نسوية النظام التونسي: كيف أصبحت حقوق المرأة أداة للقمع السياسي

وظّف النظام التونسي منذ الاستقلال سردية "حرية المرأة" نهجاً سياسياً ظاهرُه حداثيّ تحرريّ وباطنُه سلطويّ إقصائيّ

Share
نسوية النظام التونسي: كيف أصبحت حقوق المرأة أداة للقمع السياسي
سيدة تونسية تحمل علم بلادها وصورة بورقيبة في ذكرى الاستقلال (تصوير الشاذلي بن إبراهيم / خدمة غيتي للصور)

بينما كان التلفزيونُ التونسيُّ الرسميُّ يبثُّ أغنيةَ المطربةِ صوفية صادق "بالأمن والأمان يحيا هُنا الإنسان" التي تَكرّرَ عرضُها على شاشته عقوداً كأنما هي تعويذةٌ تُبارِكُ النظامَ الحاكمَ وإنجازاتِه، جاء الخبرُ بأن بائعَ خُضارٍ تونسياً جائلاً من محافظة سيدي بوزيد، اسمُه محمد البوعزيزي، أحرقَ نفسَه احتجاجاً على مصادرةِ البلديةِ عربتَه التي كان يَسترزِقُ منها. اختارَ البوعزيزي النارَ على عناءِ الكلماتِ البلاغيةِ، كأنّه أدركَ أن اللّغة كانت منذ البدء مِلكَ يمينِ النظامِ وحده، وأنها مِثلُه منهَكةٌ من أناشيد الوطن وسردياته عن الحداثة والمرأة والأمن والمعجزات. فمنذ الاستقلال سنة 1956 انهمَكَ النظامُ التونسيُ في تشكيل الوعي الجَمعي بنحتِ صورةٍ مثاليةٍ عن تونس تُزيّنُها سردياتُ الحداثة والمعجزة الاقتصادية وبلد الأمن والأمان، والتي تتربّعُ فوقَها سرديةُ المرأةِ التونسيةِ المُحرَّرةِ ابنةِ الزعيمِ المجاهدِ الحبيب بورقيبة.

لا غرابةَ في أن يَنسجَ النظامُ سردياتٍ في مرحلةِ بناءِ الدولة، فهذا نهجُ أغلبِ الأُممِ منذُ القدم. لكنّ قوامَ السردياتِ في تونس غالباً المقابلةُ بين الأضداد التي تُقسِّمُ العالَمَ إلى فسطاطَين متناحرَين ثقافياً وسياسياً: حداثةٌ وتراث، تقدّمٌ وتخلّف، حريةٌ وقمع. وكانت المرأةُ بوصلةَ النظام التونسي في صراعاتِ الأضداد هذه، بل كادت تكونُ المحدِّدَ الرئيسيَ للترحيب بشخصٍ ما في أحد الفسطاطَين أو نفيِه إلى الآخَر، أي في معسكر النظام ومشروعه أو مشروع المعارَضة المناقِضِ له. حالَ هذا التصنيفُ دونَ نقدِ تلك السرديات بجدّية. فنقدُ مفهومِ النظام لحريةِ المرأةِ يُغضِبُ أربابَ الحريات والحداثة، ويَحرِمُ الناقدَ من الاعترافِ به وطنياً متنوّراً. بذلك يصبحُ نقدُ الزعيمِ بورقيبة محاولةً لتقويض مكتسَبات المرأة، ونقدُ الديمقراطية المزيّفة إعراضاً عن الحداثة والتنوير، ومعارضةُ النظامِ اصطفافاً مع الظّلاميين والرّجعيين.

عايشتُ مثلَ بقيّةِ النساءِ التونسيات عقوداً مِن توظيف النظامِ هذه السردياتِ في تبريرِ انتهاكِ الحقوق وقمعِ الحريات وإخفاءِ الفساد الممنهَج. لاحَ لي بصيصُ أملٍ يومَ سقطَ نظامُ بن علي بعد الثورة التي أعقبَت حرقَ البائع الجائلِ نفسَه. ظننتُ أن جدارَ هذه السرديات قد سقطَ معه، إلا أنه سرعانَ ما تكشّفَ لي تغلغلُ ذهنيةِ التصنيف؛ أي البورقيبيات الحداثيات مقابلَ الأُخرَيات، عند بعض التونسيات والتونسيين. لَم تمُرّ مناسَبةٌ سياسيةٌ أو علميةٌ خارجَ تونس من غير أن يقولَ لي بعضُ الأساتذة أو الناشطين السياسيين، تلميحاً أو تصريحاً، بلهجةٍ جادّةٍ أو هازلةٍ، إنّني لا أُشبه "الأغلبية" كلّما تعلّق الأمرُ بالسياسات القديمة أو المظهرِ الشخصي. وأما الإطراءُ فيُرافقُه أحياناً تساؤلٌ أو حسرةٌ أن "أنتِ جيّدة، فيا ليتَكِ التزمْتِ الصورةَ النموذجيةَ". ولهذا أجِدُني اليومَ مُلزَمةً بطرحِ سؤاليَ المؤجَّل: كيف يُفترَض بروايةٍ قامت على الحريةِ أن تكونَ الروايةَ الأكثرَ تزييفاً لمَعنى التحرّر والأكثرَ توظيفاً لقمعِ الحرية وتزييفِ الوعي والوقائع.

يَكشفُ النظرُ في سرديةِ "المرأة التونسية النموذجية" عن سطحيةِ ما تروِّجُ له الدولةُ مِن حريةِ المرأةِ في قلبِ نظامٍ سياسيٍ مستبدّ. ويتجلّى ذلك في بعضِ الحوادثِ السياسيةِ ونماذجَ من تصريحاتِ الزعماء السياسيين والنِسْويات البارزات من الفسطاطَين العلمانيِّ والإسلاميّ. شكَّلَت هذه السردياتُ الوعيَ الجَمعيَ التونسيَ ثقافياً وحقوقياً، وعرقَلَت طريقَ المراجَعات النقدية الجادّةِ من نُخَبِ التيّار الحداثي والإسلامي على حدٍّ سواءٍ. استغلَّ النظامُ هذا الأمرَ منذ الاستقلال إلى ما بعد ثورة 2011 لإخفاء قمعِ الحريات السياسية والإخفاقات. تحيَّزَت الحكوماتُ التونسيةُ حتى الآن إلى نوعٍ مثاليٍ واحدٍ للمرأة التونسية التي تستحقُّ الانتباه. فالحديث عن المرأة يأتي في سياقِ المرأة العصرية العلمانية، بينما وُصِفَت المرأةُ مِن المنظور التونسي التقليدي بأنها إسلاميةٌ، وهي صفةٌ أقربُ إلى معنى المحافظة الاجتماعية وليست توصيفاً سياسياً.


ارتبطَ تأسيسُ الدولة الوطنية بولادةِ نظامٍ سياسيٍ بزعامةِ الحبيب بورقيبة الذي قدَّم نفسَه رجلاً مثقفاً طامحاً إلى علمنةِ دولةِ الاستقلال وتحديثِ المجتمع. أراد بورقيبة أن يستميلَ فرنسا بهذه التوجّهات ويدعمَ صورتَه رجلَ دولةٍ متمدِّناً ومفاوِضاً حكيماً. بدأَ تسويقَ نفسِه قُبيلَ الاستقلال حينَ اتَّسعَ الخلافُ بينه وبين صالح بن يوسف، رفيقِه في النضال والأمينِ العامِّ للحزب الدستوري الجديد. انتهجَ بورقيبة التفاوضَ، وقَبِلَ بالاستقلال على مراحلَ تحدّدُها فرنسا. أمّا بن يوسف فقد أصرَّ على مواصلةِ الكفاح المسلَّح حتى الاستقلال التامّ. لذا عزلَ بورقيبةُ سنة 1955 بنَ يوسف من الحزب، ثمّ نفاه خارج البلاد، وقد اتُّهِمَ باغتيالِه في ألمانيا مطلعَ الستينيات.

شكّلَ عزلُ بن يوسف ونفيُه صورتين متباينتين عن تونس، أثرُهما متجذّرٌ حتى يومِنا هذا. فقد قسّمَ الزعيمُ تونسَ إلى تونسَيْن: تونس البورقيبية المعاصرة، وهي العاصمةُ ومحافظاتُ الشريط الساحلي، وتونس اليوسفية المحافِظة في مناطق الوسط والجنوب. فبينما تُمثِّلُ تونسُ البورقيبيةُ أرضَ التمدّن والنُخَب العلمانية والطبقةَ الوسطى صاحبةَ اللسان الفرنسي الفصيح والتوجّه الغربي الحداثي، تتمسّك تونسُ اليوسفيةُ بعمقِها العربيّ المتخلّف، حيث يُعشِّشُ الفقرُ والجهلُ وتسيطر النُخَبُ الدينية.

وحتى لا يتسرّبَ الشكُّ إلى صحّةِ سرديّته عن وجود تونسَيْن "متنوّرة ومحافِظة"، كان على بورقيبة أن يروِّض المؤسساتِ الدينيةَ في العاصمة. فبدأَ بعزل كبار الأئمة والعلماء من جامع الزيتونة الأعظم، ثمّ حوّلَ الجامعةَ إلى مؤسسةٍ تعليميةٍ علمانيةٍ لاجتثاث أنصار اليوسفية من المنشآت الدينية المرموقة، وفَرَضَ الرقابةَ التامّةَ على الخطاب الديني. وهُمِّشَت مناطقُ الجنوب والوسط اقتصادياً وتنموياً. فمحافَظاتٌ مثلَ سيدي بوزيد وقفصة والقصرين وقابس تَفتقرُ اليومَ إلى نظامِ خِدماتٍ مستقلٍّ وبِنيةٍ تحتيةٍ فاعلةٍ، بل تَتبَعُ في الخدمات الصحية والتعليمية مُدُنَ الشريط الساحلي أو العاصمة. والمشكلةُ ذاتُها في توزيع الثروة، لا سيّما حصّة الفرد من المياه. كتبَ الباحثُ عادل بوسنينة في دراسةٍ عن التهميش والتفاوُت في التنمية المحلية سنةَ 2019 أنّ نصيبَ الفرد الواحد من المياه الصالحة للشُرب في المناطق الجنوبية لا يتجاوزُ ثُلُثَ ما يحظى به الفردُ في المدن الساحلية. ويُسمِّي العربي صدّيقي في دراسةٍ أُخرى نشرَتها مؤسسةُ بروكينغز في الدوحة هذا التقسيمَ المكانيَّ في توزيع الثروة "التهميش المركَّب"، وأهمُّ جوانبِه التباعدُ الإقليميُ عن الدولة، وهو ما أحالَ جنوبَ البلاد وغربَها أمكنةً مهمَّشة.  

إنّها الهُوّةُ بين تونسَ البورقيبيةِ المتقدّمةِ واليوسفيةِ المتخلّفة. وكأنّ فحوى الرسالةِ: "أنتم تخلّفتم عن الرَكْبِ لأنكم عادَيتم الحداثةَ البورقيبية" حتى تفشّت البطالةُ والفقرُ وسطَ تونس وجنوبَها وأصبحَ الناسُ يوصَمون بأنهم مِن "وراء البلايِك"، أي اللافتة. وهو تعبيرٌ استخدمَه أهلُ "الحاضرة"، أي العاصمة تونس، ليَصِمُوا به التونسيين القادمين من وراء اللافتات المؤدّية إلى المحافظات والمناطق الداخلية، خصوصاً المهمَّشة منها والفقيرة أو ما شاعَ نعتُه بـ"العمق المنسيّ". فالعبارةُ تشيرُ مَجازاً إلى مَن هُم خارجَ الوطن الحديث وخلفَ خطوط التنمية والحداثة، ممّا قد يفسِّرُ اندلاعَ جُلِّ الانتفاضات والثورات والتحرّكات الاجتماعية في محافظاتِ هذا العمق المنسيّ.

برَّرَ بورقيبة انفرادَه بالحُكم سنواتٍ طويلةً بأنه يخوضُ "مهمّةً حضاريةً" على رأسِها تربيةُ شعبِه سيّءِ الطِباعِ وتحريرُ المرأةِ وتمكينُها. فخاطبَ التونسيين سنةَ 1956 بضمير الغائب المفرَد قاصداً نفسَه: "يتوجّهُ إلى شعبِه، يتحدّثُ إليه بلسانه كي يفهمَه، ويعكُفُ على تربيته وصقلِ فطرتِه حتى يكونَ حدّاداً لمصيرِه الشخصيّ". فشعبُه كما كان يَرى: "لديه نزوعٌ فطريٌّ إلى الفوضى والانقسام، وواقعٌ تحت وطأةِ الفردانيةِ المُفرِطة والعقليةِ القَبَلية التي يصعُبُ معها أن يَخضعَ لأيِّ قواعدَ منظِّمةٍ للحياة والمجتمع"، وهو ما نَعَتَه بـ"الشرّ التونسيّ المَحْض". ومن هنا ألزَمَ نفسَه قبلَ كلِّ شيءٍ بتحرير المرأة، فلا حديثَ عن مجتمعٍ متقدّمٍ من غير امرأةٍ مُحرَّرَة. وحتى يُنجِزَ مهمّتَه كان عليه الإطاحةُ بأتباعِ صالح بن يوسف الذين دافَعوا عن الاستقلال التامّ عن فرنسا، وسانَدوا الخطَّ العروبيَّ القوميَّ والتراثَ العربيَّ الإسلاميَّ، مقابلَ ما رَأَوْهُ فَرْنَسَةً بورقيبيّةً لتونس. الفكرُ اليوسفيُّ كان بجوهرِه سياسياً موجَّهاً على الاستعمار بهدفِ التحرّر، لذلك لَم يَعتمِد مواقفَ واضحةً ومقنّنةً في موضوع المرأة. ولذا وَصَمَهم بورقيبةُ بالرجعية وبمعاداة المرأةِ وبسَجْنِها في الأدوار التقليدية المتخلّفة. 

بدأَ مسارُ التحديث والتطوير بجملةٍ من الإصلاحات القانونية المهمّة. مِن بينها إصدارُ دستورِ البلاد، ثمّ إعلانُ مجلّةِ الأحوال الشخصية سنة 1956 متضمّنةً قوانينَ ثوريّةً، مثل منعِ تعدّدِ الزوجات وإكراهِ الفتاةِ على الزواج والزواج العرفي، وجعلِ الطلاق بيَدِ المحكمة، وسحبِ القوامةِ من الرجل، ومنحِ المرأةِ الحقَّ في التعليم والعمل والخوض في الشأن العام. صدرَت المجلةُ بمرسومٍ رئاسيٍّ ثورةً حقوقيةً نسائيّةً في محيطِها العربيّ موحِيةً أنَّ تحريرَ المرأة مقدَّمٌ عند بورقيبة على بناءِ الدولة وكتابةِ دستورها.

لَم يَنتهج بورقيبةُ سياسةً صِداميةً مع الدِين كاملاً كما فعلَ أتاتوركُ في تركيا مثلاً، لتحظى سياستُه بالقَبولِ الشعبيِّ ولئلّا يُحاجَّه بها خصومُه من التيارات المحافِظة أو القومية والعروبية ممّن اتّهَموه بفرضِ القيمِ الغربيّة على البلاد. لكنه ادَّعى السَيْرَ على خُطى مفكّري عصرِ النهضة العربية والاستفادةَ من صِيتِهم، فسَمّى نفسَه "المجاهد الأكبر"، ووظَّفَ المعجمَ الدينيَّ وأحاديثَ السِيرةِ بخطاباته في مناسباتٍ عدّةٍ ليبرهِن أن جذورَ إصلاحاتِه مستمدَّةٌ من روحِ الدِين الإسلامي. فأَوّلَ الدِينَ بما يخدمُ مشروعَه الإصلاحي، وتحدَّثَ عن أثرِ الصيامِ السلبيِّ على الإنتاج، وهو ما فُهِمَ أنه دعوةُ الناسِ إلى الإفطار في رمضان حتى يحقِّقوا التقدُّمَ المنشودَ، ثمّ دعا إلى خلعِ حجابِ المرأةِ إشارةً رمزيةً إلى منطلَقاتِ التحرير وأولوياته.

سرعانَ ما نجحَت سرديةُ "الزعيم الأب مُحرِّر المرأة التونسية" في خَلقِ صورةٍ نموذجيةٍ لما يجب أن تكون عليه المرأةُ مَظهَراً وانتماءً فكريّاً حتى تَرقى إلى فئةِ "المرأة التونسية"، أو كما تُنطَقُ باللهجة التونسية "لمْرا التونسية". فهي في هذا التصوّرِ امرأةٌ متحرّرةُ الهِندامِ ومتعلّمةٌ وعلمانيةُ التوجّهِ وتُوالي النظامَ البورقيبيَّ وحدَه وتُعادِي كلَّ مَن يُعاديه. وقد أضحَت شروطُ الارتقاء والانتماء هذه مضادّةً لكلِّ ما مِن شأنِه أن يخدمَ خصومَه السياسيين المحافظين أو الإسلاميين فيما بعد. ومِن هنا عكسَ خَلْقُ الزعيمِ "صنمَ المرأة" المثاليَّ حساسيَّتَه المفْرِطةَ مِن احتمالِ وجودِ سردياتٍ منافِسةٍ لسرديتِه عن تونس التي حرّرَها وحدَه، وأشرفَ على صقلِ فطرةِ أهلِها وتهيئتِهم للعيشِ في النُور.

ترسّخَت هذه الصورةُ الانتقائيةُ عن المرأة في الوعيِ الجَمعيِ التونسيِ وأضحَت منجَزاً وطنياً مقدَّساً لا يُنقَدُ، فلا مجالَ لخروج المرأة عن صورتِها البورقيبية أو التعديلِ فيها. ومَن أرادت أن تكونَ حقّاً "امرأةً تونسية" وتنالَ شرفَ "الانتماء" فَعَليها أوّلاً أن تستوفيَ شروطَ هُويّتِها الشكلية والفكرية مِن كُتيّبِ الزعيم وإلّا ستُصنَّف تلقائياً في مرتبةٍ دون المرأة، وفي هذا طعنٌ في كونِها امرأةً وفي "تونسيّتها". ومِن هنا كان نقدُ "نِسْوية الدولة" ومِن ورائها نقدُ النظامِ مغامرةً وجوديةً وحرَجاً أخلاقياً لكثيرٍ من النِسْويات البورقيبيات خصوصاً، فكيف يَنتقدن نظاماً رسمَ معالمَ وجودِهنَّ ومَنَحَهنَّ حقوقَهنَّ ودافَعَ عنهنّ. كلُّ ذلك يؤكِّدُ تلاعبَ النظام بالمصطلحات؛ فسرديةُ الزّعيمِ الأبِ مُحرِّرِ المرأةِ جَعَلَت حريةَ المرأة في جوهرها نتيجةَ تحريرٍ مِن أعلى لا تَحرُّراً مِن أسفلَ. فحريةُ المرأةِ لَم تنشأْ نتيجةَ حركةِ تَحرّرٍ نِسويةٍ اجتماعيةٍ مستقلةٍ، بل نتيجةَ نهجٍ سياسيٍ مِن أعلى إلى أسفلَ بزعامةِ أبِ الأُمّةِ الفردِ الواحدِ الذكرِ المُستبِدّ. فكانت لحظةُ ولادةِ حريةِ المرأةِ في تونس هي ذاتُها لحظةَ إعلانِ تقييدها بما أرادت أن تتحرّرَ منه.


لَم تدُمْ سنواتُ التسامح البورقيبي وحديثه عن التنوير والمرأةِ المُحرَّرةِ طويلاً. كشّرَ الرجلُ عن أنيابه عندما أحاطت الأزماتُ الاقتصاديةُ والاجتماعيةُ بنظامه وخَنقَت روايتَه. فقد تحوَّلَت سياسةُ التحديث والتطوير خصوصاً منذ مطلع السبعينيات إلى سياسة قمعٍ وتنكيلٍ بالمعارضين السياسيين والنقابات العمالية والحركات الاجتماعية والطلابية، وعلى رأسها حركةُ "برسبكتيف" (العامل التونسي) اليساريةُ التي اتّخذَت مواقفَ معاديةً للحُكم البورقيبي ونظامِ الحزب الواحد، ممّا أدّى إلى اعتقال أعضائها ومحاكمتِهم ما بين سنَتَي 1973 و 1975. وشهدَت تونس قمعاً عنيفاً لحركات الاحتجاج الاجتماعي، مثل "انتفاضة الخبز" سنة 1984 بمدن الجنوب عقبَ رفعِ أسعار الخبز في إطار سياسة التقشّف التي اتّبعَتها حكومةُ محمد صالح مزالي. صارت الحركاتُ مظاهراتٍ ومواجهاتٍ مع الجيش والشرطة سقطَ فيها عشراتُ القتلى. ويبدو أن سياسةَ دعمِ حقوقِ المرأةِ وحرّيتِها لَم تكُن جزءاً من مسارِ البناءِ والإصلاح السياسي في دولةِ ما بعدَ الاستقلال، بل استعراضاً لتزيين واجهةِ نظامِ الزعيم الفرد الواحد. فتحريرُ المرأة التونسية هنا يعني منحَها قَدْراً من الحقوق على أن يَرى المجتمعُ هذا القَدْرَ عُذراً وجيهاً لانعدامِ الحرّيات السياسية وحقوق الإنسان الديمقراطية.

وصلَ زينُ العابدين بن علي إلى سُدّةِ الحُكمِ بعد انقلابٍ أبيضَ غيرِ عسكريٍ في السابع من نوفمبر سنةَ 1987، مستنِداً إلى بندٍ من الدستور يسمحُ بتَنحِيةِ الرئيسِ لدواعي انعدامِ الأهلية الذهنية أو الجسدية. كانت المهمّةُ التحديثيةُ لبورقيبة قد أُنجِزَت، إذْ توجّهَ بن علي إلى الشعب "الذي بلغَ درجةً من الوعي" وأَعلنَ انطلاقَ مشوارِ الديمقراطية وتحقيقَ المعجزة الاقتصادية. لَم يكُن بوِسعِ الرئيس التونسي الجديد تسويقُ نفسِه خليفةً لبورقيبة، فالرجلُ لَم يكُن متعلّماً ولا مثقّفاً بالقدرِ الذي يَسمح له بذلك. لكنه عرّفَ نفسَه منذ البداية بأنه حامي النظام المدنيّ، المُدافعُ عن الديمقراطية وحقوق المرأة، والساهرُ على تحقيقِ رفاهِ التونسيين وأمنِهم.

استمرّت النِسويةُ تحت مظلّةِ بن علي بصفتِها وصبغتِها الرسمية، ولم تتمكن من الانفكاك عمّا قرّرَه النظامُ البورقيبي. فلَم تستطِع فرضَ نفسِها حركةً اجتماعيةً ذاتَ هويّةٍ منفصلةٍ ومختلفةٍ، إذْ عدَّ نظامُ بن علي بوادرَ أيِّ حراكٍ نسويٍّ مستقلٍّ عنه تمرّداً سيُفقِدُه أقوى أدواتِه وأكثرَها نجاعة. وحتى يضمنَ إعادةَ المرأة التونسية إلى بيت "طاعة النظام" عيّنَ على سُدّةِ النشاط النسويّ حارساً زوجتَه ليلى بن علي (ليلى الطرابلسي)، التي كثيراً ما أشارت في خُطَبِها إلى إنجازاتها الرّيادية لصالح المرأة في كلِّ مناسبةٍ وطنيةٍ واجتماعية. كَتبَتْ هذه الخُطَبَ نِسوياتٌ يُسَمِّين أنفُسَهنّ اليومَ "بنات بورقيبة"، وريثاتِ فكرِ "لمْرا التونسية"، ومنهنَّ الأستاذةُ الجامعيةُ والكاتبةُ ألفة يوسف التي تولّت مناصبَ عديدةً في عهد بن علي، وعُرِفَت بصياغةِ خطاباتِ عقيلةِ الرئيس، ومنها خطابُها في المؤتمر الثاني للمرأة العربية عام 2008.

استمرّت سياساتُ بورقيبة في حُكم بن علي، فانتهَج "أَسْلَمَة المجتمعِ مِن فوق" بمؤسساتِ الدولة وخطابِ "الإسلام السَمْح". تأسّسَت وزارةُ الشؤون الدينية في عهد بن علي وسُمِحَ بتأسيس إذاعةٍ دينيةٍ يُشرِف عليها صِهرُه صخر الماطري، ورافَقَه الإعلامُ لتغطية رحلة الحجّ إلى مكة. أعاد بن علي سنةَ 2003 تفعيلَ قرارِ بورقيبة رقمِ 108 الصادرِ سنةَ 1981، المانعِ النساءَ من لُبْسِ الحجاب في المؤسسات العامة من مستشفيات وجامعات وغيرها. جاءت حملةُ منعِ الحجاب بعد إقرار فرنسا قانوناً للغرضِ ذاتِه، وكأنّ بن علي أراد إرسالَ رسالةٍ تؤازرُ العلمانية والحداثة في فرنسا. لذلك عُومِلَت كثيرٌ من النساء المحجَّبات بتعسّفٍ، لا سيّما بمنعهنَّ من دخول المعاهد والكليات، وبمقاضاة المخالِفات بدعوى أنّ الزيَّ الإسلاميَّ "لباسٌ طائفيّ"، حسبَ بيانِ سنةِ 2003 لجمعية "نساء ضد التعذيب" التونسية، ومقرُّها المملكة المتحدة. وقد وَثّقَت منظماتٌ حقوقية هذه الانتهاكاتِ، منها هيئةُ الحقيقة والكرامة، وهي هيئةٌ دستوريةٌ مستقلةٌ أقرَّها البرلمانُ سنةَ 2014، مهمّتُها توثيقُ انتهاكات حقوق الإنسان في تونس بين سنتَي 1955 و 2013.

غضّت كثيرٌ من النِسوياتِ الحداثياتِ الطَّرْفَ عن معاناةِ آلاف النساء المحجَّبات، وحَرّضَت "الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات" على مزيدٍ من التضييق والتمييز. إذْ أصدرَت هذه الجمعيةُ بياناً سنةَ 2003 للتعبير عن قلقِهنّ العميق من انتشار الحجاب في البلاد، متسائلاتٍ عن مسؤوليةِ الدولةِ في انتشارِ هذه الظاهرة. فصرَّحَ وزيرُ الشؤون الدينية آنذاك، بوبكر الأخزوري، أن النساءَ اللاتي يرتدين الحجابَ هنَّ ضدَّ الإسلام وضدَّ الوطن. وقادَ نهجُ الرقابة والقمع إلى إحكامِ الدولة الأَمنية قبضتَها على رقابِ الجميع حتى قيامِ الثورة.


اشتعلَت الثورةُ في محافظاتِ العمقِ المنسيِّ "وراء البلايِك". وكانت مطالبُها صارمةً، وشعاراتُها ضدَّ قمعِ الدولة وفسادِ العائلة الحاكمة والظلمِ والتهميشِ الممنهَجِ عقوداً، ومنها: "شغل حرية كرامة وطنية" و"خبز وماء وبن على لأ" و"الشغل استحقاق يا عصابة السراق". وكأنّ هذه الشعاراتِ محاوَلةٌ لتحقيقِ العدل المجتمعيّ وإزالةِ الجدار الفاصل بين المتناقضات البورقيبية أيضاً، على الأقلِّ مَجازاً.

مِن ذلك العمق المنسيّ صعدَ التيّارُ الإسلاميُ بقيادةِ حركةِ النهضة وزعيمِها راشد الغنوشي، وهو ابنُ الجنوبِ اليوسفيِّ، ووصلَ سُدّةَ الحُكم. ومع صعود الإسلاميين عادت الخلافاتُ الفكريةُ القديمةُ، ممَّا أدّى إلى تحريفِ شعاراتِ الثورة وتخفيفِ ضجيجِها وعودةِ سردياتِ الأمس، وعلى رأسِها الخصومةُ بين "تونس الحداثة" و"تونس الرجعية"، أي بين تونس ذاتِ الهُويةِ الدينية وتونس ذاتِ الهُويةِ العلمانية. ودَأَبَ أنصارُ المنظومةِ البورقيبية القديمة يَستنجِدون بسرديةِ "حرية المرأة التونسية" والخوفِ من الإسلاميين والتّخويفِ منهم، فهُم العدوُّ الأزليُّ للمرأة وللنّهج التونسي البورقيبي الحداثي.

كان الإسلاميون يدرِكون ذلك، فتبنّى بعضُ قادتهم خطاباً معتدلاً مطَمئِناً. لكن ذلك لَم يكُن في أنظار الخائفين إلا جزءاً من تكتيكٍ سياسيٍ سيَفترِسُ مكتسَباتِ الحداثة ومنجَزاتِ المرأة التونسية. ثمّ سرعان ما تشكّلَت ملامحُ خطابَين متقابلَين: خطابِ الخوف والتخويف من الظلاميين والرجعيين، وخطابِ الدعوة إلى السماحة وإحياء هوية البلاد. ومع وجاهةِ الخطابَين لَم تَخرُجْ فحواهُما عن إطارِ خطابِ بورقيبة في الأمسِ البعيدِ عن وجودِ "تونسَيْن" مختلفتَين، فغَلَب حديثُ الظنّ والتخوين حديثَ الوقائع، وظهرَت بوادرُ الانقسام جليّةً.

لَم يكُن هذا الانقسامُ حقيقياً في جوهره، فلَم يكُن هناك إسلاميون وعلمانيون بالمطلَق. لذا ظهرَت أصواتٌ معتدلةٌ تَدفعُ إلى مراجعةِ سردياتِ الأمس، وعلى رأسها التقسيمُ إلى "تونس الأُولى" و"تونس الأُخرى" حتى يكونَ لقاءً قوامُه الحوارُ لا الظَنّ. كان المنصف المرزوقي مِن بين هذه الأصوات، فقد تحالَفَ مع الإسلاميين بعد انتخابات سنة 2011 فأصبحَ في مرمى سِهامِ المنظومة القديمة بإعلامها ونُخَبها. وكان للغةِ الدورُ الحاسم. ففي خطابِ تأديةِ اليمينِ الدستوريةِ قال المرزوقي إنه سيكون رئيساً للتونسيين والتونسيات كلّهم، وسيدافعُ عن المحجَّبات والمنتقِبات والسافرات. هاجَمَه مثقّفو الحداثة البورقيبية وظنّوا أن كلمة "سافرات" نقيصةٌ وسُبّةٌ، فاتّهَموه باتّباع جماعة الإخوان المسلمين والانتقاص من مكتسَبات المرأة التونسية. لم تَشفعْ له عندهم يساريّتُه ولا دفاعُه عن الحقوق والحرّيات بما فيها حقوقُ المرأة. وسطَ هذه الخلافات نشرَ الشاعرُ اليساريُّ، محمد الصغير أولاد أحمد، قصيدةً وَصَفَ فيها النساءَ التونسيات بأنهنّ "نساءٌ ونُصّ"، فأضافَ "للمْرا التونسية" "نِصفاً" حتى يشدِّد على ضرورة الالتزام بالنموذج البورقيبي. 

كشفَ هذا الصراعُ الذي عُرِفَ بِاسمِ "معركة السُفور" عن بعض كواليس التجييش والتحريض القائم على مهاجَمةِ كلِّ طَرَفٍ سياسيٍّ يخرجُ عن حدودِ سرديةِ الأمس عن تونسِ الحداثةِ. فالحملةُ على المرزوقي جاءت عقاباً له لأنه خرجَ عن حدودِ الصورة الرسمية التي رسمَتها الدولةُ عن المرأة التونسية، ولاعترافه وهو على رأس الدولة بفئةٍ من النساء اللاتي لَم يَستَوْفِين شروطَ الانتماءِ بعد.

كان جدلُ السُفورِ هذا فاتحةَ معاركَ أُخرى أثناءَ كتابةِ الدستور بين سنتَي 2011 و 2014، مثلَ جدلِ الدِين والدولة ومعركةِ فصلِ المُساواة. طالَبَ الإسلاميون حينَها بتضمينِ نصِّ الدستورِ إشارةً إلى الشريعةِ الإسلاميةِ مصدَراً للتشريع، وهو ما رفضَتْه القوى العلمانيةُ لأنّ النصَّ على الشريعةِ في الدستور قد يهدِّد الطابعَ المدنيَ للدولةِ والمكتسَباتِ التي حقّقَتها المرأةُ التونسيةُ منذ عهدِ بورقيبة. ولِتَجاوُزِ حالةِ الانقسام هذه رأتْ حركةُ النهضة وزعيمُها راشد الغنوشي التوافقَ مع الأحزابِ والقوى المقابِلةِ، فاتّفَقوا على بقاء الفصل الأَوّل من دستورِ سنةِ 1959، والذي ينصُّ على عُروبةِ الدولةِ وإسلاميةِ دِينِها، وتخلّوا عن النصِّ على الشريعةِ في الدستور. وعليه حُسِمَت المعركةُ – ولوْ ضِمنياً – لِصالحِ النِسْويات العلمانيات في دورِ المرأةِ وصِفَتِها شريكاً مُساوياً للرجلِ لا مكمِّلاً له.

لَم تؤتِ دعواتُ التعدّديةِ السياسيةِ أُكلَها، لا سيّما مع تصاعدِ أصواتٍ مِن بين العلمانيين والإسلاميين متزامنةً مع تطوّراتٍ محليةٍ وإقليميةٍ زادت مخاوفَ الجميع، فأمسَت تونسُ مجدّداً تونِسَيْن مختلفتَين متناحرتَين. كانت بعضُ المخاوفِ مشروعةً ومفهومةً، إلّا أنّ الخوفَ أو التخويفَ مِن الإسلاميين كان دائماً عنصراً حاسماً للعودة بتونس إلى الاستبداد والانفراد بالحُكم. يبدأُ ذلك دائماً بتبنّي أبٍ قائدٍ خطاباً نِسوياً. كان هذه المرّةَ الباجي قايد السبسي، وهو مِن أبناء ضواحي العاصمة الراقية وتولَّى مناصبَ في السلطة ستّةَ عقودٍ، وقدّمَ نفسَه خليفةَ بورقيبة والمُؤتمَنَ على حرّيةِ المرأةِ والحداثة.

جَرَت انتخاباتُ سنةِ 2014 وسطَ توتّرٍ واضطرابٍ. وكان التجييشُ والتحريضُ والهرجُ على أشُدِّه. لم تكن المعركةُ الانتخابيةُ معركةَ برامجَ انتخابيةٍ اقتصاديةٍ وتنمويةٍ واجتماعيةٍ تتقارعُ فيها الحُجّةُ بالحُجّةِ، بل كانت جَدَلاً مُسْتَلّاً من المعارك السياسية القديمة. وكانت حقوقُ المرأة ومكتسباتُها والخوفُ من أسلمةِ المجتمعِ التونسيِ نقاطَ الصراعِ البارزة. اصطَفّت النِسوياتُ وأغلبُ النُخَبِ العلمانية اليسارية ورجالاتُ النظام القديم ورموزُه الفاسدون خلفَ السبسي. أقرَّ البرلمانُ حينَها حزمةً من الإصلاحات الجديدة لصالح المرأة، مثلَ قانونِ العنف الأُسَريّ، وإلغاءِ قانونِ "منع الزواج من غير المسلم" الذي سُنَّ سنة 1973، ونادَى بإقرار المساواة في الميراث. أرادَ السبسي بالتفاتِه إلى حقوق المرأة آنذاك أن يُشتِّتَ الانتباهَ المحلّيَّ والدوليَّ عن مشروعِ قانونِ المصالحة الشاملة مع رموزِ الفساد في عهدِ بن علي، والذي أقرَّه البرلمانُ لاحقاً. ونادى السبسي بقانون المساواة في الميراث ليضعَ حزبَ النهضةِ الإسلاميَّ في وجهِ خيارَين في الانتخابات المحلية: إمّا دعمُ السبسي والمخاطرةُ بفقدانِ دعمِ كبيرٍ من ناخبِيه، وإمّا معارضتُه والمخاطرةُ بإبعاد شريحةٍ أُخرى من المجتمع التونسي وخسارةُ الدعم الدولي.

لَم يكُن السبسي في واقع الأمرِ زعيماً أميناً على حقوق المرأةِ وحرّيتِها، بل رجلَ المنظومةِ القديمةِ المكلَّفِ باستخدام الحديث عن حقوق المرأة التونسية وحرّيتِها لضربِ الثورةِ وأنصارِها على اختلافِ مشاربِهم. ففي تاريخِ السبسي فصولٌ من إهانةِ النساء ومعاملتِهنَّ بتَعالٍ. فمثلاً في سنة 2011، شبّهَ السبسيُ النساءَ المنتقِباتِ بالغُرابِ ملمِّحاً إلى أن النقابَ لباسٌ قسريٌ ومفروضٌ على المرأة. ولعلّ المثلَ الأشهرَ على موقفِه المُهينِ من المرأةِ كان ردَّهُ المقتضَبَ بنبرةِ ازدراءٍ على سؤالِ القياديةِ الإسلاميةِ محرزية العبيدي، النائبةِ الأُولى لرئيسِ المجلسِ الوطنيِ التأسيسيِ التونسي، عن نشأةِ حزبِه المشوّهةِ وهشاشتِه التنظيميةِ وافتقارِه إلى برامجَ واقعيةٍ، وعن استئصالِ الإسلاميين، فردَّ قائلاً: "ماهي إلا مْرا لذلك مانخوش عليها" (ماذا بوسعيَ القولُ؟ إنّها مجرّدُ امرأةٍ لن أقيمَ لكلامِها وزناً). أثارت إجابتُه المُهينةُ لامرأةٍ سياسيةٍ في مركزِها الغضبَ، لكن ليس عند جُلِّ النِسوياتِ الحداثيات.

أما العبيدي فقد دافعَت عن نفسِها، وتحدَّثَت عن "هُويّةٍ مختارةٍ بحُرّية" وأُخرى "مُمْلاةٍ من الدولة"، وعبّرَت عن فخرِها بأنها "ماهي إلا مْرا"، لكنها امرأةٌ قياديةٌ في الصفِّ الأَوّلِ في أكبرِ حزبٍ في البلاد مكَّنَها من مناصبَ سياسيةٍ عُليا، مثلَ نيابةِ رئاسةِ البرلمان. ثمّ أردفَت أنها قد برهنَت بذلك أنها "مْرا تونسية تنشطُ سياسياً وتكافحُ لأجلِ الديمقراطية". وردَّ الفريقُ الأعلى صوتاً من النِسويات العلمانيات بحملةٍ إعلاميةٍ ضدَّها، ومظاهراتٍ حملَت شعارَ "لمْرا التونسية مش محرزية" في إشارةٍ إلى أن محرزية العبيدي لا يمكن أن تمثِّلَ المرأةَ التونسيةَ كما رسمَها النظامُ الرسميُ. حملةٌ سعَت إلى خَلقِ انطباعٍ عند الجميع أنّ فكرةَ وجودِ مجتمعٍ تونسيٍ فيه نِسوياتٌ علمانياتٌ وأُخرَياتٌ محافِظاتٌ فكرةٌ مستحيلة. وفي هذا السياق انتقدَت نِسوياتٌ بارزاتٌ الحديثَ عن "نِسويةٍ إسلامية" ورَفَضْنَ الفكرةَ شكلاً ومضموناً طالما أن الرجالَ يستأثِرون بتأويلِ القرآن.


ما تزالُ كفّةُ الخطابِ التحديثيِ تَرْجحُ اليومَ لصالحِ التعريفِ النِسويِ البورقيبي. فأَعلامُ هذا الخطاب يُصنَّفْنَ بأنهنَّ علمانياتٌ ويَستنجِدْنَ بأسماءَ كُبرى من التاريخ، مثلَ عليسة – مؤسِّسةِ قرطاجَ ومَلِكَتِها الأُولى – بحثاً عن جذورِ الحراكِ النسويِ في تونس. أُخرَياتٌ يَقَعْنَ في دائرةِ اليسار يَربِطْن بين ولادةِ النسويةِ التونسيةِ وحراكِ مايو 1968 في فرنسا الذي تَمثَّلَ في الاحتجاجات الطلابية العمالية على الرأسمالية ومؤسسات الدولة، واستمرّت سبعةَ أسابيعَ وكادت تُغرِقُ فرنسا في صراعٍ أهليّ. أمّا النساءُ المحافِظاتُ فيَعُدنَ إلى تاريخِ تونس ما قبل الاستقلال، وتحديداً إلى الجدلِ المجتمَعيِّ عقبَ نشرِ الشيخِ المصلِحِ عبدِ العزيز الثعالبيِّ كتابَه "الفكر التحرّري في الإسلام" الذي دعا فيه إلى ضرورةِ تعليمِ المرأةِ واستشارتِها عند الزواج. 

هذه المحاولاتُ المتقابلةُ زادت السياساتِ البورقيبيةَ قداسةً، وحَوّلَت تاريخاً ممتدّاً من كفاح التونسيات بمختلفِ مشاربِهن الفكرية والسياسية مِن أجلِ حقوق المرأة إلى احترابٍ اجتماعيٍ مسيَّسٍ قائمٍ على معاييرَ يمكن وصفُها بالظاهرية. وقد برّرَت بعضُ النِسوياتِ العلمانياتِ تهميشَ النساءِ المتديِّناتِ في خطاباتِ النِسوية التونسية بأن الحجابَ ظاهرةٌ غريبةٌ مستورَدةٌ من المشرقِ العربي. وهَمَّشَت الحكومةُ السوادَ الأعظمَ من النساء سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، متجاهِلةً كفاحَهن لتوفير مقوِّماتِ الحياة وتحقيقِ بعضِ الارتقاء المجتمَعيّ. لَم تَلْتَفِتْ حكومةُ السبسي مثلاً إلى تحرّكٍ اجتماعيٍ قادَته بعضُ النساء في مدينة سيدي بوزيد لتحسينِ ظروفِ عَيشِهنَّ وعَمَلِهنّ، بينما احتَفَت الحكومةُ والإعلامُ المَحلِّيُ بإصدارِ قانونٍ يبيحُ زواجَ النساء التونسيات من رجلٍ غيرِ مسلم.

فما أقرَّهُ بورقيبةُ منذ فجرِ الاستقلال هو ما يصبغُ الدولةَ والحياةَ السياسيةَ ومفهومَ النسويةِ في تونس حتى اليوم: تأسيسُ دولةٍ حداثيةٍ علمانيةٍ تحمي حقوقَ المرأةِ التونسيةِ التي تَلتزمُ شروطَ النموذجِ الحداثيِّ البورقيبيّ. لكنّها دولةٌ لا تَعترِفُ بالتعددية السياسية ولا تَحترِمُ الحقوقَ ولا الحرّيات. هذا النموذجُ الحداثيُ لَم يُمَكِّن إلا طبقةً معيَّنةً ومنطقةً محدَّدةً وخلفيةً فكريةً بعينِها. فأغلبُ مَن نِلْنَ حرّيتَهُنَّ وتَمَتَّعْنَ بثِمار الإصلاحات والمشاريع النسائية هُنَّ نُخبةٌ من النساء التونسيات المعاصِرات بحسبِ تعريفِ الدولةِ. ذلك التعريفُ الذي ظَلَّ عقوداً طويلةً يُعطِّلُ نقدَ ما طالَ المرأةَ من مَظالمَ سياسيةٍ واجتماعيةٍ واقتصاديةٍ في جوانبَ ومناطقَ أُخرى.

اشترك في نشرتنا البريدية