بين الكنيسة والمحكمة.. الولادة العسيرة لقانون الأحوال الشخصية لمسيحيي مصر

بعد عقود من التعثر، يصل قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر إلى البرلمان، حاملاً سؤالاً قديماً عمن يملك الكلمة الأخيرة، الدولة أم الكنيسة.

Share
بين الكنيسة والمحكمة.. الولادة العسيرة لقانون الأحوال الشخصية لمسيحيي مصر
المشكلة تتجاوز غياب قانون موحد | خدمة غيتي للصور

لم يكن صديقي يريد أكثر من أن ينهي زواجاً لم يعد قادراً على الاستمرار فيه، فوجد نفسه يسلك طريقين مختلفين، واحد أمام الكنيسة، وآخر أمام المحكمة. حصل من الكنيسة على قرار يعد ما نُسب إلى زوجته "زناً حكمياً"، أي قرائن واضحة على الخيانة، بما يفتح له باب طلب تصريح بالزواج مرة أخرى. لكنه حين ذهب إلى المحكمة اكتشف أنّ ما يكفي دينياً لا يكفي بالضرورة قانونياً. فالواقعة نفسها التي عدتها الكنيسة سبباً يبرر الزواج مرةً أخرى، لم تكن أمام القاضي دليلاً كافياً لإثبات إدانة زوجته. ولم تكن المشكلة في أنّ أحد البابين أُغلق أمامه، بل في أن كليهما لم يكونا يؤديان بالضرورة إلى المكان نفسه ولا يقودان لذات النتيجة. وبين الحكم الذي يغيّر حالته في سجلات الدولة المصرية، والقرار الذي يحدد إن كان يستطيع أن يبدأ حياة زوجية جديدة داخل كنيسته، وجد نفسه في المسافة التي تفصل بين القانون والعقيدة.

هذه المسافة الإشكالية ليست حالة فردية. فهي نتيجة تاريخ طويل تشكلت فيه الأحوال الشخصية للمسيحيين المصريين في مساحة تتقاطع فيها سلطة الدولة مع سلطة الكنيسة والطائفة. فمنذ المجالس الملية ولوائحها، إلى إلغاء المحاكم الملية ونقل المنازعات إلى القضاء الوطني، ثمّ صدامات الزواج والطلاق والزواج مرةً أخرى في العقود اللاحقة، ظلّ السؤال نفسه يعود بصيغ مختلفة. سؤال عن الجهة التي لها سلطة تنظيم الأسرة المسيحية، الدولة أم الكنيسة، وعما يترتب على عدم تطابق قواعدهما. ويأتي مشروع قانون الأسرة الجديد للمصريين المسيحيين، الذي وافق عليه مجلس الوزراء في أبريل 2026 وأحاله مجلس النواب إلى لجانه المختصة في مايو، أحدث محاولة للإجابة عن هذا السؤال. لكن وصول المشروع إلى البرلمان لا يعني أن التوتر بين السلطتين قد حُسم، إذ يبقى السؤال قائماً عن حدود كل منهما عندما تتقاطع الحقوق القانونية مع القواعد الدينية. 


تعود علاقة الكنيسة بالقانون في تنظيم أمور الأسرة المسيحية في مصر إلى عقود خلت سبقت انتقال هذه الشؤون إلى المحاكم الوطنية. ولهذه العلاقة أهمية خاصة في بلد يضم أكبر تجمع للمسيحيين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بحسب مركز "بيو" للإحصاءات، الذي قدّر نسبة المسيحيين بنحو 4.8 بالمئة من سكان مصر سنة 2020. وقبل أن تصبح الأحوال الشخصية ملفاً تتولاه المحاكم، كانت شؤون الأسرة المسيحية في مصر جزءاً من إدارة الطائفة نفسها. والمقصود بالأحوال الشخصية مجموعة القواعد التي تنظم علاقة أفراد الأسرة بعضهم ببعض، مثل الزواج والطلاق والنفقة والحضانة والولاية والوصاية والميراث. وارتبط تنظيمها في مصر منذ وقت مبكر بسؤال أوسع عن حدود السلطة داخل الطائفة ومن له حق تنظيم شؤونها.

برزت المجالس الملية في القرن التاسع عشر في قلب هذا السؤال، ضمن سعي أعيان أقباط إلى المشاركة في إدارة شؤون الطائفة بدل تركها حكراً على رجال الدين. وبحسب دراسة للمترجمة والكاتبة مارينا سمير بعنوان "تراتبيات متشابكة [. . .]"، المنشورة سنة 2022، صدرت لائحة المجلس الملي سنة 1883، ونظمت عمل مجلس "إكليريكي" (هيئة قضائية كنسية) ينظر في منازعات الأحوال الشخصية وفق القواعد الكنسية.

ويربط الباحث في شؤون المواطنة إسحاق إبراهيم، في مقابلة مع الفراتس، ظهور المجلس الملي بالتحولات السياسية والإدارية التي شهدتها الدولة العثمانية ومصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ومنها إصلاحات التنظيمات التي فرضت إشراك المدنيين في إدارة شؤون طوائفهم تقييداً لسلطة رجال الدين المطلقة. يضاف لذلك أيضاً، صعود الأعيان و"الأراخنة" أي وجهاء الأقباط من غير رجال الدين، الذين موّلوا مؤسسات دينية واجتماعية وطالبوا بدور في إدارتها. ويوضح إبراهيم أن صلاحيات المجلس لم تكن محصورة في شؤون الأسرة، بل امتدت لتشمل إدارة المدارس والجمعيات الخيرية والأوقاف والأديرة والمخصصات المالية للأساقفة والكهنة.

اتساع هذه الصلاحيات جعل حدود السلطة داخل المجلس موضع خلاف. فقد جمع المجلس، وفق إبراهيم، بين أعضاء منتخبين من أبناء الطائفة وأعضاء آخرين تختارهم القيادة الدينية، فوضع ممثلين علمانيين إلى جوار رجال دين داخل مؤسسة واحدة. رأى رجال الدين أنّ الزواج والأحوال الشخصية من صميم سلطان الكنيسة، بينما رأى أعضاء في المجلس أنّ الأسرة والمال والتعليم شؤون تمسّ أبناء الطائفة ولا ينبغي أن ينفرد رجال الدين بإدارتها. لذلك، حسب إبراهيم، تعطّل المجلس وأعيد تشكيله أكثر من مرة.

وصل النزاع حد تدخل الدولة. وفي هذا السياق، يورد المؤرّخ صلاح عيسى في كتابه "حكايات من دفتر الوطن" المنشور سنة 2000، أنّ الخديوي عباس حلمي الثاني، الذي حكم مصر بين سنتي 1892 و1914، نفى البابا كيرلس الخامس إلى دير البراموس بوادي النطرون في سبتمبر 1892 بعد تفاقم خلافه مع المجلس الملي نتيجة رفضه الاعتراف باللائحة الجديدة للمجلس وإصراره على حصر إدارة الأوقاف والمحاكم المليّة والمدارس في يده.

كشف نفي البطريرك عن تحوّل في علاقة الدولة بالطائفة، فإلى جانب كونه عقوبة سياسية لشخصه فهي لم تعد تتعامل مع الأقباط عبر رأس واحد متمثّلاً في البطريرك كما كان سائداً في النظام العثماني التقليدي (نظام المِلة). إذ أصبحت الدولةُ تعترف بالمجلس الملي مؤسسةً تمثيليةً موازية تعبّر عن النخبة المدنية الصاعدة. ومع أنّ الضغط الشعبي والديني أجبرا الخديوي لاحقاً على إعادة البابا من النفي في فبراير 1893، ودفع الطرفين إلى تسوية مؤقتة، لكن الواقعة رسخت حقيقة تاريخية جديدة وهي أنّ إدارة شؤون الأقباط أصبحت مساحة تفاوض ثلاثية الأبعاد. وفي هذه المساحة تتشابك سلطة البطريرك الروحية، ومطالب النخبة المدنية، والحسابات السياسية.

بعد عقود، انتقل التداخل بين السلطة الدينية والتمثيل الملي إلى القواعد التي تنظم الأحوال الشخصية نفسها. ففي التاسع من مايو 1938، أعد المجلس الملي العام لائحة عُرفت باسم "لائحة 1938" أجازت الطلاق لتسعة أسباب. فإلى جانب الزنا وتغيير الدين واستحالة العشرة، تضمنت الغيابَ الطويل والحكم بالسجن ورهبنة أحد الزوجين والتعنيف وبعض الأمراض أو العيوب المؤثرة في الحياة الزوجية. ولللائحة أهمية كونها جاءت نتيجة مشاركة مؤسسة ضمت إلى جانب رجال الدين ممثلين عن أبناء الطائفة، فأصبحت قواعد إنهاء الزواج نفسها جزءاً من التفاوض على حدود السلطة داخل الطائفة. ولهذا أمكن أن تتحول لاحقاً إلى مرجع في نزاعات الأحوال الشخصية أمام الدولة، حتى بعدما تغيّرت المؤسسة التي تنظر هذه النزاعات.

لكن موقع هذه القواعد تغيّر مع إعادة تنظيم مؤسسات الدولة بعد ثورة يوليو 1952 التي أطاحت بالنظام الملكي، في واحد من أكبر التحولات في تاريخ الملف. ففي سنة 1955 ألغى القانون رقم 462 المحاكم الشرعية والملية، ونقل قضايا الأحوال الشخصية إلى المحاكم الوطنية. لكن هذا الانتقال لم يكن من الديني إلى المدني بالمعنى الكامل. فلم يبدأ القاضي من قانون واحد يطبّق على جميع المواطنين، إذ ظلّ القانون يميز، في بعض مسائل غير المسلمين، بحسب الطائفة والملة. فإذا كان النزاع بين مصريين غير مسلمين من نفس الطائفة والملة، وكانت لطائفتهما جهات قضائية ملية منظمة حتى نهاية سنة 1955، أمكن للقاضي تطبيق شريعتها، ما لم تتعارض مع النظام العام. 

بهذا أصبحت المحكمة الجهةَ التي تصدر حكم الطلاق وتغير الحالة القانونية في سجلات الدولة، لكنها قد تفعل ذلك استناداً إلى قواعد خاصة بالطائفة، مثل لائحة 1938 للأقباط الأرثوذكس. وفي الوقت نفسه، لم تصبح المحكمة صاحبة الكلمة الأخيرة في كل ما يتعلّق بالزواج، إذ ظلّ للكنيسة دور في تحديد ما إذا كان انتهاء الزواج، والسبب الذي انتهى به، يسمحان بزواج كنسي جديد.


استمر التداخل بين القضاء والكنيسة ما دام الحد الفاصل بينهما غير ظاهر. لكن مع تشدّد الكنيسة القبطية لاحقاً في شروط الزواج الثاني، أصبح التباين أحدّ. فمع انتخابه بابا الإسكندرية وبطريركاً للكرازة المرقسية نهاية أكتوبر سنة 1971، أصدر البابا شنودة الثالث القرارين رقم 7 و8، وحصر أسباب منح تصريح الزواج مرة أخرى في علة الزنا، رابطاً التصريح بموقف الكنيسة من سبب انتهاء الزواج.

وتشرح ليديا علي في ورقتها البحثية "حركة الأحوال الشخصية للأقباط [. . .]" المنشورة سنة 2018، أن الحكم القضائي لم يعد كافياً لفتح باب الزواج مرةً أخرى، إذا لم ترَ الكنيسة أن سببه يسمح بذلك. وعليه لم يعد الخلاف على أسباب الطلاق وحسب، بل على معنى الحكم نفسه.

ظلّ هذا التباين قائماً في السنوات التالية وتفاقم الانقسام مع تضييق قواعد لائحة 1938. ففي 2008 أُلغيت المواد من 51 إلى 58 التي كانت تتناول أسباب الطلاق التسعة الواردة في اللائحة، واستبدلت بالمادة 50 التي حصرت الطلاق في زنا أحد الزوجين. كذلك جُعلت بعض صور الخيانة الزوجية في حكم "الزنا الحكمي" (قرائن دالة على الخيانة الزوجية، تأخذ الأثر القانوني للزنا فتجيز طلب الطلاق).

صارت الواقعة الواحدة تُقرأ داخل مسارين مختلفين. فالقاضي يبحث عن سبب ودليل يجيزان الطلاق وفق القواعد القانونية، بينما تنظر المؤسسة الكنسية إلى السبب نفسه وفق قواعدها عند بحث إمكان منح تصريح بالزواج مرةً أخرى. بمعنى أن الزنا الحكمي صار مثالاً على أن ما تراه القواعد الكنسية كافياً لإثبات سبب ديني لا يعني بالضرورة أن المحكمة ستراه ثابتاً قانوناً.

ويضع إسحاق إبراهيم المتضررين من هذا الانقسام في ثلاث فئات. فئةٌ لا يستطيعون الحصول على حكم بالطلاق. وفئةٌ يحصلون على الحكم قضائياً لكنهم لا يحصلون على تصريح بالزواج مرة أخرى كنسياً. والفئة الأخيرة هم من ترى الكنيسة أن سبب انتهاء زواجهم يجيز النظر في التصريح، لكنها ترفض منحه للطرف المخطئ.

مع تراكم هذه الحالات، يضيف إبراهيم، ظهرت حركات قبطية طالبت بإصلاح قواعد الأحوال الشخصية وتوفير بدائل لمن ظلّوا عالقين بين الحكم القضائي وقرار الكنيسة. وقد خرج الخلاف من حدود الاختلاف النظري إلى نزاع قضائي علني، خصوصاً في مارس 2008، حين أيّدت المحكمة الإدارية العليا حكماً بإلزام الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بإصدار تصريح بالزواج مرة أخرى لمسيحي حصل على حكم قضائي بالطلاق، رغم رفض الكنيسة اعتبار الطلاق سبباً يبيح له الزواج كنسياً. وبحسب إبراهيم، لجأ بعض المتضررين إلى القضاء الإداري اعتراضاً على رفض الكنيسة منحهم تصريحاً بالزواج مرة أخرى، مطالبين المحكمة بالتدخل، بينما تمسّكت الكنيسة بأن منح التصريح أو رفضه قرار ديني تختص به وحدها ولا يجوز للقضاء إلزامها بإصداره.


في الوقت الذي كانت خلافات الطلاق والزواج تتخذ فيه منحى نزاعات قضائية وكنسية، كانت الطوائف المسيحية قد بدأت منذ أواخر السبعينيات محاولات لصياغة قانون موحد للأحوال الشخصية تجمع القواعد التي يمكن الاتفاق عليها، دون أن تفرض على الكنائس أحكاماً تتعارض مع عقائدها. وفي كل مرة كانت المشكلة نفسها تعود إلى الواجهة. كيف يمكن للدولة أن تضع قانوناً واحداً لزيجات تحكمها تصورات دينية مختلفة عن معنى الزواج وانتهائه.

بحسب تصريحات عضو المجلس الملي العام للكنيسة القبطية ومستشارها القانوني، منصف سليمان، في حوار مع صحيفة "الوطن" سنة 2022، بدأت محاولة إعداد مشروع موحد سنة 1977. وقد جُمعت الطوائف المسيحية حوله وقُدم إلى وزارة العدل، التي وافقت عليه "ولكن لم تكن الإرادة السياسية موجودة للإصلاح". ثم حُدِّث المشروع سنة 1988 ولاقى المصير نفسه، قبل أن تتجدد المحاولة سنة 2010 في أعقاب أزمة قضائية عن الزواج مرة أخرى. إذ صدر حكم لصالح مسيحي مطلّق بأحقيته في الحصول على تصريح بالزواج مرة أخرى، فرفض البابا شنودة الثالث تنفيذ الحكم، معتبراً أنه ليس للمحكمة إلزام الكنيسة بقرار ديني يخالف قواعدها بشأن الزواج.

لكن تكرار المحاولات لا يعني أنّ الخلاف كان يدور على التفاصيل نفسها طوال تلك السنوات. ففي المسائل التي لا تمس جوهر التصورات الكنسية عن الزواج، مثل الخطبة والنفقة والحضانة والميراث، أمكن الوصول إلى مساحات أوسع من الاتفاق، بينما ظلّ إنهاء الزواج والزواج مرة أخرى العقدة الأصعب. فالكنيسة الكاثوليكية لا تقرّ الطلاق بما يسمح بزواج كنسي جديد، بينما تقبل الكنائس الأرثوذكسية والإنجيلية الطلاق في حالات محددة.

ولهذا الخلاف وزنه من الخريطة السكانية لمسيحيي مصر، إذ ينتمي نحو 90 بالمئة منهم إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بحسب تقديرات أوردتها وزارة الخارجية الأمريكية في تقريرها عن الحرية الدينية في مصر سنة 2022. وإلى جانب الأقباط الأرثوذكس، تضم البلاد طوائف كاثوليكية وإنجيلية وأرمنية ورومية وسريانية. وهذا التباين في العدد لم يلغِ حقيقة أن لكل طائفة، مهما صغر عددها، تصوراً لاهوتياً صارماً لسر الزواج لا يمكن تذويبه في قانون الأغلبية.

لم يكن وضع قانون واحد يتطلب الاتفاق على إجراءات قضائية فقط، بل على القواعد التي يمكن توحيدها، وتلك التي ينبغي أن تظل مرتبطة بخصوصية كل طائفة. ومن هنا بدأت تتبلور تدريجياً صيغة أصبحت لاحقاً تقوم على قانون واحد للقواعد المشتركة، مع إبقاء الاختلافات الخاصة بكل طائفة داخل أبواب مستقلة. وظهر ذلك جلياً في مناقشات سنة 2016، حين أقرّ المجمع المقدس بحضور مئة وتسعة من الأساقفة، لائحة جديدة للأحوال الشخصية. شملت اللائحةُ الاتفاقَ على نحو 90 بالمئة من الأحكام العامة، مع تخصيص باب مستقل لكل طائفة في مسائل الطلاق والانفصال. 


لم يتحول التوافق على توحيد جل الأحكام العامة مباشرةً إلى قانون نافذ. فقد بقيت الخطوة الأهم، أن تتبنى الدولة هذه الصيغة، وأن تحدد داخل القانون المدني حدود الدور الذي يمكن أن تتركه للمؤسسات الدينية. وظلت محاولات تحويل هذا التوافق إلى تشريع نافذ تتعثر في السنوات التالية، إلى أن انتقلت عملية الصياغة إلى مسار أكثر مؤسسية، وشاركت وزارة العدل مباشرةً في إعداده مشروعاً جديداً.

سلّم ممثلو الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية مسودة مشروع القانون إلى وزارة العدل في 15 أكتوبر 2020، قبل أن تتوافق الطوائف المسيحية الست على مسودة نهائية غير معلنة، وُقّعت في ديسمبر 2024. ذلك ما ورد في ورقة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية بعنوان "أهلية منقوصة.. حول أول قانون لتنظيم الأحوال الشخصية للمسيحيين"، نُشرت في مايو 2026. عقب ذلك، صدر قرار مجلس الوزراء رقم 2172 بتشكيل لجنة قانونية برئاسة ممثل وزارة العدل وعضوية ممثلي الجهات المعنية والطوائف. وبحسب بيان مجلس الوزراء عقدت هذه اللجنة خمسة وثلاثين اجتماعاً حتى 20 أبريل 2026، بمشاركة قيادات دينية ومستشارين قانونيين وأعضاء في مجلسي النواب والشيوخ. وقدمت الحكومة هذه الاجتماعات طريقاً إلى صيغة توافقية لا تمس المسائل العقدية لكل طائفة. قبل أن تعلن رسمياً في 22 أبريل 2026 الموافقة على مشروع قانون الأسرة للمسيحيين.

ويقدم المستشار منصف سليمان، ممثل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في لجنة الإعداد، تفسيراً مؤسسياً لهذا التحول. ففي حديث إلى الفراتس، يقول إن "الطوائف توصلت في مراحل سابقة إلى مساحات من الاتفاق، لكن رؤيتها كانت لا تتوافق مع رؤية وزارة العدل، فيتوقف المسار. أما هذه المرة، فشاركت الوزارة في التفاوض على الصياغة منذ البداية، واجتمعت رغبة الكنائس مع قرار الدولة بإنجاز قوانين الأسرة للمسيحيين والمسلمين". وأكد المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، في تعليق في مايو 2026 بعد إحالة المشروع إلى البرلمان، أن القانون جاء ثمرة عمل مشترك بين الكنائس وخبراء القانون، مع إبداء ملاحظات على نصه أمام مجلس النواب.

تزامن هذا المسار مع تحرك حكومي أوسع لإعادة تنظيم قوانين الأسرة في مصر. فبعد موافقة مجلس الوزراء على مشروع الأسرة للمصريين المسيحيين، وافق في 29 أبريل 2026 على مشروع قانون الأسرة العام. ثم وافق في مايو على مشروع إنشاء الصندوق التكافلي لدعم الأسرة. بذلك أصبح مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين جزءاً من حزمة تشريعية أوسع لإعادة تنظيم قضايا الأسرة في مصر.

مع ذلك، ظلت طريقة إعداد المشروع موضع اعتراض أحياناً. تقول الحكومة إنّ لجنة الصياغة استمعت إلى قيادات الطوائف ومستشاريها القانونيين، وإلى أعضاء في مجلسي النواب والشيوخ وممثلين عن جهات قضائية وحقوقية. لكن "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" انتقدت سرية المفاوضات، وقالت إن أصحاب القضايا والجمعيات المعنية لم يشاركوا في نقاش مفتوح عن المشروع قبل إحالته إلى البرلمان. ولم يتسع النقاش العلني عن المشروع إلا بعد إحالته. ففي مايو 2026 مثلاً، نظّم المجلس القومي لحقوق الإنسان لقاءً بعنوان "نحو قانون عصري للأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر [. . .]"، ناقش الطلاق وبطلان الزواج وتسوية المنازعات والتوازن بين الأحكام الدينية والحقوق المدنية. ودعا المجلس إلى استمرار الحوار بين المؤسسات الدينية والتشريعية والمجتمعية.


وصول المشروع إلى البرلمان لا يعني أن الأسئلة التي أثارها تاريخ الأحوال الشخصية قد حُسمت. فالاتفاق على النص لا يعني بالضرورة زوال التوتر بين القاعدة القانونية والرؤية الكنسية، ولا يحسم وحده حدود سلطة كل منهما. خصوصاً أن المشروع ما يزال قيد المناقشة ولم يتحول بعد إلى قانون نافذ.

ينطبق المشروع على أتباع ست طوائف مسيحية معترف بها، هي الأقباط الأرثوذكس والسريان الأرثوذكس والروم الأرثوذكس والأرمن الأرثوذكس والإنجيليين والكاثوليك. وفي المسائل التي لا ينظمها في نص صريح، يحيل القاضي إلى القواعد الدينية للكنيسة المختصة، بشرط ألا تخالف النظام العام. ويعرّف المشروعُ الزواجَ المسيحي بأنه رباط ديني مقدس ودائم بين رجل وامرأة، يتم بمراسم دينية على يد رجل دين مختص. ويظهر اختلاف العقائد في أبواب إنهاء العلاقة، فلا تسري أحكام الطلاق أو الانحلال المدني على الكاثوليك، الذين ينظم مشروع القانون لهم الانفصال الجسدي وبطلان الزواج وفق قواعدهم الخاصة.

ولا يقتصر حضور الكنيسة في الزواج، وفقاً للمشروع، عند لحظة النزاع، إنما يسبقه إلى إجراءات عقده. إذ يُشترط إتمام الزواج دينياً على يد رجل دين مختص تصرح له رئاسته الدينية. وتتحقق الشهادة الدينية هذه من عدم وجود مانع كنسي يحول دون الزواج، إلى جانب شهادة طبية تثبت فحص المتقدمين للزواج الفحوص المطلوبة.

وفي أبواب أخرى، يتضمن مشروع القانون تغييرات في أحكام الميراث والحضانة والرؤية والاستزارة، أي استضافة الطفل مدة محددة، والولاية التعليمية. كذلك يتيح إلحاق وثيقة الزواج باتفاق على بعض الحقوق المالية ووثيقة تأمين اختيارية في حالات انتهاء العلاقة. ويرى إسحاق إبراهيم أنّ بعض هذه التعديلات، لاسيما المساواة في الميراث وبعض التسهيلات الإجرائية، تمثّل خطوات إيجابية، بينما يشير منصف سليمان إلى ما يتضمنه المشروع من لجان لإرشاد المخطوبين.

يظل أثر هذه المزايا مرتبطاً بكيفية وضع إجراءاتها موضع التنفيذ. ويظهر الاختبار الأوضح للعلاقة بين المحكمة والمؤسسة الدينية في المواد المنظمة هذه العلاقة. تنصّ المادة 21 مثلاً على أنّ تغيير أحد الزوجين طائفته بعد الزواج لا يغيّر القواعد التي تطبقها المحكمة، إذ تظلّ العبرة بالطائفة التي عُقد الزواج وفقها. ويدافع سليمان عن هذا النص لأنه ينهي ما يسميه "تجارة شهادات تغيير الملة"، في إشارة إلى حصول بعض الراغبين في الطلاق على شهادات انتماء إلى طوائف أخرى مقابل المال. 

ينظر المحامي المتخصص في قضايا الأحوال الشخصية نادر الصيرفي إلى المسألة من الجهة الأخرى. قال في حديث للفراتس إنه "رغم ارتباط هذا المسار بممارسات تحايلية، إلا أنّ تغيير الطائفة كان بالنسبة إلى بعض المتضررين مخرجاً من زواج أغلقت أمامهم قواعد طائفتهم أبواب إنهائه. لذلك، لا يتوقف أثر إغلاق هذا الطريق على منع التحايل وحده، بل على ما إذا كان المشروع يوفر بديلاً حقيقياً لمن كانوا يلجؤون إليه".

تنص المادة 24 على إلزام المحكمة بطلب رأي الرئاسة الدينية المختصة في دعاوى الخطبة والطلاق وبطلان الزواج والانحلال المدني. وإذا خالفت المحكمة هذا الرأي، فعليها أن تبين أسباب مخالفتها. يرى سليمان أن ذلك لا ينتقص من استقلال القضاء، لأن الرأي الديني غير ملزم وللمحكمة أن تأخذ به أو تخالفه. أما إبراهيم، فيرى أنّ مجرد إلزام القاضي بطلب الرأي وتسبيب مخالفته، يمنح المؤسسة الدينية وزناً مباشراً داخل الدعوى.

وتصل هذه العلاقة بين الطرفين إلى أوضح صورها في المادة 42، التي تُبقي تصريح الزواج مرة أخرى في يد الرئاسة الدينية. وبذلك يمكن لشخص أن يحصل على حكم نهائي بالطلاق أو البطلان أو الانحلال المدني، دون أن يترتب على الحكم حقاً تلقائياً في الزواج داخل الكنيسة من جديد. وبهذا يعود الفصل الذي رافق تاريخ الأحوال الشخصية إلى صورته الأوضح، المحكمة تنهي الزواج من الناحية القانونية، والكنيسة تقرر إمكان نشوء زواج ديني جديد. ويعود مع هذا السؤال الأول عما يمكن أن يحدث عندما تتعامل الجهتان مع الوقائع نفسها بمعايير مختلفة. 

في سياق إجابته، يركز المحامي نادر الصيرفي على أسباب الانحلال المدني وصياغتها. فالمشروع يتيح إنهاء بعض الزيجات بعد ثلاث سنوات من الفرقة الجسدية، مع ثبوت استحالة استمرار العشرة، ويذكر ارتكاب أحد الزوجين فعلاً يعرِّض حياة الآخر للخطر. لكنّ الصيرفي يسأل عن معيار إثبات استحالة العشرة، وعن المقصود بالخطر. "هل يكفي الإيذاء المتكرر، أم يلزم تهديد مباشر للحياة؟" كذلك ينتقد غياب السجن والإدمان وسوء السلوك عن أسباب الانتهاء، ويحذر من اختلاف تطبيق النصوص بين المحاكم إذا بقيت تعريفاتها غامضة.

ولا تتوقف الأسئلة عند صياغة أسباب الانحلال. فمدة السنوات الثلاث من الفرقة تفتح مسائل عملية أخرى عن مكان إقامة الزوجين خلالها، والجهة التي تتحمل النفقة، وسبل تنظيم الحضانة والرؤية والولاية التعليمية قبل صدور حكم الانحلال. ينظم المشروع هذه الحقوق بصورة عامة، لكنه لا يحسم في باب الانحلال نفسه، كيف ستطبق خلال سنوات الانتظار، ولا ما إذا كانت المحكمة ستفصل فيها ضمن الدعوى ذاتها أم عبر دعاوى مستقلة.

يضع إسحاق إبراهيم هذه الاعتراضات في إطار أوسع. ففي رأيه، يحافظ المشروع على الدور المركزي للكنائس في تنظيم الزواج وتسجيله وفي الدعاوى المرتبطة بانتهائه، دون أن يتيح مساراً مدنياً بديلاً لمن لا يجد حلاً داخل قواعد طائفته. ويقترح لذلك مسارين متوازيين، دينياً ومدنياً، يختار المواطن بينهما.

هذا الاقتراح ليس جزءاً من المشروع، لكنه يكشف أن الخلاف لا يتعلق فقط بعدد أسباب الطلاق أو الانحلال، بخلاف أوسع عما إذا كان إنهاء الزواج ينبغي أن يظل محكوماً بالقواعد الدينية للطائفة، أم أن توفر الدولة مساراً مدنياً لمن لا يجد حلاً داخلها.

ويبقى عند حدود المشروع أيضاً تحديد الفئة من المسيحيين الذين لا ينتمون إلى إحدى الطوائف الست التي يشملها. يقول الصيرفي إن من تثبت أوراقه الرسمية أنه مسيحي، من دون أن تكون لطائفته لائحة معترف بها، قد يظلّ أمام خلاف عن القاعدة التي ينبغي للمحكمة تطبيقها. ومن وجهة نظره، لا يكفي أن يجمع القانون الطوائفَ المعترف بها في نص واحد، بل ينبغي أن يضمن لكل مواطن مسيحي قاعدة قانونية واضحة يحتكم إليها، بصرف النظر عن اعتراف الكنائس الأخرى بالطائفة التي ينتمي إليها.


تكشف رحلة قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر أن المشكلة تتجاوز غياب قانون موحد إلى التداخل المستمر بين سلطتين تنظمان جوانب مختلفة من هذه المسألة، وفي القلب منها الزواج والطلاق. فمنذ المجالس الملية وحتى إحالة مشروع القانون الجديد إلى مجلس النواب، ظلّ المواطن المسيحي يقف عند نقطة تلتقي فيها سلطة الدولة في تنظيم الحقوق القانونية مع سلطة الكنيسة في تنظيم جوانب من الحياة الدينية والأسرية. وهنا تتجاوز القضية مشروع القانون نفسه إلى سؤال أوسع عن كيفية تنظيم علاقة الدولة بالمؤسسة الدينية في شأن يمسّ في الوقت نفسه الحقوق القانونية والمعتقدات الدينية، دون أن يتحول المواطن إلى نقطة التماس بين سلطتين لا تتطابق قراراتهما. 

وسيكون الاختبار العملي للمشروع في حال إقراره وبدء تطبيقه، ليس فقط في قدرته على جمع القواعد المتفرقة داخل قانون واحد فقط، إنما في تحويل هذه القواعد إلى أحكام وحقوق وإجراءات أمام المحاكم والكنائس. عندها سيظهر أثره الفعلي على من يقفون بين المؤسستين، ويتجلى ذلك في وضوح الطريق إلى إنهاء الزواج وفي الحقوق المترتبة على ذلك، وفي المسافة التي تفصل الحكم المدني عن إمكان بدء حياة زوجية جديدة داخل الكنيسة.

اشترك في نشرتنا البريدية