"الدولة أنا".. كيف حيّد قيس سعيّد البرلمان التونسي وجعله في قبضته

انتقلت تونس خلال عشر سنوات من برلمانٍ ممثلٍ عن الشعب إلى برلمانٍ يمثّل الرئيس قيس سعيّد.

Share
"الدولة أنا".. كيف حيّد قيس سعيّد البرلمان التونسي وجعله في قبضته
أصبحت السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في جيب الرئيس التونسي | خدمة غيتي للصور

حين بدأت الحرب الإسرائيلية على غزة بعد 7 أكتوبر 2023، تدفّقت حناجر التونسيين في شوارع تونس تهتف للمقاومة. ومع كلّ مظاهرة، ارتفعت الأصوات مطالبةً السلطة التشريعية بتمرير مشروع قانون تجريم التطبيع. وسط هذا الزخم الشعبي، تحرّك بعض النواب بمبادرة استعجال النظر في مشروع القانون المقدَّم إلى لجنة الحقوق والحريات بالمجلس منذ 9 يوليو 2023. استُعِدّ للتصويت على المشروع في جلسةٍ عامةٍ يوم 2 نوفمبر 2023. بيد أن ما جرى تحت قبة مجلس النواب أظهر عجزاً عن اتخاذ قرارٍ يستجيب للدعم الشعبي الكبير لهذا المطلب.

لم يكن التردّد تقنياً أو دستورياً، وإنّما سياسياً في جوهره. فقد أعلن رئيس المجلس إبراهيم بودربالة في جلسة التصويت أن رئيس الجمهورية قيس سعيّد قد أبلغه بأن تمرير القانون سيضرّ بمصالح تونس الخارجية. إذ رأى الرئيس الأمرَ بمثابة "اعتداءٍ على أمن الدولة الخارجي".

وهكذا، وفقاً لتصريحاته التي نقلها عنه رئيس البرلمان، يصبح الشعار الذي رفعه قيس سعيّد إبّان حملته الانتخابية "التطبيع خيانة عظمى" مجرد خطابٍ انتخابيٍّ لا أكثر ولا أقل. انطلق نقاشٌ طويلٌ في مجلس النواب بعد تصريحات رئيس المجلس، لم ينجح فيه النواب إلا بالتصويت على فصلين من مشروع القانون يجرّمان العمليات التجارية مع إسرائيل والمشاركة في الأنشطة والفعاليات الثقافية والسياسية والاقتصادية المرتبطة بها. ثم أُعلن عن تأجيل الجلسة العامة إلى موعدٍ لم يحدَّد حتى كتابة هذه السطور.

يعكس مشروع قانون تجريم التطبيع موقع البرلمان في المرحلة الجديدة. السيادة الشعبية التي وعد بها قيس سعيّد ناخبيه، منذ أن رفع شعار "الشعب يريد" في حملته الانتخابية سنة 2019، لم تجد طريقها إلى التشريع. والاستقلالية التي كانت شعاراً لإعادة بناء النظام السياسي في 25 يوليو 2021، عندما أعلن الرئيس التدابير الاستثنائية وحلّ البرلمان، أصبحتْ محلّ مساءلة. إذ بات البرلمان يتحرّك تحت سقفٍ رَسَمَتْه إرادة الرئيس. فلم تعد المسألة تتعلّق بتقنيات التشريع أو ترتيب الأولويات، وإنّما بطبيعة دور البرلمان ضمن الدستور الجديد الذي كتبه قيس سعيّد واستفتى فيه التونسيين في 25 يوليو 2022. فالواقع السياسي الذي تكشّف لا يخفي هشاشة المؤسسة التشريعية، التي صارتْ أقرب إلى جهازٍ إداريٍّ ينفذ التعليمات منها إلى سلطةٍ رقابيةٍ وتشريعيةٍ تعبّر عن المزاج الشعبي.

ظلّ مجلس النواب التونسي ساحةً للسياسة ومنبراً للنقاش العام ومختبراً للتوازنات الممكنة في فترة المجلس السابق الناتج عن الانتخابات التشريعية سنة 2019، رغم ما شابَ ذلك المجلس من "فوضى تشريعية" وصراعات على حدّ كلام سعيّد. أما الآن، فقد منعت قرارات الرئيس السياسةَ في المجلس، وتحوّلت الجلسات العامة إلى لحظاتٍ رمزيةٍ تُدار بحذرٍ بالغٍ خشيةَ إغضاب الرئيس. جعل هذا الانزلاق المؤسسة التشريعية مجرّدَ زينة في مشهدٍ سياسيٍّ بات أكثر توحّداً وصرامة.


كشفت الأزمة التشريعية التي عصفت بالمجلس النيابي المنبثق عن انتخابات 2019 عمق الاختلالات التي طبعت النظام السياسي، بعدما أطاحت ثورة 14 يناير 2011 بنظام زين العابدين بن علي. مهّدت الأزمة فعلياً لتفعيل "الإجراءات الاستثنائية"، على حد تعبير سعيّد، يوم 25 يوليو 2021.

 أُجرِيَت الانتخابات التشريعية يوم 6 أكتوبر 2019 في ظرفٍ سياسيٍّ غير مسبوق. إذ تزامنت مع المرحلة الفاصلة بين الدورين الأول والثاني من الانتخابات الرئاسية، التي فُرضت بوفاة الرئيس الباجي قائد السبسي المفاجئة في 25 يوليو 2019. وضعت هذه الظروف البلاد في أجواءٍ مشحونةٍ بالتوترات السياسية، حسب ما بيَّن المؤرخ عدنان منصر في كتابه "سنوات الطين.. تونس من الديمقراطية الكسيحة الى الاستبداد الشعبوي" المنشور سنة 2023. فقد خاض نبيل القروي، رجل الأعمال وصاحب قنوات "نسمة" التلفزية، الحملة الانتخابية التشريعية والرئاسية من السجن متهماً بقضايا فسادٍ ماليٍّ وتهرّبٍ ضريبيّ. وصُدِّرتْ أزمات قيادةٍ داخليةٍ حزبيةٍ وتصدعاتٍ وانقساماتٍ عصفت بحزب نداء تونس الذي أسّسه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي. وعصفت الانقسامات بحركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية والجبهة الشعبية، وهي ائتلافٌ حزبيٌّ مكوَّن من عدة أحزابٍ وحركاتٍ سياسيةٍ ذات توجّهٍ يساري.

أثَّر ذلك على ملامح البرلمان الجديد الذي أفرزته تلك الانتخابات. فقد خسرت حركة النهضة سبعة عشر مقعداً مقارنةً بانتخابات 2014. فقد فازت باثنين وخمسين مقعداً من أصل مئتين وسبعة عشرة مقعد، مقارنةً مع تسع وستين مقعداً في 2014. في المقابل، شهد حزب نداء تونس سقوطاً مدويّاً بعد أن كان القوة الأكبر في برلمان 2014 بخمسة وثمانين مقعداً، ولم يفز إلا بثلاثة مقاعد في انتخابات 2019.

على الجانب الآخر، ظهرت قوى جديدة بخطابٍ وسلوكٍ سياسيٍّ شعبويٍّ تمثلت في الحزب الدستوري الحر الذي أسّسه حامد القروي، رئيس الحكومة لأكثر من عشر سنوات في عهد بن علي، في 23 سبتمبر 2013. تَقدَّم الحزب إلى الانتخابات التشريعية سنة 2019 لأول مرة بعد الثورة بقيادة رئيسته المحامية عبير موسي، وفاز في الانتخابات التشريعية بسبعة عشر مقعداً ليكون الخامس في البرلمان. وصعدَ أيضاً حزب قلب تونس الليبرالي الذي أسّسه نبيل القروي في 2016 ليفوز بثمانية وثلاثين مقعداً ويصبح ثاني أكبر قوة سياسية في البرلمان. هذا عدا عن صعود ائتلاف الكرامة ذي المرجعية الإسلامية، وحركة الشعب ذات المرجعية القومية العربية.

هذا الصعود شكّل طبيعة الصراعات داخل مجلس 2019. إذ لم يتمكن أي فصيلٍ سياسيٍّ من الفوز بالأغلبية المطلقة حتى تكون له القدرة على التأثير في اتخاذ القرارات التشريعية، ولم يعد سهلاً التحكم في مسار السياسات العامة. فكان على حركة النهضة مواجهة تحدياتٍ متعددة. فمن جهة، سعت إلى تحصين موقعها أمام القوى المعادية للإسلام السياسي، وفي مقدّمتها الحزب الدستوري الحر، وأرادت الحركة منع تحالفه مع حزب قلب تونس خشيةَ محاصرتها في مجلس النواب. ومن جهةٍ أخرى، حاولت النهضة التفاوض حول طبيعة تقاسم الحكم مع الرئيس قيس سعيّد، لاسيما أنّه لم يكن له أي حزامٍ حزبيٍّ يدعمه، ما جعل النهضة ترى في ذلك فرصةً لتعزيز نفوذها. 

في محاولةٍ لضمان موطئ قدمٍ في السلطتين التشريعية والتنفيذية، تبنّت النهضة نهجاً واقعياً دعمته بوقوفها إلى جانب سعيّد في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية. أرادت الحركة إعادة مشهد التفاوض مع الراحل الباجي قائد السبسي عقب فوزه بالانتخابات الرئاسية وفوز حزبه "نداء تونس" بالانتخابات التشريعية سنة 2014. قامت المعادلة على الرضوخ لشروط النهضة أو فرض العزلة والحصار السياسي على قصر قرطاج. وكان سلاح الحركة فيه الأغلبية البرلمانية، وما يمكن أن تؤمّنه من استقطابٍ لبقية الكتل، كما يسرد عدنان منصر في كتابه.

علاقة التناغم والمصلحة في الانتخابات الرئاسية بين حركة النهضة وسعيّد انتهت سريعاً. لم يتأخر صراع الهيمنة وحرب الصلاحيات في الظهور مباشرةً. فقد أخفق مجلس النواب في منح ثقته لحكومة الحبيب الجملي في جلسة منح الثقة التي عُقِدت يوم 10 يناير 2020، وقد كُلّف بتشكيل الحكومة بناءً على ترشيح حركة النهضة.

خلقَ فشل البرلمان في التصويت على الحكومة أزمةً لدى حركة النهضة وحلفائها. إذ يجبر النواب على الالتجاء للفصل 89 من دستور 2014. ينصّ هذا الفصل على أن يطلب رئيس الجمهورية في البداية من حزب الأغلبية أن يقترح شخصيةً لتشكيل الحكومة. لكن في حال لم تحظَ هذه التشكيلة بثقة البرلمان، ينتقل التصويت إلى مرحلةٍ لاحقةٍ يُعفى فيها حزب الأغلبية من هذه الأحقية. عندها يتولّى رئيس الجمهورية مباشرةً تكليف شخصيةٍ أخرى لتشكيل حكومة، دون العودة إلى حزب الأغلبية. وفي حال رفض البرلمان هذه الحكومة، فإن لرئيس الجمهورية حقَّ حلّ البرلمان والدعوة لانتخاباتٍ تشريعيةٍ جديدة. وهكذا قام سعيّد بتعيين إلياس الفخفاخ، الذي نجح لاحقاً في نيل موافقة البرلمان على حكومته خوفاً من الفرضية الدستورية لحل المجلس.

كانت النهضة تسعى في حربها ضد رئيس "حكومة الرئيس"، كما سمّاها الإعلام التونسي، لاستعادة صلاحية تشكيل الحكومة، إلا أن الرياح لا تسير دائماً كما تشتهي السفن. فقد عجّل سعيّد، في مناورةٍ سياسيةٍ يوم 15 يوليو 2020، بفرض الاستقالة على الفخفاخ قبل جلسة سحب الثقة التي دعت إليها حركة النهضة.

قلَبَ سعيّد المعادلة بطريقةٍ لم تكن تخطر في حسابات النهضة، وجعل الكرة تعود مرةً أخرى إلى ملعبه. اختار في 25 يوليو 2020 مستشاره القانوني ووزير الداخلية هشام المشيشي لتشكيل حكومة كفاءاتٍ مستقلة عن الأحزاب. بدا من هذه المناورة أنّ الرئيس يسعى إلى تثبيت نظامٍ رئاسيٍّ، يكون فيه رئيس الحكومة خاضعاً للرئيس وليس للبرلمان. وعلى هذا التجاذب، إلا أنّ المشيشي قَبِل قائمةً من الوزراء المحسوبين على سعيّد، بينهم وزير الداخلية ووزير الدفاع ووزير الخارجية ووزير الثقافة. 

وعلى عكس إلياس الفخفاخ، بدا على المشيشي أنه استوعب درس معاداة حركة النهضة الثابتة في البرلمان بوصفها أقوى فاعلٍ سياسيٍّ منذ الثورة. ومن هذا المنطلق، بدأ في جملة تحركاتٍ أثارت غضب رئاسة الجمهورية. فقد أعلن عن تغيير بعض الوزراء دون أن يستشير سعيّد. وذهب المشيشي إلى إقالة كل الوزراء المحسوبين على الرئيس كسباً لرضا الحركة، التي استقبلت بدورها هذه الهدايا بتوفير دعمٍ لا مشروط له عبر دعوة قواعدها الانتخابية النزول للشوارع من أجل دعم حكومته. وهكذا لم يجد قيس سعيّد سبيلاً للمراوغة سوى الالتجاء إلى عدم قبول أداء اليمين الدستورية للوزراء الجدد، معللاً أن هناك قضايا فساد متعلقة ببعضٍ منهم.

اللوائح البرلمانية سجّلت حضورها أيضاً في تأجيج نيران الصراع بين السلطتين. تقدَّم ائتلاف الكرامة، الحليف الاستراتيجي للنهضة، بلائحة طلب اعتذارٍ رسميٍّ وعلنيٍّ فرنسيٍّ عن الجرائم التي ارتكبتها فرنسا خلال عهد الاستعمار في تونس بين 1881 و1956. جاء هذا المقترح في وقتٍ حساسٍ تزامن مع استعداد سعيّد لزيارةٍ رسميةٍ تونسيةٍ فرنسية. في 25 يونيو 2020، أثناء الزيارة، أدلى سعيّد بجملة تصريحاتٍ لقناة "فرانس 24" الفرنسية مفادها أن تونس كانت تحت "نظام الحماية الفرنسية" وليس "الاستعمار المباشر". وقد برّر أن هذا النظام كان مختلفاً قانونياً عن الاستعمار المباشر الذي شهدته دولٌ أخرى، مثل الجزائر. وبهذا التصريح فتح سعيّد جبهةً أخرى للصراع، وأصبح الموضوع نقطة اشتباكٍ سياسيٍّ بينه وبين حلفاء النهضة داخل المجلس.

الوقوف على طرفَي نقيضٍ في المسألة الدبلوماسية بدا جلياً أيضاً في رسم حدود التعامل مع الأزمة الليبية، بعد الحرب التي شهدتها العاصمة الليبية طرابلس بين 2019 و2020. فقد عرض ائتلاف الكرامة مشروع لائحته في سياقٍ إقليميٍّ خاص، وهو السياق نفسه الذي أحاط زيارة سعيّد الرسمية لفرنسا في 22 و23 يونيو 2021. تمثلت هذه الخصوصية، كما يروي منصر، في احتدام المعارك في ليبيا بين قوات خليفة حفتر المسماة "الجيش الوطني الليبي" والقوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني. وقد انتهت بانسحاب قوات حفتر المدعومة فرنسياً ومصرياً وإمارتياً، بعد تدخلٍ تركيٍّ أدى لتراجع المهاجمين والاستيلاء يوم 18 مايو 2020 على قاعدة الوطية الجوية القريبة من الحدود الليبية التونسية، التي احتلّتها قوات حفتر قبل ذلك.

قبل ذلك، زار الرئيس التركي أردوغان تونس فجأة في 25 ديسمبر 2019، لطلب تعاونٍ تونسيٍّ يتيح لتركيا الولوج للأجواء الليبية من الحدود التونسية، وهو ما رفضه قيس سعيّد. ويقول منصر في كتابه: "منذ تلك الزيارة سيصنِّف الإسلاميون، النهضة وحلفاؤها، قيس سعيّد إقليمياً إلى جانب الفرنسيين".

يقول منصر إنّ تناقض التوجهات الدبلوماسية بين رئاسة البرلمان ورئاسة الجمهورية قد أصبح واضحاً. فقد تحادث رئيس المجلس راشد الغنوشي مع رئيس حكومة الوفاق فائز السرّاج لتهنئته بسيطرة القوات الموالية لحكومته على قاعد الوطية. وقد عَدَّ قيس سعيّد شرعيةَ المجلس الرئاسي الليبي – وهو واحدٌ من مكوِّنَيْن لحكومة الوفاق – شرعيةً مؤقتةً. فاستقبل يوم 23 ديسمبر 2019 في قصر قرطاج وفداً عن مجلس القبائل الليبية، داعياً إلى اتّباع حلٍّ للأزمة الليبية شبيهٍ بالحلّ الذي أشرف عليه الأمريكيون في أفغانستان (المعروف باسم لويا جيرغا). وهي تجربة حوار وطني شاملة أشرف عليها الأمريكيون في أفغانستان بعد سقوط نظام طالبان سنة 2001. إذ أراد الأمريكيون جمعَ مختلف الأطراف القَبَلية والسياسية في مجلسٍ تقليديٍّ واسعٍ لوضع أسس نظام حكمٍ انتقالي.


لم يكن تضارب الرؤى حول الملفات الداخلية والخارجية أهم أسباب تنافر العلاقة بين رئاسة الحكومة والرئيس ورئاسة البرلمان. فقد تشكّلت سياقات سياسية أخرى داخلية أكثر احتقاناً. ففي خضمّ هذه التوترات التي هزّت الاستقرار الحكومي وأفقدت العمل السياسي قدرته على التوازن والحوار، برزت ظاهرةٌ أخرى داخل البرلمان تمثّلت في الدور المثير للجدل لكتلة الحزب الدستوري الحر بزعامة عبير موسي. فقد أخذ الأمر طابع ترذيل العمل النيابي والنيل من صورة المؤسسة التشريعية في عيون الرأي العام.

بَنَت عبير موسي خطاباً معادياً لكل الأعمال التشريعية التي قدّمتها حركة النهضة، وكانت رافضةً للثورة التي "أدت إلى الفوضى واستحواذ الإسلاميين على مؤسسات الدولة" في نظرها. وارتكزت في خطابها على أن الحركة ليست سوى جزءٍ من كيانٍ أجنبيٍّ هو اتحاد علماء المسلمين. وأن هذا الأخير ليس سوى تعبيرٍ أوضح عن تحكّم الإرهاب في مصير التونسيين ومؤسساتهم الديمقراطية، كما ينقل عنها منصر في كتابه. واعتمدت عبير موسي استراتيجية صراعٍ مفتوحٍ مع راشد الغنوشي، بدأته برفضها أداء اليمين الدستوري عضواً في مجلس النواب أمامه في الجلسة الافتتاحية للمجلس حين دعا النوّابَ الجددَ إلى أداء القسم. وألحقت رفضها بطلب نقطة نظامٍ للتأكيد بأن العملية غير قانونية في ظلّ غياب بعض النواب، ودَعَت إلى أن يؤدي كلّ نائبٍ القَسَمَ فردياً أمام بقية النواب وليس جماعياً. لكن الغنوشي رفض منح موسي نقطة النظام، مشيراً إلى أن هذا الأمر يُمنَح فقط للنواب الذين أدّوا القَسَم الضروري لمباشرة عملهم في البرلمان.

واصلت عبير موسي السلوكيات الصادمة التي عطّلت أعمال المجلس، ونجحت مرّاتٍ كثيرة في استفزاز النواب. ففي جلسة التصويت على قانون المالية التكميلي يوم 3 ديسمبر 2019، توجّهت النائبة عن حركة النهضة جميلة الكسيكسي إلى نواب الدستوري الحرّ ورئيسته عبير موسي ووصفتهم بتعبير "الباندية" – أي المارقين عن القانون – في إشارةٍ إلى تعطيلهم سير عمل البرلمان. إذ قالت جميلة: "عبير موسي جاءت فقط إلى البرلمان لتعطيل أعماله وإفشال مسار الثورة التونسية التي لا تعترف بها، كما لا تعترف بالدستور الذي سمح لها بأن تكون نائبة". وأنهت مداخلتها بقولها: "نحن لا نرغب في سماع أصواتكم النشاز". ثم طالبت النائب الأول لرئيس البرلمان، سميرة الشواشي، بتطبيق النظام الداخلي للبرلمان لإيقاف ما وصفتها "عربدة" عبير موسي.

في يوليو 2020، طالب نوّاب الحزب الدستوري الحر بسحب الثقة من راشد الغنوشي، فنفّذوا اعتصاماً داخل البرلمان استحال معه عقد الجلسات. فحُوِّلتْ الجلسة البرلمانية إلى المبنى الفرعي، واضطر مكتب البرلمان إلى إصدار بيانٍ يندّد فيه بتعمّد الكتلة تعطيل أعمال المجلس، وعدّه اعتداءً على المرفق البرلماني. وطالب وزير الداخلية آنذاك هشام المشيشي بالتدخل الأمني لفكّ الاعتصام.

ضمن هذا السياق المتوتّر التي عاشه البرلمان التونسي قبل 25 يوليو 2021، برزت مظاهر العنف داخله عاملاً أساسياً في تفكّك العمل النيابي وعجزه عن القيام بدوره التشريعي والرقابي. لم يقتصر الخلاف على تناقضات التوجهات السياسية التي باعدت بين الكتل والنّواب، بل تجسّدت هذه الخلافات في صورة صراعاتٍ مباشرةٍ داخل القاعة وصلت في عدّة مناسبات إلى التشنّج والاعتداءات البدنية واللفظية. وكان نوّاب الدستوري الحرّ بقيادة عبير موسي في قلب هذه التوتّرات التي شهدها المجلس. فقد اعتمدت عبير أسلوب التصعيد والاعتصام داخل القاعة، وعمدت في أكثر من مناسبةٍ إلى مقاطعة الجلسات والنَيل من صورة العمل النيابي لدى الرأي العام.

ضمن هذا السياق المشحون، برزت أحداثٌ عكست درجة العنف التي وصل إليها الخلاف داخل البرلمان. على غرار حادثة الاعتداء على النائب أنور بالشاهد، ممثّل التيّار الديمقراطي، على يد أحد نوّاب ائتلاف الكرامة. واعتدى النائب الصحبي صمارة من حركة النهضة على عبير موسي بالضرب في واقعةٍ سلّطت الضوء على التشنّج غير المسبوق في علاقات الكتل داخله. هذه الأفعال لم تكن عَرضية، بل عكست حالة التصدّع التي عاشها العمل النيابي وعجز الأطراف المختلفة على التحاور ضمن الأطر الدستورية والنظام الداخلي للمجلس. فكانت الحصيلة برلماناً مشوَّهاً بصراعاته الداخلية، أدى انعدام الرؤية التوافقية بين الأطراف الفاعلة فيه إلى انسدادٍ سياسيٍّ عجّل بنهايةٍ دراميةٍ لصراع النفوذ القائم.


طوال السنوات التالية للثورة سنة 2011، تعمقت الهوّة بين الطبقة السياسية وقطاعات واسعة من المجتمع التي باتت تقاطع الانتخابات تدريجياً. فبحسب الأرقام الصادرة عن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، عرفت الانتخابات التشريعية سنة 2011 نسبة مشاركةٍ بلغت 51.97 بالمئة من الناخبين مقابل 11.22 بالمئة سنة 2022. وهكذا لم يعد التونسيون يجدون في الانتخابات جدوىً لتغيير حياتهم وتحسين ظروف عيشهم، ولاسيما في ظلّ ما يكتنف العملية الانتخابية من خروقاتٍ جسيمةٍ تتعلّق بتمويل الأحزاب والحملات الانتخابية كما بيّنتها تقارير محكمة المحاسبات حول الانتخابات الرئاسية والتشريعية لسنة 2019.

كانت هذه الهوّة بين المجتمع والطبقة السياسية تعبّر عن نفسها في شكل اندفاعاتٍ احتجاجيةٍ متفاوتةِ الحدة والقوة بين الفينة والأخرى. وقد تجذرت هذه الاحتجاجات إلى أن بلغت أوجها في 2 يوليو 2021. فقد نادى رئيس مجلس الشورى لحركة النهضة، عبد الكريم الهاروني، حكومة هشام المشيشي بإطلاق صندوق الكرامة الذي أقرّته هيئة الحقيقة والكرامة بعد الثورة، لتعويض ضحايا استبداد حكمي بن علي والحبيب بورقيبة. وقال الهاروني منادياً المشيشي: "نطالب رئيس الحكومة بإطلاق صندوق الكرامة بعد أن توفرت كل المعطيات حوله ولن نقبل التعطيل. سنمنح الحكومة أجل 25 يوليو ذكرى تأسيس الجمهورية لمنحنا مستحقاتنا. وفي حالة عدم صرف مستحقّات صندوق الكرامة، فإنّ شباب أنصار الحركة سيحرقون أخضر البلاد ويابسها".

منح الهاروني الحكومة مهلة، لكنه لم يكن يدرك أنّ سقف المهلة لن يسقط على رأس الحكومة، بل على رأس حركة النهضة. فقد لبّت جموعٌ غاضبةٌ دعوةً للتظاهر ضد النهضة في ذات يوم تاريخ انتهاء المهلة.

كان تصريح الهاروني شرارة انطلاق موجة احتجاج تونسيين في كل محافظات البلاد. رأى هؤلاء أنّ الهاروني تجاهل ما تمرّ به البلاد من أزمةٍ اقتصاديّةٍ واجتماعيّةٍ مركّبة، لاسيما بعد انهيار المنظومة الصحيّة في أزمة وباء كورونا سنة 2020 الذي حصد أرواح آلاف التونسيّين. إذ أعلن رئيس مكتب منظمة الصحة العالمية في تونس إيف سوتيران أن البلاد قد سجّلت عدد وفياتٍ هو الأعلى في المنطقة العربية والقارة الأفريقية، بنحو عشرة آلاف إصابة حتى تاريخ 6 يوليو 2021. حالة الغضب هذه أدّت إلى مهاجمة بعض مقرّات حركة النهضة وحرقها.


لم تخلُ خطابات قيس سعيّد، منذ تولّيه منصب الرئاسة في أكتوبر 2019، من استحضار ما يسمّيه "اللحظة الحاسمة" التي يَعِد فيها بخلاص البلاد من أزماتها المزمنة. ففي كلمته يوم 25 يوليو 2021، أعلن تفعيل الفصل 80 من دستور 2014 الذي ينصّ على أنّ "لرئيس الجمهورية في حالة خطرٍ داهمٍ مهددٍ لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتّمها تلك الحالة الاستثنائية". وتحدّث عن "لحظةٍ تاريخيةٍ" لا تحتمل الانتظار، قال إنها "لحظة إنقاذ الدولة" من خطرٍ داهم. وعاد في خطاب 17 ديسمبر 2021، خلال إعلانه عن خارطة الطريق الجديدة، ليصف تلك اللحظة بأنها "التحوّل الجذري في مسار الثورة"، مؤكداً أنّ التاريخ لن يعود إلى الوراء.

لم يكن خطاب قيس سعيّد أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2022 بمعزلٍ عن هذه الرؤية. إذ تحدث هناك عن "مسارٍ ثوريٍّ عالميٍّ" يتجاوز تونس ليشمل "الإنسانية بأسرها"، رابطاً بين ما وصفه "التحرر الوطني" و"التحرر الإنساني". بذلك، تتحول "اللحظة" في خطاب سعيّد إلى مفهومٍ يحمل رسالةً كونيةً ومهمةً تاريخيةً، ويتجاوز حدود السياسة اليومية نحو وعدٍ بـصناعة التاريخ وإنقاذ البشرية، انطلاقاً من "التجربة التونسية".

لم يقدّم الرئيس أيّ تفسيرات تُزيح الغموض عن هذه اللحظة وعن شروط تمثّلها، إلا أن محلّلي الخطاب والشأن السياسي ارتكزوا في تفسيرهم لهذه اللحظة على مفهومَين أساسيين. فقد أوضح عدنان منصر في كتابه أنّ المفهوم الأول يتعلق بما نظّرت له شانتال موف، أستاذة النظرية السياسية في جامعة ويستمنستر البريطانية، بأنّها "اللحظة الشعبويّة" بما تعنيه من امتدادٍ زمنيٍّ يحتاجه النظام السياسي الجديد.

يصعد في اللحظة الشعبوية نظامٌ جديدٌ على أنقاض نظامٍ قديمٍ سقطتْ قاعدته الاجتماعية وتهاوت بسبب الضغوط والتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ليصبح معها غير قادرٍ على الاستمرار. وبهذا يقول منصر إنّ المؤسسات القائمة تفشل في ضمان ولاء الشعب، فتتفكّك الكتلة التاريخية المسندة لنظام الهيمنة ذاك. ويصبح بالإمكان بناء ذاتٍ اجتماعيةٍ جديدةٍ قادرة على إعادة تشكيل النظام الاجتماعي الذي حُكم عليه بأنّه غير عادل. وفي الحالة التونسية، هذه اللحظة الشعبوية هي مشروع سعيّد لاستبدال حكم حركة النهضة الذي امتدّ من 2011 إلى 2021، بعد أن فقدت الحركة قاعدتها الشعبية.

المفهوم الثاني هو مفهوم "اللحظة الشميتية"، نسبةً إلى كارل شميت، وهي اللحظة التي تعلن فيها السلطة التنفيذية حالة الاستثناء كما فعل سعيّد. فتتجاوز بذلك الحدود التي يرسمها لها القانون والدستور باسم إنقاذ الدولة أو إصلاح المنظومة القانونية ذاتها. إذ يقول منصر: "تتّخذ السلطة في هذه اللحظة إجراءاتٍ استثنائيةً بمقتضى القانون، لكنها في الوقت نفسه تعطّل العمل بالقانون والدستور تحت ذريعة إنقاذه أو تنقيحه". وهو ما يراه منصر قد حدث عقب 25 يوليو 2021، حين أقدم الرئيس قيس سعيّد على تفعيل الفصل 80 من الدستور، وجمّد البرلمان وعلّق عمل الحكومة، وأصدر لاحقاً سلسلةً من المراسيم الرئاسية التي أوقفت فعلياً كل الضوابط المؤسسية والدستورية. لقد عُلِّقَ عمل المؤسسات التي تنشط في ظلّ الدستور، وحُجِّمَت الحريات العامة بذريعة الإصلاح، وهو ما يجسّد "اللحظة الشميتية" في السياق التونسي.

شكّلت حالة الغضب الشعبي فرصةً تاريخيةً للرئيس قيس سعيّد لتبنّي سردية "إنقاذ الدولة" من الفساد السياسي والانتهازية الحزبية. استثمر الرئيس هذا المزاج العام، وبدأ يلمّح إلى "لحظة الخلاص" المنتظرة، خاصة بعد زيارته إلى مدينة الرديّف التي خرج منها منتشياً بالدعم الشعبي الواسع. وفي ليلة 25 يوليو 2021، دعا إلى اجتماعٍ طارئٍ لمجلس الأمن القومي، وأعلن تفعيل الفصل 80 من دستور 2014.


في تونس ما بعد الثورة، كانت السلطة التشريعية تتمتع بكل الاستقلالية الدستورية والقانونية والوظيفية والمالية والإدارية. غير أن هذا الوضع قد تغيّر مع إعلان قيس سعيّد عن الإجراءات الاستثنائية التي مثلت نقطة الانقلاب على التوازنات الدستورية التي أرسى دعائمها دستور 2014.

حاول عددٌ من النواب، بعد تجميد البرلمان، عقد جلسةٍ افتراضيةٍ يوم 30 مارس 2022 صوّتوا فيها على إلغاء الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها رئيس الجمهورية. أثارت هذه المحاولة ردّ فعل قويّاً من قيس سعيّد الذي عدّها محاولة انقلابٍ وتآمٍ على الدولة. فأصدر المرسوم 117 في 22 سبتمبر 2022 الذي منحه سلطاتٍ تشريعية مطلقة، مكرّساً بذلك مساراً نحو حكم الفرد دون أيّ إطارٍ رقابيّ. وقد نصّ الفصل الرابع من المرسوم على أن "يتم إصدار النصوص ذات الصبغة التشريعية في شكل مراسيم يختمها رئيس الجمهورية، ويأذن بنشرها بالرائد الرسمي الجريدة الرسمية] للجمهورية التونسية، وذلك بعد مداولة مجلس الوزراء"، ليصبح الرئيس المصدر الوحيد للسلطة.

التفكيك المؤسساتي امتدّ ليشمل الهيئات الدستورية المستقلة. إذ نصّ المرسوم 117 على إمكانية إعادة تنظيمها أو حلّها. وهو ما تُرجم بقرار استبدال أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بالمرسوم 22 لسنة 2022. أراد الرئيس عبر هذا المرسوم تنقيح بعض أحكام القانون الأساسي 23 لسنة 2012 المتعلق بالهيئة العليا المستقلة للانتخابات، ما أضعف الضمانات الديمقراطية المتعلقة بالعملية الانتخابية. ولم يحدد المرسوم أي سقفٍ زمنيٍّ لإنهاء الحالة الاستثنائية، مما جعل فترة الحكم الفردي مفتوحةً وغير مقيّدةٍ بأي التزاماتٍ زمنيةٍ أو دستوريةٍ واضحة.

منح المرسوم الرئيسَ أيضاً سلطةَ تعيين القضاة وعزلهم. ما أدى إلى إعادة هيكلة الجهاز القضائي تحت ذريعة "تنظيم العدالة والقضاء"، عبر حلّ المجلس الأعلى للقضاء في فبراير 2022، وتعويضه بالمجلس الأعلى المؤقت للقضاء. وصرّح سعيّد في كلمته حول المرسوم: "ليعتبر هذا المجلس نفسه من الماضي. لقد انتهى، ولا يمكن أن نواصل العمل في هذا الإطار". وقد نُشِرَ المرسوم 11 لسنة 2022 يوم 12 فبراير 2022 في الجريدة الرسمية، وأمرَ بإحداث مجلسٍ أعلى مؤقتٍ للقضاء.

لم تكن كل هذه الإجراءات مجرد إجراءٍ مؤقتٍ، بل خطوة محسوبة لتفكيك التوازن المؤسسي الذي كان قائماً قبل 25 يوليو 2021. فبعد أن عُلِّقت اختصاصاته بموجب الاجراءات الاستثنائية، مكّن الفراغ البرلماني رئيس الجمهورية من الحكم بمراسيم غير قابلةٍ للطعن. ما أتاح له إعادة هيكلة المشهد السياسي دون أي مقاومةٍ مؤسسيةٍ أو نقاشٍ ديمقراطيٍّ حقيقي.

في هذا السياق، لم يكن المسار الدستوري بمنأى عن التفكيك الممنهج. فقد شكّل امتداده الطبيعي والأخطر حين تحوّلت عملية صياغة دستور 2022 إلى مسارٍ أحاديِّ الجانب. فلم تكن هناك مشاوراتٌ فعليةٌ مع الأحزاب السياسية أو منظمات المجتمع المدني المؤثرة. وهذا ما يؤكده وحيد الفرشيشي، أستاذ القانون بجامعة قرطاج، في مقالته "سنة أولى من جمهورية الفرد أو اللاجمهورية" المنشور في المفكرة القانونية سنة 2023. وحتى مسودة الدستور التي تسلّمها قيس سعيّد من "الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة"، وهي الهيئة الاستشارية التي أقرّها سعيّد نفسه بمقتضى مرسوم 30 لسنة 2022، لم يُستأنس بها في كتابة الدستور الجديد. إذ كان من المفترض أن تتولى، بطلبٍ من رئيس الجمهورية، تقديم اقتراح يتعلق بإعداد مشروعِ دستورٍ لجمهوريةٍ جديدة.

بهذا الشكل ظهر الدستور الجديد نتاجاً لإرادةٍ فرديةٍ للرئيس، أكثر من كونه تعبيراً عن توافقٍ وطني. هذا الواقع انعكس مباشرة على مضمون الدستور ذاته، الذي كرّس نظاماً جمهورياً رئاسياً بامتياز منَحَ رئيس الجمهورية سلطاتٍ واسعة على حساب البرلمان. لم يقتصر الأمر على جعل دور البرلمان تشريعياً محدوداً، إنّما جُرِّد من أدواته الرقابية الفاعلة، مثل سحب الثقة أو مساءلة الحكومة. فقد نصّ الفصل 112 من الدستور على أن "الحكومة مسؤولة عن تصرّفها أمام رئيس الجمهورية"، وليس أمام مجلس النواب. كرّس هذا النص الفصل العمودي للسلطة التنفيذية عن الرقابة التشريعية، وحوّل مجلس النواب إلى هيئةٍ تشريعيةٍ صرفة دون سلطة مساءلة.

أحدث دستور 2022 تراجعاً جوهرياً في دور السلطة التشريعية، فقد قَلّصَ حقّ مجلس النواب في المبادرة التشريعية كثيراً. إذ أصبحت هذه الصلاحية في معظمها بيد رئيس الجمهورية والحكومة، في حين قُيِّدت مقترحات القوانين التي قد يتقدّم بها النواب بإجراءاتٍ معقدة ٍتجعل من تفعيلها أمراً شبه مستحيل.

أعادت إجراءات سعيّد تشكيل البرلمان بطريقةٍ أضعفت موقعه، عبر إلغاء النموذج التقليدي لمجلس نواب الشعب واستحداث "المجلس الوطني للجهات والأقاليم"، في إعادة هندسةٍ لتصوّر السلطة التشريعية ضمن مشروع "البناء القاعدي" الذي لاتزال صلاحياته وآليات عمله غير واضحة. هذا ما تتناوله الصحفية منال دربالي في مقالها "حصيلة الدورة النيابية الأولى للبرلمان"، المنشور سنة 2023 على موقع نواة.

يعكس شكل المجلس الجديد توجهاً نحو تفكيك السلطة التشريعية إلى كياناتٍ متفرقةٍ وضعيفةٍ لا تمتلك تأثيراً حقيقياً في صناعة القرار الوطني. وتراجع دور المجلس في إقرار الميزانية والقوانين المالية، إذ أصبحت الأولوية لمشاريع القوانين التي يقترحها رئيس الجمهورية. وهو ما أكّده كمال بن مسعود، المحامي والأستاذ في القانون الدستوري، في تصريحٍ لوكالة الأناضول في يوليو 2022. قال بن مسعود: "وقع تحقير للبرلمان. أولاً بنزع صفة السلطة التشريعية عنه ليصبح وظيفةً تشريعيةً، وشُفِع [عُزّز] بمجلسٍ ثانٍ هو مجلس الجهات والأقاليم".

سعى سعيّد، من خلال هذه التعديلات، إلى صناعة وتركيب مشهدٍ تشريعيٍّ يخدم رؤيته الأحادية للحكم. إذ صُمّم النظام الانتخابي الجديد، الذي أُقرّ بعد دستور 2022، بطريقةٍ تمنع تشكيل كتلٍ سياسيةٍ قويةٍ داخل البرلمان وتضمن تهميش دور الأحزاب السياسية. كما عبّرت عن ذلك منظمة "البوصلة"، وهي منظمة رقابية غير حكومية مختصة بالشأن القانوني والبرلماني، في تقريرها "نظام الاقتراع على الأفراد: الرئيس يريد؟" المنشور في نوفمبر 2022. أشارت المنظّمة إلى أنّ "فكرة إلغاء الترشّح على القائمات واستبدالها بنظام الترشّحات الفرديّة جاءت بهدف تهميش دور الأحزاب السياسيّة [. . .]. وهنا يتناغم قيس سعيّد مرّة أخرى مع قناعاته الفكرية وانطباعاته النفسية، حيث اعتبر إثر صدور المرسوم المنظّم لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي أنّ الأحزاب السياسية سطت على إرادة الشعب التونسي وثورته العفوية التي قام بها"، وهو ما فرضه نظام الاقتراع على الأفراد بدل القوائم الحزبية.

فَرَضَ نظام الاقتراع أيضاً شروط ترشحٍ مقيّدة، أبرزها إلزام المترشحين بجمع أربعمئة تزكية نِصفها من النساء والشباب. واستبعدتْ الشروط مزدوجي الجنسية، ومنعت تمويل مؤسسات الدولة للحملات الانتخابية، مما زاد من كلفة الترشح وحصره في فئاتٍ محددة. ولم تقتصر التعديلات على ضبط شروط الوصول إلى البرلمان، بل امتدت إلى التحكّم بمصير النواب المنتخبين. وذلك عبر آلية سحب الوكالة، التي تتيح إقصاءهم عبر عريضةٍ موقعةٍ من عُشر الناخبين، ما يضعهم في حالة تبعيةٍ دائمةٍ لقواعد انتخابيةٍ هشة. أدى هذا إلى مجلسٍ نيابيٍّ مفكك بلا هوية سياسية واضحة، وغير قادرٍ على لعب دورٍ مؤثرٍ في المشهد السياسي.

جاءت نتائج التعديلات متسقة مع أهدافها، فقد أفرزت مشهداً انتخابياً عزفت عنه الأغلبية الساحقة من الناخبين. فمجلس النواب الجديد وُلد محاصراً بعزوفٍ شعبيٍّ غير مسبوق عن العملية الانتخابية. لم تتجاوز نسبة المشاركة في الدور الأول من الانتخابات 11.2 بالمئة، وهي أدنى نسبة مشاركة تسجَّل منذ الثورة التي أطاحت بحكم زين العابدين بن علي. هذا العزوف كان تعبيراً عن أزمة ثقةٍ عميقةٍ في العملية السياسية برمتها.


لم يكن صباح 13 مارس 2023 استثنائياً في سياق المشهد السياسي التونسي، إذ تراوحت الأجواء بين الرتابة المعتادة والزخم السياسي الذي فرضته اللحظة. إلا أن حركة المرور الكثيفة باتجاه منطقة باردو، حيث يقع مقر مجلس نواب الشعب، كانت مؤشراً على حدثٍ مفصلي: الجلسة الافتتاحية لأول مجلسٍ منتخبٍ بعد الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها قيس سعيّد في 25 يوليو 2021.

مع اقتراب الساعة العاشرة صباحاً، بدأ النواب الجدد بالتوافد على المجلس في ظلّ ترتيباتٍ شكليّةٍ نصّ عليها الفصل 78 من النظام الداخلي للمجلس، من ترؤس الجلسة الافتتاحية بأكبر الأعضاء سناً إلى انتخاب رئيس المجلس ونائبيه. غير أن ما كان لافتاً في هذا اليوم هو الطابع الإقصائي للجلسة. ليس فقط بحجب التغطية الإعلامية عن الصحافة الخاصة وقصرها على المؤسسات العامة، لكن أيضاً بغياب رئيس الجمهورية عن مشهد تسليم السلطة التشريعية التي كان قد احتكرها منفرداً لأكثر من عام.

كانت الجلسة الافتتاحية الأولى تتويجاً لمسارٍ بدأ مع التعديلات الجذرية التي فرضها سعيّد على القانون الانتخابي. هذه التعديلات التي أُقرّت سنة 2022، انتقدتها لجنة فينيسيا "اللجنة الأوروبية للديمقراطية عبر القانون" التي تمتعت تونس بعضويتها قبل انسحابها بقرارٍ من قيس سعيّد عقب هذا التقرير. إذ قدّرت اللجنة في تقريرها الصادر في 27 مايو 2022 أن تلك التعديلات أضعفت استقلالية الهيئة العليا للانتخابات، ونزعت عنها الضمانات التي تحمي دور البرلمان والمجتمع المدني. ما مكّن السلطة التنفيذية من هندسة المشهد النيابي بما يخدم إرادة رئيس الجمهورية.

وهكذا، منذ انطلاق أعماله رسمياً سنة 2023، واجه مجلس النواب التونسي انتقادات المختصين في القانون بسبب افتقاره إلى معارضةٍ فعلية. فقد صرّح خالد الدبابي، أستاذ القانون الدستوري، لموقع العربي الجديد أنّ "النظام الداخلي جاء اليوم لينهي مسار إضعاف البرلمان من خلال تعزيز ضعف الوظيفة التشريعية عبر غياب آلياتٍ رقابيةٍ على الحكومة وغياب أي إشارةٍ قريبةٍ أو بعيدةٍ لمسألة المعارضة. وكل هذا يبيّن النيّة السياسية والدستورية من جعل هذا البرلمان مجرد غرفة تسجيلٍ تعطي الشرعية والمشروعية لقراراتٍ جاهزةٍ تخطّها السلطة التنفيذية بمفردها، وتحديداً يخطّها رئيس السلطة التنفيذية بمفرده".

أكدت جلسات المجلس أن دوره بات يقتصر على دعم قرارات رئيس الجمهورية، دون أن يشكّل أي قوةٍ رقابيةٍ مستقلة. هذا التماهي ظهر في بيان مكتب المجلس الصادر في 13 فبراير 2024، الذي أكد على "التناغم الإيجابي" مع توجهات السلطة التنفيذية ودعم "الإصلاحات التي تقودها الدولة". جاء في البيان: "يجدّد تأكيد عزم مجلس نواب الشعب على صون المكاسب وتعزيزها والتفاعل بكل عمق مع مختلف الأوضاع التي تمرّ بها البلاد، والوقوف إلى جانب الوظيفة التنفيذية ومعاضدتها في كلّ ما من شأنه أن يسهم في الإصلاح، مع الحفاظ على التناغم الإيجابي معها". وهاجم البيان ما وصفها "الهجمات المتكررة" التي تحاول التشكيك في "سلامة مسار بناء تونس الجديدة".

في تفاصيل النقاشات داخل قبّة المجلس، ورغم حديث الرئيس عن "التعويل على الذات" خياراً إستراتيجياً للبلاد، فإن المجلس الحالي وافق خلال عامٍ واحدٍ فقط على ما يقارب خمسة وعشرين قرضاً، معظمها لم يخصَّص للاستثمار أو الإصلاحات التنموية. وبحسب الأرقام الرسمية، بلغت قيمة القروض التي صادق عليها المجلس خلال 2023 و2024 نحو 810 ملايين يورو (2683.85 مليون دينار تونسي)، إضافةً إلى 1.58 مليار دولار (5.02 مليار دينار تونسي). أما وفقاً لقانون المالية سنة 2025، فقد قفزت قيمة الاقتراض الخارجي من 7456 مليون دينار سنة 2021 إلى 16445 مليون دينار سنة 2024، مما يعكس بوضوحٍ تعمّق الأزمة الاقتصادية والمالية في البلاد.

هذا الواقع دفع النائب محمد علي، رئيس لجنة الحقوق والحريات في المجلس، في تصريحه لموقع نواة في فبراير 2025، إلى اتهام المجلس بالرضوخ إلى ضغوط السلطة التنفيذية في المصادقة على القروض. قال علي: "هناك نواب غير راضين عن أداء مجلس النواب. لم يستطع المجلس أن يحقق استقلاليته عن السلطة التنفيذية، حيث تُفرض السلطة التنفيذية توجهاتها على البرلمان حتى تضمن تحسين حالها لا من أجل القيام بإصلاحات".

في الوقت الذي تهمَّش فيه القوانين ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي المهم، يُفتح المجال لمبادراتٍ تشريعيةٍ لا ترتقي إلى مستوى الأولويات الوطنية. من بين هذه القوانين، تعديل فصلٍ ضمن جلسة المصادقة على قانون المالية في 2 ديسمبر 2024، الذي تضمّن ما عُرف "فصل الطرشي"، وهو نوع من المخللات التونسية من اللفت المملّح. تعلّق القانون بتخفيض الأداءات الديوانية (الضرائب) على استيراد المخللات. واقترحه النائب عبد القادر بن زينب عن دائرة مدينة نابل، الذي يُعرف بامتلاكه معملاً لإنتاج المخللات وتوريدها.

قوبلت بعض مبادرات البرلمان الأخرى بانتقاداتٍ حادة. فقد اقترح بعض النواب في نوفمبر 2024 فرض رسومٍ ماليةٍ على الكفاءات التونسية، في مجالات الطبّ والهندسة والتخصصات التقنية العالية، الراغبين في الهجرة. أراد هؤلاء النواب إلزام التونسيين ممّن يريدون العمل في الخارج، خلال السنوات الخمس الأولى بعد التخرج، بتسديد 50 بالمئة من تكاليف دراستهم الجامعية للدولة التونسية على أقساطٍ سنويةٍ ووفق جدولٍ زمنيٍّ يَتفق عليه الخرّيج ووزارة التعليم العالي.

لم يتوقف الأمر على هذا، إذ أصدر رئيس الجمهورية المرسومَ 54 لسنة 2022 لمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال. وسرعان ما أصبح المرسوم من أكثر النصوص القانونية إثارةً للجدل في تونس ما بعد 25 يوليو. فمنذ صدوره، وجّهت إليه منظمات حقوقية ودولية انتقادات حادّة بسبب ما عدّته صيغاً فضفاضة في فصوله تُتيح تأويلاً واسعاً، ولغياب ضمانات عدم التعسف في تطبيقه مما يهدد حرية التعبير. وقد رصدتْ منظمة العفو الدولية، في تقريرها السنوي عن "حالة حقوق الإنسان في العالم" في 7 مايو 2025، تصاعد حالات قمع السلطات التونسية حرية التعبير باستخدام المرسوم 54. ومن جهتها، فقد عبّرت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين في تقريرها لسنة 2023 أنّ "المرسوم 54 [ما زال] بمثابـة السيف المسلط علـى رقاب الصحفيين".

وسط المطالبات الحقوقية بتعديله أو إلغائه، لتحقيق توازنٍ بين حماية الأمن الرقمي وضمان حرية التعبير، لم تُعقد إلى يوم كتابة المقالة أيّ جلسةٍ رسميةٍ لمناقشة هذه التعديلات داخل المجلس. واستغلّت السلطة التنفيذية والنيابة العمومية هذا الفراغ التشريعي لتوظيف المرسوم أداةً للضغط على المعارضين. فخلال الأشهر الأولى من 2025، وُجّهت تهَمٌ استناداً إلى فصول المرسوم 54 ضد عددٍ من الإعلاميين المعارضين لقيس سعيّد. تحاكَم المحامية والإعلامية سنية الدهماني في أكثر من قضيةٍ على معنى المرسوم، وتواجه أحكاماً بالسجن لأكثر من عشرين سنة بسبب تصريحاتٍ إعلامية، وفق ما صرّح به المحامي عن هيئة الدفاع سامي بن غازي في الندوة الصحفية التي عقدت في دار المحامي يوم 12 مايو 2025. تؤكد هذه الملاحقات خطورة استعمال النصوص الزجرية في قمع حرية التعبير، وتعمِّق المخاوف بشأن مستقبل الحريات العامة في البلاد.

هكذا، لم يعد مجلس النواب يلعب دوره الدستوري في حماية الحقوق الأساسية أو تأمين المسار الانتخابي العادل. فقد صادق يوم 27 سبتمبر 2024 على تعديلٍ مستعجلٍ للقانون الانتخابي بأغلبية 116 صوتاً، قبل تسعة أيامٍ فقط من موعد الانتخابات المقرَّرة في 6 أكتوبر 2024. هذا التعديل قوبل بانتقاداتٍ واسعةٍ، وعُدّ فضيحةً قانونية. وقد حذر يوسف عبيد، الباحث في القانون العامّ بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس، في حوارٍ على إذاعة "سن إف إم" من أن هذه المبادرة التشريعية "ستعمّق من عدم سلامة المسار الانتخابي"، لأنها تنقل الاختصاص في النزاعات الانتخابية من المحكمة الإدارية إلى القضاء العدلي. وحسب قول عبيد، يسهِّل هذا التحويل على السلطة التنفيذية التحكّمَ في نتائج الطعون والاعتراضات، عبر مسارٍ قضائيٍّ أكثر قابلية للتأثير السياسي.

يأتي ذلك في صراعٍ مع المحكمة الإدارية، التي ألزمت هيئة الانتخابات بإعادة عددٍ من المترشحين إلى السباق الانتخابي الرئاسي. وهم: وزير الصحة في عهد بن علي المنذر الزنايدي، ووزير الصحة السابق عبد اللطيف المكي، والنائب السابق عماد الدايمي. وقد كان هؤلاء يشكلون تهديداً جدّياً لقيس سعيّد، ويفتّتون قاعدته الانتخابية.


في ختام هذا المشهد التشريعي المعقّد، وقف الرئيس قيس سعيّد على منصات الخطابة بعد أداء اليمين الدستورية لعهدةٍ رئاسيةٍ ثانيةٍ صباح الاثنين 21 أكتوبر 2024، في جلسةٍ مشتركةٍ لمجلس نوّاب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم. جرت هذه المراسم بقصر باردو، وبُثّت مباشرةً عبر التلفزيون الرسمي. وأعلن سعيّد عن إنجازاتٍ يبدو أنها تمثل انتصاراً خيالياً في معركة التحرر الوطني في نظره: رفض التدخل الأجنبي، ورفض التطبيع مع الكيان الصهيوني، والمصادقة على تعديل القانون الانتخابي الذي "أحبط مخططات عملاء الصهيونية والمحافل الماسونية"، على حدّ قوله.

لكن، كما جرت العادة، تُطرح الأسئلة عن خلفيات هذه "الإنجازات". كيف يمكن أن تُعدّ هذه النقاط انتصاراً، إذا كانت في حقيقتها توضّح صورةَ هيمنة السلطة التنفيذية على البرلمان. يبدو وكأن الرئيس يلعب وحيداً في ملعبٍ فارغٍ، مُدّعياً الفوز، بينما الواقع يخبّئ مشهداً آخَر من الهيمنة والتسطيح السياسي.

اشترك في نشرتنا البريدية