أحمد أبازيد محرر مُنشِئ في مجلة الفِراتْس
في مسلسل "باشينكو" الذي عُرض أول مرةٍ سنة 2022، تزور الجدةُ الكوريةُ سونغا مع حفيدها امرأةً كوريةً أخرى من جيلها في مدينة أوساكا اليابانية أواخر ثمانينيات القرن العشرين. كانت سونغا قد جاءت اليابان مع آلاف اللاجئين في الثلاثينيات، إبان الاحتلال الياباني كوريا. تقدّم العجوز لهم طبق أرزٍ يأكله الحفيد الشابّ الناشئ في اليابان بلا مبالاةٍ، ولكن تلتمع عينا سونغا فجأةً وتسأل مضيفتَها التي أخبرتها أنها لا تستسيغ سواه في أرض اللجوء. ميّزت سونغا أنه أرز الوطن، ولكن لم يميّز الحفيد الشاب سوى أنه قاسٍ قليلاً ربما بسبب الطبخ.
تذكرت سونغا في الأرز القاسي المجاعةَ واللجوء والحرب والأموات. قبل ستّين عاماً، حين الندرة والجوع، اشترت لها أمها لوداعها حفنةً منه بآخِر ما تملك، على خفيةٍ من الجنود اليابانيين الذين كانوا يحرّمون بيعه على غيرهم. وتذكرت رحلة اللجوء المهين الصعب، والقصف الأمريكي في الحرب العالمية الثانية، والركام والأشلاء والبعد عن وطنٍ أضحى لديها محض ذكرى بعيدة.
في السنوات التي سبقت سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، كانت أغاني الثورة السورية ملجأ ملايين السوريين داخل الوطن وخارجه، ممن بقوا أو نزحوا في البلاد أو لجؤوا خارجها، متعلّقين فيها بالإصرار والحلم والذكريات. كانت هذه الأغاني أرزّنا القاسي، بصوتها منخفض الجودة في المظاهرات والتسجيلات القديمة، والتي تقاطعها أصوات الهتاف أو القصف أو المصوّرين، ولكنها ذاكرة الثورة واللحظة الصادقة التي تمنحنا المعنى. وبالنسبة لجيلٍ آخَر لم يعش تلك الأيام، ربما كانت مجرد أرزٍّ قاسٍ يفضّل عليه أغاني الاستوديوهات واضحة التسجيل والموسيقى، ولكنها باهتةٌ لنا.
كان نشوء الفنّ الثوري مظهراً لتحوّل الثورة إلى مشروع تغييرٍ سياسيٍ وطنيٍ جذريٍ، لا مجرد احتجاجاتٍ مطلبيةٍ معزولة. لذلك يمنح حاضنته مساحتها من اللغة والعاطفة والتعبير، وخاصةً في تمثيل الهويات المحلية وفنونها ولهجاتها. وكان مظهراً لمسار القطيعة مع نظام الأسد، كما حمل الثوار علم الاستقلال واستعملوا خطاباً يحاول تأسيس هويةٍ وطنيةٍ مستقلةٍ رمزياً عن النظام. وإلى جانب ذلك كانت أداة حشدٍ وتحدٍّ في الساحات، تكثّف الشعارات ومشاعر اللحظة التي يمثّلها المغنّي حين يقود هتافات المتظاهرين ويمثّل أحلامهم وآلامهم وأهدافهم.
في الرابع من يوليو 2011 أشيع مقتلُ مغنّي مظاهرات حماة واقتلاعُ حنجرته، وقيل إن اسمه "القاشوش"، لكن تبيّن أن المغنّي الحقيقي عبد الرحمن فرهود لم يُقتل وقتئذ. بعد ذلك حمل المغنّون في كل منطقةٍ لقب "قاشوش" أو "بلبل"، أي منشد المكان، وأصبحت حياتهم ومقتلهم ذات رمزيةٍ مرتبطةٍ بأغنياتهم، وتمايزوا فئةً ضمن الثوار مع فئاتٍ أخرى مثل التنسيقيات والإعلاميين والجيش الحر.
طيلة سنوات الثورة السورية، كان هؤلاء "القواشيش" صوتها الأعلى، واتخذوا فيها مساراتٍ متنوعةً إلى جانب الغناء الثوري، فكانوا منشدي أحياءٍ أو عُرفوا على امتداد سوريا، وقاتلوا في فصائل أو أسسوا بعضها، وانخرطوا في أعمالٍ مدنيةٍ وإغاثيةٍ وطبية. ونتيجة هذه المسارات المتنوعة ودورهم الثوري والاجتماعي توفّي العشرات منهم. لعلّ أشهر هؤلاء عبد الباسط الساروت الذي غنّى في مظاهرات حمص الأولى سنة 2011، وأسس كتيبةً في الجيش السوري الحر، وحوصر وهُجّر وقاتل حتى قُتل في معارك ضد قوات النظام في الثامن من يونيو 2019.
وتكشف حكايات وفاة ومقتل منشدي الثورة السورية عن الأدوار المتعددة التي اتخذوها، والتي كان الفنّ الثوري أحد مظاهرها أو دوافعها. منذ استهدافهم بالملاحقة والقتل في الاقتحامات، أو قتلهم في الهجوم على مواقع المظاهرات بالرصاص والقصف، واعتقالهم من جهاتٍ متعددةٍ لإخفاء ما يمثّلونه، ثم حملهم السلاح ومقتلهم في المعارك أو اغتيالهم من مجهولين، أو وفاة بعضهم بحوادث أو مرضٍ أو موتٍ طبيعي.
في بدايات الثورة السورية، ظهر الغناء الثوري مع الشعارات واللافتات، وظهر المنشدون الثوريون الذين قضى بعضهم نحبه ضحية الاقتحامات والاعتقالات. بدأت شرارة الثورة السورية من درعا البلد يوم الثامن عشر من مارس 2011. كان الجامع العمري القديم هو مركز المظاهرات، وأصبح في الأيام اللاحقة مستشفى ميدانياً ومنطقة تجمّعٍ للمتظاهرين. وفي الساحة أمامه أقيمت منصة اعتصامٍ استمرت حتى اقتحام جيش النظام السابق مدينة درعا يوم 25 أبريل 2011.
شهدت مظاهرات درعا الأولى، وخاصةً في هذه الساحة، ولادة الفنّ الثوري وظاهرة منشدي الثورة السورية. إذ أُطلقت فيها هتافات التغيير وإسقاط النظام، وألقى فيها متظاهرون كلماتٍ وقصائد، وغُنّيت فيها المطالب بألحانٍ من الثقافة الحورانية التقليدية. كان من أشهرها هتاف "الموت ولا المذلة" و"من حوران هلت البشاير [. . .] لعيونك يا شعب يا ثاير".
المعتصمون أمام الجامع العمري في درعا البلد ينشدون "عاشت سوريا ويسقط بشار الأسد"، 23 أبريل 2011
ظهر النشيد في مواجهة الرصاص منذ الأيام الأولى للثورة. في مطلع أبريل 2011 أطلق حاجزٌ عسكريٌ بين بلدتَي إنخل وجاسم الرصاصَ على المتظاهرين وقتل أحدهم. حمل حينها أحد قادة المظاهرات، محمد العلوه الزعبي، مكبر الصوت عاري الصدر وحاملاً أغصان زيتونٍ ينشد أمام جنود الجيش "فتنت روحي يا شهيد". ولم يلبث أن قُتل محمد في اقتحام قوات النظام بلدته إنخل، إذ أعدمته أمام أمه وأبيه في 12 مايو للسنة نفسها، وفق منصة الذاكرة السورية.
محمد العلوه الزعبي ينشد أمام جنود الجيش بعد مقتل صديقه ضياء الشمري، 1 أبريل 2011.
ولعلّ أوّل من ألّف أغاني ينشدها بين المتظاهرين "أبو شلهوب"، عبدو محمد الأسعد، المقيم في درعا، وفق ما أخبرنا الصحفي منتصر أبو نبوت الذي يعرف العائلة. لم يكن "أبو شلهوب" مغنياً محترفاً أو سياسياً، وإنما تاجراً بسيطاً دخل في الثورة الشعبية مع الناس، وغنّى على المنصة ساخراً من بشار الأسد، يردّد خلفه المتظاهرون.
بعد نحو عامٍ من تلك الأمسيات، وتحوّل الثوار إلى السلاح تحت مسمّى الجيش السوري الحر، اقتحم جيشُ النظام درعا البلدَ مرّةً أخرى في 14 مارس 2012. وقعت مجزرةٌ كان ضحاياها مدنيين ومقاتلين، بعد أن حوصروا في منزلٍ وقُتلوا، عدا من قُتل من مدنيين كانوا على مقربةٍ منهم، وكان أحد هؤلاء "أبو شلهوب".
لم يُستهدف "أبو شلهوب" حينئذٍ لغنائه، وإنما لأنه كان مع الثوار المسلّحين في بداياتهم. ولكن مغنّين آخرين قتلتهم اقتحامات النظام على المدن والبلدات المنتفضة بين سنتي 2011 و2012، قبل أن تصبح مناطق السيطرة بين الثوار والنظام منقسمة لا يمكن للنظام اقتحامها دون معركةٍ عسكرية.
عبدو محمد الأسعد ينشد في اعتصام الجامع العمري في درعا البلد: "يا جماعة معليش وكله من شوفير الجيش"، أبريل 2011
خلال الأشهر الأولى من الثورة السورية ظهر عشرات المغنّين و"القواشيش". أصبح لكلّ مدينةٍ أو قريةٍ أو حيٍّ "قاشوشه" الخاص، وكأنه من ضرورات الثورة في أيّ منطقة. وبسبب المظاهرات التي أحياها هؤلاء "القواشيش" اقتُحمت المناطق وارتُكبت المجازر في كلّ مرة.
وكان من أول ضحايا الاقتحامات أيمن الشريف في بلدة عربين الواقعة في الغوطة الشرقية، الذي قُتل يوم الخامس من أغسطس 2011. وافق هذا اليوم جمعةً سمّاها المتظاهرون "جمعة الله معنا". يومئذٍ اقتحم جيشُ النظام البلدةَ لمنع مظاهراتها، فعاشت البلدة يوماً من إطلاق الرصاص والمداهمات، كان "قاشوش عربين" من ضحاياه.
كان ذلك مصيرَ الشاب أنس بكور، منشد مظاهرات بلدة كفرنبودة بريف حماة، ورسّام جداريّاتها. إذ أصيب ثم توفّي برصاص جيش النظام عند اقتحام البلدة في 12 سبتمبر 2011، وكان أوّلَ من يُقتل بنيران النظام في البلدة. باتت كفرنبودة في السنوات اللاحقة شبه ركامٍ من أثر المعارك وغارات الطيران، وخاليةً من سكانها بعد تهجيرهم خلال الحملة العسكرية الروسية على المنطقة سنة 2019، حتى عادوا إليها بعد سقوط نظام الأسد.
وبعده قُتل أستاذُ التربية الدينية في قرية أبديتا الواقعة في محافظة إدلب محمد عبد الحميد الحمود، الذي ألّف أغنياتٍ ثوريةً بألحانٍ من التراث السوري، كان أشهرها "يمّا مويل الهوى [. . .] يمّا مويليّا [. . .] ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيّا"، إذ ظهر في مقطعٍ مصوّرٍ يغنّيها ويقرأ كلماتها في العتمة على ضوء هاتفٍ بين المتظاهرين في جبل الزاوية. غُنّيت هذه النسخة في مئات المظاهرات بعد ذلك، وأدّاها مغنّون محترفون مثل وصفي المعصراني، وفرقٌ فنّيةٌ محترفةٌ مثل كورال غاردينيا.
كانت الينابيع الأولى لألحان الأغاني الثورية هي الألحان الشعبية التراثية في كلّ منطقةٍ، أو ألحان أغانٍ معروفة. واقتُبست أيضاً ألحان الأناشيد الصوفية التي يدندنها غالباً من كانوا منشدين دينيين قبل الثورة، وكذلك أغاني الثورة الفلسطينية، وفي كثيرٍ منها ظهرت ألحانٌ جديدة. اقتبس الحمود الأغنية الفلسطينية "قولوا هيه يا الربع والخاين ما نريده" في كلماتٍ سوريةٍ معدّلةٍ أيضاً.
في منتصف سبتمبر 2011 بدأت قوات النظام عمليةً عسكريةً واسعةً في جبل الزاوية، الذي أصبح معقلاً للمظاهرات ومقاتلي الجيش الحر في إدلب، واعتقلت الحمود مع عشراتٍ من أهالي قرى الجبل. وبعد أيامٍ وُجدت جثّته في الأراضي الزراعية، حيث رُمي ضحايا المجزرة، وكان مكبّل اليدين ومعصوب العينين وأثر رصاصةٍ في رأسه.
محمد عبد الحميد الحمود ينشد "يما مويل الهوى" في جبل الزاوية.
بعد أوائل اقتحامات قوات النظام ونشر الحواجز في المناطق المنتفضة أو محيطها، لجأ الثوار إلى المظاهرات المسائية، لتكون أكثر أمناً، إذ يخشى الجنود التحرك في الليل أكثر من النهار. ولأنها مناسبةٌ لحشد الناس، خاصةً بعد حلول شهر رمضان في يوليو، فأصبحت المسائيات يوميةً بعد صلاة التراويح التي يجتمع فيها الناس، بعد أن كانت الدعوات تُوجّه عقب صلاة الجمعة في كلّ أسبوع.
في إحدى هذه الأمسيات، يوم 17 أكتوبر 2011 في بلدة سرمين بريف إدلب، غنّى محمود عمر عبد الرزاق "وين الملايين"، التي عُدّلت كلماتها لتحاكي الواقع السوري والشكوى من عدم التدخل العربي لإنقاذ السوريين. لم تسعف الملايينُ عبدَ الرزاق حين داهمت قواتُ النظام البلدةَ وفتحت النار عليها فقُتل مع شابٍّ آخَر.
أما نادر صطوف الذي كان يقيم في بلدة طيبة الإمام شمال حماة، مع أنه من اللاذقية، فقد أنشد في المظاهرات هناك حتى قتله عنصر أمنٍ كان مقيماً في البلدة أيضاً يوم الخامس من نوفمبر 2011، بعد محاولة صطوف تجريده من سلاحه، وفق ابن البلدة الصحفي عبد الله الموسى.
محمود عمر عبد الرزاق ينشد في مظاهرة مرسين قبيل مقتله.
لم تتوقف اقتحامات المناطق في السنة التالية، وازدادت وتيرتها بعنفٍ أكبر مع ظهور الفصائل المسلحة. وكان من ضحاياها منشد مظاهرات قرية عدوان شمال درعا، محمد أمين القرفان، الذي أصيب عند اقتحام القرية في الثامن من فبراير 2012 ثم توفّي بعد عشرة أيام.
وفي حملةٍ عسكريةٍ واسعةٍ على إدلب أواخر مارس من السنة نفسها، أعدمت القوات التي اقتحمت بلدة كفرومة منشدَ مظاهراتها الشاب زهير الدرويش ميدانياً بعد مداهمة منزله واعتقال والده وشقيقه، وفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
وفي الأيام نفسها قريباً منها في جرجناز، أعدمت القوات المفتحمةُ أستاذَ التربية الإسلامية حسن النايف الدغيم بعد أن عذّبته، وفق ما ذكر لنا تلميذه طارق الدغيم. وكان حسن كاتبَ كلمات أغنية "لعيونك يا جرجناز" التي اشتُهر بها منشد مظاهرات البلدة رائد الحامض، وبقيت رمزاً للمدينة حتى اليوم.
رائد الحامض ينشد "لعيونك يا جرجناز"، مايو 2012.
لم تقتصر تلك الاقتحامات على القتل، بل رافقها اعتقال الآلاف، وبينهم المغنّون للثورة. في وثيقةٍ أمنيةٍ لمخابرات النظام اطلعتُ عليها كُتب بجانب اسم معتقلٍ من ريف دمشق "كان اختصاصه الغناء ويعمل مع المسلحين في دير العصافير والأشعري، حيث يحيي الحفلات لهم يغنّي خلالها الأغاني المسيئة للجيش والقيادة"، وأحيل بسبب ذلك إلى محكمة الإرهاب العسكرية التي ساقت الآلاف إلى الإعدام أو القتل تعذيباً في السجون.
كان من أوائل هؤلاء المعتقلين عمار أحمد رعد في مدينة القصير غرب حمص، الذي أنشد في مظاهرات المدينة وفي تشييع ضحاياها. وكان آخر تشييعٍ يشهده يوم 24 أكتوبر 2011، إذ اقتحمت قوات النظام المدينة واعتقلت شبّاناً كان رعد بينهم، وبقي مجهولَ المصير أعواماً حتى علم أهله بعد سقوط نظام الأسد بإعدامه في سجن صيدنايا العسكري سنة 2013.
وفي اقتحام بلدة تلمنس غرب إدلب يوم الخامس من يناير 2012 اعتُقل منشد مظاهراتها محمد المرعي، وغُيّب مصيره في سجن صيدنايا العسكري، حيث قُتل غالباً مع آلاف المغيّبين، وفق ما أخبرتني زوجته عضوة الفريق الاستشاري للهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا مياسة شيخ أحمد. وقد انخرطَتْ بعد ذلك في النشاط المدني لأجل قضية المختفين قسرياً في سوريا، وما زالت طفلتُها مريم التي لم ترَ والدها ترسم صورته في أوراقها، إذ كان عمرها شهرين عند اختطافه.
صورة نشرتها زوجة محمد المرعي على صفحتها الشخصية.
وفي مدينة الصنمين جنوب سوريا، وقعت ثالث مجازر سوريا (بعد مجزرتي اقتحام الجامع العمري ومسيرة الفزعة يوم 23 مارس 2011) في يوم "جمعة العزة" 25 مارس 2011، كان خبرُ هذه المجزرة التي قُتل فيها عشرة متظاهرين سببَ هجوم المتظاهرين في مدينة درعا على تمثال حافظ الأسد وإسقاطه وحرقه، فكان أوّلَ تمثالٍ يُسقط في الثورة السورية.
اشتُهرت المدينة بعد ذلك بمظاهراتها التي قدّمت مشاهد مثل التظاهر بالأكفان ورفع لوحاتٍ كبيرةٍ بكلمةٍ واحدةٍ موجهة للنظام مثل "كذاب"، وبأغنياتها الحماسية التي كان يغنّيها مشهور اللباد ووليد القاسم (الزهرة). سُمّي اللباد "قاشوش الصنمين" واعتقلته قوات النظام يوم 29 فبراير 2012، وظلّ مصيره مجهولاً حتى سقط نظام الأسد فنَعَتْه عائلته.
وفي بلدة الهامة غرب دمشق، كان حسان عامر من منظّمي مظاهراتها ومنشدَها، وغنّى فيها أغنيةً كتبها تسأل "شو قصة المعتقلين؟". ثم شهدت بلدتا الهامة وقدسيا مجزرةً قُتل فيها العشرات خلال اقتحام قوات النظام بدايات أكتوبر 2012، إذ حاول المغادرة بعد أسابيع منها إلى لبنان، ولكنه اعتُقل في طريقه. وبقي مجهول المصير حتى أعلنت عائلته بعد سقوط نظام الأسد عن مقتله في سجن صيدنايا العسكري.
حسان عامر ينشد في بلدة الهامة "شو قصة المعتقلين"، 22 يناير 2012.
أما الشاب مازن الصبيحي، ابن بلدة عتمان شمال درعا، فقد استلهم من أغنيات الثورة الفلسطينية وألّف على غرارها "ثوار ويالله قولوا والخاين ما نريده"، مسجّلاً أسماء أصدقائه من مقاتلي "كتائب المعتز بالله" في بلدته، وغنّاها مقاتلو الجيش الحر في إحياء الذكرى الأولى للثورة سنة 2012. وفي الثاني من ديسمبر تلك السنة اعتُقل عند حاجزٍ أمنيٍ، وبلغ ذويه مقتلُه في فرع الأمن العسكري بعد أربعة أشهرٍ من اعتقاله.
في مواجهة عنف النظام تسلّح المنشدون بصوتهم في البداية، ثم تسلّحوا بالبنادق وانضموا إلى فصائل أو شكّلوها. لم يقتصر دور الأغنيات على احتفالات المظاهرات، بل انتقلت مع من يغنّيها إلى ساحات المعارك.
مازن الصبيحي ينشد "ثوار ويالله قولوا".
في 29 يوليو 2011 أعلن العقيد المنشقّ رياض الأسعد تشكيل الجيش السوري الحرّ مع ضباطٍ ومجنّدين منشقّين عن جيش النظام. لم يصبح هذا جيشاً متماسكاً بهيكليةٍ وقيادةٍ واحدةٍ، ولكن الاسم تحوّل إلى عنوانٍ للعمل المسلّح ضد النظام، وتشكّلت خلال الأشهر اللاحقة مئات المجموعات المحلية المسلحة بأسماءٍ مختلفةٍ تحت شعاره.
كان جنود هذا الجيش بمعظمهم من المتظاهرين أنفسهم، مع المنشقّين من جنودٍ وضباطٍ، وبين عناصره كان عشراتٌ من منشدي الثورة. وكان من هؤلاء محمد حاف.
في مدينة سراقب، كان محمد باريش شقيقَ إخوةٍ يحملون اسماً مركباً يضمّ اسم محمد مع اسمٍ آخر، أما هو فسُمّي محمداً فقط، ولذلك ناداه سكان مدينة سراقب بِاسم محمد حاف (كلمة سورية عامية تعني فقط). أشعل محمد حاف المظاهرات في المدينة منذ مظاهرتها الأولى يوم "جمعة العزة" في 25 مارس 2011، وغنّى في المظاهرات يرافقه أحمد العيسى الذي يضرب على طبلٍ، وحمل العيسى لقب "الداعور" نسبة لعازف سوريٍّ شعبيّ.
محمد باريش في إحدى مظاهرات مدينة سراقب.
اعتُقل محمد حاف في مايو 2011 وعُذّب في فرع فلسطين التابع للمخابرات الجوية السورية، حيث قابل قريبه الصحفي منهل باريش الذي حدّثني عنه. بعد خروجه شكّل محمد حاف في المدينة كتيبةً مسلحةً، وقاوم مع رفاقه عند اقتحام جيش النظام المدينة في حملته العسكرية الواسعة على إدلب أواخر مارس 2012، وشاهد جثث أبناء مدينته قتلى بالقصف والرصاص والإعدام الميداني. انسحبت قوات النظام بعد المجزرة، وتجمّع بقية سكان المدينة بعد دفن موتاهم في سوقها يغنّي وسطهم مغنّي العتابا محمد عكل الضاهر (أبو الصفا) في رثاء أبنائها بأسمائهم، وفي زاوية تجمّع الرثاء كان محمد حاف يبكي شقيقَه سعد وابنَيْ شقيقته.
محمد عكل الضاهر يرثي ضحايا اقتحام سراقب، مارس 2012.
تجدد الاقتحام وانتشرت قوات النظام في أطراف المدينة، وقتلت الآليات العسكرية محمد حاف أول أبريل 2012. بكى الداعور رفيقَه محمد حاف، وغنّى وقاتَلَ بعده، حتى قُتل يوم 18 فبراير 2013.
بقي اسم محمد حاف على جدران سراقب ولافتاتها. وألّف ابنُ المدينة الفنّان وعازف العود خالد شلاش أغنيةً في رثاء محمد حاف غنّتها ابنتُه الطفلة إنانا، تكرّر فيها لازمة "محمد حاف محمدنا [. . .] اشتقنالك يا محمد حاف".
أغنية إنانا خالد شلاش "محمد حاف محمدنا".
ألّف شلاش ولحّن عدّة أغنياتٍ غنّتها إنانا عن الثورة وسراقب والغائبين. وفي 18 نوفمبر 2015 قصف الطيران الروسي منزل شلاش فقتل زوجته فاطمة، وبعد أسبوعين ماتت إنانا متأثرةً من إصابتها. في السنوات الطويلة بعد ذلك، بقي خالد شلاش يحمل عوده في ليالي الشتاء الباردة ويغنّي لزوجته وابنته، ولمحمد حاف والداعور والراحلين: "يا مرّ عيشي على فرقاهم [. . .] نسّاني نومي وأني ما انساهم".
خالد شلاش يغنّي "دمعي اليوم شكد نزل".
انتشر صوتُ الأغنيات في سوريا. وفي سائر المدن حمل المغنّون السلاح أو قُتلوا قصفاً أو إعداماً، من شمال سوريا حتى جنوبها. منذ تشكيل الجيش الحر في يوليو 2011 وحتى انقسام مناطق السيطرة بين الثوار والنظام في الربع الأخير من سنة 2012، اقتحم جيش النظام السابق عشرات المناطق الثائرة. شهدت هذه المرحلة تحوّل عشرات المنشدين إلى العمل المسلح. كان تسليح هذه الكتائب الأولى بدائياً، ودون سيطرةٍ حقيقيةٍ على مناطقها، ما أدّى إلى انسحاب كثيرٍ منها عند اقتحام قوات النظام وارتكابه مجازر، أو مصرع مقاتليها خلال الدفاع عن مناطقهم أو الهجمات الأولى على مواقع النظام العسكرية.
كانت حمص أول مختبرٍ لحرب السيطرة بين الثوار والنظام، إذ أصبح حيّ بابا عمرو مركزاً للثوار المقاتلين، وشهد الحيّ أول معركةٍ ممتدةٍ زمنياً بين أكتوبر 2011 حتى دخول قوات النظام الحيّ مطلع مارس 2012. ولكن المعركة والاقتحامات في الفترة نفسها طالت أحياء المدينة الأخرى.
حملت المدينة لقب "عاصمة الثورة" منذ أصبحت مركزاً مستمراً للمظاهرات السلمية في الأشهر الأولى من الثورة، وساعدها في حمل هذا اللقب الطابعُ الفنّي الذي أضفته على المظاهرات.
كان الساروت أحد هؤلاء الفنّانين الثوريين الذين كرّسوا طابعاً حمصياً للمظاهرات والفنّ الثوري. وفي كلّ حيٍّ من أحياء حمص ظهر "قواشيش" ومغنّون آخرون، رثى الساروتُ من مات منهم بأغنياته.
مظاهرة في حي بابا عمرو ينشد فيها نجل المنشد أسامة إدريس بعد يوم من مقتل والده. 28 يناير 2012.
كان أول هؤلاء محمد خالد الشيخ، أوّلُ منشدي حيّ بابا عمرو في مدينة حمص ووحيدُ أبويه، والذي قُتل برصاصة قنّاصٍ في حيّ بابا عمرو في الثالث من ديسمبر 2011، وحمل الساروت نعشَه وسط المئات وغنّى له باكياً "جنة يا وطننا". وفي 27 يناير 2012 قتلت شظايا قنبلةٍ مسماريةٍ منشدَ الحيّ الآخَرَ أسامة إدريس حين كان يعمل مسعفاً للمصابين في القصف. وفي اليوم التالي صعد طفلُه إلى منصة المظاهرات وأنشد أغاني أبيه. أخبرني الصحفي خالد أبو صلاح، صديقُ الشيخ وإدريس، أن أسامة لم يكن ذا صوتٍ مميزٍ، ولكن جرى التقليد أن يفتتح هو المظاهرات لأن حماسته لم يضاهِها أحد. وعند اقتحام قوات النظام الحيّ مطلع مارس 2012 أعدمت وأحرقت والده أستاذ التربية الإسلامية برهان إدريس مع عشراتٍ غيره، وفق أبو صلاح.
في الاعتصام الكبير في حي الخالدية أواخر سنة 2011، كان منشد حيّ الوعر حسين العكيدي يغنّي إلى جانب الساروت "حلمي الشهادة يابا" و"الله أكبر يا عرب نادت الشام". حمل العكيدي السلاح قبل أن تقتله الآليات العسكرية التي اقتحمت حيّ الوعر في السادس من فبراير 2012، وغنّى له الساروت بعدها في مظاهرة "يا يمّا بثوب جديد [. . .] زفّيني جيتك شهيد".
حسين العكيدي ينشد "سكايا يا دموع العين" في إحدى مظاهرات حي الخالدية في مدينة حمص سنة 2012.
طغى على أغاني الساروت والعكيدي طابعٌ أقرب إلى اللهجة البدوية، وبلمسة تحشيدٍ حربيٍّ لا تخفى في بعضها. ولكن مغنّين آخرين مثل طارق الأسود وضياء البسطي، ابنيْ حيّ الإنشاءات الذي يُعدّ من الأحياء الراقية في المدينة، غنّوا بلهجة المدينة المخففة، أو ما يُعرف في سوريا باللهجة البيضاء. ولعلّ هذا من سمات الفنّ الثوري في مدينة حمص، إذ عكس التنوع الاجتماعي في المدينة، من أغاني اللهجة البدوية أو المدينية أو التراث الفنّي لأحياء حمص القديمة، وحتى الغناء الاحترافي الذي قدّمه وصفي معصراني، أو الأوركسترا التي قدّمها مالك جندلي.
كان طارق الأسود طالباً جامعياً حين بدأت الثورة، اعتقله النظام لنشاطه في المظاهرات وعذّبه وخرج واستمرّ في التظاهر والغناء، وشارك في العمل الطبي وإسعاف المصابين. أنشد الأسود أغنياتٍ تناقلها السوريون بصوته الباكي مثل "كبّر عليهم يا ابن بلادي"، وأغنية "طيب إذا منرجع" التي كتب كلماتها شاعر العامية خالد الكنج من قرية تيرمعلة. تعدِّد الأغنية شروطاً مستحيلةً على بشار الأسد كي يرجع الشعبُ عن الثورة، مثل أن يعيد الطفل حمزة الخطيب المقتول تحت التعذيب بعد اعتقاله في أبريل 2011، وتبيّن مطالبه "بدنا أصابع نصر نرفعها فوق القصر"، وهو ما حقّقه شبانٌ سوريون صعدوا على القصر الرئاسي في دمشق ورفعوا علامة النصر مع صوت طارق الأسود بعد سقوط الأسد. سجّل طارق أغنياته وشروطه قبل أن تقتله قذيفة هاون على حيّ القرابيص مع صديقه أنس الطرشة في 24 فبراير 2012. وبعد يومين، قُتل ضياء البسطي بعد ساعاتٍ من وداعه صديقَه رئيف اللبابيدي في حي بابا عمرو. بكى البسطي صديقَه وتوجّه للمعركة ومات.
طارق الأسود ينشد "طيب إذا منرجع".
دخلت دبابات النظام الحيّ مطلع مارس 2012، وأتى بشار الأسد بنفسه إلى الحي ليحتفل فيه بالانتصار. ولكن تلك الدبابات أكملت اقتحامها وقصفها بقية الأحياء التي تجمّع فيها الثوار أيضاً. ففي الثالث من أبريل قُتل منشد حيّ القصور مؤيد شلار خلال محاولة النظام اقتحامَ الحي. وبعد يومٍ منه قُتل محمد فاخر الجندلي بعمر ثمانية عشر عاماً بقذيفةٍ سقطت على حيّ الغوطة. وكان الجندلي منشدَ حيّ كرم الزيتون الذي شهد إحدى أولى مجازر القتل بالسكاكين في حمص، والتي كان الأطفال من ضحاياها في يناير تلك السنة.
كان هؤلاء الشبان منشدين جدداً هواةً دخلوا من بوابة الثورة، ولكن آخرين كانوا مغنّين محترفين قبل ذلك، بينهم جهاد السقا (أبو باسل). كان السقا مغنياً شعبياً قبل الثورة، اشتُهر بالمواويل الحمصية ورقصة الشيخاني التقليدية. ويمثل امتداداً لمدرسةٍ في الطرب الحمصي غير المعروف غالباً خارج المدينة، تمزج بين تراثٍ شعبيٍ ونشيدٍ دينيٍ، أشهر أسمائها ياسر المظلوم الذي غنّى في زفاف السقا قبل الثورة. وإن لم يُشتهر السقا بأغانٍ ثوريةٍ في المظاهرات، ما عدا جلساتٍ غنائيةٍ في مقرات الجيش الحر محاطاً بالسلاح، بعد أن حمل السلاح في أحياء حمص القديمة. أصيب السقا بطلقةٍ تسببت بشلله، ثم توفّي وشُيّع في حيّ الوعر يوم 19 يونيو 2012 بعد أيامٍ من بدء حصار حمص القديمة (في السابع من يونيو). وفق ما أخبرنا صديقه كاتب الأناشيد الثورية في حمص أيمن المصري (أبو سامر).
وبعد عشرة أيامٍ، في 29 يونيو، قُتل خلال الاشتباكات بلال زردة، الذي أنشد للثورة في حيّ باب السباع، أحد المعاقل الأولى للثورة في المدينة.
جهاد السقا يغني في أحد مقرات الجيش الحر في مدينة حمص.
لم يتوقف قتل المنشدين الثوريين عند حدود المدينة، فقد شهد ريفها مقتل منشدين ثوريين في المرحلة نفسها. كان خالد خرما يحيي في أمسيات رمضان 2011 مظاهرات مدينة القصير القريبة من الحدود اللبنانية. لم يكن خالد خرما منشداً محترفاً ولكنه كان يحبّ الإنشاد الديني، وفق ما أخبرنا ابنه معاذ، ولذلك كان يؤلف الكلمات على ألحان أناشيد يعرفها. وفي إحداها غنّى سارداً قصة الثورة "ومن الجامع العمري صاحوا الله أكبر [. . .] وهبّت شباب الثورة عاللي طغى وتجبر". بعد أن تكرر اقتحام القصير وأحاطتها قوات النظام بالحواجز العسكرية، حمل خالد خرما السلاح، وفي 21 نوفمبر 2011 كان مع رفاقه عند جسر الغيضة قرب المدينة يقطعون طريق رتلٍ عسكريٍ، فأصابته رصاصة قناصٍ في رأسه ومات.
خالد خرما ينشد "من الجامع العمري صاحوا الله أكبر" في إحدى مظاهرات مدينة القصير سنة 2011.
لم يكن خرما آخر "القواشيش الشهداء" في المدينة. ولعلّ أشهر من حمل لقب "قاشوش القصير" طلال السماعيل الذي انضمّ إلى كتائب الفاروق، وكانت من أولى تشكيلات الجيش السوري الحر الذي كان مظلة العمل المسلح في السنوات الأولى من الثورة. وبعد عشرين يوماً من احتفاله بخطبة فتاةٍ، شارك في هجومٍ على حاجز الديابية قرب المدينة وقتلته رشقة رشاشٍ في أول أغسطس 2012.
أصبحت المدينة بوابة التدخل الرسمي لحزب الله اللبناني في سوريا، فقد دخل الحزب معركةً للسيطرة عليها والتمدد في الحدود السورية اللبنانية منذ مارس 2013 حتى سيطر عليها في يونيو من العام نفسه. ضاقت السبل بالثوار والأهالي المحاصرين في المدينة عند هزيمتهم، فكان طريقهم إلى خارجها يمرّ من معبرٍ ترصده قوات النظام وحلفائه دُعي "فتحة الموت"، حيث كان قاشوش المدينة الآخر مالك عمار أبو يزن يحاول العبور بجرحى المدينة، ولكنه قُتل هناك في الثامن من يونيو 2013.
طلال السماعيل ينشد في إحدى مظاهرات مدينة القصير، يناير 2012.
وفي مدينة تلبيسة، كان الشاب جلال الدين اللطوف ممن شاركوا في أولى مظاهراتها يوم "جمعة العزة" في 25 مارس 2011، بعد أسبوعٍ من بداية الثورة في درعا. أصبح اللطوف منشد مظاهرات المدينة التي أشعلت مع الرستن والحولة الريف الشمالي لمدينة حمص، واقتُحمت وقُصفت كغيرها، وحمل متظاهروها السلاح وبينهم جلال. كانت آخر صوره أمام منزله المدمّر يشير إليه بيده التي بناه بها، وفي 26 يوليو 2012 قُتل في الاشتباكات. في إحدى مقاطعه المصورة كان يغنّي "أريد أن يكون حفّار قبري والدي"، تحققت أمنية جلال ودفنه والده الشاعر عبد الكريم لطوف ورثاه. ولكن زادت عليه المراثي، فبعد أشهرٍ أوقف حاجزٌ لقوات النظام في منطقة إيكاردا بريف حلب الجنوبي شقيق جلال وأخواله الثلاثة وأعدمهم حين كانوا في طريقهم إلى تلبيسة.
جلال اللطوف ينشد "قالوا تلبيسة خلصت"، يوليو 2012.
امتدّ أثر اقتحامات قوات النظام والعمليات المسلحة الأولى للجيش الحر، الدفاعية غالباً، إلى درعا جنوباً. شهدت محافظة درعا أول زجّ واسعٍ لجيش النظام في قمع الثورة الشعبية، حين اقتحام مدينة درعا بالدبابات في 25 أبريل 2011. وزّع النظام حواجزه في المدن والبلدات، عدا انتشار عشرات القطع العسكرية فيها. لم تلبث مجموعات الجيش الحر الأولى أن انتشرت في النصف الثاني من سنة 2011، وبدأت حملاتُ اقتحامٍ أخرى واشتباكاتٌ في الحواجز والطرق، وانضمّ منشدون ثوريون إلى هذا العمل المسلّح أيضاً.
استقى الفنّ الثوريّ في المحافظة طابعه من التراث الحوراني، فأشكالٌ غنائيةٌ وشعريةٌ مثل الجوفية والهجيني، وهي أنماط غناءٍ شعبيةٌ في حوران تُغنّي تاريخياً في الأعراس والحروب، كانت الرافد الأوّل لهذه الأغاني وهتافات الثورة الملحّنة الأولى في سوريا. استفاد هذا الفنّ من الشعر الثوري السابق في منطقة حوران، الذي ظهر في الثورة السورية الكبرى ضد الفرنسيين سنة 1925 في السويداء ودرعا، أو كان في الموروث العشائري. ولذلك كان لهتافاتٍ مثل "الموت ولا المذلة" و"الفزعة الفزعة يا حوران" في بداية الثورة قوّة انتشارٍ وحشدٍ للمجتمعات المحلية، وتوحيدها مجتمعاً يرفع تضامنه وهويّته الذاتية في وجه السلطة. وإلى جانب هذا الموروث المحلي، برزت محاولاتٌ فنيةٌ فرديةٌ في الكتابة والتلحين، وتعديل ألحانٍ وكلمات أغنياتٍ أخرى لمواءمتها مع الغرض الثوري.
يا درعا حنا معاكي للموت، جاسم 6 مايو 2011.
لعلّ عبد الرحمن عرسان الحريري كان أول المنشدين المقتولين بنيران النظام في مرحلة الاقتحامات والمعارك الأولى. كان الحريري منشد قرية مليحة العطش شمال شرق درعا، وحمل لقب "قاشوش مليحة العطش"، وحمل أيضاً السلاح مع مجموعات الجيش الحر الأولى هناك. وعند اقتحام قوات النظام بلدة خربة غزالة في 14 نوفمبر 2011 توجّهت مجموعاتٌ من بلدات ريف درعا الشرقي لقطع طريق جيش النظام، فيما يُسمّى في درعا "الفزعة"، وقضى منهم نحو ستة عشر شاباً كان الحريري أحدهم.
وحسين محمد الرشيد الزعبي، الذي كان ينشد في مظاهرات قرية المسيفرة شرق درعا، استلهم أيضاً من أغنيات الثورة الفلسطينية. وفي أمسيات القرية غنّى "يمّا ويا يمّا هاتي الرشّاشي [. . .] طلبتني الجنّة من الصبح ماشي". وفي صبح 11 فبراير 2012 اقتحمت قوات النظام بلدته وقُتل في الاشتباكات وإطلاق الرصاص ثمانيةُ شبانٍ، كان هو أحدهم.
وبعد نحو أربعة أشهرٍ، في الرابع من يونيو، حاول منشد بلدة النعيمة بلال الزرزور مع رفاقه صدّ اقتحام قوات النظام على بلدته، ولكنّه قُتل أيضاً. وتبع يوسف إسماعيل الزعبي رفاقَه في 18 أغسطس تلك السنة. وكان منشدَ مظاهرات بلدة الطيبة قبل خروجه إلى الأردن ثم عودته وانضمامه إلى الجيش الحر. وقُتل في كمينٍ تعرضت له مجموعته، وفق صفحةٍ على "فيسبوك" أسستها عائلته بعد وفاته.
أما بهاء الدين الخصواني، فقد بدأ الغناء في الثورة فتيّاً وحمل لقب "قاشوش الشيخ مسكين" شمال غرب درعا، حتى أتته طلقة قنّاصٍ من المساكن العسكرية قرب مدينته، أصابت عينه وقتلته بعمر تسعة عشر سنة يوم 29 يناير 2013.
حسين محمد الرشيد الزعبي ينشد "يما ويا يما هاتي الرشّاشي" في إحدى مظاهرات بلدة المسيفرة، يناير 2012.
لم يقتصر نزيف المنشدين الثوريين على الأطراف في إدلب ودرعا وحمص، ولكن كان للعاصمة دمشق وريفها نصيبٌ ثقيلٌ من ذلك. شهدت مدينة دمشق أولى مظاهراتها في 15 مارس 2011، ولكن نموذج الثورة الشعبية المستمرة تطور بعد ذلك. تكرّس الحراك الثوري في أحياء المدينة مثل الميدان وكفرسوسة وركن الدين، وفي أطرافها مثل القابون وبرزة وجوبر. وانتشر في ريف دمشق، وخاصةً في الغوطتين الشرقية والغربية. أسهمت حرب النظام لمنع حراكٍ مركزيٍّ في العاصمة على غرار ميدان التحرير المصري في تفتيت الحراك إلى الأحياء والبلدات، خاصةً بعد مجزرة "الجمعة العظيمة" في 22 أبريل 2011 حين قتلت قوات النظام العشرات عند محاولتهم الوصول إلى ساحة العباسيين وإقامة اعتصامٍ هناك. ولكن هذا أسهم في الآن نفسه في توطين الثورة في هذه المناطق ومنحها طابعاً محلياً.
تسلّح الثوار في ريف دمشق وضواحيها، في حين كانت المدينة مركزاً للعمليات الأمنية والاغتيالات، وتسلّح المنشدون معهم، وكان بين هؤلاء أيمن الدحدوح الذي حمل لقب "قاشوش حرستا". رأيت الدحدوح في مظاهرةٍ أمام السفارة السورية في عمّان أواخر سنة 2011، وبعدها عاد إلى سوريا. ألّف الدحدوح أغنياتٍ اشتُهرت بصوته، منها "سمّع سمّع سوريا [. . .] بشار فقد الشرعية". وبصوتٍ جهوريٍ جميلٍ علا في المظاهرات، انتقل بصمتٍ إلى العمل الأمني ضد النظام في قلب دمشق. اكتشفت مخابرات النظام الخلية الأمنية وداهمتها في الخامس من فبراير 2012. ومن منزلٍ في حيّ القصور بمدينة دمشق أخرجت قوات النظام الجثث، وكان بينها جثة الدحدوح.
مقطع لأيمن الدحدوح ينشد في الأردن قبل عودته ومقتله في دمشق.
وفق إحصائيات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن المعتقلين من محافظتي دمشق وريف دمشق هم ربعُ المعتقلين في كلّ سوريا، أما عدد الضحايا القتلى في ريف دمشق فهو الأعلى. بلغت حملات النظام في دمشق وريفها ذروتها بين سنتي 2011 و2013 لمنع تهديد العاصمة، وشهدت دمشقُ الكبرى العدد الأكبر من حملات الاقتحام والمجازر خلال هذا الوقت، وخاصةً قبل انقسام مناطق السيطرة بين الثوار وجيش النظام.
لم يقمع هذا العنفُ المفرط الثورةَ بل زادها، وانتشرت المجموعات الثورية المسلحة أكثر. وفي نهاية يونيو 2012 بدأ النظام حملة مجازر متتابعةٍ في دمشق وريفها، لم يكن هدفها إنهاء الحراك فيها بل معاقبة السكّان، فقد اتخذت نمط القصف ثم الاقتحام وتنفيذ مجزرة بالإعدام أو السكاكين ثم الانسحاب. وما بدأ من دوما في 28 يونيو 2012 طال مناطق كثيرةً بعدها من شرق دمشق إلى جنوبها حتى غربها وشمالها، وبلغت ذروتها في مجزرة داريا أواخر أغسطس، حين قُتل المئات في أيام.
أعادت هذه الأشهر ترتيب المشهد في دمشق، وربما في سوريا. فقد تخلّلتها معركة حيّ الميدان منتصف يوليو، حين أعلنت فصائل الجيش الحر دخول حيّ الميدان ونقل المعركة إلى قلب دمشق. وبعد ثلاثة أيامٍ وقع تفجير خلية الأزمة، حين قُتل معظم قادة الخلية التي شكّلها النظام لإدارة التعامل الأمني مع الثورة. زاد عنفُ النظام واقتحاماته حدّةً لاستعادة السيطرة، ودفع في الوقت نفسه المقاتلين إلى تنظيم أنفسهم والسيطرة المكانية وبدء ظهور جبهات قتالٍ شبه ثابتة.
خلال الحملة العسكرية على الغوطة الشرقية قُتل منشد مظاهرات بلدة المليحة صهيب ديب في الرابع من يوليو 2012، وكان طالباً في الثانوية وقتئذ. ثم قُتل الشاب عهد المغربي، الملقّب "قاشوش برزة"، خلال اقتحام حيّ القابون في الواحد والعشرين من الشهر نفسه. كان عهد يغنّي في مظاهرات برزة مع شقيقه فهد. غنّيا معاً وحملا السلاح معاً، وقاد فهد "كتيبة شهداء برزة" حتى اغتيل في 26 نوفمبر 2015. وبعد سقوط نظام الأسد اعتقل الأمن السوري متهمين باغتياله كانوا من عناصر الفصائل الداعين إلى المصالحة مع النظام هناك.
في الحملة العسكرية نفسها، قُتل وسيم زكريا في حيّ القدم يوم 24 يوليو 2012، ضمن أكثر من خمسين شخصاً قُتلوا خلال أيام اقتحام الحيّ، بعضهم مقاتلون مثل زكريا، ومعظمهم مدنيون وُجدوا جثثاً مرميةً أو محروقةً، وفق منصة الذاكرة السورية.
وعند اقتحام مدينة الكسوة جنوب دمشق في 12 أغسطس تلك السنة، حوصرت مجموعةٌ من "كتيبة الحق" في بساتين القرى غربَ المدينة، وقُتل معظم مقاتليها، وكان بينهم عبد الله عليا منشد مظاهرات المدينة.
فهد المغربي ينشد للجيش الحر خلال مظاهرة في برزة، 6 مايو 2012.
قتلت قوات النظام العشرات أيضاً في حيّي الميدان ونهر عيشة حتى انسحاب الجيش الحرّ منهما بعد أيامٍ من دخوله. ولكن طالب العلوم السياسية في جامعة دمشق محمد حاجو بكر قرّر التسلل إلى مكان إقامته في حيّ نهر عيشة وتنفيذ عملياتٍ أمنيةٍ ضد قوات النظام في المحيط. كان حاجو بكر من ريف حلب ولكن مقيماً في حي نهر عيشة، وقاد تنظيم الحراك السلمي في الحيّ وغنّى في مظاهراته حتى لُقّب "قاشوش نهر عيشة". تعرّف إليه جاره في الحيّ طالب الأدب الإنكليزي في جامعة دمشق حينها وسام شهلا. في شهادته لمنصة الذاكرة السورية، اعتبر شهلا أن حاجو بكر الملقّب "أبو وديع" كان أستاذه ومعلّمه الثوري، يخطّط للشبان الناشطين ويعطيهم محاضراتٍ ويحدّد أهدافاً سياسيةً لأيّ حركةٍ، ومع رفاقه شكّل كتيبةً مسلحة.
يندم شهلا حتى اليوم أنه ترك صديقه يمضي إلى نهر عيشة في حين توجّه هو نحو الغوطة، حيث أتاه اتصالٌ يوم 22 أغسطس 2012 بأن صديقه أُعدم ميدانياً مع خمسةٍ من رفاقه. عرف الأمن العسكري موقع المقرّ وداهمهم مع الفرقة الرابعة في جيش النظام فجراً محاصراً المنطقة بالدبابات، ثم أخرج الجنود حاجو بكر ورفاقه أمام الجيران وأعدموهم. يروي شهلا عن الجيران الذين شهدوا الواقعة، وكان بينهم والد أحد الضحايا، أن آخر كلمةٍ قالها حاجو بكر للضابط الذي صرخ فيهم "عاملين فيها جيش حر وثورة" فردّ عليه "ثورة، وداعس على رأسك ورأس الأسد".
محمد حاجو بكر ينشد في إحدى مظاهرات حي نهر عيشة، المصدر: صفحة "شهداء نهر عيشة".
استمرت الحملة العسكرية في جنوب دمشق. ففي اليوم التالي قُتل عماد عدنان زين الدين، وكان منشدَ مظاهرات بلدة السبينة، وهو من بلدة تسيل في درعا. وبعد أسبوعٍ قُتل محمد صفوناتي في الغوطة الشرقية، وكان من منشدي المظاهرات في حيّ القابون قبل أن ينضمّ إلى الجيش الحر في الغوطة.
بعد انقسام مناطق السيطرة في دمشق إثر معركة الميدان وحملة المجازر بين يونيو وأغسطس 2012، ثم دخول الجيش الحر إلى حلب في يوليو من السنة نفسها، وتوالي معارك "التحرير"، تغيّر شكل الاشتباكات في سوريا. أصبحت مناطق الثوار محميّةً ومحدّدةً بجبهاتٍ قتاليةٍ، وانتقلوا من العمليات المحدودة وصدّ الاقتحامات إلى القتال اليوميّ والهجوم. وفي هذه المعارك قُتل العدد الأكبر من منشدي الثورة السورية.
صورة لآثار المعركة في حي الميدان بتاريخ 23 يوليو 2012، المصدر: صفحة عدسة شاب دمشقي.
لم يكن الانتقال إلى العمليات الهجومية أو خطوط المواجهة متزامناً في كل المناطق، ولكنه وقع بتتابعٍ مشابهٍ، فقد عرفته مناطق الساحل وريف إدلب ودير الزور قبل حلب ودمشق. كانت إعلانات "التحرير" الأولى دون سيطرةٍ مطلقةٍ على المنطقة أو خططٍ دفاعيةٍ، فانتهت باقتحامٍ ومجازر غالباً. فعند انتشار الثوار المسلّحين في مدينة إدلب وحصار المربع الأمني داخلها استمرت الاشتباكات أياماً قبل أن يقتحمها رتلٌ عسكريٌ لجيش النظام في 13 مارس 2012، إذ وقعت مجزرة. وتجددت المعركة في أبريل مع محاولة الجيش الحر إعادة الانتشار في المدينة، ورافقها قصف الطيران المروحي ومجزرةٌ أخرى بحقّ المدنيين، وقُتل فيها أيضاً ثوارٌ مقاتلون قبل أن يسيطر النظام على المدينة. بين هؤلاء المقاتلين كان أحمد مشقع الذي أنشد في مظاهرات المدينة، وكان ضمن أول مجموعةٍ مسلحةٍ فيها، وقُتل في 16 أبريل 2012.
وعند إعلان ضباطٍ منشقين وثوارٍ مقاتلين عن تحرير مدينة الحفة في الساحل السوري يوم الخامس من يونيو 2012 بدأ النظام قصفاً وحملةً لاستعادتها. استمرت المعركة ثمانية أيامٍ قبل أن يدخل النظام المدينة بعد مقتل عشرات المدنيين ومقاتلي الجيش الحر. وكان من ضحايا الحملة في اليوم الأول عمر طارق ياسين، وهو من منظّمي المظاهرات الأولى في المدينة ثم "قاشوشها".
وفي 20 يونيو 2012 أعلن الجيش الحر عن سيطرته على بلدة أرمناز شمال إدلب. دفع هذا في اليوم التالي جيشَ النظام إلى تحريك دباباتٍ لاقتحامها، فتوجّه الثوار المقاتلون من البلدات القريبة إليها، وكان بينهم مجموعةٌ من كفرتخاريم انهالَ عليها القصف وقتلَ فراس الباشي الملقّب "قاشوش كفرتخاريم". كان الباشي بين أول متظاهرين في بلدته يوم 27 مارس 2011، وألّف بعد ذلك أغنياتٍ أصبحت علامةَ مظاهرات البلدة، وما زال المتظاهرون هناك يردّدونها حتى اليوم. تنبأ الباشي في أغنياته بموته، فقد غنّى بصوته الحزين "أنا مسافر يمّا الجنة تناديني"، وترك في أغنياته وصيّةً إذ قال "أحبابي إن صار وقتلوني [. . .] وأخدوا منّي نور عيوني [. . .] صيحوا على قبري وودعوني [. . .] الموت ولا المذلة".
ومن أرمناز، حيث قُتل "قاشوش كفرتخاريم"، خرج "قاشوش أرمناز" مهند سيف الدين للمشاركة في معركة السيطرة على مدينة حارم على الحدود التركية، وقُتل هناك مطلع سبتمبر من السنة نفسها.
فراس الباشي ينشد في مظاهرات إحياء ذكرى الثورة في بلدة كفرتخاريم، مارس 2012.
كانت فئة الشبان الأشيع بين المتظاهرين السوريين، وكثيرٌ منهم طلاب الجامعات، وبين هؤلاء منشدون في مناطقهم أو جامعاتهم. أحدهم ابن مدينة حلب عبد الرزاق خواتمي، الذي كان طالباً في السنة الأولى في قسم الهندسة المعلوماتية في جامعة إيبلا الخاصة بإدلب. أنشد خواتمي في مظاهرات الجامعة التي كان يقتحمها الأمن بعد كلّ مظاهرةٍ، وسمّاه زملاؤه "قاشوش إيبلا"، وعمل في النشاط الإغاثي في مدينة حلب، ولكن قتله برميلٌ متفجرٌ ألقته المروحيات الحربية على حيّ طريق الباب في مدينة حلب يوم 25 سبتمبر 2012.
وفي اليوم نفسه جنوبَ دمشق، وقعت مجموعةٌ من مقاتلي الجيش الحر قادمةٌ من الحجر الأسود بكمينٍ في منطقة عقربا الواصلة بين جنوب دمشق والغوطة الشرقية. وقُتل هناك إبراهيم سمور الملقّب "بلبل الحجر الأسود" وكان ينشد في مظاهرة الجمعة قبلها بأيام.
صورة المنشد إبراهيم سمور. المصدر: صفحة "عدسة شاب حجراوي".
كانت منطقة جنوب دمشق مثل إدلب متصلة السيطرة حينها، فالتنقلُ داخلها لأغراضٍ عسكريةٍ أو المشاركة في مظاهرةٍ كان ضمن منطقةٍ واحدةٍ، ولكن لم يكن هذا حال جميع المنشدين الذين لقوا مصرعهم بعيداً عن المدن التي غنّوا فيها. فعند وقوع معركة الميدان وتصفية الحراك السلمي في العاصمة، غادر الثوار من أحياءٍ عديدةٍ في اتجاه مناطق سيطرة الجيش الحر في ضواحي المدينة وريفها، فقد غادر ثوار كفرسوسة إلى داريا وأسسوا لواءً مستقلاً بهم هناك، وغادر ثوارٌ أحياءً أخرى إلى الغوطة الشرقية أو جنوب دمشق أو بلدتَي الهامة وقدسيا.
وبين هؤلاء كان الشاب أمجد اللحام الذي غادر حيَّه الشاغور، بعدما غنّى في مظاهراته ولُقّب "قاشوش الشاغور"، إلى بلدة الهامة ليستكمل التظاهر والقتال هناك. ولكن بين الثالث والسادس من أكتوبر 2012 اقتحمت بلدتا الهامة وقدسيا وأعدمت قوات النظام العشرات ورمت جثثهم في الشوارع. وفي اليوم الثاني من الاقتحام قضى اللحام نحبه خلال الاشتباكات لصدّ الاقتحام.
وكان القنص نصيب آخرين، منهم نجيب فهد قنبر، الذي كان يقرع الطبل خلال مظاهرات حيّ باب قبلي في مدينة حماة، والذي اشتُهرت مظاهراته لغناء المنشد نادر القاضي الملقّب "أبو مالك الحموي" فيها. ولكن قنبر قُتل برصاصة قناصٍ في الحيّ منتصف أكتوبر 2012.
وبعيداً عن مدينته إدلب التي لُقّب "قاشوشها"، وغنّى فيها إلى جانب أحمد مشقع، ذهب هاشم دهنين إلى شرق سوريا، حيث انضمّ إلى حركة أحرار الشام وشارك معها في معارك امتدت من الرقة إلى مدينة دير الزور التي وُلد فيها وشارك في مظاهراتها بداية الثورة حين كان طالباً في جامعة الفرات. كان هاشم مغنياً في المظاهرات ويكتب اللافتات ويغطي المظاهرات إعلامياً قبل أن يحمل السلاح، وفي حيّ الشيخ ياسين داخل مدينة دير الزور قصف الطيران الحربي مقرّ مجموعته، فقضى نحبه مع سبعةٍ من رفاقه يوم 25 أكتوبر.
وفي الشهر نفسه كان تميم صوان، الملقّب "قاشوش معرة مصرين"، مع كتيبةٍ من أبناء بلدته شمال شرق إدلب يهاجمون حاجزاً لقوات النظام قرب مدينة سلقين، حين أصيب وقُتل في 29 أكتوبر 2012.
أما أحمد علي المقداد، فقد كان منشد مظاهرات قرية معربة شرق درعا، وشكّل مع أصدقائه كتيبةً باسم "درع الجنوب". في إحدى الليالي اصطفّ مقاتلو الكتيبة يغنّي المقداد فيهم بدبكةٍ جماعيةٍ "مع السلامة لو نويت تروح"، وسمّى أفرادَ كتيبته وأقاربه في أغنية الوداع القادمة من تراث السويداء. الرفاق الذين ودّعوا بعضهم بأغنية المقداد، كانوا معه في هجومٍ على حاجزٍ لجيش النظام في قرية خربا يوم 12 أكتوبر 2012، حين قُتل المقداد مع ثمانيةٍ من أصدقائه الذين تظاهر وقاتل معهم وودّعهم بأغنيته.
أحمد المقداد ينشد بين مقاتلين من الجيش السوري الحر "مع السلامة لو نويت تروح". | موقع الذاكرة السورية
ولئن كان المقاتلون في درعا أو إدلب أو حلب يتوسّعون حينئذٍ في الهجوم باتجاه مناطق أخرى انطلاقاً من منطقة تمركزهم، فإن مناطق أخرى كانت محاصرةً حينها وتنشغل بمعارك الدفاع الطويلة، مثل مدينة داريا غرب دمشق، التي انسحبت منها قوات النظام إثر مجزرة أغسطس 2012، حين قتلت أكثر من خمسمئة إنسانٍ على الأقل في غضون أيامٍ، وفق إحصاء الشبكة السورية لحقوق الإنسان. وتلا المجزرةَ حصارٌ منذ أواخر 2012 حتى سقوطها عسكرياً وتهجير الثوار منها في أغسطس 2016. وفي معارك الحصار الأولى قُتل أحمد فتاش منتصف ديسمبر من السنة نفسها. وكان فتاش من منظّمي مظاهرات طلاب المدارس بداية الثورة، ثم أنشد في مظاهرات المدينة، قبل أن يحمل السلاح ويُقتل وهو لمّا يكمل عشرين عاماً.
وفي قرية أم ولد شرق درعا، حمل محمد غسان الرفاعي مكبّر الصوت ليغنّي في المظاهرات ثم حمل السلاح. وبعيداً عن قريته، كان ضمن مجموعةٍ من الجيش الحر توغلت سرّاً في محافظة السويداء بقيادة ابن المحافظة، الملازم أول المنشق خلدون زين الدين، الذي أراد نقل المعارك ضد النظام إلى محافظته، فيما سُمّي "معركة ظهر الجبل". اكتُشفت مقرات المجموعة ودوهمت وطوردت بين الجبال في يناير 2013. وفي رحلة العودة القاسية إلى درعا قُتل نحو ستة عشر رجلاً، كان بينهم زين الدين والرفاعي اللذان دُفنا في الثلوج.
وفي الشهر نفسه كان عبد اللطيف السباعي، الذي حمل لقب "بلبل الريف الحمصي"، يؤلّف أغنياتٍ من أجل "كتائب الفاروق" التي انتسب لها، وهي من فصائل الجيش الحر، بعد أن ألّف وأنشد أغنياته في مظاهرات قريته كفرعايا جنوب غرب حمص، حتى قُتل في المعارك ضد جيش النظام في 21 يناير 2013.
لم يتخذ جميع هؤلاء المنشدين أدواراً قتاليةً خلال تلك المرحلة. فمنشد مظاهرات حيّ التعاونية في حماة فريد رياض العبسي، الملقّب "أبو الروض الحموي"، عمل مسعفاً للمصابين بعد خروجه من مدينته التي باتت تحت سيطرة النظام. وخلال عمله الإسعافي لمصابين من الفصائل خلال معركةٍ قرب مدينة معرة النعمان قتلته غارةٌ جويةٌ في 13 فبراير من السنة نفسها.
محمد فريد العبسي ينشد لمدينة معرة النعمان.
وإن لم يكن أغلب المنشدين الثوريين مغنّين محترفين قبل الثورة السورية، وإنما هواةً أو حِرَفيين أو طلاب جامعاتٍ، فإن بينهم من كانوا على خلاف ذلك. أحدهم عمر صادق (أبو الفضل) الذي كان ضمن فرقة نشيدٍ دينيٍ في بلدة سقبا بالغوطة الشرقية، وعند بداية الثورة كان مجنّداً انشقّ عن جيش النظام، ثم غنّى في مظاهرات بلدته والغوطة الشرقية ولُقّب "قاشوش سقبا"، وقاتل وأصيب في معارك منطقة المليحة، وقتلته الإصابة يوم 14 مارس 2013.
وبعد يومٍ، سيطرت حركة أحرار الشام الإسلامية على مستودعات الذخيرة في منطقة خان طومان جنوب غرب حلب. وهناك قُتل أحد عناصرها أحمد أيوب الذي كان منشد مظاهرات حيّ السكري بمدينة حلب.
لم تكن ظاهرة "القواشيش" مقتصرةً على المدن أو البلدات، وإنما أصبح لكلّ حيٍّ منشده حين تفرقت المظاهرات في الأحياء ومنع قمعُ النظام المظاهرات المركزية. فمِثْلَ "قاشوش السكري" في حلب، كان عبد الله بارام "قاشوشَ الحميدية" في مدينة دير الزور، ومثله أيضاً قُتل في اشتباكاتٍ بنيران النظام في حيّ الجبيلة يوم الثاني والعشرين من الشهر نفسه.
أمّا خالد الجعبري، فقد كانت رحلته طويلةً من قريته معارة النعسان شمال إدلب حيث بدأ قيادة المظاهرات والهتاف والغناء فيها سنة 2011 بعد انشقاقه عن جيش النظام، إلى مطار أبو الظهور العسكري أقصى جنوب إدلب، حيث قتلته رصاصة قنّاصٍ حين كان مشاركاً في الهجوم على المطار يوم 26 أبريل 2013. كانت رحلة الجعبري في الغناء الثوري عبر مناطق المحافظة مشابهةً قتالَه بعدها في جبهاتٍ عديدة. ففي مشهدٍ أيقونيٍّ اشتُهر بين السوريين، اعتلى الجعبري يوم الثاني من ديسمبر 2011 أكتاف المتظاهرين في مدينة تفتناز حين تجمّعوا أمام دباباتٍ وآلياتٍ عسكريةٍ لقوات النظام وهتف في المتظاهرين والجنود معاً بإعدام الأسد.
خالد الجعبري ينشد أمام دبابات النظام السابق في تفتناز، 2 ديسمبر 2011.
كان لمظاهرات مدينة بنّش شمال إدلب مشاهدها الفنية التي اشتُهرت بين السوريين أيضاً، بترتيب اللوحات والمتظاهرين وأشكال الاحتجاج المختلفة. لقّب أحدُ أقاربي نفسَه "أحمد بنّش" تيمناً بمنسقي هذه المظاهرات حين كان ينظم المظاهرات في مدينة درعا. كان الشاب إبراهيم قباني أحد مؤسسي تنسيقية بنّش، والتنسيقيات كانت الأجسام التنظيمية للحراك الثوري السلمي في بداية الثورة السورية. كان قباني طالباً في المدرسة الشرعية الثانوية حين بدأت الثورة، ومنذ المظاهرة الأولى في المدينة يوم "جمعة الشهداء" أول أبريل 2011، أصبح من قادة الحراك هناك، وأنشد في مظاهراتها حتى لُقّب "قاشوش بنّش"، ثم انتقل بعدها إلى العمل الإعلامي. وعلى خلاف معظم المنشدين الذين تحوّلوا للقتال مع فصائل الجيش الحر فقد انضمّ إلى جبهة النصرة التي كانت تابعةً لتنظيم القاعدة حينئذ. حتى قضى نحبه نهاية مايو 2013 حين كان يصوّر معركة الهجوم على حاجز الإسكان العسكري في إدلب.
مقابلة صوّرتها الصحفية زينة ارحيم مع المنشد إبراهيم قباني، سبتمبر 2012.
وأسامة فارس فرزات، الذي غنّى في مظاهرات حيّ طريق حلب في مدينة حماة قبل أن يبلغ ثمانية عشر عاماً، خرج إلى إدلب بعد سيطرة النظام على مدينته، وانضمّ إلى الجيش الحر، حتى قتلته غارةٌ جويةٌ على قرية سنجار جنوب إدلب في الثالث من يونيو للسنة نفسها.
وقتئذٍ، كان ثوار الأحياء المحاصرة في حمص يخوضون معارك يوميةً، دفاعيةً غالباً، أو محاولاتٍ لكسر الحصار الذي بدأ في يونيو 2012. كانت هذه الأحياء إحدى مراكز القتال الرئيسة للميليشيات المدعومة إيرانياً، وفي نهاية 2012 أُبلغت الأمم المتحدة بتقارير عن استعمال النظام سلاح الغازات السامة فيها على نطاقٍ محدود. وفي الخامس من يوليو 2013 هاجم جيش النظام حيّ الخالدية وتقدّم على مواقع فيه، وذكرت لجان التنسيق المحلية مقتل ستة أشخاصٍ في قصف الغازات السامة على الحيّ. كان بين الضحايا منشد مظاهرات حيّ الخالدية خالد حصرية، الذي كان مقاتلاً في الحيّ أنشد بين المقاتلين، وقبلها بين المتظاهرين وفي فرقٍ إنشادية.
وإن لم تؤكد تحقيقاتٌ دوليةٌ استعمال الغازات السامة حينئذٍ، ولكن بعد نحو شهرٍ ونصفٍ استعمل النظام السلاح الكيميائي في أكبر مجزرةٍ بلا دماءٍ عاشتها سوريا، يوم الهجوم الكيميائي على الغوطة الشرقية في 21 أغسطس من تلك السنة.
مقطع للمنشد خالد حصرية في أحياء حمص المحاصرة، ديسمبر 2013.
لم يكن جميعُ هؤلاء المنشدين الثوريين جنوداً في كتائب، بل كان بعضهم مؤسسين وقادةً في كتائبهم، بعد أن قادوا الحراك السلمي في مناطقهم. بين هؤلاء محمد حجازي الذي أنشد في مظاهرات بلدة منّغ شمال حلب، ولُقّب "أبو فاروق منّغ". ثم أسّس "كتيبة البراء بن مالك"، وقُتل على أسوار المطار العسكري المحاذي بلدتَه في العاشر من يوليو 2013.
وكذلك قُتل عبد الله الزريقات حين كان يحاول طرد النظام من أحياء مدينته درعا في الثامن من أغسطس للسنة نفسها، وكان من مقاتلي كتيبة المثنّى. وغنّى قبلها في مظاهرات درعا البلد، إذ كان يتناوب على المظاهرات عدّة منشدين، إلى جانب منشدها الأبرز حسام المسالمة (أبو الفاروق) الذي ألّف عدّة أغنياتٍ أصبحت علامةً لمظاهرات درعا البلد لعلّ أشهرها "درعا البلد يا جبل عالي".
ومع أن تحوّل مناطق المظاهرات سنة 2011 إلى مناطق يسيطر عليها الجيش الحر سنة 2012 وما بعدها كان سمةً غالبةً على مراكز الثورة السورية، فإنّ اقتحام بعضها وسيطرة النظام عليها أوقف هذا التحوّل، ودفع ثوّارها المتظاهرين أو المقاتلين أو المنشدين إلى مغادرتها لمناطق أخرى. ولم يكن هذا في مدينة دمشق وحدها، فقد غادر منشد مظاهرات قرية عين منين شمال دمشق، أحمد لقيس، إلى مناطق الجيش الحر في القلمون شمال دمشق، حيث تولّى إدارة الاتصالات للمقاتلين، وفق تقريرٍ نشرته "الجزيرة" بداية 2013. وكان قد قُتل رفيقاه في الهتاف واقتُحمت القرية. فقد نعى لقيس صديقَه جمال سرور الذي عُذّب وأُعدم عند حاجزٍ لجيش النظام في التاسع من أغسطس 2012، ثم نعى صديقَه فداء قاسم الذي اعتُقل ثلاث مراتٍ ثم قُتل عند اقتحام جيش النظام القريةَ في العشرين من الشهر نفسه.
في أغسطس 2013 تراجع الثوار في حيّ القابون واشتدّ الضغط العسكري عليهم فطلبوا نجدةً من الغوطة. ومن ثَمَّ دخلت مجموعةٌ من "لواء تحرير الشام" كان لقيس أحد أفرادها، ولم يلبث أياماً حتى قُتل في الاشتباكات في السادس عشر من الشهر نفسه، وفق ما أخبرنا ابنُ حيّ القابون المقاتلُ في الجيش الحرّ وقتئذٍ مهند المدني.
مظاهرة في عين منين ينشد فيها فداء قاسم، ويحمله صديقه جمال سرور، 18 يوليو 2012.
مع انقسام مناطق السيطرة وقيام حرب المواجهة تمكن الثوار من التوسع في مناطق وخسروا أخرى أو حوصروا فيها. عقد النظام اتفاقيات هدنةٍ في بعض هذه المناطق المحاصرة للتفرغ لجبهاتٍ أخرى، واضطر إليها المحاصرون مع تراجع خيارات التوسع أو المواجهة، ولكن هذه الهدن المناطقية كثيراً ما انهارت أو لم تخلُ من قصفٍ ومجازر أيضاً.
حصل ذلك في قدسيا والهامة، اللتين دخلتا في هدنةٍ أواخر سنة 2013، ولكن توترت الأوضاع فيهما وتكرر الحصار والقصف بعدها مع زيادة النظام شروطه. ففي 19 مارس 2014 قصف الطيران الحربي اجتماعاً لمقاتلين ومدنيين في قدسيا وقتل عشرة أشخاصٍ، كان بينهم محمد غالب الشحري منشدُ مظاهرات المدينة وعضوُ مكتبها الإعلامي.
وفي حيّ الوعر شمال حمص، الذي أضحى محاصراً منذ أواخر 2013، ومنفصلاً عن أحياء حمص القديمة المحاصرة، طرح النظام مشروع الهدنة بالتزامن مع مفاوضات إجلاء ثوار حمص القديمة. وترافقت مفاوضات الوعر وحمص القديمة بحملات قصفٍ وهجومٍ برّيٍ مع كل جولةٍ للضغط على المحاصرين، إحداها مطلع أبريل 2014 حين قضى في الاشتباكات لمنع اقتحام الحيّ عبد الله الرحيم، منشدُ مظاهرات الحيّ. ورَثَاهُ ثم رَثَى شقيقَه الثاني أحمد الذي قضى بعده بعامٍ، شقيقُهما شاعرُ العامّية فراس الرحيم، الذي كانت أشهر مراثيه المغنّاة لاحقاً في الساروت، وهي أغنية "آه لو ترجع" التي أدّاها الممثل عبد الحكيم قطيفان.
كانت المعادلة مختلفةً في الشمال السوري، فمطلع سنة 2014 قامت الحرب بين فصائل الثورة السورية وتنظيم "داعش"، وانفصلت مناطق السيطرة بين الثوار والتنظيم. وكان ناشطو الثورة ومقاتلوها ومنشدوها هدفاً للتنظيم في سبيل تثبيت مشروعه.
مقطع يوثق قصف الطيران الحربي بلدة قدسيا، 19 مارس 2014.
يمثّل المنشد الثوري شعارات الثورة وأهدافها، ويكرّسها مشروعاً سياسياً شعبياً. ومثلما كان ذلك تهديداً لنظام الأسد، رأته التنظيماتُ التي ناصبت الثورةَ العداءَ هدفاً معادياً أيضاً.
حين دخلتُ مدينة حلب أول مرةٍ في فبراير 2013 رافقني هناك عبد الوهاب الملّا، الحلبيُّ الذي غادر السعودية لا لشيءٍ سوى أن يعيشَ الثورة التي غنّى لها مذ كان هناك. كان عبد الوهاب متعدد المواهب، مغنياً وكوميدياً وإعلامياً، بحضورٍ يفرض نفسه ومرحٍ فطريٍ وسخريةٍ لاذعة. في السعودية بدأ نشاطه مع الجالية السورية هناك، وصوّر سلسلته السياسية الساخرة الأولى بعنوان "هاد كل شي صار". وفي يوليو 2012 غنّى مع وصفي المعصراني في الرياض الأغنية التي أشبهت مصير عبد الوهاب لاحقاً "يمّا إن وافتني المنيّة"، وبعد هذا الحفل عاد إلى حلب.
عبد الوهاب الملا يغني "يما ان وافتني المنية" | قناته الشخصية على منصة "يوتيوب".
يروي لي صديقنا المشترك يوسف موسى مصادفته عبد الوهاب على المعبر التركي، دون أن يعرفا بعضهما قبلها. "أبو صطيف" كما ندعوه، أو "طبّوش" كما كان يسمّي صفحاته على وسائل التواصل، كان قادماً إلى الحدود دون أن يعرف كيف يدخل أو ينسق مع أحدٍ في خضمّ الحرب وفوضاها، مرتدياً كوفيةً معصوبةً على الرأس، ويسأل بحماسٍ كيف يصل مناطق الثوار.
في بيتٍ داخل حيّ السكري كنّا نجتمع دوماً، ولكن صوت عبد الوهاب وصل بيوتاً كثيرة. في البيت والشارع والمظاهرات كان يغنّي، وفي مقرات الجيش الحرّ، حيث عرفه وأحبه عبد القادر الصالح قائد "لواء التوحيد" الذي قُتل أواخر سنة 2013.
ضحك عبد الوهاب وأضحك كثيراً، ولكنه بكى مرتين. في مرّةٍ لقيته عند بيته متجهّماً بدمعةٍ عالقةٍ في عينه وصوتٍ غاضب. كان عائداً من دفن ضحايا قصف جيش النظام على المدنيين، وعند المقبرة سمع مع بكاء المرأة على طفلها هواجسَ نفسِه أننا نحن الثوار قد نكون سبباً فيما جرى. وفي مرّةٍ ثانيةٍ وجد مدنياً ضُرب من فصيلٍ ثوريٍ هناك، فصوّره غاضباً وشبهَ باكٍ من ظلمٍ بِاسم ثورةٍ يؤمن فيها كما غنّاها عادلةً نقية.
إلى جانب أغنياته الثورية العاطفية، ألّف عبد الوهاب وغنّى أغنياتٍ برسائل سياسيةٍ على نمط المغنّي المصري الشيخ إمام. إحداها أغنية "هوب هوب يا بوصطيف [. . .] باصك طالع عجنيف" منتقداً مفاوضات جنيف بين المعارضة السورية ونظام الأسد. وفي أغنيةٍ ثانيةٍ عنوانُها "لا مسيرة ولا تأييد" يغنّي عن الحرية السياسية والدولة الديمقراطية والتنوع الذي يؤمن به.
أغنية "لا مسيرة ولا تأييد"، التي غنّاها عبد الوهاب الملا على أغنية المغنّي المصري الشيخ إمام " فاليري جسكار دستان".
في رمضان تلك السنة صوّر عبد الوهاب سلسلةً عن قضايا الثورة والشارع الحلبي عنوانها "ثورة 3 نجوم"، يعالجها بأسلوبه الساخر المحبوب حتى بين الناس العاديين غير المسيّسين أو المنخرطين في الثورة، ويسخّرها لترويج القيم التي يؤمن بها. في إحدى هذه الحلقات مسّ قضيةَ صعود الخطاب السلفي الجهادي، الذي كان في ذروته بعد تشكيل "داعش" في التاسع من أبريل 2013، وتسبب بانزياح ناشطين وفصائل نحو الخطاب المتشدد أكثر.
حلقة "الخلاقة الإسلامية والدولة المدنية" من برنامج "ثورة 3 نجوم" الذي قدّمه عبد الوهاب الملا.
لم يمسّ عبد الوهاب المحظورَ المخيفَ بهذه الحلقة فقط، فمع تكرار حالات خطف الإعلاميين من التنظيم الذي بات رعباً للناشطين وقتها، كان يسعى مع أصدقائه لتشكيل اتحاد الإعلاميين في حلب، كياناً يجمع الإعلاميين ويكون واجهةً مدنيةً للناشطين الثوريين.
وفي صباح السابع من نوفمبر 2013 أتى مسلّحون يرتدون السواد إلى البيت الذي كان عبد الوهاب يعدّ فيه حلقاته وأغانيه في حيّ مساكن هنانو، وأخذوه معهم.
بقي مصير عبد الوهاب مجهولاً بعدما خطفه عناصر "داعش". سمعنا رواياتٍ بعدئذٍ أن ثمّة من سمع صوته يؤذّن للصلاة في أحد السجون، وآخرون يروُون إعدامه في سجونٍ مختلفة. ولكن المؤكد اليوم بعد تلك السنين أن ذلك التنظيم قتل صديقي عبد الوهاب الملّا، الذي ضحك وأضحك كثيراً وبكى مرتين.
لم يكن الملّا المنشد الوحيد ممن استهدفهم وقتلهم التنظيم، فقد خُطف قبله وائل إبراهيم "أبو مريم" في 11 أغسطس 2013، وكان يقود مظاهرات حيّ بستان القصر، واشتُهر بهتافاته ضدّ الجهاديين، ولقي مصير عبد الوهاب نفسه.
أما الشيخ يوسف عشاوي، فقد أنشد للثورة في مظاهرات مدينته إعزاز شمال حلب، وأصبح رئيس الهيئة الشرعية فيها، ومقاتلاً في الجيش الحر. واغتيل أمام منزله يوم السادس من أغسطس 2013، إذ اتهمت "جبهةُ علماء حلب" تنظيمَ "داعش" باغتياله، في مرحلة تمدّد التنظيم وسعيه للسيطرة على المدينة وريف حلب الشمالي.
لم يكن تنظيم "داعش" وحدَه المتهمَ بقتل منشدين ثوريين. ففي مظاهرة مدينة عين العرب (كوباني) شمال شرق حلب يوم التاسع من نوفمبر 2012 فتحت "وحدات حماية الشعب" التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الرصاصَ على المظاهرة لأنها كانت استجابةً لدعوات المجلس الوطني الكردي المنافس، وكانت ترفع أعلام الثورة السورية، وفق بيان المجلس الوطني الكردي. وأصيب هناك ثم توفّي منشد المظاهرة ولات حسي الملقّب "قاشوش كوباني".
وبعد نحو عامٍ، في 19 نوفمبر 2013 قُتل منشد مظاهرات مدينة القامشلي الملقّب "قاشوش قامشلو"، الكردي أيضاً، هوزان أبو زيد، برصاص قنّاصٍ في أثناء تغطيته الإعلامية الاشتباكات في مدينة رأس العين بين فصائل الجيش الحر و"وحدات حماية الشعب". اتهمت نقابة صحفيي كوردستان سوريا قناصي الوحدات باغتياله.
تزامن صعود تنظيم "داعش" في سوريا مع تصاعد التدخل الإيراني في سوريا، عبر مجموعاتٍ مسلحةٍ متعددة الجنسيات، قبل أن يبدأ التدخل العسكري الروسي في 30 سبتمبر 2015. دخلت الثورة السورية مرحلةً من الاستنزاف والتراجع، على جبهتي "داعش" والنظام وحلفائه الأجانب، ووقعت مناطق عديدةٌ ضحية حصارٍ طويل. شهدت هذه المرحلة نزيفاً كبيراً في مقاتلي فصائل الثورة، وبينهم المغنّون المقاتلون.
كانت محافظة حلب إحدى الجبهات الرئيسة التي قاتل فيها الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني وميليشياتٌ عراقيةٌ وأفغانيةٌ مدعومةٌ منها، استناداً إلى أهميتها السياسية والرمزية، وإلى وجود قريتي الزهراء ونبّل الشيعيتين المحاصرتين من فصائل الثورة شمال المحافظة. وحتى سيطرة النظام وحلفائه بدعمٍ روسيٍ على أحياء المدينة الشرقية في ديسمبر 2016، شهدت جبهات المدينة وريفها معارك يوميةً ودمويةً، وقدِم إليها مقاتلون ثوريون من المناطق الأخرى.
بين هؤلاء كان فادي غزال، الملقّب "قاشوش معرة مصرين" نسبةً للبلدة نفسها شرق إدلب. انضمّ غزال إلى حركة أحرار الشام الإسلامية،ثم توجّه ضمن قوات المؤازرة إلى جبهة الشيخ نجار، التي كانت خاصرةً لحصار مدينة حلب، وقُتل هناك في الثاني من مايو 2014.
وبعد يومين نُعي عمر أدهم الشيخ، المقاتل في "كتيبة القادسية"، والذي كان مغنّي المظاهرات في مدينة سرمدا على حدود إدلب مع تركيا، ولُقّب "قاشوش سرمدا"، ثم انضمّ للجيش الحر، وقُتل خلال معركةٍ في قرية عقرب غرب حلب.
تغيّرت المعادلة العسكرية في مارس 2015، عند تشكيل "جيش الفتح" الذي سيطر على مدينة إدلب ومساحاتٍ واسعةٍ في المحافظة. تمكنت الفصائل بذلك من استرداد المبادرة بعد مرحلة تراجعٍ، ولكن هذا دفع مزيداً من التعزيزات إلى جبهة النظام أيضاً لمنع تغيّر المعادلة في مناطق أخرى. وفي الوقت نفسه دفع مناطق أخرى لإعلان معارك لمحاولة تكرار تجربة جيش الفتح.
في درعا، قاتلت ميليشياتٌ أفغانيةٌ وعراقيةٌ إلى جانب حزب الله اللبناني وقوات النظام، وخاصةً في منطقة "مثلث الموت" بين محافظات ريف دمشق ودرعا والقنيطرة، وشاركت أيضاً في الهجوم على بلدة بصر الحرير شمال شرق درعا في 20 أبريل 2015. وسُمّيت هذه المعركة بين السكّان "معركة الأفغان". في هذه المعركة حوصر مدنيون معظمهم نساءٌ وأطفالٌ في مدرسة، بعد شهرين من المشهد نفسه في قريتي رتيان وحردتنين شمال حلب حين اقتحمهما مقاتلون أفغانٌ أيضاً واحتجزوا نساءً وأطفالاً في مدرسة. كان أحد المقاتلين الذين توجّهوا لتحرير المدنيين المحتجزين أحمد الجمعات من قرية جباب، وكان هو "قاشوشها" ثم قائداً في حركة أحرار الشام الإسلامية، وهناك قُتل برصاصة قناص.
وبعد نحو شهرين، أعلنت فصائل في مدينة درعا معركةً سمّتها "عاصفة الجنوب" للسيطرة على مركز المدينة، وهي معركةٌ لم تنجح. في هذه المعركة كان محمد الأصفر مصوّراً لقناة الجزيرة القطرية، وبين فترات التغطية يغنّي لأصدقائه مما كان يغنّي بين المتظاهرين في درعا البلد، متذكراً معها والده وشقيقه الأصغر اللذين قتلهما قصفُ النظام قبله. وفيما كان يحمل عدسته يوم 26 يونيو 2015 توغّل في خطّ الجبهة مرتدياً درع الصحافة للتصوير هناك، وقتله القنّاص بثلاث رصاصات. بقيت جثة الأصفر هناك ساعاتٍ عصيّةً على السحب بسبب رصدها من قناصي النظام. وفي صفحته على "فيسبوك" يقول صديقه مراسل الجزيرة محمد نور الذي كان هناك إنّ أم محمد قالت لهم إنها تريد دفن ابنها ولكن دون أن يُقتل بسبب ذلك أحد. بعد ساعاتٍ تمكن الجيش الحرّ من سحب جثمانه لتدفنه والدته.
بعد أيامٍ، مطلعَ يوليو توفّي فادي الحاج علي بعد إصابته في المعركة نفسها. وكان ينشد للمظاهرات في بلدته خربة غزالة قبل أن يهجّر منها إثر اقتحام قوات النظام.
تقرير قناة الجزيرة عن مقتل مصورها في درعا محمد الأصفر
تكررت المعارك الهجومية في مناطق أخرى. ففي بلدة كفرزيتا شمال حماة غنّى حسين العبد الله للثورة طفلاً، وقبل أن يبلغ سبعة عشر عاماً انضمّ إلى فصيلٍ مسلحٍ، ثم قُتل في هجومٍ على حاجز الحماميات غرب البلدة في الخامس من أغسطس 2015.
وبعد أيامٍ، في الحادي عشر من أغسطس، توفّي منشدٌ طفلٌ آخر، هو عباس الزيواني في مدينة بنّش شمال إدلب، بعدما أصيب بنيرانٍ مصدرها بلدة الفوعة المجاورة. كانت الفوعة وكفريا بلدتين شيعيتين محاصرتين في إدلب، وظهرت فيهما مجموعاتٌ مسلحةٌ مواليةٌ للنظام بالتزامن مع تسلّح جيرانهم السنّة بعد الثورة، لتنشأ جبهة قتالٍ بين الجارين. وساهم هذا البعد المذهبي في بروز هتافاتٍ طائفيةٍ في مظاهرات البلدات المتجاورة. ورث عباس مكبرات الصوت عن والده حمزة الزيواني، الذي اتخذ مع بداية الثورة من سيارته المتواضعة إذاعةً متنقلةً يدعو فيها إلى المظاهرات ويبثّ منها أغنيات الثورة، أو يصعد عليها ابنه عباس ويغنّي. قُتل الأب خلال معركةٍ في منطقة خان طومان جنوب حلب في 17 أبريل 2014، قبل أن يلحقه ابنه، وبقيت مكبّرات الصوت شاهدةً على دور الأغنيات في حياة جيلَيْن.
منذ نهاية سبتمبر 2015 رسم التدخل الروسي المعادلة العسكرية الجديدة في سوريا، وبدّل خرائط السيطرة. فبين سنتي 2015 و2018 قضى تباعاً بالحرب واتفاقيات التسوية والتهجير على الجيوب الثورية المحاصرة في وادي بردى وحمص وحلب الشرقية حتى الغوطة والجنوب السوري. وكانت معركتا الغوطة وحلب أكثرها دمويةً وتدميراً.
تقرير قناة الجزيرة عن حمزة الزيواني.
بعد أشهرٍ من سيطرة الجيش الحرّ على أحياء حلب الشرقية في يوليو 2012، بدأت قوات النظام خطةً عسكريةً لاستعادتها أسمتها "دبيب النمل"، كنايةً عن التقدم البطيء. أسهم التدخل الإيراني في دعم النظام على جبهات المدينة وأريافها الشاسعة طيلة أعوامٍ من حربٍ قُتل فيها آلاف المقاتلين عدا المدنيين. ولكن بداية حصار مدينة حلب تحققت فقط بعد بدء التدخل الروسي. وكانت بدايتها فصل مناطق الثوار في حلب الشرقية عن ريف حلب الشمالي والحدود التركية في فبراير 2016 مع وصول الميليشيات المدعومة إيرانياً إلى بلدتي نبّل والزهراء بدعم الطيران الروسي.
مرّت هذه المعركة بعدّة محاولاتٍ سابقةٍ، قُتل في محاولةِ منعِ إحداها علي عبد الرزاق الحمد القادمُ من حيّ بابا عمرو في رحلةٍ كثيرة المحطات. شارك علي في تنظيم المظاهرات الأولى في حيّ بابا عمرو بمدينة حمص في مارس 2011، وغنّى فيها مع محمد الشيخ، اشتُهر هناك بغناء "يا محلاها الحرية"، وفق ما روى لي جارُه الصحفي خالد أبو صلاح. وأسّس مكتباً إعلامياً غطّى المظاهرات والقصف والحصار والمعركة. وفي الحصار انضمّ إلى "كتائب الفاروق". بعد سقوط الحيّ في مارس 2012 خرج إلى قرية جوبر قريباً من حيّه، وبعد سقوطها أيضاً غادر إلى مدينة القصير حتى سيطرة حزب الله اللبناني عليها في يونيو 2013، فمضى إلى القلمون ثم ريف حماة وإدلب. انتقل الحمد من الجيش الحر إلى جبهة النصرة، وكانت معركته الأخيرة ومقتله يوم 25 ديسمبر 2015 في جبهة باشكوي شمال حلب، التي كانت مدخل الميليشيات المدعومة إيرانياً لمحاولة الوصول إلى بلدتي نبّل والزهراء المحاصرتين.
مظاهرة في حي بابا عمرو في حمص، ينشد فيها علي الشيخ وعبد الباسط الساروت ويحملان صورة المنشد محمد الشيخ، 15 يناير 2012.
بعد قطع الطريق بين حلب الشرقية والريف الشمالي، كانت المرحلةُ الثانية لاستكمال الحصار قطعَ الطريق بين الأحياء الشرقية وريف حلب الغربي المؤدي إلى إدلب، وكانت جبهتا الملاح وحندرات مركز أعنف المعارك لقطع هذا الطريق وحصار المدينة. وفي جبهة الملاح يوم التاسع من يوليو 2016 قُتل واثق عنداني، المعتقل مرتين قبلها، و"قاشوش حريتان"، بلدته التي أنشد في مظاهراتها منذ سنة 2011 ثم أنشد في قصائد ملحّنةٍ ومسجّلة. قُطع الطريق بعد عشرة أيامٍ، وبدأ الحصار الأول الذي كُسر بعد ذلك أياماً، ليبدأ الحصار الثاني، والذي انتهى بخروج الثوار من حلب الشرقية في ديسمبر نهاية العام.
نشيد مسجل بصوت واثق عنداني، يرثي فيه بلدات ريف حلب الشمالي.
قبل سقوط حلب، قُتل عبد الرحمن النجار في أثناء وجوده على جبهة قتالٍ في ريف حلب الجنوبي يوم 29 نوفمبر. بدأت الثورة السورية بعدما أنهى "عبدو النجار" خدمته العسكرية بأشهرٍ وعمل مع والده في تجارة الخضار، ثم أصبح بعدها "قاشوش معرة مصرين" وأحد محركي النشاط الثوري في بلدته. من الغناء في المظاهرات إلى كتابة الجداريات والتصوير والتغطية الإعلامية. ثم انضم لفصائل عديدةٍ وشارك في معارك ريف حلب وإدلب منذ سنة 2012، وكانت آخرُ الفصائل التي انضمّ لها جبهةَ فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً)، وفق ما أخبرنا صديقه مصطفى سرمد.
مظاهرة في بلدة معرة مصرين، يهتف فهيا المتظاهرون للمنشد عبد الرحمن النجار، 8 فبراير 2013.
انتهى مصير داريا المحاصرة بالتهجير أيضاً في أغسطس 2016، بعد حصارٍ امتدّ نحو أربعة أعوام. توزع المقاتلون في داريا بين أبناء المدينة وأبناء حيّ كفرسوسة الذين انتقلوا إليها لاستكمال القتال ضد النظام أواخر 2012. وبين هؤلاء كان أبرز شابّين قادا مظاهرات كفرسوسة وأنشدا فيها منذ 25 مارس 2011، وهُما أحمد البارد وباسل بردان.
كانت المحاولة الأخيرة لكسر الحصار عن داريا في معركةٍ أطلق عليها الجيش الحرّ هناك "معركة لهيب داريا" في أغسطس 2015، وكان هدفها مباغتة قوات النظام والسيطرة على مواقع جديدةٍ للضغط عليه في المفاوضات، وسيطروا عليها. ولكنّ روسيا فور تدخّلها بدأت شنّ غاراتٍ على المدينة مع فرقٍ عسكريةٍ نظاميةٍ ومجموعاتٍ مسلحةٍ أجنبيةٍ على الأرض. وقبل فجر 26 ديسمبر 2015 قُتل قائد المعركة محمد الزهر، الملقّب "أبو سلمو"، بقذيفة دبابةٍ قتلته مع ثلاثة شبانٍ، كان بينهم نزار البارد شقيقُ أحمد. رثى أحمدُ البارد المعروفُ بلقب "أبو عدنان برية" شقيقَه، ثم قُتل بعده في 25 فبراير 2016. وقبل نحو شهرٍ من سقوط المدينة وتهجير الثوار منها، قُتل رفيقه باسل بردان الملقّب "أبو علي ليث" يوم 21 يوليو من ذلك العام.
مظاهرة في كفرسوسة بقيادة المنشد أحمد البارد، 11 يونيو 2012.
بعد داريا وحلب، كانت المعركة الروسية الأكبر في دوما. منذ الجمعة الثانية في الثورة السورية في 25 مارس 2011، أصبحت مدينة دوما أضخم حاملٍ شعبيٍ للثورة السورية في ريف دمشق. وعرفت مدينة دوما، والغوطة الشرقية عامةً، فنّاً ثورياً مستقىً من النشيد الديني أو التراث الشعبي للريف الدمشقي، إلى جانب أغاني الثورة المنتشرة في سوريا. وساهم منشدون في فرقٍ إنشاديةٍ قبل الثورة في الغناء الثوري بعدها.
كانت أولى هذه التجارب فرقة "صيحة حرية" التي بدأت منتصف 2011، وكان أعضاؤها ضمن فرقة نشيدٍ اسمُها "صدى الإيمان" قبل ذلك، وفق ما ذكر لي أحد مؤسسيها عبد العزيز سريول.
كان في الفرقة الأولى إبراهيم حوى، الذي أصبح مقاتلاً في فصيل "لواء الإسلام"، وقُتل في غارة طيرانٍ خلال معركةٍ للسيطرة على حاجز مسرابا في 27 أكتوبر 2012.
غنّت الفرقة بقصائد وألحانٍ خاصةٍ بها، وعلى نمط النشيد الإسلامي الذي قدّمه سابقاً منشدون سوريون في الثمانينيات مثل "أبو مازن" و"أبو الجود"، أو الأناشيد المرتبطة بحركة حماس الفلسطينية.
وكان ممّن قدّم تجربةً مشابهةً في النشيد الثوري بطابع الأناشيد الإسلامية الحركية محمد حسان توتونجي الملقّب "أبو مازن". كان توتونجي من منظمي المظاهرات الأولى في مدينة دمشق، وأسهم في تأسيس التنسيقيات وقيادة الحراك السلمي هناك، وفي تأسيس العمل الإعلامي، ثم انتقل إلى العمل المسلح في الغوطة الشرقية، وكتب قصائد وأغنياتٍ بِاسمٍ مستعار، يتنبأ في إحداها سنة 2012: "أبْشِرْ لقدْ سقطَ النظام [. . .] ولّى عن الناسِ الظلام". ولكنه رأى حرب الاستنزاف طويلةً في الغوطة فقرر العودة إلى مدينة دمشق وبدء حربٍ أمنيةٍ ضد النظام من قلب العاصمة. وهناك نفّذ مع خليّته سلسلة عملياتٍ استهدفت شخصياتٍ ومواقع وآلياتٍ عسكرية. اكتشفت مخابراتُ النظام الخليةَ واعتقلته مع أفرادٍ من مجموعته في فبراير 2016، وحُكم عليه بالإعدام.
نشيد "آه يا وطني"، كلمات حسان توتونجي.
بعد أشهرٍ أسفر القصفُ على مدينة دوما عن مقتل المنشد في فرقة صيحة حرية، خالد الترك، في العشرين من نوفمبر للسنة نفسها، ثم قتل القصفُ على مدينة حرستا منشداً آخَر فيها هو الطفل ياسر علي قاسم في مارس 2018.
لم تقتصر وفيات المنشدين على الاعتقال والقصف والمعارك. فداخل حصار الغوطة الشرقية اندلع منذ أبريل 2017 اقتتالٌ داخليٌ بين "جبهة النصرة" و"فيلق الرحمن"، وبين "جيش الإسلام"، تسبّب بانقسام الغوطة المحاصرة إلى مناطق سيطرةٍ متباينة. وفي 14 أغسطس 2017 قتل قصفُ مقرّات "جيش الإسلام" في بلدة حمورية مروانَ النقشبندي وصديقَه إحسان ليلا. كان النقشبندي منشد مظاهراتٍ بلدة حمورية منذ بداية الثورة، إذ لُقّب "بلبل حمورية"، ولاحقاً انضمّ إلى العمل المسلح وحمل لقب "أبو النور الطيار". وكان من أولّ من غنّى "شهيد يا رايح [. . .] دربك على الجنة" التي انتشرت في مظاهرات التشييع في المدن السورية بعدها، وكتب كلماتِها صديقُه ليلا.
مروان النقشبندي ينشد "شهيد يا رايح" في حمورية
استمرّ نزيف المنشدين الثوريين المقاتلين بعد ذلك. ولعلّ أبرزهم مهند كعكة الذي اشتُهر بأغنية "خافوا الله يا عرب"، التي غُنّيت في معظم المناطق السورية منددةً بتقاعس الدول العربية عن التدخل لوقف انتهاكات نظام الأسد. انضمّ كعكة إلى "جيش الإسلام"، وكان من قادة مجموعاته. وخلال الحملة العسكرية الأخيرة على الغوطة الشرقية التي قادها الطيران الروسي، مع قوات بريةٍ من نظام الأسد وميليشياتٍ متعددة الجنسية مدعومةٍ إيرانياً، قُتل في 28 مارس 2018. وانتهت الحملة بعدها بتهجير الثوار من دوما وسيطرة قوات النظام عليها.
انتقلت الحملة العسكرية إلى القلمون ودرعا، حيث انتهت بالسيطرة العسكرية وفرض اتفاق التسوية وخروج الرافضين نحو الشمال السوري. ومطلعَ يوليو 2018، قبل أيامٍ من توقف المعارك وفرض اتفاق التسوية في الجنوب السوري، قُتل محمد نعيم بكرية في المعارك الأخيرة غرب درعا. والذي سمّى صفحته على فيسبوك "قاشوش حيط"، بلدتِه في حوض اليرموك، حيث غنّى وقاتل ضد النظام وتنظيم "داعش" الذي حاصر البلدة ردحاً من الزمن قبل ذلك.
وبعد أن توقفت المعارك قليلاً، بدأت روسيا في السنة التالية حرباً كبيرةً في إدلب.
مهند كعكة ينشد "خافوا الله يا عرب" في إحدى مظاهرات مدينة دوما، 30 مارس 2012.
بعدما أنهت روسيا سلسلة حملات تهجير الجيوب الثورية في وسط سوريا وجنوبها سنة 2018، وأصبح شمال غرب سوريا تجمّع المهجّرين من عشرات المناطق، بدأت في أبريل 2019 حملةً على إدلب استمرت حتى مارس 2020. وكانت هذه آخر المعارك الكبرى في سوريا قبل أن تبدأ معركة "ردع العدوان" في 27 نوفمبر 2024 وتنتهي بسقوط نظام الأسد بعد اثني عشر يوماً.
في هذه المعركة الأخيرة قُتل عبد الباسط الساروت يوم السبت، الثامن من يونيو 2019، في أقرب نقطةٍ من ريف حماة إلى مدينته حمص التي طالما غنّى لها. ولم يكن لدى الساروت مشكلةٌ في ذلك، إذ غنّى قبلها بأشهرٍ "أنا لو متّ بحبّك يا ثورة شو المشكلة؟".
ما زال الساروت أشهر منشدي الثورة السورية وأكثرهم تأثيراً وشعبيةً، بقصّته متعددة المراحل والحكايات. منذ أنشد أولى أغنياته في مظاهرةٍ ليليةٍ يوم الرابع من يونيو 2011، وكانت "يا وطنّا ويا غالي" التي كتب كلماتِها شاعرُ العامية الحمصيُّ أيمن المصري (المعروف بلقب الحاج أيمن أبو سامر)، والذي كتب أيضاً أغنياتٍ شهيرةً أخرى للساروت ومنشدي الثورة في حمص، منها "يا يمّا بثوب جديد" و"ودّعت أمي عالباب" و"ماتت قلوب الجيش". ولعلّه بقي الشخصية الأشهر والأكثر شعبيةً في الثورة السورية عامةً، فحتى عند سقوط نظام الأسد ارتفعت صوره وأغانيه في ساحات الاحتفال أكثر من أيّ شخصيةٍ سوريةٍ أخرى.
عبد الباسط الساروت ينشد "ثورة" في مدينة معرة النعمان.
استمرت الحملة العسكرية على منطقة إدلب، وتمكنت قوات النظام مع حلفائه الروس والإيرانيين من السيطرة على مساحاتٍ واسعةٍ شمال حماة وجنوب إدلب. ولكن فرداً واحداً أخّر سقوط مدينته وقاتل وحده عدّة ساعات. كان هذا أحمد الحصري الذي بقي في مدينته يوم 28 يناير 2020 حتى قُتل.
بعد شهرٍ، كان منشد مظاهرات الصنمين وليد القاسم، الملقّب "وليد الزهرة"، يقول في آخر مقاطعه المسجّلة إنه سيقاتل في مدينة الصنمين كما قاتل الحصري في مدينة معرة النعمان.
أحيا الزهرة مظاهرات الصنمين مع صديقه مشهود اللباد بداية الثورة، وغنّى فيها بألحانٍ تراثيةٍ "هاي بلاد العزّ وحنّا رجالها"، بعد ذلك انضم إلى الفصائل المقاتلة. وبعد سيطرة النظام بدعمٍ روسيٍّ على المحافظة في يوليو 2018 لم يوقف عمله العسكري، فتحصّن في مدينته الصنمين وحوصر في فبراير 2020، حتى قُتل مطلع مارس.
أمّا آخر المنشدين الثوريين الذين قُتلوا في المعارك قبل سقوط نظام الأسد، فكان رفيقَ الساروت، مختار حورية، الذي غنّى معه طفلاً في حيّ الخالدية، واعتُقل وخرج، ثم بقي مع الساروت في حصار حمص القديمة، حتى هُجّر للشمال السوري. أسّس مختار حورية فرقة عراضةٍ حمصيةٍ، وهو فنٌّ غنائيٌّ عند الزفاف أو الاحتفال. ومن هذا التراث الشعبي كان يغنّي للثورة أيضاً. ومع عمله في فرقة العراضة كان مقاتلاً، وتوجّه مع أصدقائه الحمصيين المهجّرين للقتال لأجل العودة إلى مدينة حمص عند بدء معركة ردع العدوان، حتى قُتل يوم الرابع من ديسمبر 2024، في منطقة جبل زين العابدين بريف حماة، والتي شهدت إحدى أعنف جولات القتال في المعركة. حاول حورية أن يعود ويغنّي أغنيات صديقه الساروت في ساحة الخالدية مرّةً أخرى، ولكنّه قُتل في طريقه نحو ذلك.
وليد القاسم ينشد "طلعت الثورة السورية من درعا البلد" في إحدى مظاهرات الصنمين، 13 نوفمبر 2011.
لم تكن وفاة جميع المنشدين الثوريين قتلاً في معركةٍ أو قصفٍ، ولكن نالت منهم الحوادث والأمراض أو الموت الطبيعي أيضاً. بعد تهجير الغوطة الشرقية في مارس 2018، استقرّ المهجّرون في الشمال السوري، ومع وصول إحدى حافلات التهجير هناك نزل محمد ياسر النويلاتي يغنّي "راجعين". كان النويلاتي الملقّب "سيفو العكر" من منظّمي مظاهرات بلدة سقبا بداية الثورة، وغنّى في مظاهراتها ومظاهرات الغوطة حتى التهجير. عمل إلى جانب ذلك في تشكيل التنسيقيات والتغطية الإعلامية، وتصادم مع الفصائل مرّاتٍ، وخاصةً مع "جيش الإسلام"، وقاد مظاهراتٍ غنّى فيها عن المشاكل الداخلية في الحصار. لم يرجع النويلاتي إلى الغوطة، فبعد نحو شهرين فقط قضى في حادث سيرٍ في السادس والعشرين من مايو 2018.
محمد ياسر النويلاتي ينشد "راجعين" بعد تهجيره من الغوطة الشرقية إلى ريف حماة، مارس 2018.
أما مطاع شوارغي، فكان ممّن بدأ الحراك السلمي في قرية معرشمشة جنوب إدلب، وقاد المظاهرات وغنّى فيها، إذ كان منشداً دينياً قبل ذلك. ثم حمل السلاح وأسّس كتيبةً للجيش الحر قاتلت في معظم مناطق إدلب. ولكن سنة 2016 أقعده السرطان عن الاستمرار في القتال والغناء حتى توفّي على سرير مرضه في 25 يوليو 2019.
مطاع شوارغي ينشد بين مقاتلين من الجيش السوري الحر.
ومع سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، انفجرت الاحتفالات في أنحاء سوريا، وحضرت أغاني الثورة في الساحات بعد غيابٍ طويلٍ عنها. كانت أغاني الساروت عاليةَ الصوت مع أغنية المغنّي الشعبي من درعا أحمد القسيم "ارفع راسك فوق انت سوري حر"، ومعهم أحيا منشدون ثوريون المظاهرات في الساحات.
وفي عشراتٍ من هذه المظاهرات، من شمال سوريا حتى جنوبها، لعلّ قاسم جاموس غنّى أكثر مما غنّى أيّ أحدٍ سواه. حضر قاسم المشهور بكنيته "أبو وطن" أيام الثورة الأولى في درعا منذ مظاهرة يوم الثامن عشر من مارس 2011، وبعدها عاد إلى عمله في الكويت، ولكنه استقال بعد أشهرٍ ورجع إلى بلدته داعل ليشارك في الثورة ويغنّي في مظاهراتها التي اتخذت طابعاً مميزاً قبل ذلك مع الأغنيات التي ألّفها وأدّاها غسان الجاموس وعبد الحميد الناصير.
استقى أبو وطن فنّه من التراث الشعبي الحوراني، ومن أغاني الثورة الفلسطينية أيضاً، ولكنه ألّف أغنياته الخاصة بعد ذلك. عرفتُ قاسماً بداية 2012، حين كان يلقّب نفسه "صدى حوران"، من مقطعٍ مصوّرٍ غنّى فيه لامرأةٍ مسنّةٍ تبحث عن قبر ابنها "يا يوم لا تبكي بيوم [. . .] يا يوم لا تبكي [. . .] شهيد اللي راح مظلوم بالجنة عم يمشي". بقي قاسم في درعا حتى اتفاق التسوية وسيطرة قوات النظام عليها في يوليو 2018، ويومئذٍ غادر في حافلات التهجير نحو الشمال السوري، حيث التقى الساروتَ وغنّيا معاً.
في الأعوام التي سبقت سقوط النظام حافَظَ قاسمٌ على نشاطٍ متواترٍ في إحياء المظاهرات التي لم يقتصر عنوانها على مضادّة النظام وحده، بل أصبح عنوانَ مظاهراتٍ مناهضةٍ هيئةَ تحرير الشام، خلال محاولة الهيئة التوسع نحو مناطق سيطرة الجيش الوطني السوري بين سنتي 2022 و2024. وأصدر كذلك عشرات الأغنيات في مظاهراتٍ أو تسجيلاتٍ صافيةٍ، لعلّ أشهرها اللحن الذي وزّع عليه كلماتٍ مختلفةً مع لازمة "يا لالالا [. . .] يا لالالا [. . .] حوران حيّ رجالها".
ولكنه على خلاف الساروت والمنشدين الذين ماتوا قبله، عاش حتى رأى سقوط النظام وغنّى في سقوطه، وزار أمّه "سورية" في داعل بعد تهجيره عنها سنوات. غنّى أبو وطن من مدينةٍ لمدينةٍ باندفاعٍ وحماسٍ غيّر شكل أيّ مظاهرةٍ دخلها، حتى فقد صوته، وأجبره الأطباء مع العلاج على الصمت أياماً لئلّا يفقد النطق أبداً. بعد تواصل أعوامٍ اجتمعتُ مع قاسم في مدينة درعا الأسابيعَ التي تلت سقوط النظام، قبل أن يفقد صوته ثم حياته. ففي الثالث من مارس 2025 فقد أبو وطن وابنُ سورية حياته حين سقطت سيارته في منحدرٍ على طريق بلودان غرب دمشق.
قاسم جاموس ينشد "حوران حي رجالها" مع مقاتلين من الجيش السوري الحر في درعا سنة 2015.
لم يكن أبو وطن آخر وفيات المنشدين. فبعد أيامٍ اندلعت أحداثٌ داميةٌ في الساحل السوري، بعد هجوم مقاتلين من أنصار النظام السابق على قوات الحكومة الجديدة، وتلا ذلك توجُّه آلاف المقاتلين الموالين الحكومةَ إلى الساحل. بين هؤلاء كان سليمان أحمد الزيدان، منشدُ مظاهرات بلدة حاس غرب إدلب، الذي كان مبتورَ القدم منذ إصابته يوم حاول إسعاف الضحايا فيما سُمّي "مجزرة الأقلام" في بلدته، حين شنّ الطيران الحربي سلسلة غاراتٍ متتابعةٍ على تجمّع المدارس في البلدة يوم 26 أكتوبر 2016، وقتلت ثمانية وثلاثين مدنياً. ونشط بعدها ضمن جمعياتٍ للعناية بذوي الاحتياجات الخاصة، حتى قُتل بنيران أنصار النظام السابق في السابع من مارس 2025.
وفي الثاني من سبتمبر للسنة نفسها، توفّي شاعر اللهجة الحورانية أحمد حسن الحريري من قرية مليحة العطش، مريضاً ومسنّاً ولكن بعد أن سمع قصائده مغنّاةً في الساحات في سنوات الثورة ثم بعد سقوط النظام. وكان أحمد القسيم أشهر من غنّى قصائد ثوريةً للحريري، منها "عيني حزينة" و"يالله عليك التواكيل" و"صاح الشرف".
عبد الباسط الساروت | ويكيميديا
عبد الباسط الساروت | ويكيميديا
وليد الزهرة | ويكيميديا
وليد الزهرة | ويكيميديا
محمد ياسر نويلاتي - سيفو العكر | مشروع الذاكرة السورية
محمد ياسر نويلاتي - سيفو العكر | مشروع الذاكرة السورية
تحفظ ابنتي يمنى أغنية "ارفع راسك فوق انت سوري حر"، وتسمع معي أغاني الساروت وقاسم جاموس والمظاهرات. ولعلّ كثيراً من أطفال سوريا الذين لم يعرفوا الثورة أو الحرب باتوا يحفظون ويرددون تلك الأغنيات اليوم.
في مظاهرات سوريا بعد سقوط نظام الأسد، لم تُرفع أعلامٌ سوريةٌ عليها صورة شخصٍ سوى الساروت. واستعيدت أغنيات المظاهرات في الساحات التي رُفعت فيها قبل أربعة عشر عاماً، مع صور من غنّوها وقُتلوا إعداماً أو قصفاً أو مقاتلين في المعارك.
وإن كان بين هؤلاء فنّانون محترفون قبل الثورة، فإن معظمهم فنّانون هواةٌ أو جددٌ صنعتهم ساحات التظاهر، ومثلّوا مطالب من فيها ومشاعرهم، والهوية والتراث المحلي في مناطقهم، حتى بات الفنّ سلاحاً لتعبئة المجتمع وتمثيله ضد السلطة. ولكن هؤلاء الفنانين كانوا قبل ذلك متظاهرين اتخذوا المسارات المختلفة التي اتخذها رفاقهم، من أعمالٍ إعلاميةٍ أو مدنيةٍ أو عسكريةٍ، أو شهدوا مآلات رفاقهم نفسها، إعداماً في الاقتحامات أو تعذيباً وتغييباً داخل السجون أو قتلاً تحت القصف أو في المعارك.
تُظهر هذه المآلات المختلفة أدوار الفنّان الثوري التي لم تقتصر على الغناء، وانطلقت منه نحو مساحات نضالٍ أخرى استكمالاً لهدف الغناء الثوري نفسه في تمثيل الجماعة وأحلامها ومظالمها.
بقي الفنّ الثوري الذي تأسس بداية الثورة السورية حاضراً حتى بعد سقوط نظام الأسد، وأصبح بمثابة الأغنيات الوطنية التي تبنّاها الناس دون أن تفرضها الدولة، واستمرّ صوت الراحلين في ذاكرة وحناجر الأحياء.









