طالبان تعيد رسم توازنات الجوار الإقليمي عبر "المياه"

تعيد مشاريع حركة طالبان المائية رسم معادلات الأمن المائي في آسيا الوسطى وجنوب آسيا، وسط تداخل الضرورات التنموية والتنافس بين دول الإقليم.

Share
طالبان تعيد رسم توازنات الجوار الإقليمي عبر "المياه"
المياه قد تتحوّل إلى أداة لتعزيز الحضور الإقليمي | تصميم خاص بالفراتس

أثناء قضاء خدمتي العسكرية في خريف سنة 2021 قرأت عن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وسيطرة حركة طالبان على الحكم. كانت مشاهد الفوضى في مطار حامد كرزاي الدولي لأشخاصٍ يتشبثون بالطائرات العسكرية المغادرة حاضرة في الأذهان. رسمت تلك اللقطات القاسية في مخيلتي تصوراً محدداً لطبيعة التأثيرات المحتملة لعودة الحركة إلى الحكم، تمحورت حول تدهور أوضاع حقوق المرأة وتنامي الهجرة والنزوح وانتشار تجارة المخدرات ومخاوف صعود الجماعات المتطرفة. بدا لي حينها أن تفاعلات أفغانستان مع العالم وجوارها الإقليمي ستبقى محصورة ضمن هذه الملفات.

مع مرور الوقت واستمرار متابعتي للشأن الأفغاني، ظهرت أبعاد أخرى للمشهد. فقد تكررت التقارير الإخبارية التي تناولت تصاعد التوترات الحدودية بين أفغانستان وإيران، وصل بعضها إلى حدّ تبادل إطلاق النار بين مقاتلي حركة طالبان وحرس الحدود الإيراني. هذه التوترات لم ترتبط بخلافات سياسية أو أمنية، إنما بقضية أعقد تتعلق بتقاسم مياه نهر هلمند بين البلدين.

فتحت هذه التطورات نافذة لرؤية ملف ظلّ بعيداً نسبياً عن دائرة الاهتمام الإعلامي مقارنة بالقضايا الأمنية والسياسية، وهو ملف الأنهار التي تنبع من المرتفعات الأفغانية وتتدفق نحو دول الجوار. إذ لا تقتصر آثار عودة طالبان إلى السلطة على إعادة تشكيل المشهد السياسي الداخلي، بل تمتد إلى إعادة التفاوض على المياه العابرة للحدود في منطقة تواجه تحديات الإجهاد المائي وتكرار موجات الجفاف.

اتجهت السلطات الأفغانية الجديدة منذ وصولها إلى الحكم إلى توسيع استثمار مواردها المائية عبر استكمال مشاريع السدود والقنوات التي تعثّرت أو تأجل تنفيذها لسنوات طويلة، وبناء أخرى جديدة. يهدف ذلك أساساً لدعم قطاعات حيوية لاسيما الزراعة والطاقة، وتعزيز الاعتماد على الموارد الذاتية في ظل الأزمة الاقتصادية والعزلة الدولية. غير أنّ هذه المشاريع لم تعد تُفهم أدوات تنموية محضة، إذ باتت تُطرح ضمن سياق أوسع يتصل بتأثيراتها على دول الجوار التي تعتمد بدرجات متفاوتة على التدفقات المائية القادمة من الأراضي الأفغانية. ويكشف هذا التحول عن تداخل معقد بين اعتبارات التنمية الداخلية والجغرافيا السياسية. إذ يمكن قراءة التوسع في البنية التحتية المائية مدخلاً لإعادة تموضع أفغانستان دولة منبع أكثر تأثيراً، بما يفرض على دول الجوار الانخراط في ترتيبات تفاوضية وفنية مع السلطة القائمة في كابول والتي تبحث عن فك عزلتها.


تستمد أفغانستان أهميتها المائية من موقعها دولة منبع لعدد من الأنهار الرئيسة. تغذي هذه الأنهار ست دول مجاورة، بما يمنح أفغانستان موقعاً مؤثراً في إدارة التدفقات المائية الإقليمية. وتشكّل هذه الجغرافيا المائية أحد أهم محددات الأمن المائي في آسيا الوسطى وجنوب آسيا، إذ ترتبط بها قطاعات الزراعة والطاقة وسبل العيش لملايين السكان داخل أفغانستان وفي دول المصب المحيطة بها. ولفهم تأثير المشاريع المائية التي تنفذها طالبان، لا بدّ من التوقّف عند الأحواض النهرية الرئيسة التي تشكّل أساس هذه التفاعلات.

تشترك أفغانستان في أحواض مائية عابرة للحدود مع إيران غرباً، وباكستان شرقاً وجنوباً، وأوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان شمالاً، إضافة إلى الصين. ويؤدي هذا التداخل الجغرافي إلى ترابط وثيق بين سياسات التنمية المائية داخل أفغانستان ومعادلات الأمن المائي في محيطها الإقليمي.

يأتي نهر هلمند، المعروف في إيران باسم هيرماند، في مقدمة هذه الأحواض المائية. إذ يشكل أكبر حوض نهري داخلي مغلق في جنوب أفغانستان، ويغطي مساحة تقارب أربعمئة ألف كيلومتر مربع، أي نحو 40 بالمئة من مساحة البلاد. ويتوزع الحوض جغرافياً بنسبة 89 بالمئة داخل الأراضي الأفغانية، مقابل 9 بالمئة في إيران و2 بالمئة في باكستان. ينبع النهر من جبال هندكوش في وسط أفغانستان، ويجري لمسافة تقارب ألف وثلاثمئة كيلومتر باتجاه الغرب والجنوب الغربي قبل أن يصل إلى الحدود الإيرانية، حيث يتفرع إلى عدة مجارٍ تنتهي في منظومة بحيرات هامون في إقليم سيستان وبلوشستان الإيراني. ويُعدّ النهر أبرز مظاهر الترابط المائي بين أفغانستان وإيران، إذ يعتمد عليه سكان المناطق الحدودية في البلدين في عدد من الاستخدامات الاقتصادية والبيئية. 

خريطة توضح مجري نهر هلمند بين أفغانستان وإيران | تصميم خاص بالفراتس

يمثّل نهر هلمند شريان حياة حيوياً لكل من أفغانستان وإيران، وإن اختلفت طبيعة الاعتماد عليه بين البلدين. فبحسب دراسة لمحمد رحيم خاكسار بعنوان "هلمند ريفر" (نهر هلمند) منشورة سنة 2020، يمثّل النهر أحد أهم موارد الري الزراعي في أفغانستان ويساهم في استصلاح الأراضي الزراعية ورفع إنتاجيتها. ويوفّر إمكانية توليد مئتين وسبعين ميغاواط بالطاقة الكهرومائية. وأقيمت على مجراه سدود أهمها سد كجكي الذي يدعم احتياجات قطاعات الصناعة والطاقة في عدد من الولايات الأفغانية، بما في ذلك هلمند وقندهار وغراشك وبوست.

ويعد النهر المصدر المائي الأهم لمحافظة سيستان وبلوشستان شرقي إيران. حيث تعتمد عليه قطاعات الشرب والزراعة والأنشطة الاقتصادية المختلفة، وفقاً لدراسة مشال شهنواز وسيد فراز حسين نقوي بعنوان "ووتر سكيوريتي: ذا إمبورتانس أوف هلمند ريفر [. . .]" (الأمن المائي: أهمية نهر هلمند في التخفيف من ندرة المياه في إيران) المنشورة سنة 2024. وتعكس هذه المعطيات أهمية استدامة تدفقات النهر وتقاسم مياهه بشكل عادل بين البلدين، ومركزيه في الأمن المائي الإقليمي.

أما على الحدود الشمالية لأفغانستان، فيبرز نهر آمو داريا، المعروف تاريخياً باسم جيحون، أهم الأنهار التي تربط البلاد بدول آسيا الوسطى. ينبع النهر من منطقة التقاء مرتفعات بامير وهندوكوش، حيث تتجمع روافده الجبلية الأولى قبل أن يتجه شمالاً وغرباً نحو سهول آسيا الوسطى وصولاً إلى حوض بحر آرال. ويُعد آمو داريا أكبر الأنهار في آسيا الوسطى، إذ يمتد حوضه على مساحة تتراوح بين خمسمئة وعشرون ألف وستمئة وخمسون ألف كيلومتر مربع، فيما يبلغ طول مجراه نحو 2550 كيلومتراً. وهو أحد أهم الموارد المائية المشتركة بين أفغانستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان، بمتوسط تدفقات سنوية يتراوح بين سبعة وأربعين ومئة وتسعة مليارات متر مكعب، بحسب تقرير صدر سنة 2023 عن مركز "سي دبليو أر" البيئي البحثي بعنوان "نو ريفر، نو باور.." (لا نهر، لا طاقة..).  

خريطة توضح مجري نهر آمو داريا بين أفغانستان ودول جوارها من أسيا الوسطى | تصميم خاص بالفراتس

 والنهر مورد مهم لأفغانستان. تسعى البلاد لاستغلال مياهه في مشاريع الري وتوليد الطاقة الكهرومائية لدعم النمو الاقتصادي، وفقاً  لدراسة "إنفيرومنت أند سكيوريتي [. . .]" (البيئة والأمن في حوض نهر آمو داريا) لمحمد أكمرادوف وآخرين، المنشورة سنة 2011.

طوّرت دول آسيا الوسطى، ولاسيما أوزبكستان وتركمانستان، أنظمة ري واسعة النطاق تعتمد على مياه النهر منذ عقود. ما جعل استدامة تدفقه أمراً حيوياً لقطاعاتها الزراعية واستقرارها الاقتصادي. 

وإلى جانب أهميته الاقتصادية، يتمتع النهر بأهمية بيئية، إذ يدعم ويغذّي نظاماً بيئياً غنياً ومتنوعاً من الكائنات الحية، على امتداد مجراه ومصبّه التاريخي في بحر آرال، الذي تدهور بسبب الاستخدام المفرط لموارده المائية. وعليه، فإنّ إدارة نهر آمو داريا وتقاسمها بشكل مستدام تمثلان تحدياً وفرصةً للتعاون الإقليمي، بما يعزز التنمية المستدامة والازدهار المشترك لجميع الأطراف المعنية، بحسب دراسة لشخروخ ميرزا جليلوف وآخرين بعنوان "ريديوسينغ كونفليكت إن دفلوبمنت [. . .]" (الحد من النزاعات في تنمية وتخصيص الأنهار العابرة للحدود [. . .]) نُشرت سنة 2013.

في الشرق حوض لا يقل أهمية في معادلة الأمن المائي الإقليمي، وهو حوض نهر كابول. يقع النهر بين أفغانستان وباكستان، ويشغل البلدان موقع المجرى العلوي والسفلي في أجزاء مختلفة منه. إذ ينبع من المرتفعات الجبلية في شرق أفغانستان ضمن نطاق جبال هندوكوش، ويتجه شرقاً ليعبر الحدود باتجاه باكستان. ويعدّ نهر كونار، الذي ينبع من الحقول الجليدية في منطقة تشيترال الباكستانية قبل أن يلتقي بنهر كابول قرب جلال آباد في شرق أفغانستان، أكبر روافد نهر كابول. ويبلغ متوسط تدفق نهر كونار السنوي نحو عشرة كيلومترات مكعبة، بينما يحمل النهران بعد التقائهما نحو خمسة وخمسين كيلومتراً مكعباً من المياه سنوياً، يُستخدم ما يقارب نصفها في الزراعة داخل أفغانستان. إذ تروي مياه النهر وروافده مساحة تقدر بنحو إثنين وسبعين ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل 11 بالمئة من أراضي أفغانستان. ونهر كابول هو النظام النهري الأفغاني الوحيد الذي له منفذ إلى البحر، إذ يلتقي بنهر السند في مدينة أتوك الباكستانية، ليشكل جزءاً من حوض السند العلوي.

وتتجاوز أهمية حوض نهر كابول موقعه الجغرافي العابر للحدود. إذ يشكّل مورداً حيوياً لنحو تسعة ملايين نسمة، بما يعادل قرابة 37 بالمئة من إجمالي سكان أفغانستان، وفق دراسة "كابول ريفر آند باك-أفغان ريليشنز" (نهر كابول والعلاقات الباكستانية الأفغانية) لسليمان يوسف المنشورة سنة 2017. وتصل إنتاجية النهر من الكهرومائية إلى نحو ثلاثة آلاف ومئة ميغاواط من أصل نحو ثلاثة وعشرين ألف ميغاوات تمثّل الإمكانات الكهرومائية المقدرة للأنهار الأفغانية.

خريطة توضح مجري نهر كابل بين أفغانستان وباكستان | تصميم خاص بالفراتس

وعلى الجانب الباكستاني، يُعد نهر كابول مورداً مائياً أساسياً لإقليم خيبر بختونخوا، حيث يُستخدم على نطاق واسع في ري الأراضي الزراعية في مناطق بيشاور وشارسادا ونوشيرا. ما يجعله عنصراً محورياً في الاقتصاد الزراعي المحلي وتأمين احتياجات المياه. ومع وجود باكستان أساساً في اتجاه المصب واعتمادها على التدفقات القادمة من أفغانستان، فإنها تستحوذ على النصيب الأكبر من استخدام مياه حوض نهر السند، الذي يشمل نهر كابول. ففي حين تستخدم أفغانستان حوالي 1 بالمئة فقط من المياه المسحوبة في حوض نهر السند، تصل نسبة استخدام باكستان إلى نحو 63 بالمئة، وفق دراسة لبشارات أحمد سعيد وآخرين بعنوان "ترانسباونداري بيسين مانيجمنت [. . .]" (إدارة الأحواض العابرة للحدود [. . .]) نُشرت سنة 2016. وتخصص هذه الكميات لري ما يقارب تسعة عشر مليون هكتار من الأراضي مقابل أربعمئة وأربعين ألف هكتار في أفغانستان، وفق الدراسة نفسها. ويعكس هذا التفاوت أهمية النهر للاقتصاد الزراعي الباكستاني، ويفسر حساسية أي مشاريع أفغانية جديدة على مجراه بالنسبة لإسلام آباد.

يزيد حساسية الحوض السياسية والقانونية عدم وجود اتفاقية ثنائية ملزمة تنظم تقاسم المياه بين أفغانستان وباكستان. باستثناء نهر هلمند الذي تحكمه معاهدة موقعة سنة 1973 بين أفغانستان وإيران. وأدى غياب إطار قانوني إلى اعتماد إدارة مياه النهر بدرجة كبيرة على التفاهمات السياسية والاتصالات غير الرسمية. وهو ما يزيد من احتمالات تصاعد التوتر مع أي توسع أفغاني في مشاريع السدود أو تحويل مجرى المياه، ويربط ملف النهر بموازين القوى السياسية أكثر من الآليات القانونية المستقرة، وفقاً لما تشير إليه بيندو بانيكار وآخرون في دراسة "حوكمة المياه العابرة للحدود في حوض نهر كابل".

ومع وصف أفغانستان عادة بالدولة الحبيسة بسبب افتقارها إلى منفذ بحري، لا يعكس هذا الوصف كامل وزنها الجيوسياسي. إذ تحتل موقعاً متميزاً لأنها دولة منبع لعدد من أهم الأنهار في وسط وجنوب آسيا. غير أنّ هذا الموقع لم يستثمر بالطريقة المثلى طوال عقود بسبب الحروب وضعف الدولة. ثم حوّل تسارع مشاريع السدود والقنوات بعد 2021 هذه الأفضلية الجغرافية إلى عنصر فعلي في إعادة تشكيل علاقات أفغانستان الإقليمية. ومع هذا التحول، اتخذ ملف المياه بعداً سياسياً وإقليمياً أوضح.


مع عودة حركة طالبان إلى السلطة، أصبح الفراغ القانوني والاضطراب المؤسسي المحيط بأحواض المياه في أفغانستان جزءاً من ملفٍ سياسي أكثر منه مجرّد قضية فنية مؤجلة، ليتحوّل تدريجياً إلى أحد عناصر السياسة المائية الجديدة. فبعد استلامها الحكم، دخلت الحركة مرحلة إعادة تموضع تدريجية في مقاربتها للبنية التحتية المائية. ومع مرور الوقت، تحولت مشاريع السدود والري من بنى تحتية مرتبطة بالدولة السابقة إلى أدوات مرتبطة بالسيادة والأمن الغذائي، في سياق السعي لتعزيز الشرعية الداخلية ومواجهة العزلة الدولية وتداعيات الإجهاد المناخي.

ترتبط إدارة المياه العابرة للحدود بعلاقات القوة والمصالح السياسية والاقتصادية والأمنية بين الدول المتشاطئة. فوفقاً لدراسة بعنوان "هيدروهيجيموني: إي فرايموورك فور أناليسيز [. . .]" (الهيمنة المائية: إطار لتحليل النزاعات المائية العابرة للحدود) للباحثين أم زيتون وجيرون ووارنر، منشورة سنة 2006، تتشكل سياسات تطوير الموارد المائية ضمن سياق أوسع من المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية للدولة المهيمنة مائياً. 

تعكس هذه التحوّلات إعادة صياغةٍ لدور الدولة في تصور حركة طالبان. فخلال سنوات التمرد بين سنتي 2001 و2021، ارتبطت منشآت الري والسدود في الممارسات الميدانية للحركة بالدولة المدعومة غربياً. بل عُدّ بعضها أهدافاً عسكرية استُهدفت في إطار تعطيل نفوذ الحكومة المركزية وإضعاف قدرتها على بسط سيادتها في الأقاليم. غير أنّ استعادة الحركة للسلطة فرضت عليها الانتقال من منطق تقويض البنية التحتية إلى منطق إدارتها وتوسيعها، لتتحول السدود والقنوات وشبكات الري من رموز للدولة التي نازعتها، إلى أدوات لبناء شرعية الحكم الجديد.

تراهن طالبان على الموارد المائية أصولاً يمكن من خلالها تحقيق جملة من الأهداف المتداخلة. فهي وسيلة لتعزيز الأمن الغذائي عبر توسيع الرقعة الزراعية. وأداة لزيادة إنتاج الطاقة الكهرومائية. ومدخلٌ لتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية في ظلّ استمرار العقوبات والعزلة الدولية. 

وتعكس تصريحات مسؤولي طالبان هذا التصوّر. فقد أكد وزير الطاقة والمياه الملا عبد اللطيف منصور، في مقابلة مع موقع قناة "الجزيرة" في أغسطس 2025، أن الحكومة شرعت في بناء السدود من ميزانيتها الوطنية، وأنجزت أكثر من أربعمئة سد صغير، إلى جانب استكمال أربعة سدود كبيرة. وأضاف أنّ لدى أفغانستان "خطة لإدارة مواردها المائية تدريجياً"، وأن الحكومة "لن تتنازل عن حقوقها المائية"، لأن هذه الموارد "حق للأفغان ويجب أن تُستثمر لمصلحة الشعب". 

وتشير هذه التصريحات إلى أنّ الخطاب الرسمي للحركة يصوِّر مشاريع المياه ركناً من مشروع التنمية والسيادة الوطنية. لكن تنفيذ هذه المشاريع في أحواض عابرة للحدود يمنحها أيضاً بعداً سياسياً في الإقليم، إذ يفرض على دول الجوار التفاعل مع وقائع مائية جديدة، بغض النظر عن مستوى الاعتراف السياسي بحكومة طالبان.

وتتجلى انعكاسات هذه المقاربة بصورة متفاوتة في الأحواض النهرية الثلاثة الرئيسة التي تتقاسمها أفغانستان مع جيرانها، وتكشف كل حالة عن مزيج مختلف من الاعتبارات التنموية والتداعيات السياسية. 


حوض نهر هلمند هو النموذج الأبرز لتداخل البعد التنموي مع الاعتبارات السياسية الإقليمية في السياسة المائية الأفغانية بعد سنة 2021. إذ شكّل الانسحاب الأمريكي من أفغانستان نقطة انعطاف أعادت إنتاج التوترات التاريخية بين أفغانستان وإيران حول تقاسم المياه. وقد دأبت إيران منذ عقود على اتهام الحكومات الأفغانية المتعاقبة، بما فيها فترة حكم طالبان السابقة بين 1996 و2001، بعدم الالتزام بمعاهدة سنة 1973، التي تنصّ على حق إيران في الحصول على ثمانمئة وعشرين مليون متر مكعب من المياه سنوياً في الظروف الطبيعية، مع آليات تعديل مرتبطة بمعدلات التدفق في السنوات الجافة. ما يجعل تطبيقها حساساً أمام التغيرات المناخية وتطوير البنية التحتية المائية في أفغانستان. 

واجهت الاتفاقية عقبات متلاحقة نتيجة التطورات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة. من بينها انقلاب سنة 1973 في أفغانستان، وما أعقبه من اضطرابات داخلية، ثم الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979، والغزو السوفيتي لأفغانستان، وصولاً إلى صعود حركة طالبان. وأسهمت هذه التطورات مجتمعة في تعطيل التطبيق الكامل للاتفاقية، وأبقت الخلافات حول بنودها قائمة، وفقاً لما تناولته داملا كوجاتيب في دراستها "ذا هيلماند ريفر ووتر ديسبوت [. . .]" (نزاع مياه نهر هلمند بين إيران وأفغانستان) المنشورة سنة 2025. كذلك، فإنّ تحليل هذه المعاهدة يُظهر أنها تعاني من "هشاشة مؤسسية"، لأنها لا تمتلك آلية تنفيذ قسرية أو هيئة تحكيم دائمة، وفق دراسة لمحسن نقيبي صادرة سنة 2023 بعنوان "ذا وورست أور ذا بيست تريتي [. . .]" (أسوأ معاهدة أو أفضلها [. . .]).

وفاقمت عودة طالبان إلى السلطة المخاوف الإيرانية من المشاريع المائية الجديدة والتي تنظر إليها أدوات لإعادة توزيع القوة المائية وليس مجرد بنى تحتية تنموية. وعلى رأس هذه المشاريع سد "كمال خان" جنوب شرق مدينة زرنج قرب الحدود الإيرانية، والذي افتُتح في مارس 2021. ويُنظر إلى هذا السد في طهران تهديداً لإمدادات المياه الضرورية لمنطقتها الشرقية القاحلة، خصوصاً خلال فترات الجفاف المتزايد، وفقاً لما يقوله محسن نقيبي وجيرون وارنر في دراستهما "ذا ون هاندرد فيفتي يير إيتش [. . .]" (نزاع ممتد منذ 150 عاماً: الهيدروسياسة بين أفغانستان وإيران [. . .]) المنشورة سنة 2022. 

وفي السياق ذاته، أثار تشغيل المرحلة الثانية من سد كجكي في مقاطعة هلمند في يوليو 2022، مزيداً من التوتر، بحسب دراسة لغرانت فار بعنوان "إيران أند أفغانستان: غـروينغ تينشنز [. . .]" (إيران وأفغانستان: توترات متزايدة [. . .]) منشورة سنة 2022. إذ يُعتبَر السد جزءاً من إعادة تشكيل منظومة التدفق في نهر هلمند وليس مجرد مشروع منفرد.

انعكس تراكم المشاريع الأفغانية على الداخل الإيراني مباشرةً، خاصةً في محافظة سيستان وبلوشستان. حيث أدى انخفاض التدفق بين 2022 و2023 إلى تفاقم أزمة المياه التي وصلت إلى مستويات تهدد الأمن الحياتي والزراعي والبيئي. فقد نتج عن ذلك تدهور الأراضي الرطبة في هامون، وزيادة التصحر والعواصف الترابية، وتفاقم الأزمات الصحية والبيئية. وظهرت موجات احتجاج اجتماعي مرتبطة بسوء إدارة الموارد، وهو ما يشير إلى تحوّل المياه من قضية بيئية إلى قضية استقرار سياسي.

وتصاعدت هذه الأزمة لتتحوّل إلى توتر سياسي مباشر بين كابول وطهران. وانتقلت من مستوى التصريحات الدبلوماسية إلى تهديدات علنية، وإعلان كابول بناء سد جديد على أحد روافد نهر هلمند، وصولاً إلى اشتباكات حدودية في مايو 2023. ما يعكس انتقال ملف المياه من الدبلوماسية إلى ما يمكن تسميته "دبلوماسية الضغط الميداني".

لم يتوقف الطموح المائي الجديد لطالبان عند الجبهة الإيرانية. إذ برز حوض نهر آمو داريا بهة ثانية حساسة في السياسة المائية لطالبان، خاصة مع إطلاق مشروع قناة قوش تيبا سنة 2022، الذي أعاد طرح سؤال توزيع المياه في آسيا الوسطى على نحو جذري. لم تكن طالبان أول من فكر في هذا المشروع. بل يعود التخطيط الأولي لهذه القناة إلى سبعينيات القرن العشرين. ووفقاً لدراسة أندرو كوتشينز وآخرون بعنوان "أفغانستانز قوش تيبا كانال" (قناة قوش تيبا الأفغانية..) المنشورة سنة 2024، تُعد هذه القناة من أضخم المشاريع التنموية في أفغانستان. وتهدف إلى توسيع الرقعة الزراعية وتحسين الأمن الغذائي، لكنها في الوقت نفسه تخلق ضغطاً كبيراً على دول آسيا الوسطى.

وتكشف أبعاد المشروع حجم هذه المخاوف. فبحسب دراسة لإسكندر عبد الله ييف وشاهبوز أحمدوف بعنوان "قوش تيبا كانال كونستركشن [. . .]" (بناء قناة قوش تيبا [. . .]) المنشورة سنة 2024، يُتوقع أن تسحب القناة عند افتتاحها أكثر من عشرة مليارات متر مكعب من المياه سنوياً من آمو داريا. علاوة على ذلك، تشمل الخطط بناء ثلاثة خزانات لتخزين المياه وتوليد الطاقة الكهرومائية، من المتوقع أن تصل سعتها إلى تسع كيلومترات مكعبة. وتبدي دول آسيا الوسطى مثل أوزبكستان وتركمانستان وكازخستان مخاوفها من إسهام المشروع في خفض التدفقات المائية بنسبة قد تؤثر على الأمن الغذائي. وهو ما يضفي على القضية بعداً اقتصادياً وسياسياً متزايداً. 

قناة كوش تيبا الواقعة على نهر آمو داريان التي بدأ تنفبذها في عهد طالبان | تصميم خاص بالفراتس

ومع أن القناة تحمل وعوداً بتحسين الأوضاع الاقتصادية المحلية الأفغانية، فإنّ تداعياتها المحتملة على الدول المجاورة سلبية، خاصة أنّ نهر آمو داريا يمثل شريان حياة زراعياً واقتصادياً لدول آسيا الوسطى. إذ يروي مليونين وثلاثمئة ألف هكتار من الأراضي في أوزبكستان، ومليون وسبعمئة ألف  هكتار في تركمانستان، ويصرف حوالي خمسمئة ألف  هكتار في طاجيكستان، وفقاً لما أورده أميت رانجان في بحث بعنوان "ذا قوش تيبا كانال [. . .]" (قناة قوش تيبا: مصدر محتمل للتوتر الإقليمي) صدر سنة 2024. ووفق البحث، يُتوقع أن تواجه أوزبكستان وتركمانستان انخفاضاً قد يصل إلى 15 بالمئة في تدفق المياه من نهر آمو داريا إلى أراضيهما بمجرد اكتمال القناة. هذه النسبة ستضر بالقطاع الزراعي، صلب اقتصاد الدولتين.

يعقِّد غياب اتفاقيات ملزمة لتنظيم استخدام مياه النهر بين أفغانستان وجيرانها إدارة هذا المورد. إذ تعتمد الحوكمة المائية إلى حد كبير على التفاهمات السياسية غير المستقرة، ما يجعل أي مشروع بنيوي واسع محفزاً إضافياً للتوتر الإقليمي.

وتستند المطالب الأفغانية بتوسيع استخدام مياه آمو داريا إلى تفاوت مساهمة البلاد في تدفقات النهر وحصتها الفعلية من مياهه. فوفق بحث لعلي محاقي بعنوان "ووتر تنشز أندر ذا طالبان" (التوترات المائية في ظل حكم طالبان) نُشر في يناير 2025، تسهم أفغانستان بنحو 30 بالمئة من تدفقات النهر، مقابل 6 بالمئة لأوزبكستان و1 بالمئة لتركمانستان، لكنها لا تستخدم سوى نحو 2 بالمئة من إجمالي مياهه. في المقابل، تستحوذ أوزبكستان وتركمانستان على نحو 48.2 بالمئة و35.8 بالمئة على التوالي. 

في ضوء هذا التفاوت، تقدّم طالبان مشروعات مثل قناة قوش تيبا وسيلة لتوسيع استفادة أفغانستان من مورد مائي تسهم بقدر كبير في تغذيته من دون أن تحصل تاريخياً على حصة مماثلة من استخدامه. هذا المنظور الأفغاني يضيف تعقيدات أخرى إلى ملف تقاسم المياه، ويصعب إيجاد حلول توافقية.

وإذا كانت الاندفاعة المائية لطالبان شمالاً وغرباً قد وضعت إيران ودول آسيا الوسطى أمام واقع مائي جديد أعاد تشكيل معادلات الأمن المائي والزراعي في المنطقة، فإنّ الجبهة الشرقية لأفغانستان لم تكن بمعزل عن هذا التوجه. إذ امتدت طموحات الحركة التنموية إلى حوض نهر كابول المتجه إلى باكستان، لتعيد إلى الواجهة ملف تقاسم المياه بين البلدين، الذي ظلّ لسنوات يفتقر إلى إطار قانوني منظِّم. وجدت إسلام آباد نفسها أمام معادلة مائية أعقد تفرِض عليها، وعلى بقية دول الإقليم، إعادة تقييم حساباتها الدبلوماسية والأمنية في التعامل مع السلطة الجديدة في كابول. 

عودة طالبان إلى الحكم وضعت مخاوف تقاسم مياه نهر كابول في صدارة قضايا العلاقات الأفغانية الباكستانية، في ظل توجه كابول إلى توسيع استغلال مواردها المائية عبر بناء السدود والخزانات على طول النهر وروافده. وبحسب دراسة لرافيتشاندران مورثي وسومية بيبي بعنوان "ووتر سكيوريتي أند كروس بوردر [. . .]" (الأمن المائي وإدارة المياه العابرة للحدود في حوض نهر كابل) المنشورة سنة 2023، تبدي باكستان قلقاً متزايداً من أن تؤدي هذه المشاريع الأحادية الجانب إلى خفض تدفقات المياه الواصلة إليها. وهو ما يهدد أمنها المائي والغذائي في ظلّ اعتمادها الكبير على القطاع الزراعي، خاصة في الأقاليم الشمالية الغربية التي يعتمد ملايين السكان فيها على مياه نهر كابول في سبل معيشتهم.

تصاعَد التوتر بين البلدين مع إصرار أفغانستان على المضي في خطط سابقة لبناء إثني عشر سدّاً على نهر كابل لتوليد الطاقة الكهرومائية، إلى جانب سدي سلما وشاهوت المدعومين من الهند. وتشير التقديرات إلى أنّ هذه المشاريع قد تؤدي إلى انخفاض تدفق المياه إلى باكستان بنسبة تتراوح بين 16 و17 بالمئة. الأمر الذي قد ينعكس سلباً على إمدادات المياه، لاسيما في إقليم خيبر بختونخوا الذي يعاني بالفعل من شح الموارد المائية، وفق دراسة لسردور رحيموف بعنوان "ذا إمباكت أوف ووتر فاكتور [. . .]" (تأثير عامل المياه على القضايا الأمنية بين أفغانستان وباكستان) المنشورة سنة 2025.

وفي ظل غياب الإطار القانوني المنظم لهذا الحوض، يبقى مستقبل تقاسم المياه بين البلدين مفتوحاً على احتمالات متعددة تتراوح بين التعاون التقني المحدود والتصعيد السياسي. خاصة مع تفاقم آثار التغير المناخي والضغط السكاني. وقد أشهرت طالبان في أكتوبر 2025 سلاح المياه في وجه إسلام أباد. فبعد اشتباكات حدودية بين الدولتين لأسباب أمنية، أمرت قيادة طالبان بالإسراع ببناء سدود على نهر كونار المرتبط بحوض كابول.

وتتجاوز تداعيات التحولات التي شهدها الملف المائي الأفغاني حدود المشاريع والسدود، إلى إعادة تشكيل أنماط التفاعل بين أفغانستان وجيرانها. وفي ظل غياب أطر قانونية ومؤسسية راسخة، يغدو مستقبل الأمن المائي الإقليمي مفتوحاً على مسارات متعددة تتراوح بين التنافس والتعاون والجمود.


مع تحوّل المياه إلى عنصر متزايد الأهمية في حسابات الأمن القومي والتنمية في أفغانستان، باتت إدارة الأنهار العابرة للحدود أحد أبرز محددات العلاقات بين كابول ودول المصب. وتُظهر تباينات الاستجابات الإقليمية تداخل الملف المائي مع اعتبارات سياسية وأمنية واقتصادية متباينة بحسب طبيعة كل حوض مائي. فإيران مثلاً تمسّكت بالاستناد إلى معاهدة هلمند لسنة 1973، مع المطالبة بتفعيل اللجان الفنية المشتركة وقياس التدفقات وفق الآليات المنصوص عليها في الاتفاقية. أما أوزبكستان وتركمانستان، فاعتمدتا بصورة أكبر على القنوات الدبلوماسية الثنائية والإقليمية، مع التركيز على تبادل البيانات الهيدرولوجية وإثارة آثار قناة قوش تيبا في المحافل الإقليمية. في المقابل، لا تزال العلاقة بين أفغانستان وباكستان بلا إطار قانوني ملزم، الأمر الذي يجعل إدارة حوض نهر كابول رهينة التفاهمات السياسية والاتصالات الأمنية، بما يزيد من هشاشتها مقارنة ببقية الأحواض، خاصة في ظلّ التوترات المتفاقمة بين الدولتين.


تكشف التجربة الأفغانية أن المياه قد تتحوّل في ظل العزلة السياسية إلى أداة لتعزيز الحضور الإقليمي وفتح قنوات للتواصل مع الدول المجاورة، بما يجعل الدبلوماسية المائية أحد المسارات القليلة القادرة على تجاوز الجمود السياسي، حتى في غياب اعتراف دولي كامل بحكومة طالبان.

وإذا كان سيناريو الجمود يظلّ الأرجح في المدى المنظور، تجنباً للكلفة السياسية والاقتصادية والأمنية لأي مواجهة مباشرة، فإنّ فرصة استدامة هذا الوضع تبدو محدودة ما لم تُترجم المصالح المشتركة إلى أطر مؤسسية للتعاون. فكلما تعمق الاعتماد المتبادل بين الدول المتشاطئة، ازدادت فرص تحويل المياه من مصدر للتنافس إلى ركيزة للاستقرار والتنمية الإقليمية.

اشترك في نشرتنا البريدية