سياسات الهجرة الجديدة تغيّر مستقبل المهاجرين في السويد

تكشف قصص مهاجرين عرب في السويد كيف غيّرت سياسات الهجرة الجديدة طريق الاستقرار، وأعادت رسم خيارات البقاء والرحيل.

Share
سياسات الهجرة الجديدة تغيّر مستقبل المهاجرين في السويد
انتظار قرارات الإقامة يستنزف الطاقة النفسية | تصميم خاص بالفراتس

يرنّ منبّه الهاتف صباحاً. لا ينهض عمار مباشرة. يمد يده أولاً إلى الهاتف ليفتح بريده الإلكتروني. منذ أشهر، يواظب على هذا الفعل كل صباح. لا يبحث عن رسالة من الجامعة التي حلم بالالتحاق بها، ولا عن عرض عمل ينتظره، إنما عن رسالة من المحكمة. يقرأ عنوان كل رسالة ببطء، يتوقف لحظة قبل فتحها، ثم يزفر حين يكتشف أنها ليست ما ينتظر. عندها فقط يغادر سريره، ويستعد للذهاب إلى صف اللغة السويدية، وهو يعرف أنّ الرسالة التي تحدد مصيره قد تصل في أي لحظة. رسالة قد تمنحه حق البقاء في السويد، أو تغير المستقبل الذي رسمه لنفسه بكلمة واحدة، ترحيل.

لم يكن عمار يتخيّل أنّ حياته ستُختزل يوماً في انتظار إشعار إلكتروني أو رسالة ورقية تصل إلى صندوق البريد في سكنه. فعندما وصل الشابُ السوري إلى السويد منتصف 2024، كان يعتقد أنّ الطريق أمامه واضح، يتعلم اللغة ويجد عملاً، ثم يبدأ حياة جديدة. لكن بينما كان يحاول أن يخطو في هذا الطريق، كانت السويد تغيّر القواعد وتصعّبها.

عندما اكتشف عمار، ذو الاثنتين وعشرين سنة، كيف تغيّرت سياسات الهجرة تباعاً في السويد، أدرك أنّ السنوات التي قضاها في تعلّم اللغة والبحث عن عمل لم تعد تقرّبه بالضرورة من الحياة التي جاء يبحث عنها. ففي الوقت الذي شددت فيها الحكومة السويدية شروط الإقامة والجنسية، وسّعت كذلك من اعتمادها على برنامج العودة الطوعية، القائم منذ سنة 1984. يعتمد البرنامجُ على تقديم منح مالية للاجئين والمهاجرين الذين لم يُجنسوا بعد للعودة إلى بلدانهم. بعد وصول عمار للسويد بما يزيد قليلاً عن السنة، سقط نظام بشار الأسد في سوريا وأعادت الحكومة السويدية تفعيل البرنامج ورفعت قيمة المنحة المالية للراغبين بالعودة إلى مستويات غير مسبوقة بهدف تشجيع مزيد من اللاجئين على مغادرة البلاد. ومع هذه التحولات وجد عمار، ومعه آلاف المهاجرين ومنهم كثير من العرب، أنفسهم أمام واقع مختلف عمّا عرفته السويد قبل سنوات. فلم يعد السؤال يقتصر على كيفية الاندماج، بل امتدّ إلى ما إذا كان الاستقرار الذي سعوا إليه ما زال ممكناً.


كان عمار في التاسعة من عمره عندما غادر مدينة داريا في ريف دمشق سنة 2013، ولجأ مع عائلته إلى تركيا حيث أمضى إحدى عشرة سنة قبل أن يحدد هدفه بالوصول إلى السويد. عمل أشهراً في ورش صغيرة ليجمع تكلفة الرحلة، قبل أن يواصل طريقه عبر أوروبا وصولاً إلى مدينة غوتنبرغ جنوب غرب السويد في منتصف 2024 وقد أتمَّ العشرين من عمره، حيث قدم طلب اللجوء. واعتقد عمار أنه وصل أخيراً إلى المكان الذي سيبدأ فيه حياة جديدة. إلا أن سقوط نظام الأسد بعد أشهر معدودة من وصوله وضع حداً لذاك الاعتقاد.

كانت السويدُ مشروعَ حياة مستقرّة حَلُم عمار به طويلاً، سيما وقد سبقته شقيقته إلى البلدة الشمالية الباردة واستقرت هناك منذ سنوات. كانت خطته مرسومة بوضوح، الالتحاق بالجامعة لدراسة الهندسة، وإيجاد عمل يعول به نفسه حتى إتمام الدراسة. ثمّ بناء مستقبل مستقر يشبه مسارات مهاجرين سبقوه إلى البلد الذي ارتبط اسمه لعقود بفكرة الملاذ الإنساني. فبدأ في اتباع طريقه المرسوم على الفور، إذ أنهى المستوى المطلوب من دراسة اللغة السويدية وواصل تطوير مهاراته اللغوية، ودراسة المجتمع السويدي. كذلك حصل على عرض عمل، وتجنب طلب المساعدات الحكومية مستفيداً من إقامته في منزل شقيقته ومن مدخراته التي جمعها قبل قدومه إلى السويد في تغطية نفقاته. لكن ذلك كله لم يشفع له، إذ رُفض طلب لجوئه بداية 2026 بحجة أنّ سوريا باتت آمنة، وبقي عالقاً أملاً في أن تغير المحكمة التي تقدم إليها بطلب إعادة النظر في قرار رفض لجوئه من اتجاه القرار. وحال وضعُه القانوني دون حصوله على رقم ضريبي أو فتح حساب مصرفي أو توقيع عقد إيجار، أو حتى مباشرة العمل الذي حصل عليه. يقول للفراتس: "كنت أعتقد أن ما فعلته أهم ما يمكن أن أقدمه لإثبات اندماجي وبالتالي [تسهيل] الحصول على الإقامة، لكن من الواضح أن الأمور لم تعد بهذه السهولة".

في يوم عيد الفطر في مارس 2026، كان ينتظر أن يحمل البريد خبراً ينهي حالته معلقاً. لكنه تلقى رفضاً لاستئنافه قبل الأخير في ملف اللجوء. لم يكن القرار يعني ترحيله فوراً، لكنه جعل مستقبله معلقاً على المحاولة الأخيرة لدى المحكمة. منذ ذلك اليوم، تغيّرت الأسئلة التي يطرحها على نفسه، لم يعد يفكر في الجامعة التي سيدخلها أو العمل الذي سيبدأه، بل في سؤال أبسط وأقسى: "هل سأبقى أصلاً؟". وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه عمار هذا الجواب، كان البلد الذي وصل إليه يمرّ بتحولات جعلت طريق الاستقرار أكثر تعقيداً.


بين مواعيد مصلحة الهجرة وجلسات المحامي ورسائل المحكمة، بدأ عمار يدرك أنّ الطريق الذي اختاره لم يعد يعتمد على جهوده وحدها. فبينما كان يحاول فهم ما يحدث في ملفه، اكتشف أن قصته لم تكن منفصلة عن تحوّل أوسع في الطريقة التي تنظر بها السويد إلى الهجرة. لم تبدأ هذه التحوّلات مع الحكومة الحالية التي يقودها ائتلاف يمين الوسط برئاسة أولف كريسترسون المعروفة باسم حكومة "تيدو". بل تعود جذورها إلى السنوات التي أعقبت موجة اللجوء الكبيرة سنة 2015، حين استقبلت السويد نحو 163 ألف طالب لجوء في سنة واحدة، بحسب مصلحة الهجرة السويدية. ومع ازدياد الضغوط على نظام اللجوء، أقرّت الحكومة سنة 2016 قانوناً مرحلياً جعل الإقامة المؤقتة هي القاعدة لمعظم طالبي اللجوء الذين يحصلون على الحماية، بدلاً من الإقامة الدائمة، فضلاً عن تشديد شروط لمّ الشمل الذي يتيح للمهاجرين واللاجئين تسهيل هجرة عائلاتهم إليهم عقب تقنين أوضاعهم. وفي سنة 2021، ثُبِّتت كثيرٌ من القيود التي أدخلها القانون المرحلي في متن قانون الهجرة السويدي، ولاسيما منح إقامات مؤقتة. 

جاءت التعديلات الجديدة التي دخلت حيّز التنفيذ في يوليو 2026، لتُظهر تحولاً في سياسات الهجرة والجنسية السويدية. إذ أصبحت الإقامة المؤقتة هي القاعدة الأساس، وبات الحصول على الإقامة الدائمة محاصراً بشروط ووفق استثناءات محددة. وترافق ذلك مع تشديد شروط لمّ الشمل بفرض متطلبات أكثر صرامة كالقدرة على الإعالة المالية الذاتية والوصول لمعايير السكن الملائم. وعُدّل قانون الجنسية، فرُفعت مدة الإقامة اللازمة للحصول على الجنسية من خمس سنوات إلى ثماني سنوات في معظم الحالات، مع تشديد تقييم شروط حسن السيرة والسلوك، وإلزام المتقدمين بإثبات القدرة على إعالة أنفسهم مالياً. إلى جانب إدخال متطلبات اختبارات المعرفة باللغة والمجتمع السويدي.

بذلك، لم يعد الطريق الذي سلكه كثيرون في موجة اللجوء سنة 2015 وبداية 2016 هو نفسه المتاح أمام القادمين الجدد. ففي تلك الفترة، حصل عدد كبير من اللاجئين على الإقامة ولمّ الشمل ضمن شروط أقل تعقيداً، وفق المحامي المقيم في السويد والمتخصص في قضايا الهجرة محمد النزيان. يقول النزيان للفراتس، إنّ التحوّلات الجديدة "أبعد من مجرّد تعديلات إجرائية وزيادة للشروط، إذ تعكس تغيّراً أوسع في فلسفة التعامل مع الهجرة، مع انتقال الاستقرار من كونه وسيلة تساعد اللاجئ على الاندماج، إلى كونه نتيجة (امتيازاً) يجب إثبات استحقاقها بعد سلسلة متزايدة من الشروط". ويرى النزيان أن هذا يخلق حالة من عدم اليقين حتى لدى الأشخاص الذين يعملون ويدرسون ويحاولون بناء حياة مستقرة.

ضمن هذا السياق، وضعت هذه التغييراتُ عقباتٍ جديدة أمام عمار، بينما يحاول تجاوز العقبات القديمة. ومع أنه لم يكن يتابع تفاصيلها السياسية يوماً بيوم، لكنه عاش أثرها. وزاد الإعلان عن زيادة مبالغ منح برنامج "العودة الطوعية" من شعوره بأنّ قواعد اللعبة تغيّرت، إذ رأى فيه إنذاراً بأن السويد "لا تريد فقط الحد من وصول لاجئين جدد، بل أيضاً تسعى لتخفيف أعداد اللاجئين الحاصلين بالفعل على إقامات لديها".

والعودة الطوعية ليست برنامجاً مستحدثاً، إذ تطبقها السويد منذ سنة 1984، وتُمنح للحاصلين على تصاريح إقامة لأسباب الحماية. وتمنح كذلك للاجئين المنقولين إلى السويد بقرار حكومي وبعض أفراد أسرهم، شريطة ألا يكونوا قادرين على تحمل تكاليف السفر بأنفسهم، وأن يثبتوا إمكانية استقبالهم في الدولة التي ينوون الاستقرار فيها. وحتى نهاية سنة 2025، كانت المنحة تبلغ عشرة آلاف كرون سويدي لكل بالغ، أي ما يعادل ألفاً وخمسين دولار أمريكي، وخمسة آلاف كرون لكل طفل دون الثامنة عشرة، بحدٍّ أقصى يبلغ أربعين ألف كرون للأسرة الواحدة، إضافة إلى "تغطية تكاليف السفر المعقولة". واعتباراً من الأول من يناير 2026، دخل مرسوم جديد حيز التنفيذ رفع قيمة المنحة إلى 350 ألف كرون للبالغ، أي ما يعادل قرابة 36 ألف دولار أمريكي، وخمسة وعشرين ألف كرون لكل طفل، مع حد أعلى يبلغ خمسمئة ألف كرون للزوجين وستمئة ألف كرون للأسرة. وأُبقي على البرنامج نفسه مع إضافة تدابير وآليات رقابية تهدف إلى الحد من الاحتيال ومنع إساءة استخدام المنحة.

وتُظهر إحصاءات مصلحة الهجرة السويدية المنشورة في منتصف يونيو 2026، أنّ 608 أشخاص تقدموا بطلبات للاستفادة من بدل العودة الطوعية منذ رفع قيمته مطلع العام. ووافقت المصلحة على 121 طلباً حتى الأول من يونيو من السنة نفسها. وكان السوريون الأكثر تقديماً للطلبات بعدد 354 طلباً، أي أكثر من نصف العدد الإجمالي، في مؤشر على أنّ البرنامج أصبح جزءاً من الحسابات التي يناقشها بعض اللاجئين السوريين بشأن مستقبلهم في السويد. وقد لا يبدو تصدّر السوريين لقائمة المتقدمين مستغرباً، بالنظر إلى أنهم يشكلون واحدة من أكبر الجاليات الأجنبية في السويد. إذ بلغ عددهم حتى سبتمبر 2024، قرابة سبعة وثمانين ألف لاجئ، بحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ما جعلهم يحتلون المرتبة الأولى بين مجموعات اللاجئين في البلاد.

لم يكن خيار العودة الطوعية مطروحاً لعمار ووضعه. فالبرنامج لا يشمله لأنه لا يحمل إقامة، وهو شرط أساس للاستفادة منه. وحتى إذا انتهى به الأمر قضائياً إلى المغادرة، فلن يحصل على التعويض الذي تقدمه الحكومة للعائدين طوعاً. يقول: "سأكون قد خسرت [ما كلفتني إياه] رحلة الوصول إلى السويد، وعامين ونصف من حياتي وكل ما بذلته في تعلم اللغة، من دون أن أحصل على شيء". يضيف "يبدو أنّ لا أمل في البقاء هنا".

وتقدّم الحكومة السويدية البرنامجَ فرصةً اختيارية للراغبين في العودة وبدء حياة جديدة في بلدانهم. ويرى بعض منتقدي سياسات الهجرة أن البرنامج يحمل أيضاً أبعاداً سياسية، في ظلّ تصاعد حضور ملف الهجرة في الخطاب الانتخابي. وفي حسابات كثير من المهاجرين، تحوّل إلى سؤال يومي أكثر تعقيداً، هل يواصلون الانتظار داخل نظام تزداد شروطه صعوبة، ومستقبل غير مضمون، أم يقبلون المال ويغادرون.

أصبح هذا السؤال عند البعض قراراً يتطلب مواجهة ما بنوه وما تركوه خلفهم. إيهاب، سوري عمره ثلاثٌ وثلاثون سنة، وصل إلى السويد لاجئاً سنة 2023، ويخطط -مثل كثيرين- لبناء طريقه نحو الإقامة الدائمة ثم الجنسية. تعلّم اللغة السويدية وأكمل تدريباً للعمل فني كهرباء، وكان يستعدّ لبدء حياته المهنية بعد حصوله على الإقامة. لكن مع إطالة الطريق إلى الجنسية، بدأ يعيد التفكير في مستقبله. وعند الإعلان عن رفع قيمة بدل "العودة الطوعية"، تقدّم بطلب للاستفادة من البرنامج في فبراير 2026، وانتظر نحو خمسة أشهر قبل أن تصله الموافقة في الأسبوع الأول من أغسطس. وهي فترة يقول في حديثه للفراتس إنه عاش فيها قلقاً من رفض الطلب، لأن ذلك كان يعني لاحقاً عدم تجديد إقامته وترحيله، وبالتالي العودة إلى نقطة الصفر، وفق تعبيره.

ويوضح إيهاب أن قرار العودة لم يكن مدفوعاً بالمبلغ المالي وحده، بل بشعوره بأن الطريق الذي جاء من أجله لم يعد كما كان. يضيف: "حققت الشروط وكنت أستعد لبدء حياتي هنا، لكن القوانين تغيّرت، وأصبح الطريق إلى استقرار طويل الأمد أكثر تعقيداً". كذلك، فإنّ سقوط نظام بشار الأسد نهاية 2024 جعله ينظر إلى العودة خياراً ممكناً بعدما كان مستبعداً. ويأمل إيهاب أن يساعده مبلغ برنامج "العودة الطوعية" على بدء حياة جديدة في سوريا. لكن ما ينتظره هناك لا يختصره المال وحده، إذ يقول إنّ أكثر ما يفكر فيه هو لقاء والديه، ولاسيما والده المريض.

وبين عمار الذي لا ينطبق عليه برنامج "العودة الطوعية" كون إقامته مؤقتة لا دائمة، وإيهاب الذي اختار هذه العودة مع حصوله على الإقامة الدائمة، يجد مهاجرون آخرون أنفسهم أمام حسابات مختلفة بين البقاء أو الرحيل.


خلف تجربة عمار وإيهاب، تظهر قصص أخرى لمهاجرين عرب حاولوا بناء حياة مستقرة في السويد، لكنهم اصطدموا بهواجس مختلفة عن الأسرة والعمل وإمكانية البقاء. من بين هؤلاء صالح، السوري ذو الست والثلاثين سنة، الذي وصل إلى السويد في مايو 2023. منذ البداية اختار صالح، مثل كثيرين غيره، أن يسلك مساراً اعتقد أنه يقوده إلى الاندماج. إذ تعلّم اللغة ودرس المجتمع السويدي، ثم اتجه إلى مجال قيادة الشاحنات الثقيلة ممضياً أشهراً في التدريب حتى حصل على الرخصة وعقد عمل دائم. على الورق، يبدو صالح قريباً من النموذج الذي تشجعه السياسات الجديدة، لكنه مع ذلك لا يشعر بالاستقرار، ولا يزال متردداً في اتخاذ خطوة لمّ شمل أسرته. يقول للفراتس: "أخاف على أسرتي. لا أريد أن تأتي إلى بيئة أشعر فيها أن وضعي القانوني غير مستقر، وأنني قد أغادر السويد. أفضّل أن أحمل همّ نفسي وحدي بدل أن أحمل هم عائلتي معي". ويرى صالح أنّ الاستحقاقات السياسية المتتالية قد تحمل مفاجآت جديدة تؤثر على مستقبل المهاجرين، ولذلك يفضّل التريث حالياً في اتخاذ أي قرارات مصيرية.

أما صادق، اليمني ذو السبع والأربعين سنة، فوصل إلى السويد في سبتمبر 2022 بعد رحلة كلفته أكثر من عشرة آلاف دولار. كان يعتقد أنّ أصعب مراحل الطريق انتهت بمجرد وصوله. فبدأ مباشرة في بناء ما يحتاجه لجمع شمل أسرته، فأنهى دراسة اللغة وانتقل إلى شقة أكبر وفق شروط مصلحة الهجرة، ثمّ بحث عن عمل حتى حصل على وظيفة في قطاع الخدمات براتب شهري يبلغ ثمانية وعشرين ألف كرون سويدي، أي ما يعادل نحو ألفين وتسعمئة دولار أمريكي. يقول صادق للفراتس: "حصلت على الحماية المؤقتة وبدأت فوراً أحضّر للمّ الشمل بعد إنهاء الشروط الأخرى". لكن طلبه رُفض مرتين، الأولى بسبب عدم كفاية الدخل، والثانية لأن الوظيفة اعتُبرت غير مستقرة. أصبحت المفارقة صعبة على صادق، فالعمل الذي احتاج إليه ليبني حياته ويعيل نفسه، حدّ من قدرته على استيفاء شروط أخرى كان يحتاجها لجمع أسرته. يقول: "الوظائف التي تدفع أكثر تحتاج لغة أقوى، وأنا لم أحصل على فرصة كافية لدراستها لأنني كنت مضطراً للعمل لتغطية الإيجار ولأنني أريد عائلتي معي. ما زلت أمشي في طريق لا أعرف نهايته، وهذا الأمر مرهق نفسياً". بعد ثلاث سنوات في السويد، لم يعد صادق ينظر إلى المستقبل بالطريقة نفسها التي شغلته عند الوصول. وأصبح خيار العودة الطوعية حاضراً في حساباته، مع أنه لا يرى أنّ المبلغ الذي تقدمه الحكومة يمكن أن يعوّض سنوات الطريق التي قطعها أو الحياة التي حاول بناءها.

تبدو قصص عمار وإيهاب وصالح وصادق مختلفة في ظاهرها. فلكلّ منهم حساباته الخاصة بين البقاء والعودة وتأجيل الخطط، لكن تجاربهم تكشف جانباً أوسع من التحول الذي تشهده الهجرة في السويد. إذ لم يعد الوصول إلى البلاد يعني بالضرورة نهاية الرحلة كما تخيّلوها.

وهذا التحوّل لا يقتصر على السويد وحدها، وفق المحامي محمد النزيان. فمنذ أزمة اللجوء التي واجهت القارة الأوروبية سنة 2015، اتجهت دول أوروبية عدة إلى تشديد شروط الإقامة والجنسية، وتقييد لمّ الشمل، وتوسيع برامج العودة. وفي هذا السياق، يرى كثير من اللاجئين أن ما يواجهونه يندرج ضمن اتجاه أوروبي أوسع في إدارة الهجرة لاسيما مع دخول ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي الجديد حيّز التنفيذ في يونيو 2026.

وتقول الحكومة السويدية إن سياساتها تهدف إلى تعزيز الاندماج وتشجيع من لا تنطبق عليهم الشروط على العودة الطوعية. وبحسب إحصاءات الحكومة، فإن قرابة مئة ألف شخص يعيشون حالياً فيما يُسمى "مجتمع الظل"، وهم من لا يحملون حقاً قانونياً في الإقامة، وتعده الحكومةُ تحدياً أمنياً واجتماعياً. وفي إطار تشديد سياسة الهجرة، قدّمت الحكومةُ في أبريل 2026 مشروعَ قانون يتضمن إجراءات لتسريع إعادة من رُفضت طلباتهم، وتوسيع صلاحيات الشرطة في التحقق من أوضاع الإقامة والهوية، وتعزيز تبادل المعلومات بين عدد من الجهات الحكومية. وقال وزير الهجرة يوهان فورسيل إن هذه الإجراءات تهدف إلى ترسيخ "سياسة هجرة منظمة" يكون فيها قرار القبول نهائياً، كما يكون قرار الرفض نهائياً أيضاً.

وبينما يواصل عمار الانتظار متوجساً من الوصول إلى لحظة يصبح فيها الرحيل واقعاً، يلوح استمرار حالة عدم اليقين وتضييق فرص الاستقرار أمام كثير من المهاجرين، ما قد يجعل حافزهم وقدرتهم على الاندماج أصعب.

ويرى محمد المحفلي، الباحث في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة لوند في السويد، في حديث مع الفراتس، أنّ "طول فترات انتظار قرارات الإقامة يستنزف الطاقة النفسية للكثير من طالبي اللجوء" ويؤثر في قدرتهم على بناء حياة مستقرة. فينشغل الشخص بدلاً من أن يركز على تعلّم اللغة أو تطوير مهاراته والبحث عن عمل، يجد نفسه بانتظار القرار والخوف من المستقبل، وهو ما يؤثر على الاندماج نفسه. ويتابع المحفلي أن هذا الشعور لا يقتصر على من ينتظرون قرارات الإقامة، بل يمتد عند بعض المهاجرين إلى إحساس أوسع بعدم استقرار المستقبل، حتى بعد سنوات من وجودهم في السويد. وبرأيه، فإن السياسات والخطاب المحيط بالهجرة يدفعان بعض المهاجرين إلى إعادة التفكير في البقاء، ليس لأسباب اقتصادية، بل بسبب تراجع شعورهم بالأمان والانتماء.


في صباح الغد، سيستيقظ عمّار مثلما يفعل كل يوم. سيفتح بريده الإلكتروني، ويتأكد من صندوق البريد قبل أن يغادر إلى صف اللغة السويدية. لن يعرف إن كانت الرسالة التي ينتظرها ستصل اليوم، أم بعد أسابيع. هل ستحمل ما يأمله، أم تهدم أحلامه كلها بكلمة الرفض الأخيرة، لكن شيئاً واحداً تغيّر منذ أن وصل إلى السويد. لم يعد يقيس الطريق بعدد الكلمات التي تعلّمها، ولا بعدد الطلبات التي قدّمها، ولا بالعمل الذي وجد فرصة له، بل بعدد الأيام التي يمضيها منتظراً قراراً سيحدد إن كانت الحياة التي بدأ يبنيها ستصبح مستقبله، أم مجرد محطة عابرة في رحلة أطول لا يعرف عن طريقها شيئاً.

وفي أماكن أخرى من السويد، ينتظر مهاجرون آخرون قرارات مختلفة. بعضهم يترقب حكماً، وبعضهم يستعد للعودة، وآخرون يؤجلون خططهم العائلية أو المهنية إلى موعد لا يعرفونه. وبينما تقول الحكومة إن تشديد القواعد ضروري لتنظيم الهجرة وتعزيز الاندماج، يجد كثير من المهاجرين أنفسهم أمام مستقبل غير واضح، في انتظار قرارات تحدد ما إذا كانت الخطوات التي اتخذوها في سنوات وجودهم في السويد ستقود إلى الاستقرار، أم إلى مسار آخر.

اشترك في نشرتنا البريدية