حربا غزة وإيران وإعادة تقويم التنافس الهندي الباكستاني في الخليج

بينما قدّم مودي علاقته بإسرائيل على الموقف التاريخي من فلسطين، وجدت إسلام آباد في وساطتها بين واشنطن وطهران ما عجزت شراكاتها الاقتصادية عن منحها: موطئ قدم سياسي في الخليج.

Share
حربا غزة وإيران وإعادة تقويم التنافس الهندي الباكستاني في الخليج
إعادة معايرةٍ لتعريف الشراكة الاستراتيجية في المنطقة | تصميم خاص بالفراتس

ما زال كثيرون في الخليج اليوم يرددون بعض المفردات الهندية في الأحاديث اليومية. فمن المعتاد سماع كلماتٍ من قبيل "البيزات"، أي الفلس الهندي للدلالة على المال. مفردةٌ عبرت المحيط مع الروبية التي كانت العملة المستخدمة في الأسواق القديمة في دبي والمنامة والكويت حتى أواخر خمسينيات القرن العشرين. هذا الاستخدام كان تعبيراً رمزياً عن تأثير الهند الاقتصادي والتجاري الكبير مع دول الخليج، المستمر إلى اليوم في صورة مشاريع للطاقة، ونسبٍ عاليةٍ من التجارة البينية، وعمالةٍ ترسل الحوالات لبلدها بمليارات الدولارات. 

وفي مقابل العلاقة الاقتصادية التاريخية مع الهند، اتخذت جارتُها اللدودُ باكستان بعد استقلالها خطاً أمنياً وسياسياً في العلاقة مع الدول الخليجية. فمنذ أزمة انفصال "باكستان الشرقية" سنة 1971، وما رافقها من تدخلٍ عسكريٍ هنديٍ منحازٍ إلى الانفصاليين، لتنتهي بقيام بنغلادش، سارعت بعض العواصم الخليجية بإرسال جسرٍ جويٍّ من الطائرات المقاتلة ودعمٍ عاجلٍ لمنع انهيار الجيش الباكستاني في مواجهة نيودلهي. ولاحقاً، استدعت السعودية قواتٍ باكستانيةً للمساهمة في استعادة السيطرة على الحرم المكي سنة 1979 بعدما اقتحمه مسلحون من جماعة جهيمان العتيبي وتحصنوا فيه، في مثالٍ مبكرٍ آخر على تلك العلاقة الأمنية السياسية مع إسلام آباد.

مع تبلور هذا الاختلاف في أدوار البلدين، ترسّخ تقسيمٌ ربما غير معلنٍ في مسار العلاقات مع مجلس التعاون الخليجي: التجارة والتنمية للهند، والسلاح والأمن لباكستان. إذ إن اتساع التبادل التجاري والترابط في مجالات الطاقة والتقنية والتنمية الاقتصادية حوّل الهند إلى شريكٍ محوريٍ للمشروعات التنموية الخليجية، في حين احتفظت باكستان بميزة وجودها العسكري، والدعم الأمني، والروابط السكانية والإسلامية المشتركة. لكن الحرب على غزة، ومن ثمّ الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما تخللها من تهديداتٍ أمنيةٍ طالت العمق الخليجي، كشفت عن تحولٍ بنيويٍ في كيفية تعريف الشراكة الاستراتيجية. فلم تعد التدفّقات التجارية والاستثمارات الضخمة وحدها كافيةً لتوفير حصانةٍ سياسيةٍ وأمنيةٍ شاملة. إذ وضعت هذه الأزماتُ نموذجَ "الانحياز المتعدد" الذي تتبنّاه نيودلهي أمام اختباراتٍ حقيقيةٍ، في حين أتاحت لإسلام آباد فرصةً لتعزيز وزنها الدبلوماسي والأمني في لحظةٍ إقليميةٍ فارقةٍ باتت تطلب من الشركاء المزاوجةَ بين النمو الاقتصادي والضمانات الأمنية والدبلوماسية.


يحمل الموقف الهندي تجاه الشرق الأوسط إرثاً تاريخياً معقداً، تشكّل عبر مسارٍ سياسيٍ طويلٍ شهد تحولاتٍ متتاليةً في مواقف نيودلهي تجاه قضايا المنطقة. كانت الهند أول دولةٍ غير عربيةٍ تعترف "بمنظمة التحرير الفلسطينية" سنة 1974، ومن أوائل الدول التي اعترفت بدولة فلسطين، بعد ثلاثة أيامٍ فقط من إعلان قيامها في الجزائر في نوفمبر 1988.

في المقابل لم تنشأ علاقاتٌ دبلوماسيةٌ كاملةٌ مع إسرائيل إلا سنة 1992، بعد أكثر من أربعين سنةً من اعترافها بها. لكن هذا الدعم السياسي للفلسطينيين لم يكن ليمنع نيودلهي من إبقاء قناةٍ عسكريةٍ سرّيةٍ مع إسرائيل. فقد طلبت الهند وتلقت مساعداتٍ عسكريةً إسرائيليةً خلال حربي 1965 و1971 مع باكستان، فيما تعمدت حكومة إنديرا غاندي إبقاء هذا التعاون بعيداً عن العلن، قبل أن تُقام العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين البلدين سنة 1992.

ظل هذا الموقف قائماً طيلة عقودٍ، ورسمت الهند من خلاله سياستها الشرق أوسطية وعُدّت داعمةً الفلسطينيين. لكن انتخاب ناريندرا مودي رئيساً لوزراء الهند سنة 2014 شكّل نقطة تحولٍ جذريةً في سياستها الخارجية. إذ برز نزوعُ حكومةِ مودي القوميُّ الهندوسيُّ في سياساته الداخلية والخارجية على حدٍّ سواء. واستدعت سياساتُه الداخلية نقداً كبيراً بين أوساط المسلمين الهنود، لما عدّوه تمييزاً ضدهم. أما في السياسة الخارجية، خاصةً تجاه الوضع الفلسطيني الإسرائيلي، انتقلت نيودلهي تحت قيادته إلى العلن في تعميق روابطها الدفاعية والاستخباراتية والتقنية مع تل أبيب.

ويتجلّى هذا التحول في تجربة الفلسطينيين مع الإعلام الهندي خلال حرب غزة. إذ يروي الطبيب الفلسطيني مصطفى البرغوثي في لقاءٍ مع برنامج "موازين" بُثّ في مايو 2026، أنه من ضمن حوالي ألف مقابلةٍ تلفزيونيةٍ أجراها أثناء حرب الإبادة في غزة، كانت أصعبها تلك التي أجراها مع القنوات الهندية. وذلك، وفق ما يقول، بسبب التحول في الموقف الهندي، بعد أعوامٍ طويلةٍ كانت فيها الهند داعمةً تاريخيةً لحقوق الفلسطينيين. 

هذا التحول في العلاقة مع تل أبيب، جاء ضمن استراتيجيةٍ تقوم على نهجٍ في السياسة الخارجية الهندية يسمى "الانحياز المتعدد". وهو تطورٌ لمبدأ عدم الانحياز الذي تبنّته الهند في الحرب الباردة حتى انتهائها، ثم انتقلت من تجنّب الاصطفاف بين الكتل إلى بناء شراكاتٍ متزامنةٍ مع قوىً متنافسةٍ، حفاظاً على استقلال قرارها الاستراتيجي. ومن ثم فاستدارة الهند في سياستها الخارجية الجديدة لم تنهِ دورها في طليعة الشركاء التجاريين لدول الخليج، بل تعمقت هذه الروابط بفعل الاعتماد المتبادل في أمن التجارة البحرية، وإمدادات الطاقة، وتدفقات الاستثمار الأجنبي. فضلاً عن التعاون في قطاعات التقنية والبنية التحتية. 

أتاحت السياسة الخارجية الهندية لقادة الخليج التركيزَ على مسارات التحول الاقتصادي والتنويع لمرحلة ما بعد النفط، إذ وفّرت الشراكة مع نيودلهي مجالاً اقتصادياً شاسعاً، وفرصاً استثماريةً وخبراتٍ تقنية. وبحسب تقديرات مركز الخليج للأبحاث لسنة 2026، يقدّر حجم التجارة السنوية بين الهند ودول الخليج بنحو  مئةٍ وثمانين مليار دولارٍ أمريكيٍّ، ما يجعل مجلس التعاون أكبر شريكٍ تجاريٍ إقليميٍ للهند. ويقيم في دول المجلس نحو تسعة ملايين هنديٍ يحوّلون للهند نحو ثلاثةٍ وخمسين مليار دولارٍ سنوياً، حسب السفارة الهندية في الرياض.

وجاءت أطر التعاون الجديدة مثل الاتفاقيات الإبراهيمية، وتكتل "آي 2 يو 2" – الذي يجمع الهند وإسرائيل والإمارات والولايات المتحدة – والممرّ الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، لترسّخ مكانة الهند جسراً اقتصادياً وتكنولوجياً يربط جنوب آسيا بالشرق الأوسط والغرب.


على العكس من النموذج الهندي القائم على قوة السوق والتدفقات المالية، اتخذت علاقات باكستان مع الخليج منذ الستينيات نموذجاً مختلفاً استند إلى التعاون العسكري والأمني والروابط الدينية. حافظت إسلام أباد على علاقاتٍ دفاعيةٍ وثيقةٍ مع الإمارات والسعودية وقطر وعُمان شملت التدريب العسكري المشترك والتعاون الاستخباري. وامتد هذا التعاون بوجود آلاف الجنود والخبراء العسكريين الباكستانيين في أدوارٍ تدريبيةٍ واستشاريةٍ في أنحاء الخليج. وأسهم هذا الحضور العسكري طويل الأمد في ترسيخ علاقاتٍ سياسيةٍ وثيقةٍ بين الحكومات الباكستانية المتعاقبة والقيادات الخليجية. ومنحت هذه الروابط باكستان ميزةً استراتيجيةً في الخليج، مثلت ركيزةً دعمت بَصْمَتَها الاقتصادية الضعيفة نسبياً.

خلال المرحلة ذاتها وحتى الثمانينيات، تلقت باكستان ذات الغالبية المسلمة دعماً مالياً وسياسياً من دول الخليج (وفي مقدمتها السعودية والإمارات) في مواجهة الهند، لاسيما خلال حربي 1965 و1971. ومع مرور الوقت، اكتسبت العلاقة بُعداً ديموغرافياً واقتصادياً متنامياً، إذ ظل الخليج الوجهة الرئيسة للعمالة الباكستانية في الخارج، واستقبلت دول مجلس التعاون مجتمعةً أكثر من أربعة عشر مليون عاملٍ باكستانيٍ مسجلٍ منذ 1971. وتُعدّ تحويلاتهم المالية مصدراً حيوياً من النقد الأجنبي للاقتصاد الباكستاني المنهك. 

تراجع هذا الحضور مع مطلع الألفية الثالثة نتيجة الاضطرابات السياسية والأمنية التي عصفت بباكستان، لاسيما بعد انقلاب 1999 الذي أطاح بحكومة نواز شريف وأدخل البلاد في حكمٍ عسكريٍ، وتداعيات انخراط إسلام أباد في الحرب على الإرهاب. يضاف لذلك الانهيار الاقتصادي المتكرر، وازدياد اعتمادها على المساعدات الخليجية.

في الوقت نفسه تقريباً، كانت الدول الخليجية تشعر بالتهديد من الربيع العربي الذي انطلق أواخر 2010، وعليه بدا التحالف الأمني مع باكستان مطلباً أساساً. لكن الموقف الباكستاني من حرب اليمن سنة 2015، خصوصاً بعدما اتخذ البرلمان الباكستاني قراراً بالحياد ورفض المشاركة العسكرية المباشرة في التحالف بقيادة السعودية في اليمن، أحدث بروداً مؤقتاً في العلاقات مع الرياض وأبوظبي. وقد كشف ذلك أيضاً عن حدود الاعتماد على إسلام آباد في تلك المرحلة.


إذا كانت الهند قد بَنَت حضورها الخليجي على ثقلها الاقتصادي والتجاري، وباكستان على حضورها الأمني والعسكري، وإن تأثر هذا الأخير نسبياً بحرب اليمن، فإن أزمات الأعوام الأخيرة وضعت النموذجين أمام اختبارٍ مختلف. فقد جاءت حرب غزة وبعدها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لحظتين كاشفتين أظهرتا حدود قوة نيودلهي الاقتصادية المجردة، وفتحتا نافذةً دبلوماسيةً لإسلام آباد.

أما عن الهند فإن عاملاً جوهرياً حال دون الاحتضان الإقليمي الشامل لنيودلهي، ألا وهو التطبيع مع إسرائيل. فقد أبرزت المعاناة الإنسانية في غزة مع تزايد أعداد القتلى خلال الحرب وعلى مرأى من العالم، خللاً بنيوياً في استراتيجية الانحياز المتعدد الهندية. إذ فيما كان العالم يشاهد الفظائع في غزة، كان مودي يزور إسرائيل في فبراير 2026، في رحلةٍ دبلوماسيةٍ أعلى فيها من قيمة الروابط الأيديولوجية والأمنية مع إسرائيل، وتعمد فيها تجاهل أيّ إشارةٍ لمعاناة الغزيين. وبالغ في الاستعراض بعلاقته برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مما تسبب في اعتراضاتٍ على نيودلهي وسياستها الجديدة التي قد تنهي عقوداً من الدعم التاريخي لحقوق الفلسطينيين. وأتت هذه الاعتراضات سواءً من الداخل الهندي وقادتها أحزاب اليسار الهندي بالذات أو من الأوساط الإعلامية والسياسية العربية. 

في جوهرها، فالاستدارة الهندية مثَّلت تراجعاً عن نهج المؤسسين نهرو وغاندي في دعمهما القضيةَ الفلسطينية. إذ تبنّت نهج الفصل بين الملفات، مع الإنحياز لإسرائيل، خاصةً بعد أن حذفت الهند من البيانات الرسمية إشاراتٍ تاريخيةً مرتبطةً بموقفها من القضية الفلسطينية، كما امتنعت عن التصويت على قراراتٍ أمميةٍ لوقف إطلاق النار في غزة. 

ومع أن توقيع الاتفاقات الإبراهيمية سنة 2020 بين عددٍ من الدول العربية وإسرائيل، كان قد فتح نوافذ جديدةً لتعاونٍ متعدد الأطراف يجمع بين الهند وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة. لكنها في الوقت ذاته، أفرزت نوعاً من الاختلافات الخليجية، خاصةً في ظلّ تراجع انخراط الهند في الملف الفلسطيني الإسرائيلي جاعلاً التموضع الهندي أصعب. أي إن الدول الخليجية نفسها باتت تختلف في طريقة موازنتها بين علاقتها بالهند وعلاقتها بإسرائيل وفلسطين. 

بالتوازي، ظلّت إسلام آباد متمسكةً برفضها القاطع أيّ تطبيعٍ مع إسرائيل وإقامة علاقاتٍ دبلوماسيةٍ معها. وبقيت في حرب غزة على موقفها المؤيد للفلسطينيين والداعم لوقف الحرب، وبرزت داخل منظمة التعاون الإسلامي واحدةً من أكثر الأطراف نشاطاً في هذا الاتجاه. ومع أن هذا الوضع لم يُحدِث تعديلاً بنيوياً في طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين الخليج والهند، لكنه أتاح الفرصة لباكستان لتعزيز وزنها الدبلوماسي، بتموضعٍ وانسجامٍ أكبر مع التأييد الإقليمي المعلن لدعم الفلسطينيين، وتقديم نفسها جزءاً من تحالف أوسع للدول ذات الأغلبية المسلمة في هذا المسار.

وإن لم تغيّر الانتقادات لسياسات نيودلهي من موقف الدول الخليجية للحفاظ على شراكاتهم الاستراتيجية معها، لكن فرصةً جديدةً من أزمات الشرق الأوسط سنحت لإسلام آباد. فبعد أيامٍ قليلةٍ من مغادرة مودي إسرائيلَ، بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. ومع استهداف الهجمات الإيرانية بالمسيّرات كلّاً من دبي والرياض والكويت والدوحة والبحرين وسواحل عمان، وجد حلفاء الهند الخليجيون أنفسهم في حالة حرب. وعلى غرار العلاقات الهندية الفلسطينية، تحمل العلاقات الإيرانية الهندية ثقلاً تاريخياً إلى الداخل الهندي، إذ تحتضن كلٌّ من إيران والهند، على التوالي، أكبر التجمعات الشيعية في العالم (بالإضافة للعراق وباكستان)، وتعدّ طهران مصدراً للطاقة ومعبراً أساساً لآسيا الوسطى. لكن غياب موقفٍ سياسيٍ أو أخلاقيٍ واضحٍ لنيودلهي من الحرب، خصوصاً حين التزمت الصمت إزاء مقتل 156 شخصاً، بينهم 120 طفلاً، في ضربةٍ أمريكيةٍ استهدفت مدرسة "الشجرة الطيبة" في ميناب يوم 28 فبراير 2026، نال من صورتها العامة.

استغلّت إسلام آباد هذه الفجوة الدبلوماسية. واستندت إلى إرثها التاريخي في الوساطات الدولية (مثل دورها في التوسّط بين واشنطن وبكين سنة 1971، وتسهيل محادثات الدوحة بين واشنطن وطالبان 2020)، وقادت جهوداً دبلوماسيةً أثمرت عن توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية في جنيف بتاريخ 17 يونيو 2026. وقد رفعت وساطة إسلام آباد لحلّ الصراع الأمريكي الإيراني من مكانتها الدبلوماسية، وتلقفت الفرصة التي منحتها إياها واشنطن لإعادة تسويق صورتها صانعَ سلامٍ عالميٍ، بعد أن كانت دولةً معزولةً دبلوماسياً، باستحضار عودة توتر علاقاتها مع الهند سنة 2019 بعد فترة من الهدوء، والتوتر الحدودي المتزايد مع أفغانستان وإيران، والأهم من ذلك الفتورُ الذي شاب علاقتها مع الولايات المتحدة منذ سنة 2011. وبهذا استغلت باكستان المساحات التي أهدرت فيها نيودلهي فرصاً عديدةً لإثبات اصطفافها مع شركاء عربٍ رئيسيين وعملت على إبراز انسجامها الأيديولوجي وتقاطع مصالحها الأمنية في المنطقة.


لم يكن للتباين في التموضع الدبلوماسي الهندي والباكستاني الأثرُ نفسه على دول الخليج، التي بدأت بدورها إعادة ترتيب علاقاتها مع نيودلهي وإسلام آباد وفق حساباتٍ أمنيةٍ واقتصاديةٍ أكثر تبايناً. وكانت السعودية والإمارات المثال الأوضح على هذا التباين. فقبل أشهرٍ من قصف السعودية قواتٍ مدعومةً من الإمارات في ميناء المكلا في اليمن في 30 ديسمبر 2025، في مؤشرٍ على اتساع الخلاف بين الجارتين، وقّعت الرياض مع إسلام آباد اتفاق دفاعٍ مشتركٍ في سبتمبر 2025 رسّخ حضور باكستان في النظام الإقليمي الشرق أوسطي.

وكان قد سبق هذا التقاربَ الدفاعيَّ والأمنيَّ تعميقٌ للعلاقات الاقتصادية. فوفقاً لأرقامٍ نقلتها صحيفة "عرب نيوز" في ديسمبر 2024 عن مسؤولين في البلدين، قفز حجم التجارة بين البلدين بنسبة 80 بالمئة سنة 2024 مقارنةً بسنة 2019، ليصل إلى ما يزيد على خمسة مليارات دولار. لكن هذا لا يقارن بحجم تجارة السعودية بالهند الذي وصل إلى أكثر من أربعين مليار دولارٍ للسنة المالية 2024-2025. 

من جهتها جعلت أبو ظبي الأولوية لشراكاتها الاقتصادية والدفاعية مع الهند. ويأتي هذا أيضاً ضمن خيار أبوظبي الالتزام بالتطبيع مع إسرائيل. فقبل زيارة مودي إسرائيل، زار رئيسُ الإمارات الشيخ محمد بن زايد نيودلهي، ووقّع البلدان في 19 يناير 2026 "خطاب نيّة" للشروع في بناء إطار الشراكة الدفاعية الاستراتيجية. ثم في 15 مايو من العام ذاته وخلال زيارة مودي أبوظبي، وقع الطرفان إطار اتفاقٍ رسميٍ للشراكة الدفاعية الاستراتيجية. 

تزامن تعمّق العلاقات الهندية الإماراتية مع توتر علاقة أبوظبي بإسلام آباد في أعقاب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. فقد أشار تقريرٌ من إذاعة "إن بي آر" الأمريكية مطلع يونيو 2026، نقلاً عن شهودٍ عيانٍ، إلى إبعاد نحو خمسة آلاف عائلةٍ باكستانيةٍ شيعيةٍ تضمّ قرابة خمسة عشر ألفَ فرداً، من دولة الإمارات منذ أبريل 2026. وتُلمّح شهادات المُبْعَدين إلى أن انتمائهم المذهبي الشيعي كان المحرك الأساس لحملة الترحيل الجماعي. وفي حين تنفي إسلام آباد حدوث أيّ قطيعةٍ في علاقاتها مع أبوظبي، فإن المشهد الأمني لدول مجلس التعاون الخليجي في أعقاب حرب إيران قد يستدعي تعديلاتٍ هيكليةً جوهريةً، ويكشف عن حدود قدرة باكستان على الحفاظ على الميزة الأمنية التي طالما تمتعت بها في الخليج.

في الجهة المقابلة من الرياض وأبوظبي، لم تنتهج بقية دول الخليج موقفاً إقليمياً موحداً، بل تحركت كلٌّ منها وفقاً لمصالحها السيادية. فقد حافظت قطر على انخراطٍ سياسيٍ أوثق في دعم القضية الفلسطينية، مع توسيع تعاونها الاقتصادي مع الهند معاً، وهذا أقرب للموقف السعودي. وواصلت عُمان التمسك بدورها التقليدي فاعلاً محايداً يوازن علاقاته بين نيودلهي وإسلام آباد. أما البحرين فقد انحازت كثيراً مع التوجه الاستراتيجي الإماراتي، معززةً روابطها مع الهند، ومعززةً تطبيع علاقاتها مع إسرائيل.


التموضع الباكستاني ناحية الأمن والدفاع قد لا يكفي وحده لإعادة رسم موقع إسلام آباد في الإقليم. إذ تظل المصالح الاقتصادية الخليجية شديدة الارتباط بالهند، نظراً لافتقار باكستان إلى الخبرة والقدرة اللازمتين للمنافسة المباشرة على هذا الصعيد. ولذا، من منظورٍ رمزيٍ ودبلوماسيٍ، قد لا يكمن الانتصار الباكستاني في إزاحة الهند، وإنما في شغل فضاءٍ سياسيٍ طالما استعصى تاريخياً على نيودلهي المناورة داخله.

وتكتسب هذه المساحة أهميةً أوسع، إذ تحتاج إسلام آباد إلى استثمارها لترسيخ وزنها الدولي، خصوصاً في علاقتها بحليفها الأكبر، الولايات المتحدة الأمريكية، إذ شابت علاقة البلدين كثيرٌ من الإشكاليات. وقد مثّلت حربا غزة وإيران مخرجاً استراتيجياً لرئيس الوزراء شهباز شريف لاستعادة وزن باكستان الدبلوماسي بعد عقودٍ من الاضطرابات الداخلية التي أجّجها الاستقطاب السياسي، والفساد، والهشاشة الاقتصادية. إلا أن حالة الاحتقان الداخلي الناجمة عن سجن رئيس الوزراء السابق عمران خان، لا تتطابق مع كثيرٍ من السرديات الأخلاقية التي تقدمها إسلام آباد عن نفسها في سياساتها. 

وقد نبّه تقرير منظمة "هيومان رايتس ووتش"، سنة 2026 المجتمع الدولي إلى تدهور الأوضاع في البلد تحت حكم شريف. وحذّرت المنظمة من القيود الواسعة على حرية الصحافة، وسنّ القوانين التمييزية التي تُحفز العنف ضد الأقليات الدينية، فضلاً عن عمليات الترحيل الجماعي للاجئين الأفغان، وغياب سيادة القانون. 

ولا يقتصر اختبار هذا التقارب مع واشنطن على الدور الذي تؤدّيه إسلام آباد في الشرق الأوسط، بل يمتد إلى الملفات الأمنية التي تشكّل جوهر العلاقة بين البلدين. ففي خضمّ انخراط إسلام آباد في التصدي للهجمات عابرة الحدود المشتركة مع أفغانستان – التي تخضع لحكم طالبان – في ولايتي بلوشستان وخيبر بختونخوا، تبرز تساؤلاتٌ جديةٌ عمّا إذا كانت إسلام آباد قد استعادت حقاً ثقة واشنطن. فمنذ اشتعال المواجهات المسلحة بين باكستان وأفغانستان سنة 2025، أعادت واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون التأكيد على حقّ إسلام آباد في الدفاع عن نفسها.

وإذا ما آتت جهودُ إسلام آباد الدبلوماسية أُكلَها في استعادة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، فإن دورها الرمزي صانعاً للسلام قد يتنامى ليُفرز شراكاتٍ ثنائيةً ومتعددة الأطراف أكثر متانةً مع دول مجلس التعاون الخليجي وواشنطن، وحلفائها، فضلاً عن تلميع صورتها العامة دولياً. ومع ذلك، ليس مؤكداً ما إذا كانت إسلام آباد قادرةً على توظيف هذا الزخم لترسيخ تموضعها الجديد على الأصعدة الاقتصادية والأمنية والسياسية.


محصلة التحولات في الخليج ليست انقلاباً في ميزان القوى لصالح باكستان على حساب الهند، بل أقرب إلى إعادة معايرةٍ لتعريف الشراكة الاستراتيجية في المنطقة. فالهند تظل مهيمنةً على الملفات الاقتصادية والتقنية وأمن الطاقة والتوريد. لكن أحداث غزة وإيران برهنت على أن الثقل الاقتصادي وحده لا يحصّن الشركاء الخارجيين من ارتدادات التحولات في المزاج السياسي الإقليمي إذا عجزوا عن تقديم الاصطفاف السياسي والضمانات الأمنية في أوقات الأزمات. وفي هذا الفضاء الدبلوماسي والأمني، وجدت باكستان لنفسها دوراً أعادها إلى الواجهة الإقليمية، لتصبح الشرعية السياسية والدبلوماسية عملةً لا تقلّ قيمةً عن التدفقات التجارية في شرق أوسطٍ يُعاد ترتيب أولوياته. هذا وإن بقيت أسئلةٌ أمام إسلام آباد عن مدى فاعلية تطبيق هذا الدور وتوسيع الاستفادة منه دولياً على المدى الطويل.

اشترك في نشرتنا البريدية