبعاً بإطار معرفي ووجداني يُعيد تفسير الخطر والأمان والانتماء عبر عدسة تاريخية جمعية تدعمها المؤسسة الاستعمارية.

في المقابل، أجلس أنا الفلسطينية في موقع المعالِجة من داخل جماعة ما تزال مطالبة باستمرار بأن تثبت إنسانيتها وتبرّر قراءتها لواقعها.

ومع ذلك، ليس كل متعالج إسرائيلي يهودي جاء إلى الجلسة محمَّلاً بالثقة، ولا كل متعالج عربي جاء محمَّلاً بالشك. وما كنت أتعلمه تكراراً هو أنّ الأمان يحتاج أيضاً إلى اعتراف بما هو حاضر بيننا حتى حين لا يُقال: المؤسسة  والتاريخ  والعداء  وعدم التكافؤ. وكل ما يجعل بعضهم يدخل الغرفة فيما يتملَّكه حق قديم في الشك، وآخرين يدخلوها ويسكنهم حقٌّ قديم في السلطة.

من هنا، لم تكن المشكلة أنّ العربية فشلت في بناء الثقة، بل إن الثقة في سياق مثل هذا لا تُبنى من اللغة وحدها، إنما أيضاً من قدرة الغرفة على احتمال الحقيقة التي تأتي معها. ومن هنا بدأ سؤال آخر أقرب حول ما يحدث حين تُقال المعاناة، لكن يُساء فهم السياق الذي أنتجها.


لا يأتي سوء الفهم في العمل العلاجي أحياناً على هيئة خطأ فادح أو عبارة جارحة. إنما قد يأتي بصيغة أكثر أناقة: قراءة مرتّبة ومنطقية ومقنعة ظاهرياً، لكنها تهمل السياق الأوسع تاريخياً واجتماعياً. وهذا كان من أكثر ما أتعبني في الإرشاد والعمل، أن تُقرأ الحالة بطريقة تبدو مهنية، فيما يفصل الألم الذي يعبر عنه المتعالج (الفلسطيني) عن شروط إنتاجه المتمثلة بالبيئة الاستعمارية التي نشأ فيها.

أتذكر حالة فتاة في سن المراهقة كانت تعيش مع أمٍّ نصنفها في اللغة المهنية بأنها "مفرطة في الحماية". كانت الأم واقعياً ضاغطة وعنفها الكلامي مؤذي، لكنّ ما كان يجري في البيت لم يكن يبدأ من البيت ولا ينتهي فيه. 

كانت العائلة تعيش في مدينة يسكنها فلسطينيون ويهود، داخل فضاء استعماري يضغط على الفلسطيني يومياً: عنصرية وجريمة منظَّمة ومخدرات وشرطة لا تشكّل مصدر أمان، علاوةً عن نظرات تذكِّر باستمرارٍ بأنك لست صاحب المكان بالكامل. وفوق ذلك كله، كانت الأم نفسها تحت ضغط من الأب. لكن هذا أيضاً لا يمكن قراءته ببساطة بوصفه تعبيراً عن "ذكورية عربية" معزولة عن محيطها السياسي. فدوائر القهر تتسرَّب وتُعاد صياغتها وتتحرك داخل العلاقات الأقرب.

فعندما يعيش الرجل نفسه تحت التهديد والتهميش وانسداد الأفق، هذا يضعه داخل شبكة أوسع من القهر، فيُعاد تصريف العجز الذي يشعر به والسيطرة المفقودة (تحت سطوة المستعمر) عنفاً أو تنمراً تجاه بعض أفراد الأسرة أو أفراداً آخرين في المجتمع. هي الحالة التي يصفها الأكاديمي المقدسي باسم رعد، في تحليله لعلاقات القوة تحت الاحتلال في كتابه "هيدين هيستوري [. . .]" (التاريخ المخفي: فلسطين وشرق المتوسط) سنة 2010، بأنها تعويض ناتج عن العجز. ويعرض مثالاً لأطفال ذكور في القدس يسيئون معاملة قطط الشارع، ما يراه الكاتب اسقاطاً نفسياً ناتجاً عن غياب السيطرة وقلة الحيلة يتحسَّسونها في آبائهم وذويهم من الذكور تحت الاحتلال. وهؤلاء الذكور المنتظر منهم وفق المعايير المجتمعية حماية عائلاتهم، بالإضافة لتوفير الاحتياجات الأساسية. ولا حماية فعلية يمكن أن يوفرها الفلسطينيون ضمن الواقع الاستعماري الذي يتفوق فيه الإسرائيليون في ميزان القوة.    

في مثل هذا السياق، لا تصبح "الحماية الزائدة" مجرَّد سمة أمومية أو خلل في حدود العلاقات العائلية، بل شكلاً مشوَّهاً من أشكال العيش تحت التهديد. ومشكلة هذا النوع من القراءة للحالة أنها  تفصلها عن النظام الذي يعيد إنتاجها يومياً.

ظهر هذا الخلل بوضوح أكبر حين طُرحت إمكانية الاتصال بخدمات الرفاه الاجتماعي أو ما يُعرف بخدمات الشؤون الاجتماعية التابعة للدولة للتدخل في الحالة حسب ما تقضيه آليات العمل في المؤسسة. اعترضت الأم، وكان اعتراضها يُقرأ أحياناً "ثقافياً". فهي من عائلة عربية (فلسطينية) تفضِّل حلَّ مشاكلها داخلياً، أو أمٌّ لا تثق بالمؤسسات لأنها "محافظة" أو "حمائلية".

ما غاب أو ربما غُيِّب عن المؤسسة الناطقة بالعبرية أن الخوف من "الرفاه الاجتماعي" لم يكن مجرد تحفّظ اجتماعي، إنما خوفاً من دخول الدولة إلى البيت. فهذه المؤسسات لا تُختبر في الوعي الفلسطيني جهات مساعدة، بل يُنظر إليها أيضاً أدوات ضبط وتصنيف ومراقبة وتدخّل قد تسحب من العائلة قدرتها على إدارة شؤونها. بهذا حين يُختزل هذا الخوف إلى "ثقافة"، لا يُساء فهم الأم فقط، ولكن يُمحى البعد السياسي من خوفها، وتظهر المشكلة على أنها في الوعي أو في درجة الانفتاح، لا أنها معرفة تاريخية متراكمة عمَّا يعنيه أن تسمح بوصفك فلسطينياً للسلطة بأن تدخل بيتك وتعيد تعريف ما يحدث فيه.

تُرى الأم ولا يُرى الاستعمار وهو يعمل من خلالها وعليها. يُرى البيت، ولا يُرى كيف صار نفسه خطّ الدفاع الأخير في واقع لا يوفّر للفلسطيني أماناً خارج بابه. يشير لهذا الأخصائي الاجتماعي سمير قعدّان وآخرون في دراسة بعنوان "سوشل ووركرز فروم أوبريسد ماينوريتي غروب [. . .]" (أخصائيون اجتماعيون من الأقلية المضطهدة يعالجون حالات من المجموعة المهيمنة [. . .])، المنشورة سنة 2017. إذ يقول إنّ اللقاءات العلاجية في هذا السياق مشبعة بتوترات سياسية وتجارب من الخوف والغضب، ما يؤكد الحاجة إلى ممارسة مهنية تأخذ السياق بعين الاعتبار. وفي غياب ذلك، تصبح القراءة عرضة لأن تفصل الحالة عن علاقات القوة التي تشكّلها.

وفي حالة أخرى، جاءتني فتاة تحمل التوتر في جسدها أكثر مما تحمله في كلامها. عانت من اكتئاب ورغبة قاسية في إنقاص الوزن، فيما بدا محاولة مستمرة للسيطرة على جسد يبدو المساحة الأخيرة التي ما زال يمكن ضبطها.

في تاريخ العائلة، اعتُقل الأب أمنياً، ثمّ خرج من السجن بلا أن يخرج فعلاً من منطق السجن. بقي الشكّ والترقب، واستمرّ الخوف من الملاحقة والمراقبة، إلى أن صار الارتياب جزءاً من علاقته بالعالم، وتطوَّر لاحقاً إلى "ذهان" (حالة عقلية ينفصل فيها الشخص عن الواقع).

لم يكن ممكناً أن أقرأ هذا الارتياب مجرّد عرضٍ منفصلٍ عن تاريخه، ولا أن أتعامل مع خوفه خيالاً محضاً، فيما كانت المراقبة والقمع يوماً ما جزءاً واقعياً من حياته لا وهْماً فيها. داخل البيت، تحوّل ذلك كله إلى صمت كثيف وطمطمة وسريَّة تحكم الكلام والحركة، كأن العائلة تعلّمت أنّ النجاة تمرّ أحياناً عبر خفض الصوت وإخفاء المعنى، والعيش بحذر دائم.

صعبٌ عليّ أن أفصل بين حالة الأب واعتقاله السياسي، أو بين الارتياب الذي عاشه لاحقاً وتاريخ المراقبة الحقيقي، أو بين الصمت داخل البيت وبين سياق فلسطيني أوسع تعلَّمت فيه العائلات الصمت تحت الاستعمار: من النكبة إلى الحكم العسكري إلى السجون، وصولاً إلى حرب السابع من أكتوبر 2023 على غزّة. 

كذلك، لم يكن ممكناً أن أفصل بين أعراض الفتاة الجسدية وهذا المناخ كله. فداخل بيت محكوم بالصمت والحذر، حيث الخوف حاضر ولا يسمَّى، لا يختفي التوتر ولكن يبحث عن طريقٍ آخر للظهور. وفي هذه الحالة بدا أنّ ما لم يُقل داخل العائلة استقرَّ في جسدها، فتحوَّل إلى شدٍّ وتجويعٍ، ومحاولة يائسة لفرض شكل من النظام على داخلٍ يفيض بالخوف. لكن هذا الربط لم يكن يُرى دائماً بديهيّة. كأن الاستعمار، ما إن يمرّ عبر العائلة، يفقد اسمه، ويُعاد تقديمه "مشكلة تواصل" أو "نمطاً عائلياً". 

وما تعلّمته هو أن بعض القراءات قد تصبح مؤذية حين تفسّر كل شيء من داخل الفرد أو العائلة، فتجعل القهر البنيوي مجرد خلفية باهتة أو ظرفاً إضافياً، يمكن الاستغناء عنه دون أن يختل الفهم. فبعض الأمهات والأسر، حسبما عايشت في تجاربي العلاجية، لا يصرخون من فراغ ولا يصمتون بلا سبب. ثمّة تاريخ كامل يدخل البيت، ثم يدخل الجلسة، ثم يُطلب منا أحياناً أن نقرأه بعد أن ننسى اسمه. يبدأ ذلك من صراع الفلسطينيين عموماً لتقرير مصيرهم منذ النكبة سنة 1948، ومروراً بالحكم العسكري حتى منتصف الستينيات والتهجير الذي طال من بقي منهم داخل إسرائيل. وليس انتهاءً بعقود من التعامل مع فلسطينيي الداخل مواطنين إسرائيليين من الدرجة الثانية تمرَّر بحقهم قوانين عنصرية دورياً. 

هذا النوع من الإرشاد كان يترك لديّ شعوراً بأنّ عليّ في كل مرة أن أقول إنّ ما نراه هنا ليس داخلياً أو عائلياً أو ثقافياً فقط. أن أقول إنّ الخوف من المؤسسة ليس دائماً مقاومة للتغيير، وإن الكتمان قد يكون أحياناً لغة نجاة، وإن ما يبدو "عرضاً" قد يكون أيضاً أثراً متراكماً لسنوات من المراقبة والإذلال وعدم الأمان.

لم يكن هذا الخلل يظهر في الإرشاد فقط، بل كان يتكرّر بصيغة أوضح على مستوى المؤسسة، خصوصاً خلال الحروب، وأوقات اشتداد الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أو بين الإسرائيليين ومحيطهم العربي.


في لحظات التصعيد السياسي، لا تتصرف المؤسسات الصحية الإسرائيلية كما لو أنّ التصعيد  يدخل مباشرة إلى غرف العلاج بل تحاول إعادة ترتيب المشهد أخلاقياً ولغوياً.

تمثَّل ذلك في دعوات إلى التهدئة والتعايش، والحفاظ على المهنية داخل المؤسسة. كأنَّ العنف يحدث في مكانٍ آخر، والحرب تقع خارج اللغة التي نستعملها وخارج الأجساد التي تصل إلى العيادة، وخارجنا نحن أيضاً. بهذا، كما راقبت، مجرد الشعور تجاه ما يحدث يُعاد تعريفه "سياسياً أكثر مما ينبغي"، وبالتالي شيئاً يفترض ألا يدخل إلى العمل العلاجي إلا بعد أن يفقد حدَّته واسمه وصلته المباشرة بالواقع.

في الظاهر، تبدو هذه اللغة متزنة. لكن ما يُطلب منا نحن المعالجين الفلسطينيين هو أن نترك هويتنا الوطنية خارج مركز العلاج، وأن نتعامل مع ما يجري كما لو أنّه ضجيج خارجي لا ينبغي له أن يفسد "النقاء" المهني لغرفة العلاج. وهذا، بالنسبة إلى الأخصائي الفلسطيني، لا يصنع اتزاناً بل انقساماً. فالمطلوب من المعالج الفلسطيني ليس فقط أن يهدِّئ الآخرين، إنما أن يُهدِّئ نفسه أيضاً بينما تنتهك هويته وتعرقل حياته وينكَّل فيمن يعتبرهم امتداداً له في الضفة وقطاع غزة.

مع اشتعال حرب السابع من أكتوبر 2023 على قطاع غزة، صار هذا أوضح. الصمت ما عاد قراراً فردياً فحسب، بل جواً كاملاً ونوعاً من الكبت الجماعي.

شددت المؤسسة الإسرائيلية القيود على فلسطينيي الداخل عبر التضييق على حرية التعبير، لاسيما في ما يتعلق بالمنشورات والتصريحات على وسائل التواصل الاجتماعي. إذ اعتقلت السلطات واستجوبت عدداً كبيراً من فلسطينيي الداخل بتهم "التحريض" أو "دعم الإرهاب"، ما خلق مناخاً من الرقابة الذاتية والخوف. كذلك فُرضت قيود على التظاهر والتجمع، وفُرِّقت أو منعت العديد من الوقفات التضامنية مع غزة. وظهرت بالتوازي ممارسات تمييز ومتابعة أكبر داخل أماكن العمل والفضاء العام.

المتعالجون أنفسهم كانوا يخافون الكلام مع أن غرفة العلاج يُفترض أن تكون آمنة. كانوا يقتربون من الموضوع ثم ينأون عنه، يسمّون الألم ولا يسمّون سببه، ويختبرون حدود الجملة قبل أن يقولوها كاملة. وأنا أيضاً كنت أتحسس اللغة قبل أن أستعملها، وأعرف مسبقاً أنّ بعض الكلمات تُسمع هنا استفزازاً أو تجاوزاً أو خرقاً غير مرغوب فيه لما تسميه المؤسسة الصحية "الحياد".

أفكر أحياناً أن أشدَّ ما يكشف زيف هذا الحياد المكان نفسه وليس فقط الخطاب. فواحد من أماكن عملي، كان بيت فلسطيني هُجِّر أهله سنة 1948، ثم استولت عليه البلدية. كنت أدخل إلى مكان كان بيتاً اقتُلع أصحابه منه، ثم أُعيد تدويره داخل الحاضر الإسرائيلي. ومع ذلك، لم يكن تاريخ هذا المكان يُعامل حقيقةً من حقها أن تكون حاضرة في الوعي، إنما شيئاً ينبغي ألا يُذكر، أو أمراً "سياسياً" لا شأن له بالعمل.

ربما لهذا لم أستطع أن أتعامل مع دعوات "الهدوء" و"التعايش" لغةً بريئة. كنت أرى فيها محاولةً لإنتاج حدود جديدة بين ما هو مسموح قوله وما ينبغي أن يبقى خارج الغرفة. لا لأن المؤسسة لا تعرف أن ما يجري يؤثر في العمل، بل لأنها تريد أن تضبط طريقة الاعتراف بهذا الأثر. أن تسمح بما لا يهزّ صورتها عن نفسها. تلك حالة قد يشار لها في أدبيات علم النفس باسم "التنافر المعرفي"، وفيها يحاول الشخص كبت اعتقادات أو حقائق تتناقض مع ما يؤمن به حفاظاً على صورته لذاته وتجنباً لأزمة في الهوية. 

وكأنه علينا أن نقبل بالألم حين يأتي منزوع السياق أو مخفَّف اللغة أو مُترجماً إلى مصطلحات أقل إزعاجاً. أما إذا جاء محمولاً باسمه الكامل، وبالمنظومة التي أنتجته، فإنه يتحول فجأة إلى شيء "غير مهني".

بعد كل هذا، صار السؤال ليس كيف أشتغل داخل هذه المنظومة، بل ما الذي يعنيه أصلاً أن تكون أخصائياً نفسياً فلسطينياً فيها. لأن الأخصائي النفسي، في سياق استعماري، لا يمكن أن يكون مجرد تقنيٍّ يلتقط الأعراض ويعيد ترتيبها في ملف نظيف. ولا يمكن أن يكون وسيطاً محايداً بين الألم والمؤسسة، يجرِّده من تاريخه كي يصبح مفهوماً. هذا التعريف نفسه للمهنة جزء من المشكلة. فحين يُطلَب من الأخصائي أن يعالِج الفرد كما لو أنه منفصل عن العالم الذي جرحه، يصبح العلاج نفسه شكلاً من أشكال الإنكار والقهر.


ما تعلّمته من تجربتي أخصائيةً نفسيةً فلسطينية في الداخل هو ألا يكتفي الأخصائي  بالدور الذي ترسمه المؤسسة الغربية حيث صُكَّت مدارس التحليل النفسي الحديثة. فوظيفة المعالج النفسي تتجاوز الإصغاء إلى الأعراض، لتشمل الإصغاء إلى العالم الذي أنتجها. ومهمته لا تقف عند ترجمة الألم إلى لغة مقبولة مؤسسياً، بل تمتد إلى رفض اختزال الإنسان إلى تشخيص، أو العائلة إلى تفسير مكتفٍ بذاته، أو الصمت إلى نمط تواصلي، أو الخوف إلى "قلق" منزوع السبب.

جزء من الأمانة المهنية هنا هو القدرة على التسمية، أن يسمّى القهر بما هو قهر، وأن يسمّى الاستعمار حين يظهر في الجسد والعلاقة واللغة، وألا يُسمح بإعادة تدويره داخل مفاهيم نفسية محايدة ظاهرياً وخاوية سياسياً.

من هذا المكان، أجد نفسي أقرب إلى تعريف الأخصائي النفسي من منظور علم النفس التحرري: لا متخصصاً يقف فوق التجربة ويفسّرها من الخارج، وإنما فاعلاً أخلاقياً ومعرفياً يردّ التجربة إلى حقيقتها الكاملة. شخص يعرف أنّ المعاناة ليست دائماً خللاً داخلياً، وأن التكيّف ليس دائماً علامة صحة، وأن ما يسميه النظام "وظيفية" أو "اندماجاً" قد يكون أحياناً اسماً آخر للترويض. الأخصائي النفسي هنا يساعد الناس على احتمال الواقع وفهم ما الذي فعله هذا الواقع بهم، وكيف دخل إلى أجسادهم وكوَّن علاقاتهم وصورتهم عن أنفسهم.

وحين أفكر اليوم في دوري أخصائيةً نفسيةً فلسطينيةً داخل المؤسسات الإسرائيلية، لا أفكر فقط في كيف أستمع، ولكن أيضاً في كيف لا أخون ما أسمعه. كيف لا أشارك، باسم المهنيَّة، في تدجين الحقيقة لتصبح مناسبة للمكان وعلى مقاس مؤسسة الاستعمار.

اشترك في نشرتنا البريدية