تبدأ قصَّة استدعاء المسمى الإبراهيمي في سياق النزعة الحداثية الغربية لتصنيف كلِّ شيء والبحث عن جذور كلِّ الظواهر. فقد أخذ الاستشراق الأوروبيّ في ذروة تمدده "يصنِّف" الأديان وفق معايير الحداثة الغربية. على هذا، لم تكن فكرة "الديانات الإبراهيمية" ضمن هذا الدرب نابعة من رغبة مُلحَّة في التسامح الإنسانيِّ، بقدر ما كانت سعياً معرفياً لإدخال الإسلام، لأنه "الآخر" المنفلت ضمن المركزية الأوروبيّة و"أديانها". وبابتكار مفهوم "التراث اليهودي المسيحيّ"، ثم إلحاق الإسلام به فرعاً ثانياً، بدا أن الاستشراق حوَّل إبراهيم من صفته الأصليَّة في القرآن محطمَ الأصنام ورافضَ المركزيات الماديَّة، إلى "مظلة لاهوتية" تضمن بقاء الأديان تحت سقف المركزيَّة الأوروبيَّة.
وبتفكيك الطبقات المتراكمة من الاستدعاءات للإبراهميّة، يتجلى في المفهوم القرآني تأويلاً مختلفاً لإبراهيم أداةً للتحرر لا للتطبيع. وتقوم هذه الرؤية على الحنيفيَّة فعلاً مقاوماً والتقوى معياراً للتفاضل، لا العرق ولا المكان ولا ادعاء الاصطفاء. وقد حدث التحوّل في المسار التاريخيِّ لهذا المفهوم حين تقاطعت الرواية الاستشراقيّة مع المشروع الصهيونيّ. إذ أُمِّمَ إبراهيم وحُوِّلَ من شخصية لاهوتيّة عابرةٍ الحدودَ إلى أبٍ قوميّ، له طابع جغرافيّ ومكانيّ. ومن هنا، أعادت الصهيونيَّة قراءة "أبراهام" (اليهودي المسيحيّ) وتأويله أوّلَ المستوطنين. فحولت بذلك الوعدَ الإلهي من وعد متصل بالتقوى، إلى وعد استحواذيٍّ ومكانيٍّ يختزل إبراهيم في فلسطين ويبرر الإحلال العرقي الذي تنفّذه إسرائيل. فأبراهام في الخطاب الصهيوني ليس مهاجراً إلى ربه حنيفاً من الأصنام والماديَّات، وإنما مهاجرٌ إلى "أرض الميعاد" التي أُعيد تأويلها صهيونيّاً بأغراض توسعيّة واستعماريّة. وهو التحول الذي نزع عن الإبراهيميّة كلَّ خصائصها الحنيفيّة، وجرَّدها من شخصيَّتها التوحيديَّة.
وُلِدت فكرة الإبراهيمية ضرورةً معرفية وتصنيفية داخل الاستشراق الأوروبي في القرن التاسع عشر على خلفيَّة إدماج الإسلام الغريب، والآخر، إلى المُعتمَد الأوروبيّ لأديان العالم. ولهذا تركة اصطلاحيَّة تحمل كثيراً من التمثيل وإعادة التخيّل والدمج والحصر والإقصاء. على غرار كثير من المصطلحات التي دُشِّنت وباتت تُستعمَل على نحو جوهري وغامض مثل "الإسلام" و"الشرق" و"المسلمين" و"الغرب" و"أوروبا". وقد باتت الدلالة تشير إلى مدلولات ثقافيَّة مغايرة كما يذكر عبد الكبير الخطيبي في كتابه "النقد المزدوج" المنشور سنة 1980. فبينما يقدِّم القرآن "ملة إبراهيم" فعل انحياز قاطع للحقيقة وحنيفية تحيد عن الوثنية، فإنَّ الاستدعاء الاستشراقيَّ قد قلَبَ هذا الفعل الوجودي إلى ما يشبه خانة عرقية وهوية لاهوتية باردة.
وقد دأبت هذه الجهود في سعي حثيث لمحاولة تدجين "الغريب" المسلم في البيت الإبراهيمي اليهودي المسيحيّ. إذ اضطلعت مفاهيم كالتسامح والأصول المشتركة بوظيفة مزدوجة. فهي من جهة أولى مفاهيم ليبرالية حديثة ذات تاريخ وأصل محددين، ومن جهة ثانية آليات احتواء تعمل على إدراج الإسلام ضمن مصفوفتها المفاهيمية وإعادة تشكيله وفق اشتراطاتها الداخلية. وهذا الاحتواء ليس ترحيباً بالآخر، مثلما يُبيّن أستاذ الفكر العربي جوزيف مسعد في كتابه "الإسلام في الليبرالية"، إنما كوَّنت ذاتها نقيضاً له.
وفي هذا السياق تبرز مساهمة المستشرق الفرنسيّ لويس ماسينيون، بمنحه مصطلح "الإبراهيمية" محتواه الروحي والسياسيّ. فقد طوَّر ماسينيون أطروحته المعنونة "ثري بريرز أوف أبراهام" (الصلوات الإبراهيمية الثلاث) الصادرة سنة 1949، ليجعلَ من إبراهيم إطاراً روحيّاً فاعلاً في الأديان الثلاثة، الأب المركزي لها، وليس ذاكرة مشتركة فحسب.
ووفق هذا الطرح، لا يغدو إبراهيم بمثابة النبيّ الخارج من المركز الوثني والمنقطع عن جغرافيته الأبوية، كما يُجسِّده القرآن. بل يصبح إبراهيم الراعي المُقيم الذي يُعيِّن الأماكن المقدسة ويُشرعن العلاقة بالأرض ويضمن استمرارية روحية تحت سقف ما أسماه ماسينيون "الضيافة الإبراهيمية". وقد أسند إلى هذا الإطار مفهوم "الإحلال" أو "التبادل الروحي" أو "البدلية"، المستمَد من لاهوته الصوفي، الذي يفترض إمكان أن يتكفَّل المرء بآلام الآخر ويحملها عنه. ومن هذا الأساس تبلورت صورة إبراهيم أباً مشتركاً يتيح تأسيسَ تضامنٍ عابرٍ الحدودَ الدينية.
على نوايا ماسينيون للتقريب بين أبناء البيت الواحد، إلا أنَّ التقييم المعرفيَّ والمفاهيميَّ لا يعفيه من أنَّ مفهومه عن الإبراهيميّة مسيحيّ. وقد كان بحثُه في التصوّف الإسلاميِّ المعمَّق محاولةً دؤوبة للبحث عن "مسيح إسلاميّ"، وجده ماسينيون متجسِّداً في شخصيّة الحسين بن منصور الحلّاج، بآثار الصَّلب نفسها. فقد قُتل الحلاَّج في بغداد سنة 922 بعد اتهامه بالزندقة بسبب أقواله الصوفية، وهو الحدث الذي يشابه لدى ماسينيون الدور الرمزي للمسيح في التعبير عن التضحية من أجل الحقيقة الروحية.
قد تكون الإشكاليّة هنا في محاولة إدماج الإسلام داخل المظلَّة الإبراهيميَّة بصيغتها الغربيّة المسيحية أنَّها تنطوي على مفهوم معيّن للدين. يضاف لذلك أنَّها لا تقرأ الإسلام إلّا في ضوء أنَّه دين تكميليّ لليهودية والمسيحيَّة.
فمفهوم الدين الحديث مفهوم له سياقه الأوروبيّ الحديث. يحلل الإناسيّ طلال أسد ذلك، إذ يكشف في كتابه "جينالوجيا الدّين" المترجم للعربية سنة 2017، كيف أن مقولة "الدين" ذاتها – بما تنطوي عليه من فصل بين المقدَّس والدنيوي، وبين اللاهوت والسياسة والقانون – ليست بمقولة كونية سابقة للحداثة الغربية. وإنما هي في صميمها اختراع غربيّ حديث أُسقط على تقاليد لم تعرف هذا الفصل أصلاً. بمعنى أن مفهوم "الدين" الحديث، الذي يفصل بين الاعتقاد والضمير أو بين الروح والجسد، لا ينطبق على كافَّة الثقافات الدينية، وبالتالي يُعمّم على أنه كوني، وهو أوروبي مسيحي أصلاً.
يقول أسد معلقاً على هذا: "كانت الكنيسة في القرون الوسطى واضحة دائماً حول الحاجة الدائمة للتمييز بين المعرفة والكذب (بين الدين وما يسعى للإخلال به)، وبين المُقدَّس وغير المقدَّس (بين الدّين وما يقع خارجه). وهذان النوعان من التمييز كان الحكم النهائيّ فيهما للخطابات المرجعيّة، وهي تعاليم الكنيسة وممارساتها وليس قناعات الممارسين".
يضيف أسد بأن هذا الحدَّ الفاصل بين الدينيّ والدنيويّ أُعيد رسمه عدّة مرات قبل "حركة الإصلاح الدينيّ"، ولكنَّ السلطة الكنسيَّة الرسميَّة ظلَّت هي السائدة. أمَّا في القرون التي أعقبت ذلك ومع نشوء العلم الحديث ووسائل الإنتاج والدولة الحديثة، فقد "اتضحَ للكنيسة أن هناكَ حاجةً لفصْل الدّينيّ عن الدنيويِّ واتجه وزنُ الدِّين باتجاه الحالات الوجدانيَّة للمؤمن الفرد ودوافعه. وأدَّى ذلك في هذه الحقبة إلى أن يهجرَ الانضباطُ (الفكريّ والاجتماعيّ) الحيِّز الدينيَّ تدريجياً لتحلَّ محلَّه أمورٌ مثل 'الاعتقاد' و'الضمير' و'رهافة الحس'. لكن ظلّت الحاجةُ قائمة لتعريف الدّين".
وعليه حين يُقال "الأديان الإبراهيمية"، يفترض هذا القول أنّ ما هو جوهريّ في الإسلام هو "بُعده الدينيّ" بالمعنى الحداثيّ الغربيّ. أي البُعد المنفصل عن الفقه والسياسة والمجتمع. وبهذا المعنى تشترط الإبراهيمية قبول المرء بتعريف الدين بالمعنى الكونيّ، لا بما يمتلكه هذا الدين أو ذاك من ماديَّة اصطلاحيَّة خاصة يمكن من خلالها اكتناه تصوراته المفاهيميّة عن العالم والذات والله.
فما أسَّسه ماسينيون لم يكن جداراً أخلاقياً يُرتكن إليه، وإنَّما تقنية مفاهيمية تشتغل على مستويين. الأول إدخال الإسلام في منظومة "أديان العالم" الكبرى فرعاً من شجرة إبراهيمية تديرها الروح المسيحية وتُشرف عليها. وتجلّى ذلك في تأسيسه مفهومَ "البدلية" الروحي، الذي يفترض أن المسيحيين يتحملون عبء الصلاة و"الافتداء" نيابة عن المسلمين، ما يضع الإسلام تحت وصاية لاهوتية مسيحية. والثاني تحويل "الملة الإبراهيميّة"، بما تحمله في القرآن من تحرير وخروج عن المركز (منحى عالمي)، إلى فكرة مكانية استقرارية تربط الإيمان بفكرة "الإقامة" لا "الخروج".
وقد أنجز ماسينيون هذه الإزاحة بإعادة هيكلة اللاهوت الإبراهيمي على مفاهيم "الضيافة" و"الحرم" وجغرافية الصحراء. فبدلاً من أن يكون إبراهيم نبي "الانخلاع" الذي يهجر أرض الآباء ومراكز السلطة الوثنية في حركة تحرر دؤوبة، اختُزل مؤسساً ملجأً جغرافياً للنسل الإسماعيلي. ومن هنا انتقل مركز الثقل من فعل التوحيد حركةَ تحرّرٍ ومفارقةً مستمرةً للأصنام إلى الانتماء إلى مكان مقدَّس. وبهذا المعنى، تحوَّل الإيمان من مسارٍ يقوم على الخروج والاقتلاع إلى حالة إقامة داخل جغرافيا مقدّسة تنتظر الخلاص.
وفي هذا الاتجاه يوضح أستاذ الدراسات الدينية آرون هيوز في كتابه "ذه أبراهاميك ريليجينز [. . .]" الأديان الإبراهيميَّة [. . .]" الصادر سنة 2012، أن هذا التحديد للإبراهيميّة إنما يمثِّل سعياً استشراقياً يستحضر الأديان الإبراهيمية لمجرد "إظهار أن عادة أو معتقداً أو ممارسة إسلامية بعينها غير أصيلة [. . .] وتستمدّ أصلها النهائي من دين آخر، أكانت اليهوديّة أو المسيحيّة".
يلاحظ أستاذ الدراسات الدينية في قسم الأديان في جامعة كولومبيا، جِلْ أنيدجار، في ورقته البحثية "يت أنذر أبراهام" (أبراهام آخَر أيضاً) الصادرة سنة 2011، أنّ الإبراهيمية سيرورة حداثيّة. يبدأ أنيدجار ورقته بسؤال يبدو بسيطاً ثم يتكشّف عن بعد مفاهيمي عميق: هل كان إبراهيم "دينياً" على الإطلاق. ويسعى أنيدجار بهذا إلى تفكيك الافتراض المسبق في مصطلح "الأديان الإبراهيمية" القاضي بأن مقولةَ "الدين" بمعناها الحداثي الغربي القائم على الفصل بين الديني والسياسي والاقتصادي والقانوني مقولةٌ كونيةٌ سابقةٌ الحداثةَ يمكن إسقاطها على إبراهيم وإرثه بلا تكلّف. وهو تصور يبدو متأثراً بطرح أسد.
يسوق أنيدجار حجةً تلو أخرى بأن هذا الإسقاط هو ما ينبغي أن نتريَّث عنده. فالمفهوم الإبراهيمي لا يجد أصله التاريخي في إبراهيم ذاته، وإنما في لحظة حداثية أوروبية صنعت "الدين" حقلاً منفصلاً. ثم وُزَّع إبراهيم وإرثه على هذا الحقل بصورة تُخفي ما هو سياسي وقانوني واقتصادي وجغرافي في الموروث الإبراهيمي وراء تسمية "الدينيّ". والأعمق في حجة أنيدجار هو أن هذا التوزيع ليس محايداً، إذ يكشف أن المسيحية لا تمثِّل ديناً من الأديان، وإنما "نظام توزيعي" للعالم. فصنعت المسيحيةُ هذا التقسيم بين الحقول، ثم تراجعت إلى موقع دين واحد بين الأديان كي تُخفي هيمنتها.
فحين يُسوِّي مصطلح الإبراهيمية بين اليهودية والمسيحية والإسلام على أرضية دينية مشتركة، فهو يعيد إنتاج التوزيع المسيحي للعالم وتثبيته، تحت غطاء خطابيٍّ يُدعى "الجذور المشتركة" و"الأخوّة". فإبراهيم في هذا الإطار لا يُوحِّد الأديان بقدر ما يُدار باسمه احتواء الاختلاف وإخضاعه لمعايير تصنيفية لم يعرفها هو ولم يُنتجها. ومصطلح الإبراهيميَّة يؤدِّي دوره وكأنّه آلة ترسيم للحدود، لا جسراً روحيّاً، فهو يحدد مَن هو الابن "الشرعي" الذي يقبل بشروط الليبرالية الغربية ومَن هو الابن "العاق" الذي يُنعت بالتطرف.
فغدت الإبراهيمية بمثابة تقنية سياسية تهدف لمحو التمايزات التاريخية والسياسية لصالح أخوة "قسرية" مبنية على العرق المُتخيَّل، قد تهدف إلى التمركز حول العقل الغربي وإلغاء التصادم مع الاستعمار. ويُستَحضَر إبراهيم في هذا الفضاء مضيفاً، إلا أن ضيافته تطالب الآخر بإلغاء سماته الخاصة مقابل الدخول في هذا البيت المشترك. وبتعبير الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، تعمل الإبراهيميَّة عملَها أثراً استعمارياً يصبو إلى محو "الغيرية" الإسلاميَّة بدمجها في هوية موحَّدة منسجمة مع المركزية الأوروبية.
بهذا لم يكن التحوّل الذي أحدثته الصهيونية في شخصية إبراهيم ابتكاراً من العدم، ولم يكن قطيعةً مع الإرث الاستشراقي الذي سبقه، إنما استثماراً في ما أتاحه ذلك الإرث وأعدَّ أرضيَّته.
هذا التحوّل لم يكن ممكناً بمعزل عن إعادة تأويل عرقية للاهوت. فالنص التوراتي يحمل هذا الوعد صراحةً. إذ يرد في سفر التكوين ما يجعل العهد مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالأرض والنسل، "سأُقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك [. . .] وأُعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك، كلّ أرض كنعان ملكاً أبدياً".
ويُشير في هذا السياق أستاذ تاريخ الأديان روفن فايرستون في كتابه "أبراهام أند أوثنتيستي" (أبراهام والأصالة) المنشور سنة 2015، إلى أن مفهوم "العهد" في التوراة لا يُصاغ التزاماً روحياً عاماً، وإنما ميراثاً أرضياً خاصاً. ويُحدد بخط النسل الذي يضيق في النص ذاته ليقتصر على إسحاق دون إسماعيل، كما يرد في سفر التكوين، "ولكن عهدي أُقيمه مع إسحاق". وهذا التضييق في النص التوراتي، الذي يستبعد إسماعيل من العهد الأرضي، هو ما تُعيد الصهيونية تفعيله وتسييسه على أنه صكّ ملكيَّة أرضيَّة.
فالمعضلة الصهيونية التأسيسية كان لديها سؤال، كيف تُشرعن مشروعاً استيطانياً في القرن العشرين، والجواب كما يبدو كان موروثاً. فقد أتاح التقليد البروتستانتي الإنجليزي الأمريكي، لاسيما ما يُسمى "التأويل التدبيري" (فهم النص بحسب الهدف منه والسياق الذي قيل فيه)، أرضيةً لاهوتية خصبة ربطت الوعد الإبراهيمي بتوقعات ملية عن إسرائيل.
ويتجلى هذا المسار النظري في مثال داخل التقليد الإنجيلي الأمريكي. إذ يبيِّن عالم الأديان مارك سيلك في تتبعه تاريخَ المصطلح الإبراهيمي أن "إنجيل سكوفيلد"، وهو نسخة مرجعية تفسيرية من الكتاب المقدس أعدها اللاهوتي الأمريكي "سايروس سكوفيلد" سنة 1909، قدم "العهد الإبراهيمي" تدبيرَ الوعد الذي يلزِم بتحقق الوعد الأرضي حرفياً. وبهذا التأسيس، تحوَّل دعمُ الاستيطانِ في فلسطينَ واجباً لاهوتياً لا خياراً سياسياً، وهو الإطار الذي ما زال يشكِّل حتى اليوم قاعدة الإنجيليين الأمريكيين الداعمين إسرائيل.
هذا اللاهوت لم يكن بحاجة إلى أن يكون دينياً كي يُؤتي أُكله سياسياً. فكثير من مؤسِّسي الصهيونية كانوا بلا دين أو ملحدين، كالأب الروحي للصهيونية ثيودور هرتزل. لكن المؤسسين وظَّفوا البنية اللاهوتية توظيفاً عقدياً بحتاً. وهذا ما يُفرِّق بين اللاهوت روحانيَّةً وبين اللاهوت سياسةً. فالأوَّل يطلب المؤمنين، والثاني يطلب المشرعِنين. إذ تستعمل الصهيونية ما هو ديني إطاراً إحلاليّاً، أي استبدال الهوية الروحية الكونية بهوية عرقية أرضية تربط الانتماء الإلهي بالسلالة والمكان.
وحين يتحوَّل الوعد إلى أداة للشرعنة، تُعاد طبيعة العلاقة بين إبراهيم والأرض جذرياً. فإبراهيم القرآني يخرج ولا يستوطن. أما "أبراهام" في البنية اللاهوتية الصهيونية، فتعريفه الجوهريّ أنه مَن تلقَّى الوعد الأرضي. وهذا الانتقال هو ما يُوضِّحه المؤرخ الفلسطيني نور مصالحة في كتابه "ذا بايبل آند زيونيزم" (الكتاب المقدس والصهيونية) الصادر سنة 2007، وهو يحلل التراث التوراتي بنيةً سياسية لا نصاً دينياً بريئاً. إذ يكشف مصالحة كيف أن قراءة "الأرض الموعودة" استُحضرت بانتقائية صارمة لبناء مسوِّغ لاهوتي للاستيطان، في حين أُسقط كل ما في النص من عناصر الترحّل والانتماء الروحي الكوني.
والأعمق من ذلك أن هذه البنية اللاهوتية أعادت تعريف مفهوم "الاختيار" ذاته، إذ حولته من مفهوم رساليّ – الاختيار للمهمة والمسؤولية – إلى مفهوم حيازيٍّ، الاختيار للأرض والامتلاك. فأبراهام الصهيوني يُعرَّف بلحظة تلقي الوعد، حين يُحصَر بالوعد الذي استُقبل، لا بتجرّده حيال الحقيقة الدينية.
مزجت الصهيونية هذا الإطار التوراتي بإحساس مسيحاني – متعلق بالمسيح المخلص – يجعل المشروع قادراً على الصمود في مواجهة تناقضاته الداخلية. فالمسيحانية تُعرِّف التاريخ خارج منطق السببية والقانون، فيُصبح ما يبدو تناقضاً صريحاً – حين تدَّعي دولةٌ الديمقراطيةَ وتفصل الفصل العنصري، ونبيٌّ جامعٌ يُسوَّغ باسمه التهجير – تناقضاً محتملاً أو مقبولاً بفعل الإطار الخلاصيّ.
وقد عملت هذه البنية على مستويين متشابكين. المستوى الداخلي الذي يُخاطب الجماعة الصهيونية ويجعل الهجرة من أوروبا "عودةً" والاستيطان "استرداداً". والمستوى الخارجي الذي يُخاطب الغرب المسيحيّ مستثمراً الإرث اللاهوتي المشترك مع النص التوراتي. وكأن إسرائيل هي الجسر الذي يمكن به أن تعبر الوحدة اليهودية المسيحية إلى نهايتها. أي تحقيق وعود الإله العنيف، يهوه، والاستيطان في أرض الميعاد تمهيداً لعودة المسيح.
بهذا قد يستنتج أن الرواية تسبق وقائعها ههنا. بمعنى أن يأتي الاستيطان ليُحقِّق وعداً سابقاً للتاريخ، فتتحوّل كلّ مقاومة إلى معارضة للإله ذاته. وضمن هذا التصور فإن الإبراهيمية الصهيونية لا تُشرعن فحسب، بل تعيد رسم الإطار الزمني ليبدو ما هو حديث قديماً وما هو مفروض بالقوة مُقدَّراً إلهياً. لهذا حين استُدعي اسم إبراهيم في "الاتفاقات الإبراهيمية" سنة 2020، لم يكن ذلك استدعاءً دينياً خالصاً. فقد بدا أشبه بتحقق تدريجي لوعد الإله، أي تطبيع المحيط الخارجي باسم إبراهيم مظلة لتبرير كل ما تعمله إسرائيل.
أمام ذلك، هنالك تصور مفاهيميّ قرآني لإبراهيم، مناقضٌ هذه الرؤيةَ الاستيطانيَّة ووعد الله له في القرآن وطبيعة هذا الوعد. يمكن تسمية ذلك "إبراهيمية غير صهيونية"، قد تكون نقداً مزدوجاً، بتعبير عبد الكبير الخطيبي، للتخلّص من الرؤية الصهيونيَّة العرقيَّة، والاستبصار بطبيعة الإبراهيمية الحُرَّة في القرآن.
وقد قطع النصّ القرآني الوعد عن الأرض، وأيضاً عن الذين ظلموا. وتتبين تلك الصياغة للوعد مثلاً في سورة البقرة، "وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ". يضاف لذلك آيةٌ من سورة آل عمران تفكك ما بُني باسم إبراهيم في القرنين الأخيرين، "مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ". فإبراهيم في القرآن "حنيف"، وكلمة حنيف في أصلها تدلّ على الانفصال والترحال والقطيعة، كذلك يدلّ على السالك الذي يأخذ بأيدي الوثنيين إلى الإيمان.
لهذا تُقرأ آية آل عمران لا محض نفي للانتماء الطائفيّ، وإنما تأسيساً لهويَّة قائمة على الخروج لا على الانتماء، وعلى الميل عن المركز لا على الاستقرار فيه. ومن هنا، تكون الحنيفية في القرآن توجّهاً نحو الحق والبعد عن كل وثن. فيصير الادعاء بالاصطفاء الإلهيّ لشعب ما وثنيَّة كان إبراهيم أوَّل من حاربها بفعل الانفصال والترحال والذبح. والحنيفية في بنيتها اللغوية تحمل دلالة الانحراف عن المركز لا الثبات فيه. لذلك كان إبراهيم القرآني شخصية مضادةٍ التوطينَ بالمعنى الوجودي الأعمق، لا الجغرافي الضيق. ولا يُفهم ذلك بأنَّ المسلم الإبراهيمي بلا وطن أو موطن، إنما يعني أنّ َوطنه لا يُقدَّس على حساب أوطان الآخرين ولا يُحوَّل إلى حجة لهدمها. قيامته حيث يكون، حتى وهو يزرع فسيلته في أرض الغرباء، كما يقول الحديث النبوي.
ويتعمَّق هذا التصور حين يُنقل من مستوى التوصيف اللاهوتي إلى مستوى الصياغة الفلسفية للوجود. فشرط وجود الإبراهيمية الإسلاميَّة هو شرط "خروج" وسفر وترحال. ذلك أن إبراهيم القرآني لا يُعرَّف بما تلقَّى، وإنَّما بما ترك. فهو يترك أباه ومدينته وجغرافيته الوثنية. وحتى في أرض كنعان عاش غريباً، مثلما يُقرأ في تفسير "سِفر التكوين": "وعاش أبراهام كغريب، كمرتحل، في أرض كنعان". لذا يمكن القول إن الشرط الديكارتي الإبراهيميَّ القرآني هو "أنا أخرج، إذن أنا موجود". وهذا الخروج ليس هجرة نحو أرض بديلة تُمتلك، إنما نحو مطلق لا يُحاز ولا يُمتلك ولا يُوهَب لأمة بعينها. ولهذا يصفه القرآن في آية سورة النحل بأنه "أُمَّةٌ" وحده، لأنه يحمل في ذاته طاقة الكسر من كل تجمّع يتحوّل إلى وثن.
فأمام الإبراهيم الصهيونيّ، يقف إبراهيم القرآنيّ خطاباً نقيضاً وتفكيكيّاً. فحين يتكلَّم القرآن عن إبراهيم فإنه يقصد الأولوية بالمقام الأول لا الاشتراك. إذ يمثل إسلام الأصل الذي انحرفت عنه اليهودية والمسيحية، لا فرعاً ثانياً في شجرة مشتركة. وهنا يقول الخطيبي: "لقد شد النبيّ محمد مصيره إلى قدر إبراهيم إلى حد أنه أطلق هذا الاسم على ابنه الوحيد [الذي أنجبه من الأَمَة القبطية مارية]. فالتاريخ يعيد نفسه ويستمر عن طريق اسم إبراهيم الذي يذكِّر بالوعد الإلهي ويرسمه على شجرة الأنساب. هذا مع العلم أن الانتساب إلى الإسلام لا يتم عن طريق التجسيد (المسيح) بل عن طريق تجربة إيمان باطني وانفصال صوفي للوجود".
بهذا فالإسلام قد تجاوز تصحيح صورة إبراهيم وتنقيتها من الآصرة العِرقية، ليعيد الاعتبار لمَن أقصتهم الرواية التوراتية الرسميَّة وأخرجتهم من العهد، أي هاجر وابنها إسماعيل. فهاجر في النص التوراتي أَمَة تُطرد مع ابنها إلى البرية، وإسماعيل فيه مُقصى من العهدِ صراحةً "عهدي أُقيمه مع إسحاق"، وفق سفر التكوين.
القرآن يضع إسماعيلَ في صُلب الرواية الإبراهيمية لا على هامشها ، فنجد أنّه مثلاً يبني الكعبة مع أبيه إبراهيم. أمَّا هاجر، حتى وإن لم يذكرها القرآن بالاسم، إلا أنَّها صارت لُب الركن الإسلاميِّ الجوهري المتكرر في كلِّ حج، متمثلاً في السعي بين الصفا والمروة. وقد خلد أثرها "الأم الغريبة" التي تسعى وحدها في واد غير ذي زرع. والإسلام بنمط مشابه وُلد من الغريبة، أو "المتروكة"، بحسب المحلل النفسي التونسي تعبير فتحي بن سلامة في كتابه "الإسلام والتحليل النفسي" المنشور سنة 2002. ويبدو ميشال حايك، المؤرخ الماروني اللبناني، محقاً حينما كتب أن الإسلام وُلد من هذا الطرد المزدوج الذي قامت به اليهوديّة والمسيحيّة باسم إبراهيم، فيما ينقل عنه الخطيبي في كتابه.
وثمة إشارة للجاحظ حيال "عربية" إسماعيل في الرسائل، تحديداً في الرسالة الحادية عشر. يقول: "ولولا قول النبيّ [محمد] إنَّ إسماعيل كان عربياًّ ما كان عندنا إلا أعجمياًّ، لأنَّ الأعجم لا يصير عربياًّ، كما أنَّ العربيَّ لا يصير أعجمياًّ، وإنَّما علمنا أنَّ إسماعيل (صيّره) الله عربياًّ بعد أن كان أعجمياَّ بقول النبيّ عليه الصلاة والسلام". معنى ذلك أنّ "عروبة" إسماعيل ليست عرقاً سابقاً موروثاً أو نسباً ثابتاً، بل معنى ديني تاريخي يتشكل ويتحوَّل. وهو ما ينقض أي تفسير عنصري أو عرقي لها.
وبهذا تتكشّف الإبراهيمية القرآنية على حقيقتها، إنها إبراهيمية الهامش لا المركز. إبراهيمية الغريبة والمطرود والأعجمي الذي صار عربياً، لا إبراهيمية الوارث والمختار والمستوطن. ولعل هذا ما يجعلها مضادة لأي مشروع يقوم على الاختيار العرقي والوعد الأرضي.
ويميِّز جاك دريدا، في هذا السياق، بين الضيافة المشروطة وغير المشروطة في نصِّه عن الضيافة. فالإبراهيمية الاستشراقية والصهيونية كلتاهما ضيافة مشروطة، تستدعيان الإسلام وتستقبلانه بشرط أن يتخلَّى عن مقتضياته السياسية وأن يقبل بإطار صنعه الآخر. أما إبراهيم القرآني حين يستضيف الملائكة، فلا يعرف مَن هم ولا من أين جاؤوا، فيمثِّل ضيافة لا تشترط التماهي مع هوية المضيف. استقبال قبل المعرفة وعطاء قبل التحقّق. ما يعني أن ما يُقدِّمه اسم إبراهيم في الاتفاقيات الإبراهيميّة يبدو النقيض تماماً. أي ضيافة تشترط على الفلسطيني أن يغيب كي تنعقد، وأن يبقى مقهوراً باسم الوعد الإلهي الأبدي. والسلامُ الذي يحمل اسمَ إبراهيم يحتاج إلى استمرار الاحتلال كي يستمر في تقديم نفسه سلاماً.
فحين يُطلق على اتفاقيات التطبيع اسمَ "الإبراهيمية" فهي إنما تُغيِّب الفلسطيني مثلما غُيب إسماعيل، وتستدعي "أبراهام" لا إبراهيم. وهكذا فإن إبراهيم القرآني الحنيف لا يمكن أن يكون أباً لجدار يحاصر فلسطين. إنه عين الجدار الذي شقه إبراهيم، وثار عليه وهدمه.
وتتجلَّى بهذا الدلالة الكاملة لما يصفه الفيلسوف سانتياغو زابالا في كتابه "تفكيك الصهيونية" المترجم للعربية سنة 2014، ويحلل فيه علاقة الوجود بالهوامش السياسية. يقول: "إنّ كينونة هيدغر 'المهترئة' مختلفة جداً عن متبقيات دريدا، كلاهما يحيل إلى الوجود المهمَل الذي يبدو أنّه أصبح 'غير متاح للإدراك الحسيّ المباشر'. كما يتبيّن، فمثل هذا الوجود المحفوف بالمخاطر ليس متاحاً فقط، بل هو أيضاً إمكانيّة حقيقية من أجل أولئك الذين لا يقومون بوظائفهم ضمن الديمقراطيات المؤطرة أو الذين يعارضون الصهيونيّة السياسيّة. سمته الرئيسة هي الكفاح من أجل الوجود على هوامش الرأسمالية أو إسرائيل، أي في أحياء الفقراء التي تمثل أكثر من ثلاثة أرباع سكان العالم وفي غزة".
وما يصفه زابالا هو ما تُنتجه الإبراهيمية الصهيونية على الأرض، أي وجود على الهامش محاصَر بجدران وظيفتها الإقصاء لا الحماية. أي إقصاء مَن رفضوا الانضواء تحت مشروع يُحوّل الأرض إلى ادّعاء إلهي. والمفارقة أنّ هؤلاء المُقصَين الفلسطينيين هم الأقرب إلى إبراهيم القرآني الحنيف الذي يعيش على الهامش ويرفض المركز، ولا يملك أرضاً لأنَّ الأرض لله.
وبناءً على هذا، تبيت الإبراهيمية التي تتجلى اليوم في اتفاقات التطبيع بمثابة تحقق عياني للتقنية الإحلالية التي حوَّلت الدين من ثورة ضد الأوثان إلى عقد إذعان للصنم السياسي الجديد. وتعيد استدعاء إبراهيم راعياً يبارك الاندماج في المنظومة الإمبراطورية، ومبرِّراً الاضطهاد المتواصل ضد الشعب الفلسطيني.

