هل يفكّرُ السَمَكُ بكلمة "الماء"؟ اللغة وعلاقات الهيمنة في تضاريسنا الفكرية والجغرافية

اللغة ليست أداةً محايِدةً بل هي عوالمُ تحيطُ بنا إحاطةَ الماء بالسَمَك، وأغلبُنا كالسمكة لا يشعر أنه مغمورٌ بهذا العالم

Share
هل يفكّرُ السَمَكُ بكلمة "الماء"؟ اللغة وعلاقات الهيمنة في تضاريسنا الفكرية والجغرافية
(تصميم: حاتم عرفة / الفِراتْس)

أُطِلُّ مِن الحافلةِ التي تُقِلُّني إلى مركز المدينة فأَرَى مونتريالَ متوشِّحةً بالثلج بينما يُسرِع السائقُ سرعةً أَشعُرُ معها أحياناً أنّي تَركتُ قلبي يَخفقُ ورائي. قريباً مِنّي يجلس شابٌّ ورَجُلٌ مُسِنٌّ يتحدّثان الصينيةَ، ويبدو لي مِن لغةِ الجسدِ أنهما قريبان متآلِفان. تَصِلُني أصواتُهم جليّةً، يتخلّلُها تارةً لحنٌ يَشي بسؤالٍ أو ربّما بتعجُّبٍ، وتَعْلُو ضحكاتُهما تارةً أُخرى مؤْذِنةً بحديثٍ فيه دُعابةٌ. سمعتُ كلَّ شيءٍ، لكنني لم أفهم أيَّ شيءٍ ولا حتى حرفَ جَرٍّ من لغةٍ حيّةٍ تنبضُ أمامي. ثم صعدَتْ إلى الحافلة فتاتان تتكلمان الإنجليزية، وتتحدّثان عن المَدرسة وأصدقائهما، فتنبّهْتُ كيف تغيَّر كلُّ شيءٍ؛ فأنا أفهم كلامَهما بلا جهدٍ أو إنصاتٍ لهما. فتحتُ كتابي الذي بيَدي، ووجدتُني أيضاً أفهم من غير أن أُدرِكَ أنني أقرأ، وعندها فطنتُ إلى أنني أسقط في اللغة من غير شعور. لكنّ الصينيةَ وحدَها جعلَتني أقف إزاءَ اللغةِ بوصفِها ظاهرةً، أخبرها كما هي.

وصلتُ إلى مركز المدينة ونزلتُ من الحافلة والهواءُ القطبيُّ يلفحُ وجهي. حينئذٍ تذكرتُ محاضَرةَ الروائي الأمريكي الراحل ديفيد فوستر والاس التي ألقاها على الخريجين سنة 2005. يومَها بدأ كلمتَه عن أزمةٍ تواجِهُ مجموعةً من السَمَك. التَقَت سمكتان يافِعتان بسمكةٍ عجوزٍ فسألَتْهما: "كيف حالُ الماء؟" استغرَبتا ثمّ سَبَحَتا مبتعدتَيْن في صمتٍ طويلٍ، وفجأةً تساءَلَتْ إحداهُما: "تبّاً، ما هو الماء؟"

كيف يمكن للسَمَك أن يفكّرَ بالمحيط الذي يعيش فيه ولَم تُتَحْ له فرصةُ الارتطام بالماء. أمّا أنا فبينما كنتُ في هذه الحافلة ارتطمتُ باللغة، وهي – أي اللغةُ – ليست أداةً إنما العالَمُ الذي نعيش فيه ويتشكّل به تاريخُنا. وأدركتُ أننا مثل السَمَك؛ نعيش في أعماق هذا المحيط اللُغوي من غير أن ندرِكَه أو نَشْعُرَ به. لكننا نرى العلاقةَ بين هذه الأمواج اللُغوية عندما تزداد لحظاتُ التأمّل والتفكّر، وندرِكُ كيف تُنتِجُ أفكارُنا وتصوّراتُنا وقائعَ ثقافيةً وسياسيةً متباينة. 


يَذكر والاس لجمهوره من الشباب والشابات أنَّه لن يؤدّيَ دورَ السمكةِ الحكيمةِ التي تشرحُ لهم الماءَ، لكنَّه يريدُ أن يشاركَهم خنادقَ الوجودِ ليتفكّروا بكيفَ نسهو عن أوضحِ الأشياءِ التي نعيشُها، وكيف أنّ بعضَ الأشياءِ الخافيةِ علينا خفاءَ الماءِ على السَمَك قد تكونُ سبباً في الموت أو الحياة أو الضياع أو النجاة. ثم يخبرُهم أن القصدَ من نقاشِ هذه القصّة المَجازيةِ استعادةُ قدرتِنا على الاستيقاظ حتى نتأمّلَ ونَجِدَ كيفيةً ما أو طريقةً ما للمرور السَلِسِ من طبقاتِ الغفلةِ التي نعيشُها يومياً. 

رصد والاس الأشياء التي تزيد غفلتنا، وفطِن إلى تجسّد اللغة أمامنا فجأة، لنراها من الخارج حين نَسمَعُ لغةً لا نفهمُها. وعندما ذهبَ إلى إيطاليا وسمعَ كلامَ الناسِ بالإيطالية من غير أن يَفهمَ شيئاً، كما حدثَ معي، رأى اللغةَ في شكلها الموضوعيِّ ظاهرةً وجوديةً وأصواتاً فيزيائيةً تنقلُ المَعانيَ، كما قال في مقابلةٍ معه. وأنا أيضاً عندما سمعتُ الصينيةَ شعرتُ أنني مثلَ دلفينٍ قفزَ من الماء فرأى حقيقةَ العالَمِ الذي يعيش فيه.

أفكّرُ في كلمات والاس وأنا أنظر حولي والناسُ عَجِلون، يتحركون كأنّهم متأكّدون من وجهاتِهم، ولكنهم أسرعُ من عادتِهم في سباقٍ مع البَرْد. يعني والاس أننا لا نفكّرُ في تفكيرِنا، فقد يحدثُ حدثٌ ما، وتختلفُ أساليبُنا في تفسيره وتأويله لاختلاف مَشارِبِنا الثقافية؛ فعَثراتُنا المتكرّرةُ والآليّاتُ التي طوّرناها لنتجنّبَ الألمَ، وتجارِبُنا في الطفولة، ومَعرِفتُنا وقراءاتُنا كلُّها تُشكِّلُ قناعاتٍ تتراكمُ في وعاءٍ يخلقُ نظرتَنا للعالَم وفهمَنا له. 

فكّرتُ مرَّةً أن أسمّيَ نظرتَنا إلى ما حولَنا "فقاعاتٍ تأويليةً" أي الأسلوب الذي نفسّرُ به الأحداثَ. لكلٍّ منّا فقاعةٌ تأويليةٌ ذاتيةٌ، وثمّةَ فقاعاتٌ ثقافيةٌ نعيش بها في لُغاتِنا، وفقاعاتٌ كُبرَى لا نَرَى لها أطرافاً. حينها أيضاً فكّرتُ كيف لا نفكّرُ، وكيف يصعبُ علينا مراقبةُ أوضحِ الأشياءِ حولَنا، وكيف لا نَتَفَكَّرُ كثيراً بالروايةِ التي نسردُها على أنفسنا، أو الروايةِ التي تُسرَدُ علينا سنواتٍ وعُقوداً وكأنها الحقيقةُ المطلَقة. كيف لا نتفكّر باللغة التي نلفظُها ونفهمُها ونَغرقُ في أمواج مَعانيها، ولا نتفكّرُ كيف نَعْلَقُ في الشِعاب المرجانية في بِحارِنا الثقافية، وكيف تصيرُ حواجزَ فكريةً تُعيقُ حركتَنا في الزمان والمكان. لا نتفكّرُ لأننا مثل السمكتَيْن اليافعتَيْن لا نُدرِكُ أين نعيشُ، ولا نتأملُ المضمارَ اللغويَّ الذي نَسبَحُ فيه أو نُحتجَزُ مَحليّاً وعالمياً.

ما الذي يمنعُنا مِن أنْ نتفكّرَ بالفقاعات التأويلية التي تقيِّد خيالَنا وقدرتَنا على التفكير؟ في اللغة العربية، التفكُّرُ هو غيرُ التفكير؛ فالتفكّرُ هو قدرتُنا على تأمُّلِ تفكيرِنا الذي يحدثُ عفواً، بينما التفكيرُ هو تلك الغفلةُ التي يَجرِفُنا تيّارُها خاطرةً تلوَ الأُخرى. فهل التفكُّرُ هو لحظةٌ صغيرةٌ مِن يقظةٍ قد لا تدومُ طويلاً، نَرَى منها بشَيءٍ من الحياديةِ فقاعاتِنا التأويليةَ؟


ومثلما اعتَرضَت السمكةُ الحكيمةُ طريقَ السمكتين الصغيرتين، اعتَرضَ الفيلسوفُ الألمانيُ هانس جورج غادامر تفكيريَ عندما تصفَّحتُ كتابَه قبلَ سنوات. يومئذٍ شدّني ما يقولُه ربما لأنني لَم أفهم مقصدَه، فقد كانت أسئلتُه في الكتاب استثنائيةً، إذ سألَ سؤالاً يُشبِهُ سؤالَ السمكةِ: ما السياقُ الذي نعيشُ فيه؟ أين نحن؟ ومن نحن؟ وفي أيِّ تضاريسٍ تتجلّى الأحداثُ حولَنا؟ هل سياقُ حياتِنا في تضاريسِنا الجغرافيةِ أَم تضاريسِنا الفكريةِ؟ وليَشرحَ لنا أينَ نعيشُ اقترحَ غادامرُ مفهومَ "شبغَاخلِشكَايت" لفهمِ البُعدِ الوجوديِّ للّغةِ في حياةِ الإنسان، الذي يُمكنُ أن نترجمَه إلى "الحالة اللُغَوية" أو "اللُغاتية".

ينتمي غادامر إلى تيّارٍ تشكَّلَ قبلَ أكثر من سبعين سنة، وكان منعطَفاً فلسفياً سمَّاه الفيلسوفُ النمساويُ الأمريكيُ غوستاف بريغمان المنعرَجَ اللُغويّ. ركّزَ مفكّرو هذا المنعرَجِ وفلاسفتُه جهودَهم على معايَنة اللغة. ومِن أوائلِ مَن أَسْهَمَ في تشكيله وتطويره خبيرُ اللسانيات السويسريُ فرديناند دي سوسير. ثم أَخَذَ هذا التيّارَ نحوَ بُعدٍ جديدٍ كلٌّ من الفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين، والفيلسوف ردولف كارناب. قَدّمَ غادامر في هذه التيّار إسهاماتِه التي غيّرَت فهمَنا للتأويل حتى صِرنا بعد هذا المنعطف نرى أن اللغةَ ليست أداةً حياديةً شفافةً تعبِّر عن الواقع الخارجي، وإنَّما هي "العالَم" الذي نعيشُ فيه. إنَّها البعدُ الذي يصوغ واقعَنا ويصنعُه، ويُنتِج علاقاتِنا ويكوّن تضاريسَنا القِيَمية. هذه النقلةُ الفلسفيةُ في فهمِها المغايِر للغةِ رحلةٌ جديدةٌ تُساعدُنا على استيعاب إسهام "الأحاديث" في صياغة "الأحداث".

اهتمّ غادامر بالفهم والتأويل في ظلِّ المآزق الكُبرى التي شهدَها في حياتِه من حربَين عالميتَين، وظهورِ النازية، ودمارِ ألمانيا، وتقلّصِها إلى دُوَيلة. وذكرَ أن رغبةً عارمةً بفهم الأحداث وتأويلها وتحليلها تنتابُنا إذا وَجَدنا أنفسَنا أمامَ شيءٍ عسيرٍ لا منفذَ منهُ إلى الفهم، مع أن الفهمَ عفويٌّ عادةً. لذلك أعادَ تعريفَ مفهومِ "التجرِبة" ورَبَطَها بصدماتِ الإحباط والخيبة، فاسترجَعَ معناها الأوسعَ بعد أن حُصرَت في المختبَرات والتجارِبِ العِلميّة. يرى غادامر أن خِبراتِنا الشخصيةَ هي تجارِبُنا مع الحياة، وهي مصدرٌ للمعرفة. لذلك فإن "التجرِبةَ التي تستحقُّ اسمَها هي تجرِبةُ الإحباط"، لأنها تُخرِجُنا مِن وعيٍ تسبّب في هذه التجارِب الفاشلة. ولأننا حين نرتطمُ بـ"حدث التجربة الصادقة" كما يقول، نَسألُ الأسئلةَ الجادّةَ، وإلّا فإنّ ما يحدُث معنا ممّا نتوقّعُ حدوثَه أو مِن تجارِبِنا المتكرّرةِ لا يُسمّى "تجرِبةً" بالمَعنى التأويليّ لأنّه لا يَتحدَّى وَعْيَنا.

ولعلّي توقفّتُ عند غادامر بسبب التشابهات التي وجدتُها بينه وبين فِكرِ خالي جودت سعيد. فخالي كان مهتمّاً بعلاقةِ التأويلِ بتجلّياتِ الواقعِ، لا سيّما وأنّه أطّرَ هذه العلاقةَ دينيّاً عندما سمّى كتابَه "حتى يغيّروا ما بأنفسِهم"؛ إذ اقتبَسَ العنوانَ من الآية القرآنية التي تضعُ أمامَنا سُنّةً كونيةً: "إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم". تجلّياتُ الواقعِ إذن مرتبِطةٌ بتأويلاتِنا، ولا يتغيّرُ الواقعُ مِن غير تغييرِ ما بِالأنفُس. لذلك عندما اطّلعتُ على كتاباتِ غادامر وجدتُ خالاً آخَرَ يحملُ همَّ العوالِم التي نخلقُها، كما حملَ خالي همَّ "الأثمان الباهظة" و"القرابين البشرية". فهو كثيراً ما قالَ "لا نقدرُ على تأويلِ الأحداث"، لأنه يرى أننا بغياب قدرةِ تأويلِ التاريخِ والواقعِ نَقَعُ في الكارثة تلوَ الأُخرى من غير أن نحاولَ فهمَ السُننِ الكونيةِ التي لا تتجاوزُ ضبطَ البُعدِ المادّيِ إلى ضبطِ البُعدِ الأخلاقي.

نعيش في المنطقة العربية خَيباتٍ عميقةً وإحباطاً نَعجَزُ عن وصفِه. نعيش زمناً مظلماً يكادُ يبدو لنا جداراً من القَدَرِ العَصِيِّ، ويعيشُه سكانُ غزةَ في تَجَلٍّ يتجسَّد بأسوارٍ تحيط مدينتَهم من كلّ جهةٍ. نعيش أزماتٍ كارثيةً من الحربِ الإيرانية العراقية، ثم غزوِ العراقِ الكويتَ، وغزوِ الولاياتِ المتحدةِ العراقَ. ثم الإحباطِ الدمويِّ لآمالِ الربيعِ العربيِ، والعواقبِ الكارثيةِ في سوريا واليمن وليبيا، وسياساتِ الحصار والتجويع والقصف واغتيالاتِ الفلسطينيين عقوداً، والإبادةِ التي يعيشُها سكانُ غزةَ الآن. كيف لنا أن نفسّرَ هذه الأحداثَ الجِسامَ؟ هذا السعير الذي يتواصلُ بلهيبٍ لا تتوقفُ نيرانُه عن التهامِ أعدادٍ كبيرةٍ من الناس العُزَّلِ المدنيين. إنْ حَدَّقْنا في النيرانِ وَجَدْنا أنها أحداثٌ لُغَويةٌ لأنَّ من يُطلِقُها بَشَرٌ يفهمون القتلَ ويفسّرونه بأنّه الطريقةُ المُثلَى لحلِّ مشكلاتِهم. تتوسّع رُقَعُ التوحّشِ بتطوّر القاتل وتقدُّمِه، عكسَ الفقاعةِ التي تحاولُ وسائلُ إعلاميةٌ عالميةٌ زَجَّنا فيها دائماً، وإقناعَنا بأن البرابرةَ الصغارَ هُم من يَستعمل القتلَ والإرهابَ. ولكن المنطقة العربية بآلامِها الكبيرة تفضحُ زيفَ الشعاراتِ المحلّيةِ والعالميةِ وتُظهِرُ توحّشَ ورَجعِيّةَ مَن يدّعي الحضارةَ وحقوقَ الإنسان ويتفاخرُ بغزوِ الفضاء. 


أعود إلى البيت مساءً عازمةً على هجر الأخبار أياماً. فكلّ فقاعاتي التأويليةِ تتلاشى أمام مَشاهدَ تجعل الوِلدانَ شِيباً. ثم أتَفكَّرُ بكيفيةِ أسئلتِنا، إذ نَسأل عن الفظائع فوق هذه التضاريس الجغرافية، ونَسأل عن الأرقام وعن الخسائر، ولكننا لا نتوقف هُنَيهةً لنسألَ عن حالِ "اللغة"؟ لا نَسأل أين نعيش؟ لأنه إن ظهرَ لنا أننا نعيشُ في تضاريسَ متجسّدةٍ، فإننا نعيشُ في بحرٍ من أمواجٍ تأويليةٍ نفسّر بها الأحداثَ ونسوِّغُها. نسألُ بعضَنا عن "الأحداث" ولا نَسألُ بعضَنا عن "الأحاديث" المنبثقة عنها، كما يقول غادامر. 

يقول غادامر في كتابه "الحقيقة والمنهج: الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية"، وهو مِن أهمّ الكتب التي تحدّت كثيراً من المفاهيم المسلَّم بها في القرن الماضي، أنّ الكائنات كلّها تعيش في بيئةٍ جغرافيةٍ تتلاءَم معها؛ فالجملُ يعيش في الصحراء والأسماكُ في المياه والدبُّ القطبيُّ بين الثلوج، والإنسانُ أيضاً يعيش في بيئةٍ فيزيائيةٍ ويحتاج الهواءَ والماءَ والقُوتَ اليوميَّ. ولكنّ غادامر، مثل السمكة الحكيمة، يوقِفُنا لنتفكّر بما يجعل الإنسانَ مخلوقاً مختلفاً على هذا الكوكب، لذلك يقول لنا أنّ الإنسان لا يعيش فقط في "بيئة" مادّيةٍ إنّما في "عالَمٍ لُغَويّ". فالماضي والحاضر وما يُحزِنُنا ويُفرِحُنا يحدثُ في مضمارٍ لُغَويٍّ واسعٍ، واقتصادُنا ورموزُنا الماليةُ أيضاً في العالَم الافتراضي اللغوي؛ كلّ ذلك لنستطيعَ رؤيةَ الفقرِ والغِنى والتدمير أحداثاً لغويّةً. 

اللغة عند غادامر أوسعُ مِن كلماتٍ نلفظُها أو نكتبُها. فهي العالَمُ الرمزيُّ الذي نعيشُه بما فيه من الإيماءَةِ والابتسامةِ والرموزِ الرياضيةِ وأحرفِ الكيمياءِ، والورقةِ النقديةِ التي تصبحُ مهمّةً لدلالاتِها الرمزيةِ بدلَ أن تُرمى في المهمَلاتِ قطعةً باليةً. بل إن غادامر يتجاوزُ هذا ليقول "عكسَ كلِّ الكائنات الحيّةِ الأُخرى، فإن علاقة الإنسان بالعالَم توصَف بأنها الحريةُ من البيئة، وهذه الحريةُ تعني تماماً البِنيةَ اللُغويةَ للعالَم". ولهذا كان غادامر مهتمّاً بالحالة الوجودية للإنسان وكيف تجعلُنا اللغةُ مخلوقاتٍ تعيش في أُفُقٍ وجوديٍّ مختلفٍ، وقادرةً على التحرك والتكيف في بيئاتٍ مختلفة. 

إذن، نحن نَسبَحُ بلا وعيٍ في بِحار اللُغات التي تَدرَّبنا على السباحة فيها بعفويةٍ بالغةٍ. ولكننا غارقون في أعماقها ولا نتوقف لنَسألَ بعضَنا، كيف حالُ اللغةِ؟ كيف حالُ الفِكر؟ كيف حالُ المسلَّمات التي قَبِلْناها وقد تكونُ الفاصلَ بين الحياة والهلاك، بين الضياع والنجاة. ولا نتوقف لنَسأل كيف حالُ أسئلتِنا؟ هل نَسألُ أسئلةً لن تَسُوءَنا إجاباتُها إنْ بَدَتْ لنا؟

اطّلعتُ على دراسةٍ تُرينا كيف للغّة أن تكونَ عالَماً. تقولُ الدراسةُ إنّ سكانَ الكوكب لو وَقفوا كلّهم صفوفاً كما نقفُ في صلاة الجماعة فإنَّ مدينة لوس أنجلس وضواحيها ستَسَعُهم جميعاً. نعم، ستتّسع لكلِّ سكانِ الكرةِ الأرضيةِ الذين بَلَغوا ثمانيةَ مليارات إنسانٍ. بل تقولُ دراسةٌ أُخرى إننا لو وَضَعنا سكانَ الكوكب في بيوتٍ من طابقَيْن وبينهما شارعٌ باتجاهَين لاتّسَعَت ولايةُ نيفادا الأمريكيةُ لهُم جميعاً. هنا تساعدُنا عبارةُ فيتغنشتاين الشهيرةُ عن اللّغة والسّعَة حين قال: "إن حدودَ لُغَتي هي حدودُ عالَمي"؛ أي أنّ العالَم الذي نعيش فيه يصغُر ويكبُر حجمُه حسبَ مساحات لُغَتِي وقدرتِها على التحرك نحو آفاقٍ أكبر. فقد يعيش إنسانٌ في قريةٍ جنوبَ إدلب لَم يغادِرها أبداً، لكنّ تبحُّرَه في تاريخ الصين وتنوُّعَ قراءاتِه فيها يضعُه في "عالَم" أكثرَ رحابةً من شابٍّ فرنسيٍ طافَ العالَمَ وزارَ مُدُناً سائحاً لا يَعرف عنها إلا معرفةً سطحية.

إذن، فمشكلتُنا ليست ضِيقَ التضاريسِ الجغرافية، أو قلّةَ الأراضي التي نَقتَتِل عليها، وإنما مأساتُنا الحقيقية هي في ضِيقِ لغتِنا. فأفكارُنا لا تَسَعُنا، ولُغَتُنا التي نختزلُها لا تَقدرُ على احتوائنا وتَقَبُّلِ اختلافاتِنا وتنوُّعِنا واعتراضاتِنا. ولهذا السبب نفسِه، رَبَطَت الفيلسوفةُ الألمانيةُ حنّا آرنت اللغةَ بقدرتِنا على توسيع عوالِمِنا أو تضييقِها، وعلى فعلِنا الخيرَ أو الشرَّ. كانت آرنت زمناً قصيراً زميلةً في الجامعة مع غادامر، قبل هروبِها إلى الولايات المتحدة من ألمانيا النازية. وفي كتابِها "في السياسة وعداً" ترى آرنت أنّ تدميرَنا الآخَرَ تدميرٌ لذواتِنا، لأننا مع قضائنا على أجساد الآخَرين الأعداءِ وحضاراتِهم فإننا نَقضي على مجموعاتٍ بشريةٍ تحملُ آفاقاً تأويليةً تجعل عالَمَنا أكثرَ اتّساعاً. ولهذا ترى آرنت أن تدميرَنا الآخَرَ هو تقليصٌ لحجمِ الآفاقِ التأويلية، ممّا يعني تضييقاً لعالَمِنا نحنُ أيضاً.


تمضي أيامٌ باردةٌ أُخرى وأتذكَّرُ كيف ظهرَت قبورٌ جماعيةٌ كثيرةٌ لأطفال السكان الأصليين فجأةً في تضاريس كندا قبل ثلاثة أعوام. كانوا مفقودين ثم عادوا إلى الحياة بمعنىً تأويليٍ آخَرَ. أطفالٌ في مدارسَ داخليةٍ إلزاميةٍ تأسسَت وأُديرَت عقوداً طويلةً بتعاونٍ بين الكنيسة والحكومة الكندية ثم أُخذَ الأطفالُ إليها عُنوةً لتنصيرِهم. كانت المدارسُ تَمسحُ لُغاتِهم وأديانَهم "البدائية" حتى "تدمجَهم" في أَتُونِ الحضارة الغربية "المتقدِّمة" سواءً الفرنسية في مقاطعة كيبيك أم الإنجليزية في بقيّة المقاطعات. لاحظوا كيف أننا نتحدث كثيراً عن التعدّد والتقبّل، لا سيّما من وجهة نظرٍ غربيةٍ، بينما أبادَت الحضارةُ الغربيةُ شعوباً عن بكرةِ أبيها. بل ما زالت تحاول طمسَ معالمِ الآخَرِ ولُغتَه وتضاريسَه الفكريةَ والدينيةَ، و"تدجينَ" بعضٍ مِن طعامِه ولباسِه على مقاسات الغرب وذوقِه لتُدخلَهم في آلةِ السُوقِ العالمية.

ومع أننا ما زِلنا غيرَ قادرين على أن نقيسَ ضيقَ تضاريسِنا الفكريةَ عندما نفكِّرُ بالأزمات في تضاريسنا الجغرافية، إلا أننا بنظرةٍ واحدةٍ نرى العلاقةَ تتّضح أكثرَ فأكثرَ أمامَنا. ولو توقَّفْنا قليلاً فقد نستيقظُ مِن غفلتِنا. فعندما تضيقُ مساحاتُ لغتِنا تضيقُ معها التضاريسُ الجغرافيةُ مهما كبرَت الأرضُ وتضيقُ ذواتُنا أيضاً، تماماً كما يقولُ القرآن "ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلِيهِمْ أَنْفُسُهُم.". كم هو محزنٌ أن نَرى اللاجئين في العالَم يعيشون في كوكبٍ ضاقت مساحاتُه الجغرافيةُ عليهم مع اتّساعِ القارّات والبلدان والمدن التي تحتاج سكاناً جدداً لانخفاضِ أعدادِ المواليد. وكم هو مُخْزٍ أن نرى مدينةً محاصَرةً بالأسوارِ تُقصَفُ ليلَ نهارَ. وكم تبدو صعبةً تضاريسُنا الجغرافيةُ، إلّا أنها هي أيضاً تضاريسُنا الفكريةُ. فالصحراء ليست تلك الكثبانَ الجافةَ بل هي المسافةُ التي تتصحّرُ فيها علاقاتُنا الإنسانيةُ وتفسدُ مساحةُ "ذاتِ البين"، فنبدأُ بفقدِ مقوّماتِ الحياةِ وتنوّعها بيننا، كما قالت آرنت مَرّةً. 

ومع أن مساهَمةَ غادامر تُعَدُّ ثورةً في تاريخ الفلسفة، إلا أننا نجدُ لها نظائرَ في تراثِنا. فابنُ قَيِّمِ الجَوْزِيّةِ يقول في كتابه بدائع الفوائد: "مبدأُ كلِّ عِلمٍ نظريٍّ وعملٍ اختياريٍّ هو الخواطرُ والأفكار. فإنها تُوجِبُ التصوُّراتِ، والتصوُّراتُ تدعو إلى الإراداتِ، والإراداتُ تقتضي وقوعَ الفعلِ، وكثرةُ تَكرارِه تُعطي العادةَ. فصلاحُ هذه المراتبِ بصلاحِ الخواطرِ والأفكارِ، وفسادُها بفسادِها". بل يمكن القولُ إنّ ابنَ عربيّ قامَ بهذا الانقلابِ الوجوديِّ للُّغةِ، الممكنُ تسميتُه "المنعرَج الوجوديّ" قبل ثمانِمئةِ سنة عندما عَدَّ اللغةَ كياناً وجودياً والقراءةَ حدثاً وجودياً فريداً، ولا تتكرّرُ قراءتان لنصٍّ واحدٍ. تُظهِرُ كتاباتُه أنه عكفَ على تأمّلِ آيةِ "حتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم"، وتأثيرِ ما سمّاهُ "المِخيال" الذي تتشكّلُ صُوَرُه في "عالَم اللطائف" لتتجلّى بعدَها في البعد المادّيِ أو ما سمّاهُ "عالَم الكثائف".

عند عودتي إلى المنزل مساءَ أحدِ أيامِ مونتريال الشتويةِ فكّرتُ بأن يوسفَ عليه السلام ربّما كان يَعني هذا لمّا تضرّعَ إلى الله في حالةِ امتنانٍ: "ربِّ قد آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأوِيلِ الأحَادِيث". أتأمّلُ كيف ربطَ يوسفُ المُلكَ بقدرتِه على تأويل الأحاديث التي صارت أحداثاً في حياتِه، وكيف سخَّرَ العلاقات بقدرتِه على تأويل الأحداث والأحاديث. فقد نجا من الغرق في فقاعةِ الضحيّةِ على كلِّ "التجارِب" التي مرَّ بها، بل أعاد تمكينَ الذين ظلموه في صِغَرِه وأعانَ صانعِي القرارِ في التوزيعِ العادلِ للثروات.

أريدُ أن أفكِّر معكم بفقاعاتِنا التأويليةِ أكثر وبعلاقة أحاديثنا بالأحداث حولَنا. وهل لتأويلاتنا وتفسيراتنا ومسلَّماتنا علاقةٌ بقدرتِنا على إبداعِ إستراتيجياتٍ جديدةٍ لكيفية إدارة علاقات الهيمنة التي تَخنقُ المنطقةَ، نجحَ يوسفُ وفَشِلْنا نحنُ؛ سواءً في طرقِ مواجهتِنا نماذجَ الاستبداد والاحتلال أو في تصوّراتِنا عن الحرية وما تتطلّبُه من ضرائبَ وأثمانٍ. كيف قرّرنا ضريبةَ الحريةِ وثَمَنَها؟ مَن وضعَ ثَمَنَ دمائنا وحياتنا وحرياتنا؟ أودُّ أن أَخرجَ مِن كلِّ هذه الكلمات الكبيرة والتنظيرات الفلسفية حتى نتفكّرَ في حقيقةِ ما يحدث لنا، وحتى ننظرَ في نماذجَ تَستفزُّ فينا ضرورةَ التفكيرِ. فأنا لستُ السمكةَ الحكيمةَ، لكن سأقولُ ما قال والاس: سأجلسُ معكم في خنادقِ الوجودِ لعلّنا نحقّقُ شيئاً من اليقظة، ونَخرجُ من تراكمات الغفلة التي نعيشها حتى نَرى المفاهيمَ التي تنشرُ أشلاءَنا وتنثرُ شظايا ذاكرتِنا الجَمعيّة.


بعد يومين من حرب غزّة لَم أَقْوَ على مُشاهَدةِ الأخبارِ ولا القليلِ منها. أشعرُ بألمٍ في مَعدتي ورأسي، وتنهمرُ دموعي كلّما رأيتُ مَشاهدَ الناس في أتونِ الحصار "الصهيونازي" كما أصرّت عائلةُ الطبيب الكندي اليهودي غابور مته أن تسمّيَه. حتى لو قرّر عقلي تحمُّلَ هذه الصور، فإن جسدي يرفض رؤيتَها ويعبّرُ عن ذلك بكلّ لغةٍ قادرٍ عليها. ولذا أقرّر السفرَ من اللحظة بالدخول في "آلة الزمن" كما كان غادامر يسمّي القراءةَ، وأهربُ إلى حقبةٍ أُخرى. آخذُ كتابَ "الأخلاق النيقوماخية" للفيلسوف الإغريقي أرسطو. رغبتُ في قراءته منذ مدّةٍ، لا سيّما بعد اقتباسات غادامر منه تحديداً. يسرّني أنه ليس ضخماً، ويسعدني أنه سيأخذني زمنياً إلى حقبةٍ تَعِدُني بأنها ستحميني في "فقاعةٍ تاريخيةٍ" من الحاضر ومن كلِّ ما أصطدم به يومياً بوصفي عربيةً كنديةً في شتاء 2024.

كانت هذه طريقتي في الهرب من أخبار الثورة السورية وإلقاء النظامِ البراميلَ المتفجّرةَ على المدنيين. غيرَ أني التجأتُ حينَها إلى حضرةِ غادامر الذي نجا من مواجَهاتٍ عدّةٍ مع الموت. فهو يخبرنا في مذكراته "تمرينات فلسفية" أن خيرَ ما وجدَه ليقاوم به النازية ويعيش تحت قصف الحلفاء استعمالُ اللغةِ واستعادةُ مفاهيمَ إنسانيةٍ أخلاقيةٍ من التراث الألماني الذي تصحَّرَ مع شعارات النازية الفجّةِ وخُطَبِها. ويشرح في مذكّراته كيف كان يجمع طلبتَه في قاعةٍ مظلمةٍ بجامعة لايبزغ لدراسة مَرثيّاتِ دوينو العَشْرِ للشاعر النمساوي راينر ماريا ريلكه. ويقول غادامر: "لو كانت هناك طريقةٌ ما بإمكانها مواجهةُ العِباراتِ النازية المنمقة، فقد كانت في التهذيب اللُغويّ الراقي في لُغةِ ريلكه. كنتُ أعاوِدُ مراراً تأويلَ مَرثيّاتِ دوينو عامَ 1943 بينما كانت مدينةُ لايبزغ تحتَ القصف المتواصل. بعد عشرة أيامٍ دُمّرَ قلبُ المدينة في الرابع من ديسمبر 1943، وحينها وجدتُ نفسي أجلسُ في مبنىً ما يزال صامداً، ولكن بلا تدفئةٍ أو ضَوءٍ أو نوافذ، لأكملَ معهم المَرثيّةَ الثالثةَ. الطلبةُ كانوا هناك، طبعاً ليس جميعهم، كلٌّ منهم ملتحِفٌ بشيءٍ ما وبيدِه شمعةٌ. ظلامٌ دامسٌ". 

راودَتني في الأسبوع الواحد كثيرٌ من مناظرِ الحرب العالمية الثانية مع القسوة كلّها على شاشاتنا وغياب الألوان، في طبقاتٍ من المعاناة تُختزَل فيها ذاكرتُنا البصريةُ إلى الأبيض والأسود. وأتذكّرُ كيف نجا غادامر وعُمِّرَ حتى بلغَ مئةً وسنتَين ليكونَ شاهداً على القرن العشرين. لكن النازيةَ لَم تَنْجُ، كما لن تنجوَ العقائدُ العنصريةُ مهما لوَّحَت بطائراتها وقذائفها، لأنها تخالِف قوانينَ الحياةِ وسُنَنَها.


تَواصَلَ معنا والدي أَوَّلَ شهر فبراير مساءَ الجمعةِ ليخبرَنا باستشهاد صديقتِه الدكتورة رهف حنيدق في غزّة. انفجرَتْ فجأةً فُقاعتي الإغريقيةُ، ووجدتُ نفسي أرجعُ إلى العالَم العربيّ. لَم نكُن متأكّدين من الخبر بدايةً، بل أردتُ أن يصلَنا خبرٌ ينفي الأوّلَ، لكنّ الخبرَ الثاني أكّدَ استشهادَها وزوجَها وولدَيهما وأقرباءَ معهم. أجهشتُ بالبكاءِ؛ فقد كانت رهفُ تنقل له كلَّ ما يحدث معهم كمراسلةٍ محترفةٍ، وتشارِكه فقاعاتِها التأويليةَ والتحليليةَ لما يَجري، وتشارِكُها أحياناً على صفحتها في الفيسبوك. رهفُ مهندسةٌ مدنيةٌ، تخصّصَت بالدراسات الدينية في مرحلة الماجستير، لتصيرَ خبيرةً في الفكر الإسلامي المعاصِر ثم نالت الدكتوراه في الدراسات التوراتية والدراسات الإسلامية. تُقدّمُ رهفُ ورشاتٍ تأهيليةً مع الشباب والشابّات المقبِلين على الزواج في غزة لتساعدَهم على تأسيس علاقاتٍ صحّيةٍ وتُمكّنَهم من بناءِ عائلاتٍ سعيدةٍ. رهفُ إنسانةٌ مليئةٌ بالحياة، وامرأةٌ تدعم مَن حولَها للعيش بكرامةٍ وسعادة. لَم تنجُ رهفُ! "وَإِذَا الموءودَةُ سُئِلَتْ بَأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَت".

كم هو صعبٌ أن تكون عربياً أو عربيةً في هذه الحقبةِ التاريخية. وأعني بالـ"عربية" أو "العالَم العربي" المعنى الغادامريَّ لا التضاريسَ الجغرافيةَ أو الانتماءاتِ العِرقيةَ الخيالية، إنَّما تضاريسَنا اللغويةَ العربيةَ المشترَكة، وسيلتنا للتواصل مهما اختلفت أفكارُنا وتوجّهاتُنا ومشارِبُنا. تَرَكَتْ عائلتي المنطقةَ العربيةَ جغرافياً في صِغَرِنا، لكن ما زِلنا أنا وإخوتي وكثيرٌ من معارفي وأقاربي ممّن هاجَرَت عائلاتُهم إلى الغرب في هذا "العالَم" لأننا نتواصل مع بعضنا بقراءاتِنا ونتشارَكُ بعضاً من كتاباتِنا بالعربية. "العالم العربي" ليس حكراً لأحد. فمع التراكم المعرفيّ الذي شارَكَ فيه الفُرْسُ والعربُ والكُردُ والشركسُ والأتراكُ والأفارقةُ والهنودُ فقدرةُ العربية على التنصّل بيُسرٍ من أيّ ادعاءٍ يربطُها بهُويةٍ عِرقيةٍ أو جماعةٍ بشريةٍ محدودة؛ لذلك فهي عَصيّةٌ على العصبية بحُكم طبيعةِ تاريخِها وتعدّديةِ من أَسْهَم في ازدهارها وتراكم زخمِها اللُغوي والحضاري الذي امتدَّ قروناً طويلةً فوق تضاريسَ هائلةٍ. نعم، أعرف أنني أبدو كأحد رجالات النهضة العربية في القرن التاسع عشر، لكنّ هذا يسعدُني، فقد كانت فقاعاتُهم التأويليةُ أكثرُ اتّساعاً من الفقاعات الطائفية والعِرقية الضيّقة التي نَشهدُها حالياً ولا تَسَعُ أصحابَها.

كم هو ثقيلٌ خبرُ استشهاد الناس في غزة، ولكن كم هو مختلفٌ الألمُ الذي ينتابُنا عندما يرفضُ الراحلون أن يكونوا نَكِراتٍ. أشعرُ بحزنٍ عارمٍ، وأتّصلُ بصديقتي الفلسطينية مريم بعد أن أهدأَ قليلاً، فتخفّفُ عنّي. فقدَت مريمُ أيضاً كثيراً من الأقارب، وفقدَ أصدقاءٌ لها عائلاتٍ كاملةً. صديقاتي الفلسطينياتُ في هذه الأيام مثلَ النسمات الناعمة في حياتي؛ يتحدّثنَ بطريقةٍ تَبُثُ بهدوءٍ وُجودَهُنَّ ولا يُطالِبْنَ العالَم بالاعتراف بهُويتِهنَّ وتاريخِهنَّ وانتمائِهنَّ؛ فهُنَّ يَعرِفْنَ.

الموتُ حقٌّ وكُلُّنا زُوّارٌ، لكن لعلَّ ما مَسَّ قلبيَ أكثرَ مِن الفقد وأحاسيس الظلم والغبن العميق هو أنّ عالَمَنا العربيَّ يصغُرُ بفُقدانِ المدنيِّين. والآن يعيش في غزة أكثرُ من 80 بالمئة تحت خطِّ الفقرِ، وترحلُ مع كلِّ هذهِ العوالِم الغنيّةِ يوماً بعد يومٍ أحلامُ أصحابِها وخبراتُهم ومعارفُهم وتجاربُهم المتراكمةُ تحت الاحتلال. دُمِّرَ كلُّ ما بَنَوه في عقودٍ قليلةٍ من اثنتي عشرة جامعةً ومكتباتٍ ومركزِ أرشيفٍ وستةٍ وثلاثين مشفىً. كيف نعيش بعد سوريا وبعد اليمن والآن بعد غزة في عالَمٍ يُسمَح فيه بحدوث هذا الدمار. ألا يحقُّ لنا أن نتساءَل عن زَيفِ الفقاعة "الحضارية". أقفُ في حيرةٍ ودهشةٍ من الفقدِ، وأحزنُ على فقدان "عالَمِ" رهف الذي كنّا نزورُها فيه بلُغتِها الشجاعةِ، فقد كانت لغةً محمّلةً بالأمل الجميل مثلَها. وأصرّت على الحياة وعلى العِلم، وعلى وضع الإنسان بين يدي الله، قبلَ الأرض وقبلَ السلطة وقبلَ أيّ شيء. 

وأَصرَّ غادامرُ أن يَقرأ مَرثيّاتِ دينو تحت القصف. سأَرثي رهفَ بمشارَكة إحدى مواجَهاتِها اللُغويةِ للشعارات المنمَّقة التي ترفعُها أطرافٌ محليةٌ وعالمية. هذه طريقتي البائسةُ للاحتفاء بحياتِها وعالَمِها وقدرتِها على تأويل الأحاديث. كتبَت رهفُ على صفحتها في الفيسبوك بعد بدء القصف على غزة: 

"لا فلسطينُ ولا المسجدُ الأقصى ولا حتى مكّةُ أغلى وأثمنُ من الإنسان عند الله. فما بالُكم استهَنتُم بأرواحِنا ودمائنا وأعمارِنا وحياتِنا ومستقبلِنا، ولأجلِ أيّ شيءٍ؟ لأجلِ الأقصى؟ لأجلِ الأسرى؟ فكَّ اللهُ أَسرَهم. والله العظيم إنهم لَم يَرضَوا ولن يَقبَلوا أن يكونَ ثَمَنُ حُرّيّتِهم ما يقارِبُ بين سبعينَ ألفَ شريدٍ ومفقودٍ وجريحٍ، وتدميرِ غزةَ عن بكرةِ أبيها، وتهجيرٍ، وتشريدٍ، وأمراضٍ، وأوبئةٍ. لقد اختاروا طريقَهم مِن زمنٍ طويلٍ، ولكنّكم اليومَ أَجبَرتم 2 مليون و200 ألف على خيارٍ واحدٍ فقط لا ثانيَ له وهو الموتُ. 

لأجلِ ضميرِ الأُمّة؟ لقد رأيتُم أُمّةً تبلغُ ملياراً ونِصف لَم تستطِع إدخالَ قطرةِ ماءٍ لكُم إلّا أن يَأذنَ الاحتلالُ. 

لأجلِ المقاوَمة؟ والله أنفقتُم المالَ على السلاح لو أنفقتُم رُبعَه على صناعةِ وبناءِ الفلسطيني لانتصرتُم منذ زمنٍ، ولكن هيهات هيهات ... أَوقفوا الحربَ فلَمْ يَبْقَ شيءٌ أمامَهم سوى تهجيرِنا … هل فيكم مِن عاقلٍ أو رشيد؟" 

في عالَمِ رهفَ قيمةُ الإنسان فوقَ كلِّ شيءٍ. إلا أنني أتذكّرُ أيضاً عوالِم لا تَأبَهُ كثيراً بقيمةِ الإنسان. لغةٌ مُصِرَّةٌ على التضحية ومُصِرَّةٌ على الأثمانِ الهائلة. أتذكَّرُ مقابَلةَ أحدِ قياديّي حماس مع قناة الجزيرة قبل بضعةِ أسابيعَ التي شَرَحَ فيها أنهم لَم يستشيروا سكانَ غزة، وأن كلَّ مَن يريد الحريةَ عليه أن يستعدّ لتقديم أثمانٍ كبيرةٍ وأن يكون قادراً على التضحية. هذا هو عالَمُه الذي يشارِكُه فيه كُثُرٌ. عالَمٌ يُرفَعُ فيه سقفُ أثمانِ التغيير لتضحياتٍ لا يَقدرُ عليها الناسُ ولا يُطيقون. هذا ما قرّره كثيرٌ من القيادات السياسية، في سياقاتٍ عِدّةٍ؛ منها ثوراتُ الربيع العربي، أو ما فعلَ زعماءُ أوكرانيا أيضاً. بما أن الهدفَ هو الحريةُ، لا يهمُّهُم سقفُ الأثمان التي سيدفعُها المدنيّون. هذا عالَمٌ لُغويٌّ أيضاً له عواقبُه وأثمانُه؛ فهل يُمكنُ أن نخلقَ عوالِمَ جديدةً نخفضُ فيها سقفَ الأثمان، ونرفعُ سقفَ النتائج؟

تَمُرُّ أيامٌ باردةٌ وتتسارعُ الحرارةُ في الهبوط تحت الصفر، ويَصِلُني من صديقٍ خواطرُ كتبَها عن رحيلِ رهفَ، يقول فيها: "أستاذة العقيدة، المحاضِرة، الناشطة، وكلّ هذه الخِبرات والشهادات والتجارِب على الأرض وهي ليست في مركز صُنعِ قرار؟ بينما يتولّى الرجالُ الأبطالُ اتخاذَ قراراتٍ مصيريةٍ عن شعبٍ أعزل" تَظهر مثلُ هذه الأسئلة مع الصدمات الكارثية، وهي تتطلبُ مراجَعاتٍ صادقةً ونقداً ذاتياً وسبراً حقيقياً لعوالِمنا اللُغوية. فمِن أهمّ دوافع الانقلاب اللُغوي الذي سيطر على غادامر محاولتُه التفكُّرَ بحربَين عالميتَين ذهبَ ضحيّتَهما قُرابةُ ثمانين مليوناً. هل يمكن لنا أن نتخيّلَ هذا الرقم؟ أَضِفْ إليهِما كلَّ البشاعات الأُخرى مِن استغلال ثرواتِ الآخَرين وسرقتِها، واختراعِ أسلحةِ الدمار الشامل والقنابل الذرّية واستعمالِها على مدنيِّين في هيروشيما وناغازاكي. لذا نجدُ أنه مع اهتمام غادامر بالتوجّهات الفلسفية في مدارسَ مثل الظاهراتية والوجودية، عند كلٍّ من الفيلسوفَيْن الألمانيَيْن إدموند هوسرل ومارتن هايدغر اللذَيْن أثَّرا على مسيرتِه الفكرية، إلّا أن كلَّ ما كان شاهداً عليه في قرنِه جعلَه يتحرَّكُ في اتِّجاهٍ مختلفٍ في مسيرته الفكرية؛ إذ تعمّقَ أكثرَ في فهمِ البعدِ اللغويِّ والتأويليِّ في الوجود الإنساني. كما أعادت آرنت صياغةَ مفاهيمِها في ظلِّ ما حدثَ في ألمانيا ثمّ محاكَماتِ مَن ارتَكبوا جرائمَ الهولوكست. اتّجَها نحوَ اللغةِ والتفكير، وكتبا عن كيفية تكوُّنِ علاقاتِ الهيمنةِ في اللغة، وكيف تتجسّد في أبعادٍ مادّيةٍ وعلاقاتٍ واقعيةٍ. ونتعلّم منهما كيف يمكن أن تكون اللغةُ نفسُها مساحةً لنقد هذه العلاقات وتفكيكِها. لذلك كانت آرنت تؤمن بأن تفكيكَ النَّبْذِ والعنصريةِ يكون بتفكيك المضامينِ العميقةِ في لغاتِنا الملغَّمةِ بآليّاتٍ تُزيلُ إنسانيةَ الآخَرِ لتُسوِّغَ إزالتَه جسدياً. وكان جُلُّ ما تخشاه أن المظاهرات والاحتجاجات تُنفّسُ بعضاً من المشاعر لنعودَ إلى واقعٍ تتجلّى فيه علاقاتُ الهيمنة التي تُعيدُ إنتاجَ نفسِها بحُلَلٍ جديدة. لأننا إن حدّقْنا لحظةً في العالَم الذي صنعَه المنتصرون بعد الحرب العالمية الثانية، فعلينا أن نَسألَ أنفسَنا إن كُنّا موافقِين على العيش في مثل هذا العالَم.


حين نَصطدم بتجارِب الاستبداد والاستعمار، فإن بعضَنا يستيقظ وينتبه إلى اللغة. كم سعدتُ حين اكتشفتُ ما كتبَهُ مصطفى صادق الرافعي في تأمُّلاتِه عن المستعمِر الذي يقوم بـ"حبس اللغة" فيقول: "ما ذَلَّت لُغةُ شَعْبٍ إلّا ذَلَّ، ولا انحطّتْ إلّا كان أمرُه في ذهابٍ وإدبار". كانت مناوَراتُ الرافعيِّ الأنيقةُ في الفُصحى الحديثةِ تروي قِصَّةَ إحساسِه وفِكره مع اللغةِ وعلاقتِها مع سيادتِنا الذاتية. فهو يرى أن "اللغة لا تَشِبُّ عن أطوار أهلِها متى كانت مِن غرائزهم، وإنما تكونُ على قَدْرِهم ضعفاً وقوّةً لأنها صورتُهم المتكلِّمةُ وهُم صورتُها المفكِّرةُ، فهي ألفاظُ مَعانيهم وهُم في الحقيقة مَعاني ألفاظِها، ولذلك لا تَزيدُ عليهم ولا يَنقُصون عنها ما دام رسمُهم لَم يتغيّر، وما دامت عادتُهم لَم تنتقِل". كم تعيدُ علاقاتُ الهيمنةِ والاستبدادِ والاحتلالِ إنتاجَ نفسِها عقوداً. هل لأننا مثلَ السَمَكِ الذي يرفضُ أن يفكّرَ أين هو، ولا نقبلُ أن نَسألَ أنفسَنا عن حالِ الماء، عن حال لغتِنا وحال مسلَّماتِنا؟

تتوالى الثلوجُ الخفيفةُ على المدينة أياماً تختفي فيها الألوانُ كلُّها وتُشعِرُكَ بنقاء الطبيعة، ولكنني أجدُ الصورَ الملوَّنة على الأخبار تحوَّلَت إلى الرماد والرمادية. لا شكَّ في أن العنفَ يُبدِّدُ الألوانَ، تماماً كما قال الرسولُ عليه الصلاة والسلام: "ما كان الرفقُ في شيءٍ إلا زانَهُ، وما نُزِعَ من شيءٍ إلا شانَهُ". أَتَذَكَّرُ أنّ جلالَ الدين الروميِّ تحدَّثَ مِراراً عن حالِ الإنسانِ بحالِ السَمَكِ؛ إذ يَرَى أنَّ حالَنا حالُ السَمَكةِ تَسْبَحُ في المُحيطِ وتَستغيثُ بأنّها عَطْشَى.

اشترك في نشرتنا البريدية