عبير قواس ومسار الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا: من هامش السياسة إلى المؤسسات

يقترب التيار الاشتراكي الديمقراطي في الولايات المتحدة من مؤسسات الحكم، مدفوعاً بشبكات محلية تحوّل النشطاء إلى مرشحين وتبني حملاتهم، مثلما تكشف تجربة عبير قواس في نيويورك.

Share
عبير قواس ومسار الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا: من هامش السياسة إلى المؤسسات
الاشتراكيون الديمقراطيون لا يحتاجون نموذج نيويورك | تصميم خاص بالفراتس

حين تقطع شارع ستينواي في حي أستوريا بمدينة نيويورك، تكون قد عبرت أكثر من بلد عربي من دون أن تغادر المدينة. يخرج صوت الأذان من مسجد الإيمان، وعلى الأرصفة تطغى العربية على الإنجليزية. هنا لهجة مصرية، وهناك شامية. وتحمل واجهات المطاعم والمحال أسماء عربية بينما تأتي روائح الأطعمة من بلاد مختلفة: "مشويات اللول" و"الهنا ماركت" و"فطير مم"، وسط حضور أعلام فلسطين ومصر التي تتدلى من بعض الواجهات. للحظات، يبدو ستينواي كأنه جمَع شوارع من مدن عربية مختلفة ووضعها جنباً إلى جنب في قلب نيويورك. 

في مقهى "مو كافيه" قابلت عبير قواس، ابنة هذا الحضور العربي في المدينة، والناشطة التي انتقلت بعد سنوات من العمل المجتمعي إلى خوض معركة انتخابية انتهت بفوزها في الانتخابات التمهيدية لمجلس شيوخ ولاية نيويورك في كوينز. جرت الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في يونيو 2026، ومثّل فوز قواس فيها خطوة باتجاه الانتخابات العامة المقررة في نوفمبر 2026. كان الشارع مدخلاً مناسباً للحديث معها، فالكثير مما شكّل رحلتها السياسية حاضر حولنا: الهجرة وفلسطين وتجربة العرب والمسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية، والأسئلة عن العمل والسكن والطبقة، وعن المساحة التي يمكن لهذه المجتمعات أن تصنعها لنفسها داخل السياسة الأمريكية.

تنتمي قواس إلى موجة جديدة من مرشحي التيار الاشتراكي الديمقراطي في الولايات المتحدة، الذي وسّع في السنوات الأخيرة حضوره داخل الحزب الديمقراطي، معتمداً على بناء قواعد محلية من المنظمين والمتطوعين، والدفع بمرشحين من داخل هذه القواعد إلى الانتخابات. وبعد عقود ظلّ فيها الاشتراكيون الديمقراطيون قوة محدودة على هامش السياسة الأمريكية، بات التنظيم الانتخابي جزءاً أساساً من مشروعهم السياسي. وتكشف حملة عبير قواس جانباً من هذا التحوّل، من الاحتجاج والضغط على السياسيين من خارج المؤسسات إلى اختيار المرشحين وبناء حملاتهم وحشد المتطوعين لإيصالهم إلى مواقع صنع القرار.


حي أستوريا.. حيث تطغى العربية على الإنجليزية | تصوير هبة أنيس

شهدت الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لسنة 2026 صعوداً لافتاً للتيار الاشتراكي الديمقراطي واليسار، مع تحقيق مجموعة من مرشحي الأحزاب اليسارية أو القريبين منها  نتائج بارزة فيها. ففي نيويورك، فازت عبير قواس، الناشطة الفلسطينية الأمريكية وعضوة منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين التي تخوض تجربتها الانتخابية الأولى، بالانتخابات التمهيدية لمقعد في مجلس شيوخ الولاية عن الدائرة الثانية عشرة في كوينز. وفازت كلير فالديز، عضوة مجلس الولاية والمنظمة النقابية وعضوة منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين، بترشيح الحزب الديمقراطي في الدائرة السابعة لمجلس النواب بعد تفوقها على منافسين أبرزهم رئيس بلدية بروكلين أنطونيو رينوسو. وأطاحت دارياليزا أفيلا شوفالييه، الاشتراكية الديمقراطية والناشطة المؤيدة فلسطين، بالنائب المخضرم أدريانو إسبيات في الدائرة الثالثة عشرة. وهزم براد لاندر، أحد أبرز وجوه الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي والمراقب المالي السابق لمدينة نيويورك، النائبَ دان غولدمان في الدائرة العاشرة. وحظي هؤلاء المرشحون بدعم متفاوت من قوى اليسار، وفي مقدمتها عمدة نيويورك زهران ممداني، وعضو مجلس الشيوخ عن ولاية فيرمونت بيرني ساندرز. 

ولم يقتصر الصعود على نيويورك. ففي ولاية بنسلفانيا، فاز كريس راب، عضو مجلس نواب الولاية الذي يعرّف نفسه اشتراكياً ديمقراطياً، بالانتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي عن الدائرة الثالثة لمجلس النواب. وفي ميشيغان حقق دونافان ماكيني، عضو مجلس الولاية وعضو منظمة الاشتراكيين الديمقراطية،  مفاجأةً بفوزه على النائب الحالي شري ثانيدار في الانتخابات التمهيدية عن الدائرة الثالثة عشر. 

تظهر هذه النتائج اتساع الحضور الانتخابي للتيار الاشتراكي الديمقراطي واليسار داخل الحزب الديمقراطي، وإن كان حجم هذا التحوّل وقدرته على التوسع خارج بعض الدوائر والمدن لا يزالان موضع اختبار.

يدعو تيار الاشتراكيين الديمقراطيين إلى توسيع دور الدولة في توفير الخدمات الأساسية، من الرعاية الصحية والسكن والتعليم والمواصلات، وتقوية النقابات وحقوق العمال والحد من التفاوت الاقتصادي، بحسب ما يعرّف نفسه على موقعه الإلكتروني الرسمي. وفي السنوات الأخيرة، تصاعد حضوره الانتخابي داخل الحزب الديمقراطي، بمنظمة "دي إس إيه" (منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا) التي تدعم مرشحين يخوضون الانتخابات التمهيدية الديمقراطية.

تعمل منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين مستقلةً عن الحزب الديمقراطي، ببرنامجها وتنظيمها الخاصين، بينما يخوض كثير من المرشحين الذين تدعمهم الانتخابات التمهيدية للحزب. ويتيح هذا المسار لمرشحي التيار المنافسة على المناصب بأحد الحزبين الكبيرين، دون تبنيهم مواقف قيادته بالضرورة. ولهذا يخوض الاشتراكيون الديمقراطيون في كثير من الأحيان الانتخابات التمهيدية في مواجهة مرشحين ديمقراطيين حاليين، وتظهر خلافاتهم مع المؤسسة الحزبية في ملفات مثل السكن والرعاية الصحية وحقوق العمال ونفوذ الشركات والأثرياء، وصولاً إلى السياسة الأمريكية مع إسرائيل وفلسطين.


توّج الصعود الأخير للاشتراكيين الديمقراطيين مساراً تراكمت فيه الانتصارات والانتكاسات، وتزامن مع تغييرات أوسع في المزاج السياسي والاجتماعي الأمريكي. وفي مقابلتها مع الفراتس، ترى عبير قواس سنة 2024 محطة مهمة في هذا المسار. إذ شهدت خسارة كوري بوش وجمال بومان، أبرز وجوه الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي، سباقيهما للكونغرس، بالتزامن مع استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة واحتدام الصدام في الجامعات الأمريكية بين مطالبي الجامعات والإدارة الأمريكية بوقف الدعم غير المشروط لإسرائيل، والدعوة لوقف إطلاق النار، ومؤيدي إسرائيل الذين اعتبروا المظاهرات معاديةً السامية. أنفقت جماعاتٌ مؤيدةٌ إسرائيلَ، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "إيباك"، مبالغ طائلة ضد الحملتين.

لم يكن الوضع في تلك الفترة قابلاً للاستمرار. وتتذكر عبير شعورها بذلك، وتبرره بإدراكها أن جيلاً من الشباب اجتمع لديه الإحباط من عجز النظام السياسي مع القلق من تراجع فرصه الاقتصادية. فمن ناحية، شاهد هذا الجيل النظام السياسي الأمريكي عاجزاً حتى عن الاعتراف بدوره فيما يحدث في غزة وتحمل مسؤوليته. وشعر كثيرون بأنهم يخسرون معاركهم السياسية من دون أن ينجحوا في تغيير هذا الواقع: "كنا نجلس ونقول: لا يمكن أن تكون هذه حياتنا". ومن ناحية أخرى، رأى الجيلُ نفسُه تراجعَ فرصِه في بناء مستقبل مستقر داخل الولايات المتحدة. وتشرح عبير هذا الشعور من تجربة قريبة منها. فقد هاجر عمّها إلى أمريكا من بيئة فقيرة في الأردن، وحصل بعد وصوله على وظيفة واشترى منزلاً وكوّن حياة مستقرة. أما اليوم، فلم يعد واثقاً من قدرة أبنائه على الحصول على وظائف جيدة أو شراء منزل، وعبير نفسها، وفق ما تقول، لا تعرف إن كانت ستتمكن من شراء منزل في المستقبل.

يعيش هذا الجيل تحولاً تزداد فيه الحياة صعوبة بدل أن تتحسن من جيل إلى آخر، وتتراجع فيه توقعات الناس بشأن مستقبلهم. وتربط عبير هذا القلق الاقتصادي بفشل سياسي أوسع ساهم في صعود التيار الاشتراكي. فإذا عجزت المؤسسة السياسية عن الاستجابة لما يراه جيلها أمامه من فظائع في غزة، فإن ذلك يطرح سؤالاً آخر عن قدرتها على الاستجابة لأزماته داخل أمريكا. ومن تداخل المسارين تفهم عبير اللحظة الراهنة نتاج "تركيبة من فشل سياسي كامل ومن رؤية إبادة مستمرة".

أعطى فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك في الانتخابات التي عُقدت في نوفمبر 2025 دفعة جديدة للتيار الاشتراكي الديمقراطي واليسار المرتبط به. في قراءة عبير، قدمت حملة ممداني دليلاً على إمكانية تحويل حالة الغضب والإحباط لدى قطاعات من الناخبين إلى قوة انتخابية. تقول إنّ الناس، بعد فترة طويلة من الاحتجاج والشعور بأن شيئاً لا يتغير "احتاجوا إلى مكان إيجابي يضعون فيه طاقتهم"، وإن كثيرين تطوعوا في الحملة بعدما أمضوا سنتين من النضال من دون تغيير ملموس. 

كانت فلسطين جزءاً من قدرة الحملة على استقطاب من رأوا في ممداني مرشحاً حافظ على موقف متسق من الحرب في غزة والاحتلال، وطرح علناً مواقف غير معتاد سماعها من مرشحين ينافسون على مناصب مهمة. وجاء ذلك في وقت أمضى فيه العرب والمسلمون سنوات في مواجهة ما تعتبره عبير نزعاً للإنسانية عنهم، قبل أن يشاهدوا "إبادة حقيقية تحدث أمام أعينهم، بينما يلتزم كثير من المسؤولين المنتخبين الصمت". أظهر فوز ممداني في قراءتها أنّ بعض المواقف التي عُدّت مخاطرة انتخابية لا تحول بالضرورة دون وصول المرشح إلى منصب كبير، وكسر افتراضات سابقة عمن يستطيع أن يصبح سياسياً، وحجم المال والعلاقات التي يحتاج إليها المرشح، وكذلك حدود ما يستطيع قوله علناً.

كانت عبير واحدة ممن دفعهم فوز ممداني إلى خوض الانتخابات. فبعد نحو أسبوعين من فوزه، تواصلت معها منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين التي انضمت إليها سنة 2021، وعرضت عليها الترشّح. لم تكن عبير قبلها تفكّر في خوض الانتخابات. لكن فوز ممداني شجّعها وغيرها على تصوّر أنفسهم مرشحين: "فألهم جيلاً جديداً من الناس للترشح". وتضيف عبير إن تحولات المجال العام جعلت الترشح أمراً عادياً. إذ يدخل المرشحون الجدد السباق الانتخابي بتصور أوسع لما يمكن تحقيقه، وسقف أعلى لما يريدون تغييره من داخل المؤسسات. 

وأظهرت الحملة في كوينز لعبير جانباً آخر من تغيّر المزاج السياسي. فبعدما طرق متطوعو حملتها آلاف الأبواب، وجدوا حماساً لمواقف عُدَّت طويلاً مخاطرة انتخابية. سأل بعض الناخبين مثلاً "هل هي ضد الإبادة؟ نعم؟ رائع". وتحمس آخرون لكونها اشتراكية ديمقراطية. وحتى من لم يكونوا منخرطين في التيار أبدوا ترحيباً بوجود مرشحة تتحدى المؤسسة السياسية.

ولا يعني الإقبال على مرشحي التيار أن الناخبين تبنوا فجأة أفكاراً لم تكن موجودة من قبل. فما تغيّر في قراءة عبير هو استعداد أعداد أكبر منهم للانخراط السياسي بعدما ازدادت أوضاعهم المعيشية صعوبة فيما استمر السياسيون في تقديم الإجابات نفسها. تلمس عبير هذا الشعور في أحاديثها اليومية، سواء في الحافلات أو سيارات الأجرة. فالعاملون في قطاعات مختلفة يواجهون ضغوطاً متزايدة، بينما تتركز الثروة لدى نسبة محدودة من المجتمع. لذا وجد الناس أنفسهم في السياسات التي يطرحها التيار الاشتراكي الديمقراطي.

ويضيف الصحفي المتخصص في الشؤون الأمريكية محمد السطوحي عاملاً آخر لتفسير تأخر تحوّل الاشتراكيين الديمقراطيين إلى قوة مؤثرة، هو طبيعة العملية السياسية داخل الحزب الديمقراطي نفسه. فقد ظلّت المؤسسة التقليدية للحزب هي المهيمنة، وساد تصوّر أنّ نجاح الحزب يتوقف على ترشيحه معتدلين. ووفقاً لهذا المنطق، يمكن أن تتنافس التيارات المختلفة خلال الانتخابات التمهيدية، لكن عليها عند الوصول إلى الانتخابات العامة الالتفاف حول مرشح المؤسسة أو المرشح الوسطي حتى لا يحصل الجمهوريون على فرصة للفوز. ولا يزال هذا المنطق حاضراً. ففي الانتخابات التمهيدية في ولاية ميشيغان، واجه عبدول (عبدالرحمن السيد)، المرشح المدعوم من ساندرز، منافسة من عضو مجلس النواب هالي ستيفنز، التي حظيت بدعم قطاعات من المؤسسة الديمقراطية. وشككت حملتها قبل الانتخابات في قدرة مرشح يساري مثل السيد على الفوز في الانتخابات العامة في ولاية متأرجحة لو فاز في الانتخابات التمهيدية، وحاولت إثناء المصوتين على التصويت له على هذا الأساس. وفي النهاية، تمكن السيد من تجاوز هذا الاعتراض وفاز بالترشيح الديمقراطي في أغسطس 2026، في نتيجة منحت اليسار دفعة مهمة.

ويستعيد السطوحي تجربة الانتخابات الرئاسية لسنة 2016 للمقارنة بين الحزبين. ففي الحزب الجمهوري، انتهى الصراع بين دونالد ترامب ومنافسيه، ومن بينهم تيد كروز، إلى توحّد معظم الناخبين الجمهوريين خلف المرشح الذي حسم الترشح وهو ترامب. أما في الحزب الديمقراطي، فكان الانتقال من معركة هيلاري كلينتون وبيرني ساندرز إلى الانتخابات العامة أعقد. إذ رفض قطاع من الناخبين اليساريين دعم كلينتون مع أن فرصها في الفوز كانت أكبر، واعتبر بعضهم أنها سرقت الانتخابات التمهيدية، وامتنعت نسبة كبيرة منهم عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع.

ويتفق السطوحي مع عبير في أنّ الحرب في غزة دفعت صعود التيار اليساري إلى مرحلة جديدة، بالتزامن مع اتساع الحراك داخل الجامعات، وتصاعد الانتقادات للإدارة السابقة برئاسة جو بايدن وقيادة الحزب الديمقراطي واتهامها "بالمشاركة في الإبادة الجماعية". وترسخ لدى قطاعات من اليساريين تصوّر بأنّ الحزب الديمقراطي لا يمثلهم بالضرورة، فبدأوا يتحدثون بلغة سياسية مختلفة ويسعون إلى دعم مرشحيهم بأنفسهم. وكان انتخاب ممداني أبرز تعبير عن هذا التحوّل. ومع نظر البعض إلى تجربته حالة خاصة بسبب التنوع الديني والعرقي في المدينة، فإن النموذج بدأ يتكرر في ولايات أخرى. ففي كاليفورنيا، فازت عائشة وهاب، عضو مجلس شيوخ الولاية والمرشحة اليسارية، في أغسطس 2026 بالانتخابات الخاصة لشغل مقعد الكونجرس الذي استقال منه النائب إريك سوالويل في أبريل 2026، متغلبة على منافستها الديمقراطية ميليسا هيرنانديز. وجاء فوزها بعدما واجهت، بحسب تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" في أغسطس 2026، إنفاقاً كبيراً من جماعات خارجية دعمت منافستها.

ويبدو ظهور هذه الشبكة من المرشحين في نيويورك وخارجها تتويجاً لمسار بدأ قبل أكثر من أربعة عقود، تنقل فيه التيار الاشتراكي بين الهامش السياسي ولحظات من الصعود والانتكاس، قبل أن يجد طريقاً أوسع إلى الانتخابات. وعلى امتداد جزء من هذا المسار، كانت تتشكل أيضاً التجربة السياسية لعبير قواس.


تشكّل وعي عبير قواس السياسي مبكراً من تجربة عائلية مع نظام الهجرة الأمريكي. فقد نشأت في بروكلين بنيويورك، وانفصلت عن والدها قرابة ثلاث سنوات في فترة دراستها المرحلة المتوسطة، بعدما احتجزته سلطات الهجرة على خلفية قضية بيع سجائر والاستفادة من اختلاف الضرائب بين الولايات. أثقلت التجربة الأسرة اقتصادياً، لكنها جعلت عبير تدرك مبكراً تجاوز أثر القرارات القانونية الأفرادَ إلى أسرهم. قادت هذه التجربة عبير إلى النشاط السياسي عن قضايا الهجرة وهي في المدرسة. تعرفت إلى منظمات تعمل على إصلاح سياسات الهجرة، وشاركت في لقاءات مع سياسيين يروي فيها المتضررون من القوانين تجاربهم سعياً إلى تغييرها. تركت هذه اللقاءات لديها انطباعاً مزدوجاً. إذ وجدت في النشاط مساحة للتعامل مع تجربة عائلتها، لكنها رأت أيضاً سياسيين يستمعون إلى القصص ثم لا يتغير شيء. وتقول إنّ ذلك جعلها تدرك "إلى أي مدى النظام متعطل، وإلى أي مدى لا يهتم فعلاً بحياة الناس". لذلك اعتقدَت لفترة طويلة أن دورها سيكون في تنظيم المجتمعات وبناء قوّتها، والضغط على المؤسسات من خارجها من دون الدخول إلى عالم السياسة. وتعزز هذا التصور من تعاملها مع سياسيين بشأن فلسطين، كانوا يقولون إنهم يدركون ما يحدث هناك ويعتبرونه فظيعاً، ويرفضون مع ذلك اتخاذ مواقف قد تضر بمسيرتهم السياسية.

تغير هذا التصوّر عندما وجدت عبير حملات انتخابية مستعدة لحمل القضايا التي تركّز نشاطها عنها. ففي سنة 2017 تطوعت في حملة خضر اليتيم، القس والناشط الفلسطيني الأمريكي وعضو منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين، الذي خاض الانتخابات التمهيدية لمجلس مدينة نيويورك عن منطقة باي ريدج بدعم من المنظمة. وهناك التقت ممداني. خسر اليتيم الانتخابات، لكن عبير احتفظت في ذاكرتها بموقف الحملة المؤيد فلسطين، ونموذج العمل السياسي الذي جمع ناشطين ومنظمين ينقلون القضايا التي يعملون عليها خارج المؤسسات إلى داخل الحملات الانتخابية. 

وبعدها واصلت عبير عملها المجتمعي، وحصلت على درجة الماجستير، ثم عملت مع منظمات فلسطينية غير ربحية، قبل أن يزداد احتكاكها بالاشتراكيين الديمقراطيين والسياسيين المنتخبين المنتمين إلى التيار. ومن هذا الاحتكاك، رأت في العمل السياسي نموذجاً مختلفاً عما عرفته في بدايات نشاطها: يدخل المنظم إلى المؤسسة من دون أن تنقطع صلته بالحركة خارجها، ويستخدم موقعه السياسي لدفع القضايا التي عمل عليها قبل انتخابه. وهكذا بات العمل الانتخابي امتداداً للتنظيم المجتمعي، لا بديلاً عنه. واقتربت من منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين.

حظيت تجربة عبير قواس باهتمام الصحافة المحلية في أستوريا | تصوير هبة أنيس


تزامن اقتراب عبير من منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين مع تحولات في المنظمة أتمت بها رحلتها الطويلة من الهامش إلى العمل الانتخابي. فجذور المنظمة الحديثة في الولايات المتحدة تعود إلى أوائل سبعينيات القرن العشرين، مع الصعود السياسي والاقتصادي للمحافظين الذي أوصل رونالد ريغان إلى البيت الأبيض سنة 1981، وما شهده عهده من خفض الضرائب على الشركات والأثرياء، وتحرير الأسواق من القيود التنظيمية، وتقليص برامج الرعاية الاجتماعية، ومواجهة النقابات، وتوسيع الإنفاق العسكري، إلى جانب صعود خطاب محافظ قاوم مكاسب الحركات العمالية والنسوية وحركات الحقوق المدنية. 

لم يصنع ريغان هذه التحولات من الصفر، لكنه جمعها في مشروع سياسي متماسك ومنحها قاعدة انتخابية واسعة، بما وضع قوى اليسار أمام خصم مشترك وعجّل بتقارب تياراته.  وفي مواجهة هذا الصعود، نشطت مجموعات اشتراكية داخل النقابات والحركات النسوية وتنظيم المجتمعات المحلية وحركات الأقليات. وربطت بين مواجهة نفوذ الشركات والدفاع عن العدالة الاقتصادية والاجتماعية. 

ففي 1982 اتخذ التيار شكله التنظيمي الأبرز مع تأسيس منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين. تكونت المنظمة من اندماج لجنة التنظيم الاشتراكي الديمقراطي ذات الحضور في الحركة النقابية والجناح اليساري للحزب الديمقراطي، والحركة الأمريكية الجديدة التي خرجت من اليسار الجديد والحركات الطلابية والنسوية وركزت على التنظيم المجتمعي. شاركت المنظمتان في العمل النقابي وتنظيم المجتمعات المحلية والحركات النسوية، واتفق قطاع واسع من أعضائهما على بناء حركة اشتراكية ديمقراطية علنية ومستقلة، تدخل في تحالفات أوسع مع قوى يسارية غير اشتراكية لمواجهة نفوذ الشركات والدفاع عن العدالة الاقتصادية والعرقية وحقوق النساء.

بدأت المنظمة بنحو ستة آلاف عضو، وارتفع عدد أعضائها إلى ثمانية آلاف بحلول 1983، لكنه لم يتجاوز هذا المستوى حتى أوائل التسعينيات. وخلال تلك السنوات، انخرطت في معارك للدفاع عن البرامج والخدمات الاجتماعية، وحاولت بناء تحالفات تجمع الحركة العمالية والنسويات ونشطاء الأقليات واليسار داخل الحزب الديمقراطي حول بديل اقتصادي واجتماعي للسياسات المحافظة.

نشطت المنظمة في الانتخابات التمهيدية لاختيار مرشح الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية. فبعد فشلها في الاتفاق على مرشح في انتخابات سنة 1984، دعمت حملة جيسي جاكسون الرئاسية سنة 1988، بسبب جمعها تحالفاً متعدد الأعراق، وطرحها قضايا قريبة من برنامج الاشتراكيين الديمقراطيين، من الضرائب التصاعدية وتخفيض الإنفاق العسكري إلى توسيع الرعاية الصحية ورعاية الأطفال والتعليم والسكن. ومع خسارة جاكسون وفوز مايكل دوكاكيس، الذي خسر لاحقاً الانتخابات العامة أمام جورج بوش الأب، فقد منحت حملة جاكسون التيارَ مساحة للعمل داخل تحالف انتخابي أوسع من قاعدته التنظيمية المحدودة. 

ولم يقتصر نشاط المنظمة على الانتخابات ولا على العمل داخل أروقة الحزب الديمقراطي. بل نشطت أيضاً بالحركات الاجتماعية والنقابية. شارك أعضاؤها في حركات مناهضة الفصل العنصري والتدخل العسكري الأمريكي في أمريكا الوسطى، وربطوا هذه القضايا بالدفاع عن حقوق العمال داخل الولايات المتحدة وخارجها. وشاركت أيضاً في حملات ضد تخفيضات برامج الرعاية الاجتماعية والإسكان والرعاية الصحية.

وبهذا، نجحت المنظمة في العقد الأول من وجودها في إيجاد إطار مؤسسي جامع التياراتِ الاشتراكية الديمقراطية. لكنها ظلت قوة انتخابية محدودة. وانتظرت تحولات أخرى لتدفعها في مسار متعرج إلى قلب المشهد الانتخابي 


نقلت المنظمة من بداية التسعينيات معركتها إلى قضايا الخدمات العامة والعدالة الاقتصادية. فطالبت بنظام رعاية صحية شامل على غرار نظام "الدافع الواحد" في كندا، في مواجهة خطة إدارة بيل كلينتون التي اعتمدت على توسيع التغطية بنظام التأمين الخاص.

دخلت المنظمة عقد التسعينيات في ظل تحولات عالمية بدت مناقضةً المشروعَ الاشتراكي. فمع سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، اتجهت دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي السابق نحو اقتصاد السوق، وشاع في الولايات المتحدة خطابٌ اعتبر انهيار الشيوعية انتصاراً نهائياً للرأسمالية. لكن عضوية منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين ارتفعت في النصف الأول من العقد من نحو سبعة آلاف إلى عشرة آلاف عضو، مستفيدةً من تأكيدها أن سقوط الأنظمة الشيوعية، التي عارضتها أصلاً، لا يبطل نقد الرأسمالية ولا ينهي أسباب الاعتراض على التفاوت الاقتصادي.

وفي الداخل الأمريكي، نقلت سياسات إدارة بيل كلينتون مواجهة المنظمة مع الاتجاه الاقتصادي السائد إلى قلب الحزب الديمقراطي نفسه. فعارضت المنظمة مساعي خفض عجز الميزانية، واتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية "نافتا"، وإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية الذي قلّص المساعدات المقدمة إلى الأسر الفقيرة. ورأت في هذه السياسات وجوهاً لتحول أوسع نحو تحرير الأسواق، وتوسيع حركة التجارة ورأس المال، وتقليص مسؤولية الدولة عن الخدمات والبرامج الاجتماعية، على حساب العمال والفئات الأفقر. 

وفي أواخر التسعينيات، اتسعت أهداف المنظمة لتتجاوز الدفاع عن برامج الرعاية الاجتماعية التقليدية. فأطلق قطاعها الشبابي سنة 1997 "مشروع وقف السجون" لمواجهة التوسع في إنشاء سجون جديدة وتحويل الأموال المخصصة لها إلى التعليم والسكن والرعاية الصحية. وشارك أعضاؤها في الاحتجاجات المناهضة لسياسات العولمة الاقتصادية، وعارضت المنظمة مشروع اتفاق دولي للاستثمار رأت أنه يمنح الشركات الأجنبية حماية واسعة ويحدّ من قدرة الحكومات على تنظيم نشاطها.

وهكذا خرجت المنظمة من التسعينيات وقد وسّعت نطاق عملها، من الدفاع عن الخدمات العامة والحقوق العمالية إلى مقاومة السجن الجماعي وسياسات العولمة الاقتصادية. ولكن أحداث العقد التالي فرضت عليها العمل في ساحة جديدة جمعت فيها بين معارضة الحرب والدفاع عن الحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية.


غيّرت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 المجال السياسي الذي عملت فيه منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين. وفي العقد التالي، غيرت الأزمة المالية والثورات العالمية المجال مرات أخرى، ساعدت في زيادة شعبية المؤسسة وصعودها، وفتحت المجال أمام أهم تحولاتها التي وضعتها في قلب الحزب الديمقراطي.

في أعقاب هجمات 2001، تقدمت قضايا الحرب والسياسة الخارجية على ما عداها من قضايا. عارضت المنظمةُ الحربين على أفغانستان والعراق، لكن المناخ الذي أعقب الهجمات وانطلاق "الحرب على الإرهاب" التي قادتها إدارة جورج بوش الابن ضيّقا مساحة الخطاب المناهض للتدخل العسكري، ودفعا المنظمة واليسار الأمريكي الأوسع مرة أخرى إلى موقع دفاعي. 

واصلت المنظمة مقاومة محاولات تقليص برامج الحماية الاجتماعية والإنفاق العام. فرفضت توجهات داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي إلى خفض الإنفاق على الضمان الاجتماعي وبرنامج التأمين الصحي بدعوى تقليص عجز الميزانية، في وقت استمرت فيه التخفيضات الضريبية التي استفادت منها الشركات والأثرياء. وفي مواجهة ذلك، طرحت المنظمة منهجاً للعدالة الاقتصادية دعت إلى نظام ضريبي أكثر تصاعدية، وتوسيع برامج الرعاية الاجتماعية، وزيادة الاستثمار العام في الطاقة البديلة والنقل الجماعي.

صاغت المنظمة "خطة العدالة الاقتصادية" أرضيةً مشتركة تجمع القوى اليسارية على برنامج سياسي وتشريعي موحّد، وتحوِّل مطالب حركات التغيير الاجتماعي المتفرقة إلى مشروع قابل للعمل المشترك. ولهذا تداولت مسوداتها بين أعضائها ومستقلين من خارجها ومنظمات تنتمي إلى اليسار، ثم عدّلتها استجابةً لملاحظاتهم. وفي سنة 2007، اعتمد المؤتمر الوطني للمنظمة نسختها الرسمية، وهو الاجتماع الدوري الذي ترسل إليه الفروع المحلية مندوبين للمشاركة في تحديد برامج المنظمة وأولوياتها وانتخاب قيادتها. وربطت الخطة بين فرض ضرائب تصاعدية، وتوسيع التأمينات الاجتماعية والرعاية الصحية، وحماية حق التنظيم النقابي، وإصلاح سياسات الهجرة، والاستثمار العام في الطاقة المتجددة والنقل الجماعي.

واستخدمت المنظمة هذا البرنامج للتدخل في الخلاف الدائر داخل الحزب الديمقراطي على توجهه الاقتصادي. ففي مواجهة قيادات دعت إلى موازنة الميزانية وخفض الإنفاق العام، طرحت بديلاً يقوم على زيادة الضرائب على الأثرياء والشركات، وحماية الضمان الاجتماعي، وتوسيع الرعاية الصحية، وتعزيز حقوق العمال. ورأت أن حصول الديمقراطيين على أغلبية الكونغرس سنة 2006 لن يغيّر السياسات الاقتصادية من دون ضغط النقابات والحركات الاجتماعية على قيادة الحزب لدفعها إلى فك ارتباطها بالممولين والشركات. ولإخراج الخطة من نطاق النقاش الداخلي، روّجت لها فروع المنظمة عبر جلسات استماع محلية موجهة إلى أعضاء الكونغرس والمجالس التشريعية للولايات.

أعاد القطاع الشبابي بناء حضور المنظمة في الجامعات بربط النوادي الاشتراكية المستقلة بشبكة تنظيمية واحدة، وإعداد جيل جديد من المنظمين. فبحث أعضاؤه عن هذه النوادي ودعوها إلى الانضمام إلى القطاع، وتواصلوا عبر "فيسبوك" مع مئات الطلاب الذين أبدوا اهتماماً بالأفكار الاشتراكية. وأصدروا نشرةً دورية تنقل أخبار الفروع الجامعية وتجاربها، وتنشر تقارير عن المؤتمرات والأنشطة، بما أتاح للمجموعات المتفرقة تبادل الخبرات وعزّز شعورها بالانتماء إلى شبكة أوسع. وبين سنتي 2006  و2007، ارتفع عدد فروع القطاع الشبابي من نحو خمسة فروع إلى قرابة خمسة عشر فرعاً.

ورافق هذا الانتشارَ اهتمامٌ ببناء قدرات الفروع الجديدة. فقد عقد القطاع مؤتمرين سنويين: خُصّص أحدهما لتدريب قادة الفروع على استقطاب الأعضاء وإدارة الاجتماعات وتنظيم الأنشطة داخل الجامعات، وخُصّص الآخر لمناقشة القضايا السياسية وتبادل الخبرات بين الفروع. وبحلول سنة 2010، أسهم هذا النشاط في تكوين جيل أصغر من المنظمين، انتقل بعض أفراده من العمل الجامعي إلى قيادة فروع المنظمة والمشاركة في هياكلها الوطنية. ومنح هذا الجيل المنظمة قاعدةً تنظيمية أكثر استعداداً للاستفادة من موجة الاحتجاجات التي بدأت في السنة التالية.

شكّلت الأزمة المالية سنة 2008 نقطة تحول في البيئة السياسية التي تحرك فيها الاشتراكيون الديمقراطيون. فقد زعزعت الثقة في تحرير الأسواق وقدرة النظام المالي على تنظيم نفسه، بينما أثار تعامل إدارة باراك أوباما مع تداعياتها إحباط قطاعات من اليسار، ولاسيما مع استمرار التفاوت الاقتصادي وصعوبة الحصول على وظائف مستقرة. 

ومنحت حركة "احتلوا وول ستريت" سنة 2011 دفعةً جديدة للقضايا التي طرحها التيار طوال سنوات. فقد خرجت الحركة احتجاجاً على اتساع الفجوة بين الأثرياء وبقية المجتمع، وتراجع فرص العمل حتى أمام الشباب الحاصلين على تعليم جامعي. وانخرطت فروع المنظمة وقطاعها الشبابي في الاحتجاجات منذ بدايتها، ورأت في المشاركين فيها قاعدةً جديدة يمكن تنظيمها حول قضية التفاوت الاقتصادي، مع العمل على تحويل الاحتجاج إلى نشاط سياسي وتنظيمي طويل الأمد. وفي الفترة نفسها، شاركت فروع المنظمة في حملات رفع الأجور وفتح مسار لحصول المهاجرين غير الموثقين على الجنسية.

لكن عودة النشاط إلى الشارع لم تُترجم سريعاً إلى نمو تنظيمي كبير. ففي سنة 2012، لم تتجاوز عضوية المنظمة نحو ستة آلاف وخمسمئة عضو، موزعين على نحو عشرة فروع محلية وعدد مماثل من المجموعات الجامعية. ومع ذلك، اتسع نطاق القضايا التي تحركت حولها، فأطلقت حملةً بشأن ديون الطلاب، ودعمت فروعها حركة "حياة السود مهمة"، وشاركت في العمل ضد السجن الجماعي ومن أجل تحسين التعليم العام وتحقيق العدالة العرقية، مع استمرار حضور القضايا النسوية في نشاطها.


مثّلت حملة بيرني ساندرز الرئاسية نقطة التحول الأكبر في تاريخ منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين منذ تأسيسها. فقد التقت فيها القاعدة الاحتجاجية التي تشكلت بعد الأزمة المالية وحركة "احتلوا وول ستريت" بمشروع انتخابي حمله أحد أبرز السياسيين الذين قدّموا أنفسهم اشتراكيين ديمقراطيين في الولايات المتحدة. وفي أواخر سنة 2014، جعلت المنظمة تشجيع ساندرز على خوض الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي ودعم ترشحه للرئاسة إحدى أولوياتها، وأطلقت حملة "نحتاج إلى بيرني". ونظمت لقاءات لتعريف المتطوعين في حملته بمبادئ الاشتراكية الديمقراطية، وسعت إلى تحويل تأييد المرشح إلى أساس لبناء حركة سياسية أوسع. ومع حملة ساندرز، خرجت أفكار ظلت سنواتٍ محصورةً في دوائر اليسار والحركات الاجتماعية إلى جمهور انتخابي واسع، وارتفعت عضوية المنظمة من نحو ستة آلاف وخمسمئة عضو في خريف سنة 2014 إلى ثمانية آلاف وخمسمئة بحلول انتخابات سنة 2016.

مثّل برنامج ساندرز خطوةً نحو اليسار داخل السياسة الأمريكية، مع بقائه أقرب إلى الديمقراطية الاجتماعية منه إلى المشروع الاشتراكي الذي تبنته المنظمة. فقد ركز على تقليص التفاوت، ورفع الضرائب على الأثرياء، وتوسيع الخدمات العامة، من دون الدعوة إلى نقل ملكية الشركات إلى الدولة أو تغيير النظام الاقتصادي بكامله. لذلك رأت المنظمة أن برنامجه لا يبلغ هدفها الأبعد، القائم على توسيع دور العمال والمجتمع في ملكية الاقتصاد وإدارته. لكنها عدّته تحولاً مهماً بعد أربعة عقود تعاظم فيها نفوذ الأثرياء والشركات، في مقابل تراجع قوة النقابات والخدمات العامة. وعملت المنظمة في الحملة على توسيع قاعدته، ولاسيما بين الأقليات والنساء، بعدما تركز تأييده بين الشباب والناخبين البيض من الطبقة العاملة.

وأعاد تمسّك ساندرز ووصفه نفسه اشتراكياً ديمقراطياً المصطلح إلى النقاش العام، وربطه بسياسات ملموسة وحركة جماهيرية قادرة على مواجهة نفوذ الشركات والأثرياء. وقرّب تأكيده أن التغيير السياسي يتطلب بناء هذه الحركة خطابه من فكرة الصراع بين الطبقات. وفي الفترة نفسها، أظهرت استطلاعات الرأي أن الأمريكيين الذين تقل أعمارهم عن أربعين سنة ينظرون إلى الاشتراكية بإيجابية أكبر من نظرتهم إلى الرأسمالية. ولم يتبنَّ جميع هؤلاء مشروعاً اشتراكياً متكاملاً، فقد استخدم بعضهم المصطلح للتعبير عن رغبته في مجتمع أكثر مساواةً وخدمات عامةً أوسع، على غرار النموذج الدنماركي الذي استشهد به ساندرز.

وحولت المنظمة هذا الاهتمام المتزايد بالاشتراكية الديمقراطية إلى نمو تنظيمي وعمل انتخابي. فعندما بحث مؤيدو ساندرز على الإنترنت عن معنى المصطلح، ظهر موقعها في مقدمة نتائج البحث، فازداد حضورها وانضم إليها أعضاء جدد. وجاء صعودها ضمن موجة يسارية أوسع أعقبت الأزمة المالية العالمية سنة 2008، وما خلّفته من بطالة وانتشار للعمل غير المستقر بين الشباب، وظهرت صور أخرى منها في صعود جيرمي كوربن داخل حزب العمال البريطاني. 

وانطلقت قوى هذه الموجة من فكرة مشتركة مفادها أن اتساع سلطة الشركات وإضعاف النقابات حصيلة سياسات امتدت عقوداً، وأن مواجهتها تتطلب تنظيم العاملين ومنحهم سيطرةً أكبر على الثروة التي ينتجونها. وبحلول يوليو 2017، بلغ عدد أعضاء المنظمة أربعةً وعشرين ألفاً، لتصبح أكبر تنظيم اشتراكي في الولايات المتحدة منذ تراجع الحزب الشيوعي الأمريكي في خمسينيات القرن العشرين. وأقبل معظم المنضمين الشباب على المشاركة في نشاط فعلي، فاستوعبتهم الفروع في حملات سياسية وانتخابية دعمت مرشحين أعلنوا انتماءهم إلى الاشتراكية، من بينهم خالد كاماو في جورجيا وديلان باركر في إلينوي لعضوية المجالس المحلية، ومايك سيلفستر في مين ومايك كونولي في ماساتشوستس لعضوية المجالس التشريعية للولايات.

مهّدت حملة ساندرز بذلك لانتقال المنظمة من هامش اليسار الأمريكي إلى مجال انتخابي أوسع، لكن القفزة التنظيمية الأكبر لم تصنعها انتصارات الحملة، بل الصدمة السياسية التي أعقبت هزيمة ساندرز ووصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.


أطلق فوز دونالد ترامب في انتخابات سنة 2016 موجة نمو غير مسبوقة في تاريخ منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين. ففي اليوم التالي للانتخابات وحده، انضم إليها نحو ألف شخص، مقارنةً بنحو ألف ومئتي عضو جديد كانت تستقطبهم في عام كامل في بعض أفضل سنواتها. وبين نوفمبر 2016 ويوليو 2017، انضم إليها أكثر من ثلاثة عشر ألف شخص، كان معظمهم بين الثامنة عشرة والخامسة والثلاثين، فارتفع إجمالي عضويتها إلى نحو أربعة وعشرين ألفاً. ورافق هذا النمو توسع جغرافي كبير، فساعدت المنظمة على تأسيس أكثر من مئة فرع جديد، وانتشرت مجموعاتها في مختلف الولايات.

ودفع اتساع العضوية المنظمة إلى الجمع بصورة أوضح بين الاحتجاج والتنظيم والعمل الانتخابي. ففي الولايات ذات الغالبية الجمهورية، دافعت فروعها عن برنامج التأمين الصحي، الذي يوفر تأميناً صحياً حكومياً لمحدودي الدخل، في مواجهة محاولات إدارة ترامب تقليصه. وفي ولايات مثل نيويورك ونيوجيرسي وكاليفورنيا، دفعت نحو مطلب أوسع هو رعاية صحية للجميع، أي إنشاء نظام تأمين صحي عام يشمل جميع السكان. وفي الوقت نفسه، بدأت المنظمة تدعم مرشحين يعلنون صراحةً انتماءهم إلى الاشتراكية الديمقراطية في انتخابات المجالس المحلية والمجالس التشريعية للولايات.

وبحلول سنة 2017، خرج التيار من مرحلة طويلة تمركز فيها حضوره داخل الحركات الاجتماعية والنقابات إلى مرحلة جديدة جمعت بين هذه الجذور والعمل الانتخابي. لم يتحول بعد إلى قوة مهيمنة داخل الحزب الديمقراطي، لكنه امتلك قاعدةً شبابية أوسع وشبكةً أكبر من الفروع المحلية. ومن هذه البيئة خرج جيل من المرشحين حمل لاحقاً خطاب الاشتراكية الديمقراطية إلى المجالس المحلية والمجالس التشريعية للولايات والكونغرس.

تنتمي عبير إلى هذا  الجيل الذي شهد عودة الاشتراكية الديمقراطية إلى المجال السياسي في حملة ساندرز، لكنها لم تكن جزءاً من هذا الصعود في بدايته. فلم تكن مهتمة بمنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في تلك الفترة، وكانت شديدة الانتقاد لساندرز في حملته الرئاسية الأولى في سنة 2016، خاصة بسبب موقفه من فلسطين الذي ظل دون ما تقبله، مع إدراكها أنه المرشح الأكثر "تقدمية" بين المتنافسين. تغير موقفها في حملة ساندرز الثانية سنة 2020، عندما لفت انتباهها الأشخاص الذين تجمعوا حول الحملة أكثر من المرشح نفسه. رأت ناشطين ومنظمين، بينهم أشخاص يحملون مواقف من فلسطين أقرب إلى موقفها، يوجهون خبرتهم في العمل المجتمعي والحركات الاحتجاجية نحو الانتخابات وبناء القوة السياسية.

انتهت الحملة بهزيمة ساندرز وترشيح الحزب الديمقراطي جو بايدن في الانتخابات العامة، لكن توقف الحملة لم ينه انخراط عبير مع الاشتراكيين الديمقراطيين. بل فحصت عن قرب منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين، ونشاط أعضائها خارج حملة ساندرز. فأعجبت برؤيتها واستعداد أعضائها للعمل من أجلها. ووجدت في نشاطهم الانتخابي امتداداً للعمل التنظيمي الذي كانت تمارسه. وفي سنة 2021، انضمت عبير إلى المنظمة بعد سنوات من العمل في قضايا الهجرة وفلسطين وتنظيم المجتمعات العربية والمسلمة.

لا يلغي خوض الانتخابات من الحزب الديمقراطي المسافة السياسية بين الاشتراكيين الديمقراطيين وقيادته في نظر عبير. إذ تحاجج أن المرشح يظلّ جزءاً من حركة لها مطالبها وقاعدتها التنظيمية، حتى عندما يدخل السباق على بطاقة الحزب. وتعود هنا إلى الفكرة التي جذبتها من البداية إلى المنظمة، في أن الوصول إلى المؤسسة لا يكون نهاية العمل التنظيمي، وإنما وسيلة لنقل مطالب الحركة إلى داخلها، مع استمرار الضغط من الخارج. لذلك لا تقيس نجاح التجربة بمجرد زيادة عدد الوجوه التقدمية داخل الحزب، وإنما بقدرة الحركة التي تقف خلفهم على الاحتفاظ بقوتها ودفع المنتخبين إلى تبني سياسات قد تتعارض مع مواقف المؤسسة الديمقراطية ومصالح القوى النافذة داخلها.

لا يكفي اتساع قاعدة الاشتراكيين الديمقراطيين لتفسير قدرتهم على الوصول إلى صناديق الاقتراع والفوز فيها. فبين وجود حركة سياسية ومرشحين قادرين على منافسة سياسيين داخل الحزب الديمقراطي، تأتي عملية أخرى تبدأ باختيار من سيخوض السباق، ثم بناء الحملة حوله، وتعبئة شبكة من المتطوعين وجمع التمويل والوصول إلى الناخبين.


تبدأ آلية اختيار المرشحين لدى الاشتراكيين الديمقراطيين من داخل دوائر النشاط والتنظيم. إذ يُبحث عن أشخاص يمكنهم حمل مطالب الحركة إلى المؤسسات المنتخبة. وبعد نحو أسبوعين من فوز ممداني، تواصل فرع المنظمة مع عبير واستطلع رأيها في الترشح، ولم تكن وقتها تخطط لخوض الانتخابات. ومع عضويتها بالمنظمة منذ سنة 2021، لم تكن ناشطة داخل هياكلها، إذ ظلّ معظم عملها في مساحات تنظيمية أخرى. لذلك كان ردها الأول أن يشرحوا لها سبب ترشيحها، والمشروع الذي ستترشح على أساسه.

تصورُ المنظمةِ العلاقةَ بين المرشح والحركة التي تقف خلفه أقنع عبير بالترشح. فالمنظمة تعمل مع أشخاص يحملون تصوراً سياسياً مشتركاً ثم تدفع بعدد منهم إلى المؤسسات، فلا يدخل كل منتخب منفرداً، وإنما يتحول جزءاً من فريق يجتمع باستمرار ويناقش التشريعات والمواقف وينسق بينها. 

ولم يتوقف دور التنظيم عند دفع عبير إلى الترشح، بل وفر لها جزءاً من البنية التي سمحت بتحويل ناشطة لم تخض انتخابات من قبل إلى مرشحة قادرة على إدارة حملة تنافسية. فلا يكفي  وجود شخص مناسب للترشح، بل تحتاج العملية في نظر عبير إلى الشخص والمكان والوقت والموارد المناسبة. وما بدأ التيار في بنائه هو مؤسسات وشبكات تسمح للمرشحين بالحصول على هذه الموارد من خارج قنوات التمويل التقليدية، بالاعتماد على المتبرعين الأفراد والمتطوعين بدلاً من أموال الشركات. واعتمدت الحملة في الوقت نفسه على العمل الميداني للوصول إلى الناخبين وبناء قاعدة حول المرشحة.

وتمتد البنية التي توفرها منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين إلى ما بعد وصول المرشح إلى المنصب. فالمرشحون الذين تدفع بهم المنظمة يظلون مرتبطين بعضهم ببعض وبالحركة التي جاءوا منها. وترى عبير أنّ هذه العلاقة تمنح المنتخب مساحة أكبر لاتخاذ مواقف أجرأ بعد وصوله إلى المنصب، لأن وجود المتطوعين والمنظمات والقاعدة المستعدة للاستمرار في دعمه يقلل من اعتماده على أموال الشركات وخوفه من خسارة الانتخابات التالية. ولهذا، تشدد قواس على ضرورة استمرار التواصل بين النشطاء في الشارع ومن يصلون إلى المؤسسات.

تتوقف إمكانية نجاح هذا النموذج خارج نيويورك على تكييفه مع البيئات السياسية المحلية المختلفة. ففي كوينز، تعمل عبير في بيئة انتخابية أكثر تقبلاً للمرشحين اليساريين. بينما يعمل مرشحون آخرون في مناطق أكثر محافظة وسط خطاب مناهض للاشتراكية. ولذلك يصبح المطلوب خارج نيويورك بحسب عبير هو بناء هياكل تناسب المجتمع المحلي وتوفر للمرشحين الموارد والمتطوعين والقاعدة السياسية التي تسمح لهم بالمنافسة. وترى عبير تقدّم عبدول السيد في ميشيغان مثالاً على إمكانية انتقال بعض عناصر هذا النموذج من دون استنساخ تجربة نيويورك أو حتى حمل اسم المنظمة نفسها. فالسيد لم يكن عضواً في المنظمة، لكنه خاض السباق على برنامج قريب من مطالبها، من بينها تقليص نفوذ المال في السياسة، وعدّل لغة حملته بما يتناسب مع ناخبي ولايته. وترى عبير أن الهدف يتجاوز انتخاب أعضاء المنظمة نفسها إلى دعم مرشحين يحملون برنامجاً قريباً منها. ففي رأيها "لا يجب أن تكون هناك تسمية بالضرورة"، فالأهم هو الاتفاق على ما يحتاجه الناس وعلى السياسات التي يمكن أن تحقق ذلك.

تساعد شبكات تنظيمية سبقت الموجة الانتخابية الحالية بسنوات على نقل التجربة بين الولايات. فكثير من المرشحين والنشطاء الذين يتواصلون اليوم عبر الولايات جمعت بينهم في السنوات الماضية مؤتمرات وحملات وعمل في قضايا الهجرة والمجتمعات العربية والمسلمة والنقابات وغيرها. لذلك، عندما تظهر حملة في ميشيغان أو كاليفورنيا، يمكن أن تجد أشخاصاً ومنظمات في ولايات أخرى يعرفون أصحابها أو يرتبطون بالشبكات نفسها ويستطيعون تقديم الدعم. من هنا تربط عبير توسع التجربة خارج نيويورك ببناء بنية سياسية محلية تستطيع حماية المرشح بعد انتخابه. فحاجة السياسيين المستمرة إلى المال وإعادة الانتخاب في رأيها تحد من قدرتهم على اتخاذ مواقف جريئة، بينما يمكن لوجود شبكة من الشباب والمتطوعين والمنظمات المستعدة لدعمهم أن يقلل من هذه الضغوط.


في يوم فوزها بالانتخابات التمهيدية، اتصلت عبير قواس بوالدها في الأردن باكيةً من شدة الفرح. أعادتها اللحظة إلى يوم زفافها، حين غمرتها المشاعر نفسها، لكنها عاشتها أيضاً من دون وجوده إلى جوارها. فمنذ أن غادر الولايات المتحدة وهي طفلة، لم يتمكن من العودة إليها، وظلّ مقيماً في الأردن بينما اقتصرت لقاءات الأسرة به على زيارات متباعدة. وكانت التجربة التي بدأت بانفصاله عنها حاضرة في الطريق الذي قادها إلى السياسة.

ومن أثر قوانين الهجرة على عائلتها، إلى تنظيم المجتمعات والاحتجاج والضغط على السياسيين، ثمّ إلى دخول المؤسسة نفسها، تلخص رحلة قوّاس جانباً من التحوّل الذي شهده التيار الاشتراكي الديمقراطي في الولايات المتحدة. إذ انتقل من تنظيم يعمل خارج المؤسسات ويضغط على السياسيين إلى حركة تستطيع اختيار مرشحين وبناء حملاتهم وإيصالهم إلى المؤسسات مع الحفاظ على تنظيمها المستقل. ولم تعد تجربة نيويورك حالة معزولة تماماً، مع ظهور نتائج مشابهة في ولايات أخرى، لكن اختلاف البيئات السياسية والانتخابية يظهر أن النموذج لا ينتقل وصفةً جاهزة. ما يمكن أن ينتقل هو آلية العمل نفسها: البحث عن مرشحين من داخل الحركات الاجتماعية، بناء حملات تعتمد على المتطوعين والتبرعات الصغيرة، وربط المنتخبين بشبكات تنظيمية تستمر بعد الانتخابات. أما قدرتها على إنتاج نتائج انتخابية، فتتوقف على وجود قاعدة محلية قادرة على تحويل هذه الآليات إلى قوة سياسية، وعلى قدرة المرشحين على صياغة مطالب التيار بما يتناسب مع مجتمعاتهم. وربما هنا تكمن حدود التجربة الأمريكية أيضاً. فالاشتراكيون الديمقراطيون لا يحتاجون إلى إعادة إنتاج نموذج نيويورك في كل ولاية، بقدر حاجتهم إلى بناء تنظيم محلي يستطيع أن يجد نسخته الخاصة من هذا النموذج.

اشترك في نشرتنا البريدية